بناء الدولة أم إعادة إنتاج التبعية؟

 


د. طنوس شلهوب

إن خطاب «بناء الدولة» في لبنان ليس مجرّد نقاش حول شكل النظام السياسي، بل تحوّل إلى اللغة المهيمنة التي تُعاد عبرها صياغة المجال العام. غير أن هذا الطغيان لا يمكن فهمه بمعزل عن نتائج المواجهات وموازين القوى المستجدة بعد طوفان الأقصى والخسائر التي لحقت بالمقاومة في لبنان، ويتقاطع مع حملة سياسية ومالية وإعلامية تقودها واشنطن والرياض، هدفها محاصرة المقاومة في لبنان، وتفكيك بيئتها السياسية والاجتماعية، ونزع سلاحها تحت عناوين سيادية وإصلاحية. في هذا السياق، لا يُطرح مفهوم الدولة كأداة تحرر أو كنتاج لصراع اجتماعي-وطني، بل كأداة ضبط، يُراد لها أن تكون قوية في مواجهة الداخل، وضعيفة أمام الخارج، ومتكيفة مع شروط الهيمنة الإقليمية والدولية.

يُقدَّم هذا الخطاب بوصفه بديهيًا، خارج النقاش، وكأنه التعبير الطبيعي عن «مصلحة اللبنانيين»، في حين يجري تفريغه من أي بعد تاريخي أو اجتماعي، وفصله عن مسألة الاحتلال والعدوان والتبعية الاقتصادية. وهكذا، تُستبدل الأسئلة الجوهرية حول السيادة والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، بسؤال واحد مُختزَل: سلاح المقاومة. وهو اختزال لا يخدم بناء دولة فعلية، بقدر ما يعبر عن رغبة في التثمير السياسي لموازين القوى.

من هنا، تأتي ضرورة نقد خطاب «بناء الدولة» لا من موقع رفض الدولة أو التقليل من أهميتها، بل من موقع مساءلة المعنى الذي تُحمَّل به الدولة، والوظيفة السياسية التي يؤديها هذا الخطاب في لحظة اشتباك إقليمي ودولي حاد. فالدولة ليست مفهوما محايدا، ولا يمكن فصلها عن ميزان القوى، ولا عن سؤال: أي دولة؟ ولصالح من؟ وفي مواجهة من؟
يمثل هذا النص محاولة نقدية لتفكيك الهيمنة الإمبريالية وإظهار آليات اشتغالها السياسية والاقتصادية والثقافية، في مساءلة نمطٍ خطابيٍّ مهيمن تتبنّاه شرائح من "النخب" السياسية والإعلامية والثقافية في لبنان، تُقدّم نفسها بوصفها حاملة لمشروع «بناء الدولة» وناطقة باسم الحداثة والعقلانية والقيم الكونية، فيما تؤدي – موضوعيا – وظيفة أيديولوجية منسجمة مع السردية الإمبريالية المعاصرة.

يُقدَّم مفهوم «بناء الدولة» في هذا الخطاب بوصفه مفهوما تقنيا-إجرائيا، منزوع التاريخ، مفصولا عن شروط تشكّل الدولة في السياقات التابعة. تُختزل الدولة في مؤسسات وإجراءات واحتكار للعنف، وكأنها كيان محايد فوق الصراعات، في تجاهل لحقيقة أن الدولة ليست سوى تكثيف لعلاقات القوى الطبقية (نيكوس بولانتزاس)، إضافة الى توصيف سمير أمين من أن الدولة في الأطراف نشأت كدولة تابعة، مندمجة بنيويا في منطق التبادل اللامتكافئ، ومشروطة باستمرار بالتدخل الخارجي. وعليه، فإن الدعوة إلى «بناء الدولة» من دون تفكيك شروط التبعية تؤدي إلى إعادة إنتاج الدولة الوظيفية في النظام الإمبريالي العالمي بصيغة أكثر انضباطًا.
تستند هذه النخب في خطابها إلى قاموس مستعار من التجربة الليبرالية الغربية، يتحدث عن العقلانية، وسيادة القانون، والحياد، والديمقراطية، من دون مساءلة تاريخ تشكّل هذه المفاهيم ولا تناقضاتها الطبقية. وكان أشار عبد الله العروي إلى خطورة التعامل مع الحداثة كأيديولوجيا جاهزة بدل فهمها كمسار تاريخي صراعي، فيما كشف إدوارد سعيد كيف تتحول المفاهيم الغربية، حين تُفصل عن سياقها، إلى أدوات تفوق رمزي تُستعمل لتصنيف المجتمعات الطرفية وتأديبها. في هذا المعنى، تصبح الحداثة جزءا من الهيمنة الثقافية (أنطونيو غرامشي)، أي من آليات إنتاج الرضى والقبول بالنظام القائم، لا أفقا للتحرر.

ضمن هذا الإطار، تعمل السردية الإمبريالية، كما حلّلها ايمانويل والرشتاين في نظرية النظام العالمي، على إعادة تعريف الصراعات المحلية بما يخدم استقرار المركز، عبر آليات متداخلة. تُفصل المقاومة عن سياقها الاستعماري، وتُقدَّم بوصفها مشكلة داخلية تعيق بناء الدولة، وهو ما حذّر منه فرانز فانون حين رأى في نزع الشرعية عن العنف المقاوم شرطا أخلاقيا لاستمرار العنف الاستعماري. وتُقام مساواة زائفة بين عنف بنيوي دائم يمارسه الاحتلال، وعنف تحرري دفاعي، تحت شعار رفض العنف عموما. كما يجري تحويل النقد من أداة تحرر إلى أداة نزع شرعية، أي إلى ما سمّاه مهدي عامل نقدا من داخل البنية، نقدا لا يخرج عن شروط النظام القائم، بل يعيد إنتاجه.
في هذا السياق، يصبح استعداء المقاومة شرطا ضمنيا للقبول في نادي «العقلانية السياسية» (السادات، سلطة رام الله، السلطة اللبنانية) وهو ما يُبرَّر غالبا بذريعة ضرورة التعقل، وتفادي دفع الأثمان الباهظة من القتل والتدمير التي يلحقها العدوان الصهيوني بالمدنيين والبنية التحتية. هكذا تستبطن النخب المحلية خطاب المستعمِر وتعيد إنتاجه، فتوجّه صراعها نحو الداخل باسم حماية «المصلحة الوطنية»، بدل مواجهة بنية الهيمنة الخارجية أو تحدي العدوان الإمبريالي بشكل جذري.

معظم هذا الخطاب يجانب النقد الاقتصادي، ولا يمسّ منطق التراكم الرأسمالي التابع، ويدافع عن دور رأس المال المالي والمصارف والريوع، ولا يربط الانهيارات المحلية بالبنية النيوليبرالية العالمية. هنا يتقاطع الخطاب مع مصالح البرجوازية الكومبرادورية التي وصفها مهدي عامل بوصفها طبقة تعيش من إعادة إنتاج التبعية، وترى في أي مسار تحرري تهديدا مباشرا لموقعها الوظيفي.

في المقابل، فإن تبنّي خيار المقاومة بوصفه ضرورة تاريخية في مواجهة الاحتلال والهيمنة الإمبريالية لا يعني تعليق النقد أو إلغاء التناقضات الداخلية. فكما أكّد مهدي عامل، لا يمكن فصل الصراع الوطني عن الصراع الطبقي، ولا يمكن لأي مشروع مقاوم أن يكتمل من دون أفق اجتماعي–اقتصادي تحرري. من هذا المنطلق، يصبح من الضروري الإشارة إلى أن حزب الله، رغم دوره المركزي في مقاومة الاحتلال والعدوان، لم يطوّر مشروعا اقتصاديا بديلا يقطع مع منطق التراكم الرأسمالي التابع، بل تماهى عمليا مع السياسات الاقتصادية السائدة أو قبل بها كأمر واقع، وهي سياسات تتلاءم مع مصالح رأس المال المالي والريعي وتعيد إنتاج البنية النيوليبرالية. إن مقاربة هذا الواقع لا تنطلق من منطق التخوين أو النفي، بل من وعي نظري، كما أشار سمير أمين، بأن أي مقاومة لا تطرح مسألة فك الارتباط مع منطق السوق العالمية، تبقى عرضة للاحتواء ومحدودة الأفق، مهما بلغت قوتها العسكرية أو الرمزية. وعليه، فإن نقد السياسات الاقتصادية لحزب الله لا يتناقض مع الدفاع عن المقاومة، بل يشكّل شرطا لتطويرها وتحويلها من وظيفة دفاعية إلى مشروع تحرري شامل.

في المحصلة، لا يمكن فهم خطاب «بناء الدولة» الشائع الان في لبنان، (ويبدو ان عدواه انتقلت الى السلطة السورية الجديدة) إلا بوصفه صيغة محدثة للهيمنة الإمبريالية، تعيد إنتاج التبعية تحت شعارات عقلانية وإصلاحية. فالدولة في السياقات التابعة ليست إطارا تقنيا محايدا، بل ساحة صراع تاريخي، ولا يمكن إعادة بنائها خارج الصراع مع الإمبريالية، ولا ضد المقاومة، ولا بمعزل عن العدالة الاجتماعية. وأي خطاب يختزل الأزمة في «غياب الدولة» أو «سلاح المقاومة»، ويتجاهل بنية النظام العالمي والتناقضات الطبقية، إنما يسهم – بوعي أو بدونه – في تثبيت شروط الهيمنة لا في تجاوزها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire