في ذكرى تأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين معركة الوعي مرّة أخرى

 


حمة الهمامي - أمين عام حزب العمال التونسي

إن المواجهة مع الحلف الصهيو-امبريالي لا تقتصر على الواجهة العسكريّة فحسب وإنّما تشمل واجهات أخرى لا تقلّ عنها خطورة إن لم تكن في بعض الحالات أشدّ منها أو بالأحرى أكثر استعصاء. ونقصد على وجه التّحديد الواجهة الدّعائيّة الموجّهة رأسا إلى وعي مواطنات العالم ومواطنيه قصد التّأثير فيهم وحملهم على تصديق سرديّة دون أخرى وبالتّالي هندسة أرواحهم وعقولهم وتأطير سلوكهم العام. فمنذ انطلاق حرب الإبادة على أهالي غزّة، ردّا على عمليّة "طوفان الأقصى" الباسلة، عمل العدوّ الصّهيوني بدعم من الآلة الدعائيّة الأمريكيّة الغربيّة، على ترويج سرديّة مفادها أنّ جيش الاحتلال، "القويّ والمتفوّق والمرعب"، يتصدّر "معسكر الحضارة اليهو-مسيحيّة" لـمحاربة "معسكر الإرهاب والوحشيّة ومعاداة السّامية" الزّاحف من الشّرق الإسلاميّ وأنّه لا يدافع بذلك عن "إسرائيل" فحسب وإنّما يدافع أيضا عن المجتمعات الغربيّة المهدّدة في "هويّتها ومكاسبها" من “قتلة الأطفال ومغتصبي النّساء والأبرياء” وهو ما يتطلّب دعمه بالمال والسلاح وتوفير الغطاء السياسيّ له في وجه بقيّة العالم.

وقد تمكّنت هذه الآلة الدّعائية، التي ترفع إلى السّطح من جديد نظريّة "صراع الحضارات" الرّجعيّة، العنصريّة التي ابتدعها أيديولوجيو الرّأس المال المالي، الأمريكي المتعفّن والمتوحّش في تسعينيات القرن الماضي لتشريع الهيمنة الأمريكيّة الغربية على العالم، من تلويث وعي مئات الملايين من البشر خاصّة في المجتمعات الغربيّة التي تعاني من عقدة اضطهاد اليهود وهو ما شكّل أرضية مناسبة لتغلغل الدّعاية الصّهيونية فيها منذ عقود. ولكن بعد عامين من الصمود الأسطوريّ للمقاومة والشعب الفلسطينيّ في وجه حرب الإبادة انقلبت الصّورة وافتضحت السرديّة الصهيو أمريكيّة واتّضحت الحقيقة عارية أمام العالم وأصبحت السّردية المهيمنة تدريجيّا على أذهان فئات واسعة من المجتمعات الغربية بما فيها المجتمع الأمريكي هي سرديّة شعب فلسطينيّ اغتصبت منه أرضه منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن من قبل عصابات صهيونيّة شرّعت لها الأمم المتّحدة الواقعة تحت سيطرة الدول الاستعماريّة الغربيّة، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، إقامة كيان على أرض الغير ليكون أداتها في تكريس هيمنتها على شعوب المنطقة وتأبيد نهب ثرواتها وخيراتها بأبشع الوسائل والتصدّي لكلّ حركة تحرّريّة تقوم هنا أو هناك.

لقد بان بالكاشف أنّ ممثّل "الحضارة" هو في الواقع عدوّها الذي لا يختلف في شيء عن الوحش النازيّ والذي يستعمل مختلف أسلحة الفتك الناريّة التي لا تبقي ولا تذر إلى جانب استعمال كافة أسلحة الإبادة الأخرى مثل التجويع والتعطيش والحرمان من الدواء والتّهجير القسري الممنهج في مواجهة شعب مسلّح بالإرادة. وقد قامت وسائل التّواصل الاجتماعي التي ظلّت تنشر جرائم الكيان الصهيونيّ بشكل مباشر ومستمرّ وتفنّد رواياته للأحداث، بدور هامّ في هذا المجال وهو ما جعل الكيان الصهيونيّ منبوذا وقياداته ملاحقة أمام القضاء الدوليّ مثلما تمّت ملاحقة مجرمي النازيّة بالأمس. وبالمقابل بان بالكاشف أنّ الفلسطينيّ الموصوم بالإرهاب هو صاحب قضيّة وأنّه المدافع الحقيقي عن الحضارة والإنسانيّة من خلال مقاومة مغتصب أرضه وحارمه من العيش عليها حرّا، طليقا، آمنا، حتّى يحقّق نهضته وازدهاره مثله مثل بقيّة شعوب العالم التوّاقة إلى الحريّة.

لقد نُزع عن الصّراع الفلسطيني/الصهيوني غلافه الأيديولوجيّ الزائف والمفتعل الذي غلّفته به الآلة الدعائيّة الاستعماريّة العنصريّة واتّضحت حقيقته بوصفه صراعا بين حركة تحرّر وطنيّ من جهة وكيان غاصب محتلّ لا تختلف طبيعته عن الأبارتيد الذي عرفته جنوب إفريقيا من جهة ثانية. ومن المفارقات أن المجتمعات الغربيّة التي راجت فيها على مدى عقود السرديّة الصهيو-امبرياليّة وأثّرت في رأيها العام عبر قصف إعلاميّ وسياسيّ وأيديولوجيّ مستمرّ هي المجتمعات التي تعبّأت في النهاية أكثر من غيرها لإدانة حرب الإبادة في غزّة والضّغط على حكوماتها كي تتوقّف عن دعم الكيان الصهيونيّ وجرائمه وهو ما اضطرّ بعضها حتّى إلى الاعتراف، ولو شكليّا، بالدّولة الفلسطينيّة. لقد شهدت المدن الأمريكيّة والبريطانيّة والألمانية والفرنسيّة والهولنديّة وغيرها تعبئة لم نشهدها منذ الحرب الأمريكيّة على فيتنام. وقد شملت هذه التعبئة أقساما كبيرة من اليهود في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبا الذين رفعوا في وجه نتنياهو وعصابته الإجراميّة شعار: “لا تقتلوا الفلسطينيّين باسمنا" بل فيهم من بادر بتكوين "المؤتمر اليهودي المعادي للصهيونيّة" الذي عقد في فيينا وقد نادى هذا المؤتمر بتفعيل قرارات الجنائيّة الدوليّة ضدّ قادة الكيان المجرمين.

إنّ هذا الوقع الجديد الذي خلقه "طوفان الأقصى" هو الذي يقضّ اليوم مضاجع الكيان الصهيونيّ الذي يجد نفسه معزولا بل منبوذا عالميّا، كما يقضّ مضاجع داعميه الغربيّين الذين لم يعودوا قادرين على مغالطة رأيهم العام الشعبيّ وترويضه وتوجيهه على النحو الذي يريدونه لتشريع جرائمهم. وفي النّهاية فهو الذي يدفعهم، عبر مخابرهم الدعائيّة والسياسيّة إلى استنفار قواهم، من أجل مواجهة السرديّة الجديدة، سرديّة الحقيقة، وتدميرها في نفس الوقت الذي يتواصل فيه العدوان على غزّة رغم إعلان وقف الحرب منذ شهر أكتوبر الماضي وعلى الضفّة الغربيّة ولبنان وسوريا كما تتواصل التهديدات بشن عدوان جديد على إيران. وهو ما يطرح على القوى الثوريّة والوطنيّة المعادية للإمبرياليّة في فلسطين كما في أقطارنا العربيّة التّعبئة لا من أجل مواصلة إسناد الشعب الفلسطيني ومقاومته في غزة والضفّة و القدس فحسب وإنّما أيضا من أجل مواصلة خوض معركة الوعي لتثبيت المكتسبات التي حقّقها طوفان الأقصى في هذا المستوى محلّيا وعالميا وتطويرها لمزيد عزل الكيان الصهيونيّ وفضحه على طريق القضاء عليه وتخليص الشعب الفلسطينيّ وشعوب المنطقة والعالم أجمع من شروره. إنّ هزم الصهيونيّة وكيانها العنصري النّازي يبدأ في الأذهان قبل أن يتحوّل إلى فعل في الواقع وإلى حركة جارفة تسند الشعب الفلسطينيّ في نضاله من أجل تحرير أرضه وتقرير مصيره بنفسه وهو ما حصل تقريبا مع كبريات القضايا التحرّرية التي عرفتها الإنسانية في عالمنا المعاصر سواء كان ذلك في الجزائر أو فيتنام أو جنوب إفريقيا.

 إنّ معركة الوعي تبدأ أوّلا وقبل كلّ شيء من مجتمعاتنا وفي مقدّمتها المجتمع الفلسطينيّ الخاضع للاحتلال حتّى يتسنّى لهذه المعركة أن تكتسح ربوع العالم بأكثر سهولة فليس ثمّة أقدر من أصحاب القضيّة، كما بيّن طوفان الأقصى، لنشرها وإبراز عدالتها. إنّ العدوّ الصهيونيّ يعمل بكلّ الوسائل الجهنّميّة على اختراق الوعي الفلسطينيّ، في غزّة أوّلا وفي الضفّة والقدس ثانيا وفي باقي أراضي 48 ثالثا، بتواطؤ مع رأس سلطة رام اللّه محمود عبّاس من أجل ضرب مكتسبات طوفان الأقصى. وتتمثّل السّرديّة التي يسعى العدو ّ إلى ترويجها بشكل محموم في كون "حركة حماس" التي يختزل فيها المقاومة ويصمها بـ"التطرّف الدّيني والعمالة لإيران" بغرض عزلها وإظهارها كحالة شاذّة، هي التي جنت على أهالي غزّة الذين "لم يجنوا من طوفان الأقصى عدا الموت والدّمار"، وهو ما يدعو إلى "محاسبتها وطردها بل استئصالها" من غزّة لـ"ينعم" أهلها بالطمأنينة وكأنّهم كانوا قبل 7 أكتوبر لا في حصار إجراميّ منذ 16 عاما وإنّما في نعيم. وهذه السّرديّة هي التي يعمل على ترويجها اليانكي الأمريكي أيضا موهما الفلسطينيّين بأنّهم سيعيشون في “بحبوبة ورخاء” دون حماس طالبا منهم الخضوع لانتداب استعماري جديد بغطاء عربي دوليّ حتى تتمّ إعادة إعمار غزّة وفق تخطيط أمريكي سيحوّلها إلى "ألدورادو" المنطقة . أمّا عبّاس وإن كان لا يجرؤ على الدفاع عن تهجير أهل غزّة فهو لا يتوانى عن المطالبة بالقضاء على حماس التي يعتبرها بدوره "يد إيران" في فلسطين والمنطقة إلى جانب حزب الّله في لبنان والحوثيّين في اليمن، وإقصائها من أيّ حلّ طمعا في أن يتمكّن هو من إدارتها بـ"رعاية إسرائيليّة-أمريكيّة". ويمكن القول إنّ نفس الرسائل الموجهة إلى الشعب الفلسطيني نراها توجّه بصيغة أخرى إلى شعوب بلدان الإسناد في لبنان و اليمن والعراق لإيهامها بأنّ ما يلحقها من عدوان صهيو امبريالي سببه فصائل المقاومة في بلدانها التي تقف إلى جانب الشعب الفلسطيني والتي تقدّم على أنّها أذرع للنظام الإيراني في محاولة لتجريم التضامن بين الشعوب وتخويفها وعزل بعضها عن بعض في الوقت الذي تتصرف فيه قوى الطغيان كتلة واحدة.

ولكنّ هذه السّرديّة لا يقتصر ترويجها على نتنياهو وترامب وإنّما نجد لها صدى أيضا في وسائل إعلام أنظمة التّطبيع ، التي ما تنفكّ تجرّم "حماس" والمقاومة عامّة وتتّهمها بأنّها هي السبب، لا المحتلّ الغاصب، في محن الشعب الفلسطيني وأنّها تفعل ما تفعله “خدمة لأجندات أجنبية لا خدمة للقضية”. “ماذا جنت غزّة من مغامرة 7 أكتوبر غير الموت والدمار"؟ "هل كانت حماس جادّة في مواجهة عدوّ مدجّج بالسلاح ومدعوم من كبريات الدول الغربيّة"؟ "ألم يكن الأجدر بحماس ومن معها من الفصائل الفلسطينيّة التزام الهدوء والتعويل على الشرعية الدوليّة لنيل حقوق الشعب الفلسطينيّ؟". هذا ما تردّده الرجعيات العربيّة باستمرار من خلال أبواقها الإعلاميّة كما من خلال شيوخ العار الذين يتلوّنون بتلوّن أولياء نعمتهم ويثيرون الفتن الطائفيّة والدينيّة والعشائريّة. وهي إذ تفعل ذلك فلكي تبرّر أوّلا عدم وقوفها إلى جانب غزّة وخيانتها للقضيّة الفلسطينيّة وعمالتها الوقحة للامبرياليّة الأمريكيّة وتواطؤها المفضوح، سياسيّا وأمنيّا وعسكريّا واقتصاديّا وتجاريّا، مع الكيان الصيونيّ وثانيا قمعها لشعوبها لمنعها من نصرة الشعب الفلسطينيّ (آخر مثال على ذلك ما يحصل للمناضل الكبير إبراهيم الشريف في البحرين ) كما أنّها تفعل ذلك لتنشر الإحباط واليأس والخوف في صفوف الجماهير العربيّة وتفرض عليها التّطبيع مع ذلك الكيان الغاصب والتعايش معه بدعوى أنّه الحلّ الوحيد لإحلال "السّلام" في المنطقة. إنّ أنظمة العار والخيانة تخشى، مثلها مثل الحلف الصهيو أمريكي، أيّ تطوّر للمقاومة في فلسطين كما تخشى أي انتفاضة أو ثورة أو حراك شعبيّ في أيّ بلد من بلدان المنطقة من شأنه رفع الهمم وبثّ روح المقاومة لأنّ ذلك سيطولها إن عاجلا أو آجلا ويقوّض أسسها الاجتماعيّة والسياسيّة وينهي وجودها.

كلّ هذا يقودنا إلى طرح السؤال: كيف تقع مواجهة هذه السّموم التي ينشرها التحالف الصهيو امبريالي وعملاؤه من أنظمة المنطقة والتي تهدف إلى نشر الإحباط في النّفوس وتدمير الوعي وقبول الهزيمة والاستسلام للعدوّ؟ إنّ المحور الرئيسيّ الذي ينبغي أن ينصبّ عليه الاهتمام إنّما هو الدّفاع عن طوفان الأقصى ومنجزاته العظيمة في السّاحات الفلسطينيّة والعربيّة والإقليميّة والعالميّة والتي ليس أقلّها شأنا إعادة القضيّة الفلسطينيّة إلى صدارة الاهتمام باعتبارها قضيّة تحرّر وطنيّ وكسب رأي عام واسع لها. هذا أوّلا وثانيا من الضروريّ التركيز على أن لا سبيل لتحرير فلسطين غير المقاومة بمختلف أشكالها وفي مقدّمتها المقاومة المسلّحة التي تستمدّ شرعيّتها من عدالة القضيّة. فلا وجود في التاريخ لشعب تخلّص من احتلال قوّة ظالمة، غاشمة بغير مواجهتها بالسّلاح فما بالك حين يتعلّق الأمر باستعمار استيطانيّ، إحلاليّ، قائم على إبادة السكّان المحليّين وتهجيرهم واغتصاب أرضهم بأشنع الأسلحة وأكثرها فتكا وقد بيّنت اتفاقية أوسلو أنّ التفاهم مع الكيان الغاصب وهم باهظ التكلفة. وثالثا إبراز أنّ الكيان الصهيوني عدوّ لكافة شعوب المنطقة وأنّه رأس حربة مشروع استعماريّ واسع، يستهدفها كلّها لتمزيقها وإثارة بعضها بعض على أسس طائفية وعشائريّة وأثنيّة والتحكّم في مصائرها في إطار إعادة ترتيب شامل للمنطقة بأسرها (مشروع الشرق الأوسط الجديد) ولا أدلّ على ذلك من كافّة الحروب التي شنّها في السابق والحروب التي يشنّها حاليا ومجاهرته بألّا حدّ له غير تحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" برعاية أمريكية. ورابعا تأكيد ضرورة المواجهة المشتركة لهذا المشروع الخطير وإسناد الشعب الفلسطيني الشقيق ومقاومته فالتضامن واجب تفرضه المصلحة المشتركة علاوة على الروابط القوميّة والإنسانيّة وخامسا فضح أنظمة الخيانة والعار العربيّة والإسلاميّة وكشف ارتباطها عضويّا بالمصالح الصهيو-امبرياليّة في المنطقة فهي أنظمة في الغالب ريعيّة، تابعة للرأسمال العالميّ ووجودها مرتبط بوجوده وبحمايته ممّا يجعل المسألة أبعد من أن تكون مسألة دينيّة أو طائفيّة وهو ما يفسّر الترابط الوثيق بين مقاومة الحلف الصهيو أمريكي وأدواته في المنطقة وسادسا توضيح أنّ التحرّر الوطنيّ مسار طويل ومعقّد قائم على المراكمة تتخلّله انتصارات كما تتخلله هزائم وانكسارات وهو يتطلّب إصرارا على المقاومة والنضال كما يتطلّب التسلّح بإرادة وقناعة قويّتين والاستعداد لتقديم التضحيات الجسيمة إذ لا حريّة ولا تحرّر دون ألم وليست الأمثلة على ذلك في تاريخنا المعاصر هي التي تنقص. فقد مرّت مختلف حركات التحرر (الصين، الجزائر، فيتنام…) بفترات حرجة في تاريخها جعلت أعداء الشعوب يعتقدون أنّهم أصابوا هذه الحركات في مقتل وتخلّصوا منها لكنّ الإيمان بعدالة القضيّة والإصرار على المقاومة كان هو المحدّد في الانتصار في آخر المطاف. وبالتالي فإنّ ما قدّمته غزّة والضفّة والقدس وكامل فلسطين من شهداء ومن خسائر ماديّة مثله مثلما قدّمته شعوب لبنان واليمن وغيرهما من شعوب المنطقة هو الثمن الذي ينبغي دفعه لتحقيق الحريّة وضمان الوجود أيضا.

وما من شكّ في أنّ هذا الأمر يتطلّب مجهودا قويّا لمواجهة الآلة الدعائيّة للحلف الصهيو-امبريالي وأدواته في المنطقة التي تحكم شعوبها بالحديد والنّار وتحرمها من حقوقها الأساسيّة وتجرّدها من كافّة أدوات الدفاع عن نفسها. كما أنّ هذا المجهود الدعائيّ العامّ من الضروريّ أن يرتبط بعمل دعائيّ مباشر من أجل مواصلة إسناد غزّة والشعب الفلسطينيّ في هذا الوقت لتخفيف الضغط عليهما من الكيان المستمرّ في اعتداءاته وراعيه الأمريكي المستمرّ في دعمه له والأنظمة العربية والإسلاميّة سواء المتواطئة بشكل مفضوح أو المتدخّلة بعنوان "الوساطة والمساعدة على إيجاد حلّ" وهي في الواقع تتدخل للضغط على المقاومة خدمة لمشغّليها وكسبا لرضاهم. يضاف إلى ذلك مواصلة التّشهير بالتّطبيع من أجل التصدّي لتوسيعه وطرد سفارات العدوّ القائمة في بلدان الأنظمة المطبّعة. وما من شكّ في أنّ هذا العمل في المستوى الفلسطينيّ والعربيّ والإقليميّ من شأنه أن يساهم في ضمان استمراريّة التضامن العالميّ مع القضيّة الفلسطينيّة من أجل وقف العدوان وإدخال المساعدات الإنسانيّة وإعادة إعمار غزّة وإطلاق سراح الأسرى والأسيرات الفلسطينيّين. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ حملات شرح القضيّة الفلسطينيّة في مختلف أبعادها وكشف حقيقة انتصاب الكيان الغاصب وكل المغالطات والأكاذيب التي رافقته لتشريعه بما في ذلك توظيف "المحرقة" و"المعاداة للساميّة" توظيفا خبيثا وخسيسا وفضح حرب الإبادة التي يشنها منذ عقود في كافة المستويات على الشعب الفلسطينيّ مجتمعا وثقافة وتاريخا وحضارة ينبغي أن تتواصل إلى جانب التشبّث بملاحقة الجناة وتقديمهم إلى الجنائيّة الدولية وبإحياء قرار الأمم المتّحدة الذي يجرّم الصهيونيّة ويعتبرها شكلا من أشكال التمييز العنصريّ.

إنّ مواصلة معركة الوعي ينبغي أن يكون لها "جيشها الثوري" الذي يخوضها من سياسيّين وإعلاميّين ومثقّفين ومبدعين في كافّة المجالات (غناء، مسرح، سينما، رسم الخ...) ومؤرّخين وعلماء ورجال دين وطنيّين وتقدّميين من مختلف الديانات والمعتقدات ومناضلات نسويّات وصانعي محتوى وغيرهم. هؤلاء جميعا قادرون على هندسة وعي جديد يخص القضيّة الفلسطينية بما لديهم من التزام يجعلهم يتفوّقون على الآلة الدعائية الصهيو-إمبرياليّة رغم ما لديها من إمكانيات ماديّة وتقنية رهيبة. إنّ ما حصل من تطوّر في الوعي خلال العامين الأخيرين من حملة الإبادة التي شنّها الكيان الصهيونيّ بدعم أمريكيّ غربيّ على الشعب الفلسطيني يؤكّد ما ذهبنا إليه. وإذا كان ثمّة مهمّة علينا التركيز عليها بشكل مباشر فهي بلا شكّ تنظيم هذه الجبهة التي تخوض معركة الوعي ولو بأشكال بسيطة مرنة . إن القوى التقدميّة العربيّة في المنطقة وفي الشتات قادرة بلا شكّ، عبر تنسيق أدنى ومحكم، على أن تشكل قلب الرحى في هذه المعركة العظيمة التي سيكون النّصر فيها واحدا من أبرز العناوين لتهاوي صرح الامبراطوريّة الإمبرياليّة الأمريكيّة وحلفائها وأدواتها الذين حكموا على شعوبها بالبؤس الماديّ والمعنويّ.

عاشت الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين
في عيد ميلادها الثامن والخمسين

**

"النّخل لا يبكي
النّخل يغنّي
ورغم الليالي
ورغم المواجعْ
أرى النّخل عالي
ولا يتراجعْ"

(الشاعر التونسي ، الطاهر الهمّامي)

***

المجد للمقاومة
والخلود للشهداء
رغم العراقيل... شعث: الأولوية القصوى هي الإغاثة العاجلة
طرح رئيس اللجنة التكنوقراطية الفلسطينية المكلّفة بإدارة قطاع غزة، علي شعث، خطة طموحة لإعادة إعمار القطاع، تشمل إزالة ملايين الأطنان من أنقاض الحرب ودفعها نحو البحر المتوسط لتوسيع مساحة غزة، بالإضافة إلى إعادة بناء البنية التحتية المدمّرة في غضون ثلاث سنوات.
وقال، في مقابلة إذاعية يالوم، إن إزالة الركام ستكون الخطوة الأولى، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة منه عبر «دفعه إلى البحر لصناعة جُزر وأراضٍ جديدة لغزة»، في إعادة استخدام مماثلة لما حدث خلال جولات عدوان سابقة، حيث استُخدم الركام في بناء المرفأ التاريخي لمدينة غزة ومشاريع أخرى.
ورأى شعث أنه «إذا جلبت الجرافات ودفعت الركام إلى البحر، وصنعت جُزراً جديدة وأرضاً جديدة، يمكنني أن أكسب أرضاً جديدة لغزة وفي الوقت نفسه أزيل الركام»، مشيراً إلى أن العملية ستستغرق ثلاث سنوات.

عراقيل تواجه عمل اللجنة
وشدد شعث على أن أولويته القصوى في الوقت الراهن هي الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مساكن مؤقتة للنازحين، لتأتي في المرتبة الثانية إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، تمهيداً للمرحلة الثالثة التي تشمل إعادة بناء المنازل والمباني، معتبراً أن «غزة ستعود، وستكون أفضل مما كانت عليه خلال سبع سنوات»، علماً أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت اللجنة ستتمكن من الحصول على أذونات لاستيراد الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة لإعادة الإعمار، في ظل القيود الإسرائيلية المتواصلة.
في المقابل، تشير تقارير للأمم المتحدة إلى أن إعادة إعمار المنازل في قطاع غزة وحدها قد تمتد حتى عام 2040 أو ما بعده.
ويأتي تعيين شعث، نائب وزير التخطيط السابق في السلطة الفلسطينية، في سياق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.
وسيقود شعث لجنة من 15 تكنوقراطياً فلسطينياً ستتولى إدارة القطاع، علماً أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح «حماس»، التي ترفض حتى الآن التخلي عن سلاحها.
وأوضح شعث أن صلاحيات لجنة إدارة غزة ستبدأ في المناطق التي انسحبت منها إسرائيل، وستتوسّع تدريجياً حتى تشمل كامل مساحة قطاع غزة (365 كيلومتراً مربعاً) «من البحر إلى الحدود الشرقية»، وفق ما تنص عليه خطة ترامب.
من جهتها، أعربت حركة «حماس» عن تأييدها لتشكيل لجنة شعث، وقال القيادي باسم نعيم إن «الكرة الآن في ملعب الوسطاء، والضامن الأميركي، والمجتمع الدولي لتمكين اللجنة».
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,441
ارتفعت حصيلة عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة، إلى 71,441 شهيدا، و 171,329 مصابا، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وأفادت وزارة الصحة، اليوم الخميس، بأن إجمالي من وصل إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية، شهيدان و5 إصابات، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى اللحظة.
وبينت الوزارة، أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي قد ارتفع إلى 451، وإجمالي الإصابات إلى 1,251، فيما جرى انتشال 710 جثامين.
«إعلان ويتكوف» لا يُترجَم: الاحتلال باقٍ... و«رفح» مُغلَق إلى حين
يوسف فارس
غزة | تفاعل في إسرائيل، أمس، إعلان مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بدء «المرحلة الثانية» من خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وتشكيل «اللجنة الإدارية» في القطاع. وفيما رأت «القناة 12» العبرية أن الأمر الأهمّ في إعلان ويتكوف هو أن الوسطاء (مصر وتركيا وقطر) أخضعوا رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي كان تشدّد في عدم الانتقال إلى «المرحلة الثانية» قبل إعادة جثة الأسير الإسرائيلي الأخير في غزة، ردّ نتنياهو سريعاً على ذلك، واصفاً الإعلان بـ»الخطوة الرمزية»، قبل أن يترجم تصريحه عملياً بتأكيد الاستمرار في إغلاق معبر رفح البري، وربط الانسحاب من مناطق «الخط الأصفر» التي تجتزئ 60% من مساحة القطاع، بالتقدّم في مسار نزع سلاح المقاومة.
وفي الميدان، صعّد جيش الاحتلال من عمليات نسف المباني في مناطق «الخط الأصفر» وتدميرها؛ إذ سُجّلت، ليل أول من أمس، بُعيد إعلان ويتكوف، العشرات من التفجيرات وعمليات القصف الجوي في المناطق الشرقية لمخيم جباليا شمالي القطاع، وأحياء التفاح والشجاعية والزيتون في مدينة غزة، وخانيونس جنوباً. وبالتوازي مع ذلك، زعم الاحتلال وقوع حدثَين أمنيين في مناطق «الخط الأصفر»: الأول في مدينة رفح جنوبي القطاع، حيث ادّعى أن 6 من مقاتلي «كتائب القسام» المحاصَرين في المدينة، حاولوا الخروج مستغلّين الظروف الجوية السيئة، واشتبكوا مع جنود الاحتلال وأصابوا اثنين منهم بجروح طفيفة قبل أن يُستشهدوا؛ والثاني في المناطق الشمالية لغزة، حيث زعم المتحدّث باسم جيش العدو، إيفي ديفرين، إصابة جنديين نتيجة إطلاق نار. وبناءً على تلك المزاعم، شرعت الطائرات الحربية الإسرائيلية في حملة جوية مكثّفة، استهدفت خصوصاً عدداً من المنازل المأهولة في مدينة دير البلح ومخيم النصيرات. كما أطلقت دبابات العدو النار على مواطنين في مواصي مدينة رفح، ما تسبّب بارتقاء 8 شهداء، بينهم القيادي البارز في «كتائب القسام»، محمد حامد الحولي، وهو قائد جهاز الضبط الميداني «حماية الثغور».
ورغم التعنّت والتصعيد الإسرائيليَّيْن، أكّدت مصادر أميركية أن البيت الأبيض أرسل دعوات إلى عدة دول للانضمام إلى «مجلس السلام» في غزة، معرباً عن الأمل في تشكيل المجلس خلال أيام. ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أن ترامب سيرأس أول اجتماع لـ»مجلس السلام» الأسبوع المقبل، وذلك في دافوس في سويسرا، وأن نيكولاي ملادينوف سيتولى منصب ممثّل المجلس في القطاع، حيث سيعمل مع الحكومة الجديدة على «نزع السلاح وإعادة الإعمار». وجاء هذا في وقت عقد فيه أعضاء «اللجنة الإدارية» أول اجتماعاتهم في القاهرة، تمهيداً للانتقال إلى غزة.
ورغم تلك التطوّرات المهمة، تلقّى الشارع الغزي ما أُعلن عنه بقدر كبير من الحذر، خصوصاً أن الإعلان الأميركي لم يترافق مع تطوّرات فعلية في أهمّ الملفات الحساسة، وفي مقدّمتها الانسحاب من مناطق «الخط الأصفر» التي كان يسكنها قبل الحرب قرابة مليون غزي، بالإضافة إلى استمرار التعنّت الإسرائيلي في إدخال مواد البناء ومتطلّبات الإغاثة العاجلة وأهمها «الكرفانات». غير أن ما طمأن الأهالي، نسبياً ومؤقّتاً، هو ابتعاد شبح العودة مجدّداً إلى حرب الإبادة.
وفي الشارع أيضاً، أثارت بعض أسماء أعضاء «اللجنة الإدارية» المحسوبين على حركة «فتح» حالة من عدم الارتياح، خصوصاً أن بعضهم صدّروا خطاباً استفزازياً تجاه عناصر فصائل المقاومة. ومع ذلك، يبدو أن ثمة إرادة جمعية لتجاهل كلّ ما من شأنه تعكير انسياب أي ديناميات تحول دون استئناف الإبادة، خصوصاً تحت وطأة الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعانيها نحو مليوني غزّي.
على أن المضيّ في مسار تحقيق كل ما تقدّم، مرتبط بجملة من الكوابح والعقبات، أهمها سقف ما سيسمح به الإسرائيليون؛ إذ لا يزال يتمسّك نتنياهو بشعار «النصر المطلق»، ويعتبر بنود خطة ترامب الـ20 ترجمة للانتصار وهزيمة للطرف الآخر، خصوصاً منها بند نزع السلاح، الذي تعدّه المقاومة في المقابل خطاً أحمر، ولا سيما أن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، تريدان كلّ شيء من دون تقديم أي شيء، حتى في ملفات الانسحاب من غزة وإعادة الإعمار. ومن جهتها، تبحث حركة «حماس»، التي رحّبت في بيان بإعلان بدء «المرحلة الثانية»، ومعها فصائل المقاومة، عن مقاربة فلسطينية تضع مسألة السلاح في إطار حلّ سياسي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية، وهو أيضاً ما ترفضه إسرائيل.
كتابة متأخرة عن «حب بيروتي»
أيهم السهلي

بصدفة غريبة، وجدت بين الكتب المعروضة في مكتبة «النوري» العريقة في دمشق، كتاباً أحبه لإلياس خوري، ورواية «حب بيروتي» لسحر مندور، اللبنانية المصرية أو بالعكس. اشتريت الكتب من المكتبة، بسعر زهيد، مقارنة بالأسعار الباهظة للكتب في بيروت، ولمّا عدت إلى بيروت، قرأت الرواية دفعة واحدة، لم أتمكن من تركها، وهي على أي حال، 159 صفحة من العيار الثقيل، والقطع الصغير، بالكلام الجميل المسبوك بعناية وحب واضح للسرد.

تفتتحها، بالشكر والحب للروائي الكبير الراحل الياس خوري، وقد وصفته بالرجل الكريم، وهو حقاً كذلك لمن عرفه عن قرب أو بعد. كما تختتمها بشكر لثلة من الأسماء، بينها الشاعر الراحل أنسي الحاج، والكاتبة اللبنانية نجلا جريصاتي، وهي زوجة الأستاذ الياس، وعبد السلام عقّاد. وأسماء أخرى عديدة.

ما بين الشكرين، حب بين شخصين، يحبان بعضهما حد الجنون، وقد فعلاه على سطور الرواية، وبين السطور. وهما قصة مختلفة ومختفية في طيات المدينة، وتندرج ضمن أسرارها، وسحر قررت أن تسر للقراء هذه الأسرار. ولعل قائل آخر يقول، إن الرواية حفلة موسيقى بارعة، وناجحة، ومبهجة، بأسماء المغنين، ومدارس الموسيقا، والأغاني وكلماتها، والمراجع في آخر الرواية.

إن «حب بيروتي» هي كل ما سبق، كما تتوالد تحتها طبقات من الحكاية، فيها تضحية ومغامرة أدبية. تتناول الرواية العشق بين ماجدة صاحبة المكتبة ودار النشر وأحمد الرسام، تبدو علاقتهما في البداية بسيطة وسهلة وممتعة، لكن بعد صفحات قليلة، لن يتبقى شيء، لا البساطة ولا السهولة، ستبقى المتعة. وسنعرف أكثر أن اللذة بينهما، شيء يطالع قلبيهما بدفق منقطع النظير «أحب لقاء جسمي بجسمها، فهي لحظة تشرح لي عن القصّة، وعن موقعنا الآن منها، وعن التتمّة» (ص46)

تعرفنا سحر على حياة ماجدة، وحياة أحمد المولود من أم مسيحية وأب مسلم يموت وهو صغير، وتبدو براعتها، بترك خيط شفاف جداً بين يربط حياتهما. وتعرفنا كيف تعرفا على بعضهما، عن طريق أصدقاء لهما، يغيبون بعد حين في الرواية، ليظهر غيرهم. فيخرج مروان، وتخرج كارمن، من أجل إكمال الرواية، و«الحكاية المحظورة»، وهي العلاقة المفتوحة التي تقترحها ماجدة على أحمد، ويوافق عليها، بعد تمنع. ومبررها، أو مبررهما، إنقاذ علاقتهما «أحمد، أودّ أن أجرّب. فإن عدت إليك، أعرف أنّي سأمضي زمناً برفقتك. كما أنّي أعرف أنّك سترحل مجدّداً لو بقيت ملتزماً بي، ستشعر بالضغط، وسأصبح مكبّاً لنفايات كلامك وأحلامك. أحبّنا مع بعض، فلنحاول جديداً يجمعنا بدلاً من المعتاد الذي سبق له أن فرّقنا» (ص40)

تذهب ماجدة وأحمد في مغامراتهما، تسبقه هي إلى أكثر من لقاء مع أكثر من رجل، وكلها لقاءات عشاء، يفتتحها مروان، الذي يتبين لاحقاً أنه ضرير، لكنه مليء بالمعرفة. ولأن الرواية ليست حكاية وحسب، بل مضمون، وقيمة، وأفكار، وإبداع، ولغة، لذا قدمت الكاتبة مطالعة هائلة، عن الجلوس أمام ضرير، حين ينسى الإنسان أن من حوله يرون، بينما من يقابله فقط هو الذي لا يمكنه أن يرى، تتحدث ماجدة عن بقايا نعنعة علقت بين أسنانها، فلم يضيرها ولا أنوثتها، أن تزيلها، بينما كان يتلو عليها رباعيّة لعمر الخيام، فمروان لا يراها، لكن كل من كانوا في المطعم يرونها «فأنت لست الرائي الوحيد بينهم، وإنّما هو الأعمى الوحيد بيننا. اختلافه قادر على إشعارك بأنّه القاعدة، وانت الاستثناء» (ص59) هذا الحديث عن النعنعة، قالته ماجدة لمروان، فكل عشاء كانت تخرج به مع مروان، ولاحقاً مع غيره، كانت تخبر أحمد عن تفاصيله. هكذا اتفقا، حين اتفقا على العلاقة المفتوحة.

ولاحقاً قرر مروان الخروج مع أخرى «من قال إن التخلّي عن الصيغ الموافق عليها اجتماعيّاً، وتجريب صيغ أخرى، لا يستأهل تجربة؟ ما إن قالت لي ماجدة كلماتها السحريّة، حتى انتصر حثّ التجريب فيّ على الرغبة بصون العلاقة» (ص78) فكانت كارمن، السيدة التي تكبره بعشر سنين أو أقل بقليل، سنة ربما، هو في الـ 29، وهي قاربت الأربعين. سهرا معا سهرة طويلة، وسكرا سُكراً عظيماً. وخرجا من البار، تبادلا أرقام الهاتف، وغادرا إلى بيتيهما.

تتطور خطوط الرواية، أحمد وماجدة، أحمد وكارمن، كارمن ورفقتها، مروان وخالد وبيار وغيرهما. يدخل الجنس إلى حيز أحمد وكارمن، وماجدة وأحدهما. وكارمن تعرف بالاتفاق بين أحمد وماجدة، وماجدة تعرف بالعلاقة بين أحمد وكارمن، وأحمد يعرف بعلاقة كارمن وأحدهم..

انفتاح خطوط الرواية على بعضها بهذا الشكل، أعطى بعداً جديداً في الرواية، هو المكاشفة في أقصى درجاتها، إذ لم تعد هناك تحفظات. بدأ اتفاق أحمد وماجدة على تجريب العلاقة المفتوحة، بعد أن شعرا بأن علاقهما مهددة، بعد خمس سنين مروا عليها، وبعد أن طلبت ماجدة منه الزواج، فلم يجب، أو أنه تهرب، أو أنه خاف. إلى أن عادا، وانعقد بينهما الاتفاق، الذي كاد أو أنه فعلاً دمّر باقي علاقتهما، الأمر الذي لا يمكن أن نعرفه في النهاية المفتوحة أيضاً للرواية. لكنها رواية على الأقل تنتهي بضحكتهما معاً.

لهذه الرواية، مزايا، الكاتبة أنثى، تقمصت شخصيات روايتها، وتمكنت بجدارة أن تمنح لكل شخصية صوتها، ومشاعرها، واستطاعت تقمص الرجل، وتقمص احساسه بالغيرة أو بالانتظار، تلك المشاعر لا يدركها إلا الرجال، وقلما يفصحون عنها، فهي اعترافات فردتها سحر مندور على الورق، بتوقيعها. ولهذه الرواية، صوت طربي جميل، الأغاني فيها، كلمات مكتوبة، تغنيها الشخصيات، ويغنيها القراء. كما أن في الرواية أشياء لا تدخل في خانة النسيان، كالكف الذي صفعته أم أحمد على وجه سمير جعجع في الرواية، لما حاول مع جماعته الاستيلاء على بيتها البحري الذي أورثها إياه والدها.

لكن «حب بيروتي» لا تدل القارئ على بيروت، التي كان يمكن أن تحضر أكثر، حتى وإن كانت الكاتبة تريد أن تقدم بيروت التي تحب، عبر علاقة في عاصمة عربية، فيها حياة خاصة واستثنائية عن باقي المدن العربية، ومع ذلك فرغم أن بيروت مدينة متجاوزة لمسائل كثيرة لم تتجاوزها الحواضر العربية، إلا إنها متحفظة بعض الشيء. ولأن لا خيال دون واقع، فإن الرواية مأخوذة من الواقع الذي نعرفه ونشهده، ونتردد في الحديث عنه أحياناً، باستثناء جلسات قليلة، محدودة الناس.

يبدو غريباً أن يكتب عن رواية مضى على صدورها أكثر من 16 عاماً، لكنها دمشق ومصادفاتها، وبيروت وإبداعاتها، ومنها أني قرأت بأن سحر مندور أنجبت رواية جديدة اسمها «رواية القطّ الأسود ذو العين الواحدة» الصادرة عن «دار غايا للنشر والتوزيع»، لذا هذه مناسبة للتذكير، برواية جميلة، استعداداً لرواية أجمل.
رحلة في أرشيف زياد الرحباني
بعد التأجيل، يقام معرض تفاعلي «هيدي بس تحيّة...»، المقام في مناسبة ذكرى ميلاد زياد الرحباني، في «ملتقى»، يوم السبت 17 كانون الثاني (يناير) الجاري، ويقام المعرض ليومٍ واحدٍ فقط.
يضم المعرض مجموعة غنية من المقتنيات الخاصة التي توثق محطات مفصلية من حياة الرحباني الفنية. تتنوع المعروضات بين الملصقات الأصلية لمسرحياته وحفلاته التاريخية، وأشرطة «الكاسيت» والأسطوانات التي صاغت ذائقة أجيال، إضافة إلى أرشيف صحافي نادر يضم مقابلات وصوراً فوتوغرافية لم تنشر من قبل. إلى جانب البُعد البصري، يفتح المعرض مساحةً للحوار الأكاديمي والمهني، إذ يستضيف الممثل والمخرج فائق حميصي، أحد رفاق درب الرحباني في المسرح، ليحاوره وليد دكروب حول خبايا تجربتهما المشتركة. كما يشهد اللقاء حواراً مع الموسيقي هاني سبليني، الذي تولى الإشراف الفني على حفلات الرحباني لسنوات، لمناقشة السبل العملية والضرورية لجمع هذا الإرث وتوثيقه في فضاء واحد يضمن استمراريته.

* «هيدي بس تحيّة...»: السبت 17 كانون الثاني (يناير) - الساعة 11 صباحاً - «ملتقى» (الحمرا). للاستعلام: 03/163326
زاهي وهبي... في حبّ الأرض والإنسان
تستضيف «فيلوكاليا» و«الصالون الأدبي» لقاءً خاصاً مع الشاعر زاهي وهبي، في أمسية شعرية بعنوان «في قصائد حبّ الأرض والإنسان»، مساء السبت 17 كانون الثاني (يناير) الجاري. على أن يحاوره الشاعر هنري زغيب، وتحلّ الكاتبة ليال نعمة ضيفةً على اللقاء. تتخلّل الأمسية قراءات شعرية تتناول ثيمات الأرض والإنسان والذاكرة، وتُختتم بتوقيع الديوان الجديد «ترقص الريح، تبكيها أغنية». يضيء هذا اللقاء المفتوح على تجربة وهبي الشعرية، إذ تتقاطع الكلمة مع الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالإنسان، والذاكرة، والانتماء، وعلاقة الفرد بأرضه في زمن التحوّلات والقلق. عبر قراءات مختارة من أعماله، يستعيد وهبي مساراً شعرياً يوازن بين الحسّ الإنساني العميق واللغة المكثّفة، ويمنح اليوميّ بعداً تأملياً يتجاوز المباشر والعابر.

* أمسية شعرية مع زاهي وهبي: السبت 17 كانون الثاني (يناير) - الساعة 6:00 مساءً - «فيلوكاليا» (عينطورة، زوق ميكايل). للاستعلام: 81/929278
قوات الاحتلال تشن حملة اقتحامات واعتقالات في الضفة
شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الجمعة، حملة اقتحامات ومداهمات في عدة مناطق بالضفة المحتلة، تخللتها اعتقالات طالت شبانًا، عقب تفتيش منازل المواطنين والعبث بمحتوياتها.
في محافظة رام الله، اعتقلت قوات الاحتلال الشبان: آدم محمد حسني، عزيز شادي حسام، ومعاذ نعيم مشهور، من بلدة كفر مالك شمال شرق المدينة.
وفي محافظة نابلس، اعتقلت قوات الاحتلال الشابين عبد الرحمن خضير، وإسلام يوسف بني شمسه من بلدة بيتا جنوب المدينة، إضافة إلى اعتقال الشاب عبد صالح الطقطوق من مدينة نابلس.
أما في محافظة جنين، فقد اعتقلت قوات الاحتلال الشاب صهيب محمد يونس نعيرات من بلدة ميثلون جنوب المدينة.
وفي محافظة الخليل، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة بيت كاحل، واعتقلت عيسى رامي عصافرة، وعز ناصر عصافرة.
واعتقلت قوات الاحتلال الشاب براء الباز من مدينة قلقيلية، أثناء مروره عن حاجز طيار قرب سلفيت.
عقدت اجتماعها الأول اليوم: من هم أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة
تتجه الأنظار إلى العاصمة المصرية، حيث يعقد أعضاء "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة" اجتماعهم الأول في مقر السفارة الأمريكية في القاهرة. هذه اللجنة، التي تم التوافق عليها دوليا وإقليميا، ستتولى إدارة القطاع في مرحلة انتقالية حرجة تهدف إلى إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار بعد انتهاء العمليات العسكرية.

من المقرر أن يجتمع أعضاء اللجنة الخمسة عشر مع المرشح لرئاسة الهيئة التنفيذية لـ "مجلس السلام"، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف. ويأتي هذا اللقاء تتويجا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (المؤلفة من 20 نقطة)، والتي تقضي بتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة الشؤون المدنية تحت إشراف دولي.
تم اختيار نخبة من الخبراء الفلسطينيين لتولي الملفات الحيوية، وجاءت التشكيلة كالآتي:
د. علي شعث (رئيس اللجنة): مسؤول ملفي الطاقة والنقل (خبير إعمار ووكيل وزارة سابق).
عائد أبو رمضان: مسؤول ملف التجارة والاقتصاد (مدير الغرفة التجارية بغزة).
عمر شمالي: مسؤول ملف الاتصالات (مدير شركة الاتصالات سابقا).
عبد الكريم عاشور: مسؤول ملف الزراعة (مدير الإغاثة الزراعية سابقا).
عائد ياغي: مسؤول ملف الصحة (مدير جمعية الإغاثة الطبية سابقا).
جبر الداعور: مسؤول ملف التعليم (رئيس جامعة فلسطين سابقا).
بشير الريس: مسؤول ملف المالية (استشاري مالي وهندسي).
علي برهوم: مسؤول ملف المياه والبلديات (مستشار سابق في بلدية رفح).
هناء الترزي: مسؤولة ملف الشؤون الاجتماعية والمرأة (محامية وناشطة).
أسامة السعداوي: مسؤول ملف سلطة الأراضي والإسكان.
عدنان أبو وردة: مسؤول ملف القضاء والعدل.
اللواء سامي نسمان: مسؤول ملف الأمن (الداخلية).
رامي حلس: مسؤول ملف الشؤون الدينية.
حسني المغني: مسؤول ملف شؤون العشائر.
محمد بسيسو: (مرشح لملفات قانونية تنتظر الاعتماد النهائي).
شهداء وإصابات بقصف منزلين وسط القطاع
استشهد 6 مواطنين على الأقل، بينهم طفلة، وجرح آخرون، مساء اليوم الخميس، إثر قصف جيش الاحتلال ، منزلين في دير البلح وسط قطاع غزة.
وأفات مصادر محلية بأن جيش الاحتلال استهدف بالصواريخ منزلا يعود لعائلة الحولي بمخيم دير البلح غرب المدينة، حيث انهار المنزل على رؤوس ساكنيه، وأسفر عن استشهاد 4 مواطنين، وهم: وهم: الطفلة قمر رأفت أبو سمرة (16عامًا)، ورانيا نايف إبراهيم الحولي (40 عاما)، وإسلام نايف محمد السقا (37 عاما)، ومحمد حامد محمد الحولي (52 عاما)، وجرح العشرات، فيما هرعت طواقم الإسعاف والدفاع المدني لانتشال الشهداء، ونقل المصابين.
كما قصفت طائرات الاحتلال منزلا آخر يعود لعائلة الجرو، قرب محطة عكيلة في منطقة البصة غرب مدينة دير البلح، ما أدى لاستشهاد شابين، وإصابة آخر.
وارتفعت حصيلة ضحايا العدوان  على قطاع غزة، في ظل مواصلة الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار لليوم الـ97 على التوالي، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، التي أفادت بوصول شهيدين وخمس إصابات إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مع بقاء عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات.
وبحسب وزارة الصحة، ارتفعت الحصيلة العدوان منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 71,441 شهيدًا و171,329 إصابة، فيما بلغ عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي 451 شهيدًا، إلى جانب 1,251 إصابة، وسط عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إلى العديد من المناطق المستهدفة.
إسرائيل ليست ملتزمة بالمرحلة الثانية في غزة و"حكومة التكنوقراط"
ليس واضحًا كيف ستسير المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في قطاع غزة وكيف ستعمل "حكومة التكنوقراط" الفلسطينية التي تم الإعلان عن تعيينها، الأربعاء، ويفترض أن تدير شؤون القطاع، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة بما يشمل العمليات العسكرية، كأن الفلسطينيين اعتادوا منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، في العام 1993، على تشكيل حكومات تحت الاحتلال، بل وتحت الحصار.
فقد وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أن تشكيل "حكومة التكنوقراط" الذي أعلن عنه مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، هو "إجراء تصريحي" فحسب، فيما شددت الحكومة الإسرائيلية على أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يؤثر على مواصلة تقدم إسرائيل نحو تحقيق أهداف إسرائيل الثلاثة التي تحققها، وهي استعادة جثة جنديها الأسير التي لا تزال في قطاع غزة، وتفكيك حركة حماس وتحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح. ونقلت وسائل إعلام عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إن "إسرائيل لن تسمح بتقدم خطوات لإعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس".
وقال نتنياهو لوالدي الجندي الذي لا تزال جثته محتجزة في القطاع، ران غفيلي، إن استعادة الجثة على رأس أولوياته وأن "الإجراء التصريحي" حول تشكيل حكومة التكنوقراط لن يؤثر على الجهود من أجل استعادة الجثة لدفنها في إسرائيل.
تمحور اجتماع الكابينيت السياسي – الأمني، أول من أمس، حول خطة المرحلة الثانية في القطاع والاستعدادات لهجوم أميركي محتمل ضد إيران. وقيل للوزراء خلال الاجتماع إن "حكومة التكنوقراط" لن تضم شخصيات من حماس أو من السلطة الفلسطينية، وأن الشاباك درس مسبقًا أسماء أعضائها، "كي يتأكد من أنهم يستوفون المعايير التي وضعتها إسرائيل"، بحسب صحيفة "هآرتس".
بالانتقال إلى المرحلة الثانية، لن ينسحب الجيش الإسرائيلي من منطقة "الخط الأصفر" التي تشكل 53% من قطاع غزة، رغم أن خطة ترامب تنص على انسحاب كهذا. ولم يذكر ويتكوف انسحابًا كهذا في إعلانه عن إطلاق المرحلة الثانية. وهذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، وليس في "الخط الأصفر" فقط، باق كما هو، بل إن إسرائيل تمهد لاستمرار عملياتها العسكرية، خاصة الجوية، في القطاع.
فحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس، "حماس تستغل كل دقيقة في وقف إطلاق النار (المزعوم) من أجل تعزيز قوتها، والجيش الإسرائيلي يكتشف يوميًا كم أن الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر بعيد عن كونه خاليًا من الإرهاب. وعثر الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة على حفريات جارية تحت الأرض دون توقف في جوفين تحت الأرض على الأقل تحت مواقع عسكرية عند مشارف مدينة غزة، والتي تشتبه أنها أنفاق ينبغي التحقيق بشأنها وتفجيرها لاحقًا".
بموجب كافة التقديرات، ليس متوقعًا أن تلقي حماس سلاحها، كما أن الحركة نفسها تصرح بذلك. ويقول الجيش الإسرائيلي إن حماس تعمل على استعادة قدراتها التي تضررت خلال الحرب المستمرة منذ سنتين وثلاثة أشهر.
تنتشر حاليًا في منطقة "الخط الأصفر" فرقتان عسكريتان، وسيستغرق العثور على أنفاق حماس في هذه المنطقة فترة طويلة، حسب الجيش الإسرائيلي. في هذه الأثناء، "يقدرون في الجيش الإسرائيلي أن أي شاب في قطاع غزة هو مخرب محتمل، وليس مهمًا إذا كان يحمل زجاجة حارقة من صنع بيتي أو بندقية كلاشنيكوف"، حسب الصحيفة.
هذا يعني أن الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين الغزيين مستمرة. وبالأمس، غداة الإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية، قصفت إسرائيل مناطق في قطاع غزة من الجو والبر والبحر. كأن الاتفاق على خطة ترامب لم يكن. وعموما، هذا "الاتفاق" لا يتعارض أبدًا مع سياسة إسرائيل ومخططاتها، ويرسخ الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
ساد في الأيام الماضية توتر شديد في دول المنطقة على خلفية تصريحات ترامب التي دعم فيها الاحتجاجات الواسعة ضد النظام الإيراني، ومطالبته المتظاهرين بمواصلة هذه الاحتجاجات وقوله لهم إن "المساعدة في الطريق" إليهم، دون أن يوضح طبيعة هذه المساعدة، فيما قالت مصادر أوروبية إن الولايات المتحدة قد تشن هجومًا ضد إيران، وحسب مصدر إسرائيلي فإن الولايات المتحدة قررت شن هجوم لكن توقيته وحجمه ليس واضحًا، فيما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مصادر أميركية قولها إن إدارة ترامب تبحث عدة إمكانيات، بينها هجوم سيبراني أو استهداف قوات الأمن الداخلي الإيرانية.
في موازاة ذلك، أعلنت الولايات المتحدة أنها سحبت قسمًا من قواتها من قواعدها العسكرية في دول الشرق الأوسط، بينها قوات في قاعدة "العديد" الجوية في قطر، في أعقاب تهديدات إيرانية بأنها ستستهدف قواعد عسكرية أميركية في دول، بينها السعودية وتركيا والإمارات، في حال تعرضت إيران لهجوم. كما أغلقت إيران مجالها الجوي لبضع ساعات، ليلة الأربعاء – الخميس، ثم أعادت فتحه.
لكن ترامب، غير المتوقع والذي يصعب فهم قصده من أقواله، قال لصحافيين بشكل غير متوقع، مساء الأربعاء، إنه "أبلغوني بأن القتل في إيران توقف. لقد توقف أو أنه توقف الآن. ولا يوجد تخطيط لإعدام أو لعمليات إعدام. وقد بلغني هذا من مصدر موثوق. وأنا متأكد من أنه إذا حدث هذا (القتل والإعدامات) سنكون غير راضين أبدًا". وأضاف ترامب، ردًا على سؤال، أنه لم يتم إزالة الخيار العسكري، "وسوف نشاهد ونرى كيف ستسير الأمور هناك". أقوال ترامب تزيد من انعدام الوضوح.
المستوى السياسي في إسرائيل يؤيد توجيه ضربة أميركية لإيران، وقال نتنياهو خلال اجتماع حكومته، الأحد، إن "إسرائيل تتابع بترقب ما يحدث في إيران. والمظاهرات من أجل الحرية تنتشر في أنحاء الدولة. وشعب إسرائيل، والعالم كله، معجب بالبطولة الهائلة لمواطني إيران. وإسرائيل تدعم نضالهم من أجل الحرية وتندد بشدة بالمجازر الجماعية ضد مواطنين أبرياء. ونأمل جميعًا أن تتحرر الأمة الفارسية قريبًا من الاستبداد، وعندما يأتي هذا اليوم، ستعود إسرائيل وإيران لتكونا شريكتين في بناء مستقبل من الازدهار والسلام لكلا الشعبين".
من جهة ثانية، يبدو أن الجيش الإسرائيلي تعمّد تسريب معلومات وتقديرات، من خلال عدة وسائل إعلام إسرائيلية مركزية، مناقضة لتصريحات المستوى السياسي، جاء فيها أن المعلومات الاستخباراتية التي تصدر من إيران جزئية ومحدودة، وأنه يصعب التحقق من صحتها، وخاصة بسبب قطع شبكة الإنترنت، ودعا إلى التشكيك في كل المعلومات التي تخرج من إيران.
وأشارت مصادر في الجيش الإسرائيلي حول تصريحات السياسيين إلى أنه "من الجائز أنه مريح لهم المبالغة في قوة الاحتجاجات"، وأنها تستند إلى معلومات ضئيلة، لكن المصادر لفتت إلى أنه ليس مؤكدًا أبدًا أنه سيكون من الصواب مهاجمة إيران، لأن ثمة شكًا أن هذا سيؤدي إلى سقوط النظام، وأنه ليس واضحًا بتاتًا ما هو الإنجاز المطلوب في إيران، وما إذا كانت عملية عسكرية، محدودة أو واسعة، ستؤدي إلى تغيير النظام أم أنها ستعززه.
رغم ذلك، فإن إسرائيل تعلن أن تقديراتها هي أن الولايات المتحدة ستهاجم إيران، لكنها تقدّر أيضًا أن هجومًا كهذا لا يعني أن إيران سترد بهجمات صاروخية على إسرائيل، وأن الرد الإيراني ضد إسرائيل متعلق بشكل الهجوم الأميركي إذا حدث. كما أعلنت عدة بلديات، في جنوب إسرائيل وبينها ديمونا، بشكل مستقل وليس بموجب تعليمات الجيش، أنها قررت فتح الملاجئ. وفسر رئيس البلدية ذلك بقرب المدينة من المفاعل النووي.
قد تكون هذه التقديرات الإسرائيلية واقعية ونابعة من إدراك أن إيران لن تسعى إلى توسيع الحرب وأن يكون هناك رد إسرائيلي، خاصة إذا كان الهجوم الأميركي محدودًا. لكن ليس واضحًا بعد ماذا سيستهدف هجوم أميركي في إيران، بعد استهداف المنشآت النووية خلال حرب الـ12 يومًا، في حزيران/يونيو الماضي.
وفيما تتطلع إسرائيل إلى أن تسقط الاحتجاجات النظام الإيراني، فإنها تتخوف من أن حربًا واسعة ستؤدي إلى انتهاء الاحتجاجات لأن المتظاهرين لن يخاطروا بالنزول إلى الشوارع فيما الطيران الإسرائيلي والأميركي يقصفها من الجو.
كذلك تستبعد إسرائيل انضمام حزب الله إلى حرب كهذه، وحسب تقارير إسرائيلية، فإنها بعثت تحذيرات مباشرة عبر أطراف ثالثة لحزب الله بأنه في حال إطلاقه قذائف صاروخية فإنها سترد بهجمات شديدة وواسعة في لبنان.
في المحصلة، انعدام الوضوح يخيم حاليًا على المشهد ويصعب معرفة كيف سيتصرف ترامب، وكيف سيكون الهجوم الأميركي إذا خرج إلى حيز التنفيذ. وهجوم خاطف لا يتوقع أن يحقق شيئًا من أقوال ترامب لصالح الاحتجاجات، بينما من شأن هجوم واسع وحرب طويلة أن تضر بمصالح الولايات المتحدة، ومصالح شخصية له ولمسؤولين في إدارته، في الخليج الذي تطالب دوله بالامتناع عن تصعيد كهذا.
مسؤول أممي: أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض في غزة وإزالتها قد تستغرق أكثر من 7 سنوات
قال المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع خورخي موريرا دا سيلفا، إنّ في قطاع غزة أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، وإزالتها قد يستغرق أكثر من 7 سنوات.
وأضاف دا سيلفا، في بيان عقب زيارته قطاع غزة، أمس الخميس، "عدتُ للتو من غزة حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية، فالناس منهكون ومصدومون، ويعيشون حالة من اليأس".
وأكد أن ظروف الشتاء القاسية المستمرة والأمطار الغزيرة تضاعف من معاناة السكان ويأسهم.
وشدد دا سيلفا على أن تعافي مليوني شخص في المناطق التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية، وإعادة تقديم الخدمات، يتطلبان بشكل عاجل توفير مأوى آمن، ووقود وإزالة الأنقاض.
وأشار إلى أن الأنقاض في غزة تعادل حمولة نحو 3 آلاف سفينة حاويات، واليوم يُحاط كل شخص في غزة بمتوسط 30 طنا من الأنقاض، ومن المرجح أن تستغرق إزالة هذه الأنقاض أكثر من 7 سنوات.
ووصف المسؤول الأممي حجم الدمار في غزة بأنه "لا يُصدق"، مضيفًا: "دُمّرت المنازل والمدارس والعيادات والطرق وشبكات المياه والكهرباء".
وتابع: "باتت حياة الأطفال اليومية محفوفة بالفقدان والصدمات، والأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة لثلاث سنوات مُعرّضون لخطر أن يصبحوا جيلا ضائعا".


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire