! مايكل بارينتي، الماركسي الشجاع

 


د. طنوس شلهوب

البارحة توفي المناضل الماركسي الاميركي مايكل بارينتي، ابن عائلة عمالية ايطالية مهاجرة الى الولايات المتحدة الأمريكية، جاء تعريفه في الويكيبيديا كعالم سياسي، ومؤرخ اكاديمي وناقد ثقافي اميركي، مارس التدريس في جامعات اميركية ودولية، وترشح لمناصب سياسية، الَّف 23 كتابا، مع عدد كبير من المقالات، وترجمت اعماله الى 18 لغة. 

لم يكن مايكل بارنتي مجرّد أكاديمي ماركسي أمريكي،
 بل كان استثناء في بيئة فكرية عملت طويلًا على تدجين الماركسية وتحويلها إلى تمرين جامعي منزوع الدسم السياسي.

منذ بداياته، تعامل بارنتي مع الماركسية لا بوصفها نظرية تفسيرية محايدة، بل كأداة صراع معرفي في قلب المعركة الطبقية، رافضًا الفصل بين الفكر والسياسة، ومصرا على أن الأفكار إما أن تكون في خدمة السلطة أو في مواجهتها. لهذا السبب تحديدا، ظلّ صوتا مزعجا للمؤسسة الأكاديمية والإعلامية الأمريكية، ومهمَّشا عمدا رغم اتساع تأثيره الشعبي.

في كتابه الشهير Democracy for the Few، فكك بارنتي الأسطورة التأسيسية للديمقراطية الليبرالية الغربية، كاشفا أن ما يُقدم بوصفه حكم الشعب ليس سوى إدارة سياسية لمصالح الأقلية المالكة. فالدولة الحديثة، بحسب تحليله، لا تقف على مسافة واحدة من الطبقات، بل تنحاز بنيويا لرأس المال، بينما تُختزل المشاركة الشعبية في طقوس انتخابية لا تمسّ جوهر السلطة الاقتصادية. الديمقراطية هنا لا تلغى، بل تُفرغ من مضمونها الاجتماعي، لتصبح شكلا سياسيا بلا سيادة شعبية حقيقية.

أما في كتابه Inventing Reality، فقد قدّم أحد أكثر التحليلات حدة لدور الإعلام في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، مبيّنا أن وظيفة الإعلام لا تقوم أساسا على الكذب الصريح، بل على الانتقاء، وعلى رسم حدود النقاش المشروع، وتحديد ما يستحق الظهور وما يجب دفنه في الصمت. الإعلام، في نظر بارنتي، جهاز أيديولوجي طبقي بامتياز، يساهم في إعادة إنتاج الهيمنة عبر تنظيم الوعي لا عبر القمع المباشر، وهو
بذلك أحد الأعمدة الأساسية لاستقرار النظام الرأسمالي.
الذروة النظرية والسياسية لفكر بارنتي تجلّت في كتابه الأشهر Blackshirts and Reds، حيث خاض مواجهة مفتوحة مع سرديات الحرب الباردة، ومع يسار ليبرالي تبنّى، بوعي أو بدونه، الرواية الإمبريالية عن القرن العشرين. رفض بارنتي المساواة الأخلاقية السطحية بين الفاشية والتجارب الاشتراكية، معتبرا أن هذا التماثل يخفي السؤال الجوهري: لمن أُنجز التاريخ؟ ومن استفاد من مساره؟ دون إنكار الأخطاء، شدد على أن تقييم التجارب الاشتراكية يجب أن يتم من منظور طبقي وتاريخي، يأخذ في الاعتبار ما حققته من إنجازات اجتماعية كبرى في التعليم والصحة وتفكيك سلطة رأس المال المحلي، لا من خلال معايير أخلاقية مجردة صاغها المنتصرون.

في قلب مشروعه الفكري، وضع بارنتي مسألة الإمبريالية بوصفها منطقا بنيويا للرأسمالية. فالحروب، والانقلابات، والعقوبات، وتدمير الدول الطرفية ليست أخطاء في التقدير، بل آليات ضرورية لإعادة إنتاج التراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي. ومن هنا جاءت كتاباته حادة في فضح الدور الإمبريالي للولايات المتحدة، ليس باعتبارها انحرافا عن القيم، بل كتجسيد مادي لمصالح طبقية عابرة للحدود.

أهمية مايكل بارنتي اليوم لا تنبع فقط من دقة تحليله، بل من شجاعته الفكرية في زمن التكيّف والانحناء. فقد أعاد الاعتبار لأسئلة حاول النظام طمسها: من يملك؟ من يحكم؟ ومن يدفع الثمن؟ وذكّر بأن التاريخ لا يُقاس بالنوايا ولا بالشعارات، بل بعلاقات القوة وبالمصالح الطبقية التي تحرّكه. لهذا، يبقى بارنتي مناضلا شجاعا، طالما أن الإمبريالية قائمة، وطالما أن الصراع الطبقي لم يُحسم بعد.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire