الهيمنة السردية للإعلام الإمبريالي

 

د. طنوس شلهوب

في العصر الحديث، لا تقتصر وسائل الإعلام الكبرى على نقل الوقائع فحسب، بل تلعب دورًا مركزيًا في تشكيل السرد الذي يحيط بالأحداث بما يخدم أهداف القوى المهيمنة، ويعيد إنتاج تصورات عالمية عن “الصديق” و”العدو”، و”الثورة” و”الاضطراب”
.
في بلغاريا، اندلعت في نهاية العام المنصرم احتجاجات شعبية واسعة ضد السياسات الاقتصادية للحكومة، والتي شملت رفع الضرائب وإعادة هيكلة الإنفاق العام وتطبيق إصلاحات مالية صارمة. وقد جاءت هذه السياسات استجابة لشروط الاتحاد الأوروبي والمتطلبات الضرورية لانضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو، وأثارت سخط المواطنين بسبب الأثر المباشر على تكاليف المعيشة. بالكاد تناولت وسائل الإعلام الغربي هذه الاحتجاجات، وقدمتها على أنها ضمن "نظام ديمقراطي". 
 في إيران خرجت الاحتجاجات نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة الناجمة بشكل مباشر عن العقوبات الغربية المفروضة على البلاد منذ الثورة الاسلامية، وتجميد أصولها الخارجية، ناهيك عن دور الشرائح الاقتصادية الرأسمالية الداخلية، المرتبطة مصالحها بالغرب، والقوى الليبرالية المعادية للخط السيادي في النظام، مما ادى الى انهيار العملة الوطنية، وتضخم غير مسبوق، وارتفاع تكاليف المعيشة .
هذه الأزمة الاقتصادية، التي تعد الدافع الرئيسي للغضب الشعبي، تم تجاهلها في الإعلام الغربي، والخليجي والمحلي المرتزق باموال البترول، حيث ركّزت هذه التغطيات على إسقاط النظام ووصفت الاحتجاجات بأنها انتفاضة ضد حكم استبدادي، مع استخدام مفردات مثل “قمع وحشي” و”سقوط محتمل للنظام”، متجاهلة سياق العقوبات وتدخلات القوى الأجنبية.
ويزداد الأمر وضوحًا عند بروز الدور العلني لقادة غربيين وإسرائيليين في توجيه السرد الإعلامي والسياسي. فقد صرح الرئيس الأمريكي ترامب بأنه مستعد للتدخل في حال استخدمت السلطات الإيرانية القوة المميتة ضد المتظاهرين، وهو تصريح يعكس رغبة في استثمار الاحتجاجات كأداة لتصعيد الضغط السياسي والاقتصادي على طهران. وبالمثل، أعرب  نتنياهو عن دعمه العلني للمحتجين الإيرانيين، وأكد مسؤولون مرتبطون بإسرائيل وجود دعم على الأرض للمحتجين، ما يؤكد وجود تدخل استخباراتي وسياسي  مباشر من خلال الموساد والاستخبارات الغربية.
هذه التصريحات لم تُنقل كتعليقات عابرة، بل أُعيد استخدامها في الإعلام الغربي لتعزيز السرد الذي يخدم  أجندة الهيمنة (Narrative Hegemony)،   
ويحول احتجاجات المواطنين إلى أداة ضمن حملة الضغط على إيران.
المقارنة بين الحالة البلغارية والإيرانية توضح كيف تُمارس الهيمنة السردية : في أوروبا الغربية أو الدول الحليفة للغرب، تُقدّم الاحتجاجات ضمن إطار عقلاني"، حتى لو كانت السياسات الاقتصادية مرتبطة" بشروط خارجية مثل انضمام الدولة إلى اليورو، ويُصور النظام على انه ديمقراطي، بينما يتم التغاضي عن أي عنف قد يمارسه النظام ضد المحتجين، كما حدث في فرنسا (السترات الصفراء) .
بينما في دول تُصنف كخصم استراتيجي، تتحول الأحداث نفسها إلى سرد إعلامي مسيس، يبرز القمع ويختزل الأسباب الواقعية للأزمة، ويصور النظام كعدو مطلق، ويُغفل الدور الأساسي للعوامل الخارجية، مثل العقوبات والحصار الاقتصادي، والتدخلات السياسية والاستراتيجية.
هذا المقارنة تُبرز ضرورة الفهم النقدي للإعلام، وقراءة الأحداث من منظور شامل يأخذ بعين الاعتبار:
العوامل الداخلية والاقتصادية والاجتماعية.
التدخلات الخارجية وأجنداتها.
كيفية استخدام السرد الإعلامي ضمن أدوات الهيمنة الإمبريالية.
نتنياهو يزاحم الصهيونية الدينية: النقب «محمية إسرائيلية»
أحمد العبد

رام الله | في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية خطيرة، أقدم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وغيره من المسؤولين، على اقتحام النقب المحتلّ، في ما يَظهر أنه يمثّل عنواناً لمرحلة جديدة من الاستيطان المكثّف، والسيطرة الأمنية الصارمة على هذه المنطقة، التي لطالما كانت على رأس أهداف المشروع الصهيوني في فلسطين.
ومع انتشار حمّى الانتخابات المرتقبة في إسرائيل، ومعها سعار اليمين المتطرّف في أوساط الأحزاب الإسرائيلية، أعلن نتنياهو بوضوح أنّ حكومته ستعيد النقب بالكامل إلى «السيادة الإسرائيلية»، كما أنها ستكثّف الاستيطان على نطاق غير مسبوق، بما يضمن تغيير المشهد الديموغرافي لمصلحة المستوطنين.
والظاهر أنّ هدف الجولة التي رافق رئيسَ الحكومة فيها، وزيرا الأمن يسرائيل كاتس، و«الأمن القومي» إيتمار بن غفير، إلى جانب قادة الجيش والشرطة وجهاز «الشاباك»، مزاحمة قادة اليمين المتطرّف الذين لا يفتأون يكسبون المزيد من أصوات الناخبين عبر التحريض على النقب وقراها وسكّانها. ويبرز في قلب هذه استراتيجية التحريض تلك، بن غفير الذي قاد بنفسه سلسلة اقتحامات للقرى البدوية، برز من بينها اقتحامه قرية ترابين الصانع. ويأتي ذلك في وقت تشتدّ فيه سياسة الترهيب عبر استخدام القوّة المميتة، وهو ما أظهرته، مثلاً، حادثة إطلاق الشرطة الإسرائيلية النار على شاب بدوي، وقتله. وفي تبريره لحوادث القتل تلك، يقول بن غفير إنّ «كل مَن يثير المشاكل سنسحقه… هذا وطننا».
ويشكّل ملفّ القرى غير المعترف بها، جوهر الصراع في النقب؛ إذ يعيش نحو 100 ألف فلسطيني في أكثر من 30 قرية - من مثل: العراقيب، رأس جرابة، الزرنوق، أم بطين، عرعرة النقب وترابين الصانع -، غير معترف بها رسمياً، رغم تاريخها الطويل قبل قيام دولة الاحتلال. ويُستخدم هذا الرفض الإداري، كأداة سياسية لمنع السكان من الحصول على المياه والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية، تمهيداً لدفعهم نحو الرحيل القسري، في وقت يُعمل فيه على توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها بلا أيّ قيود. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت عمليات هدم المنازل والمنشآت في النقب لتصبح أداة ضغط نفسي وجسدي، مع هدم الاحتلال نحو 10 آلاف منزل ومنشأة في أثناء عقدَين.
وعلى امتداد العقود الماضية، كانت النقب عرضة لعشرات المخطّطات الاستيطانية الكبرى التي استهدفت الأرض والديمغرافيا، لعلّ أبرزها مخطّط «برافر - بيغن» الذي جرى تجميده شكليّاً عام 2013 تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، علماً أنه يهدف إلى مصادرة نحو 850 ألف دونم من أراضي البدو وتهجير نحو 100 ألف فلسطيني. ويعود هذا المخطّط اليوم بروح جديدة، وذلك عبر أدوات تشمل قرارات قضائية، ومشاريع تطوير، وإنشاء بنى تحتية مجهّزة بمرافق أمنية مشدّدة، وتُسوَّق باعتبارها «تنمية للنقب»، وإنْ كانت في الحقيقة لا تعدو كونها جزءاً من مشروع اقتلاع ممنهج يربط بين الاستيطان والأمن والقانون لتحقيق السيطرة الكاملة، في حين تستفيد المستوطنات اليهودية من مشاريع بنية تحتية ضخمة تشمل شبكات طرق ومياه وكهرباء، ويُحرم الفلسطينيون من أبسط مقوّمات الحياة.
هذا التساوق بين الاستيطان والسيطرة الأمنية، يَظهر جليّاً في دور جهاز «الشاباك»، الذي توسّعت تدخّلاته في حياة السكان، عبر تحقيقات واستدعاءات أمنية تستهدف شبّاناً ونساء وأطفالاً، بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو مجرّد متابعة قناة إخبارية. كذلك، يجري استغلال ظروف الأهالي الاقتصادية والاجتماعية للضغط عليهم وابتزازهم، أو محاولة تجنيدهم كأدوات في أيدي الأجهزة الأمنية، وهو ما يجعل القرى الفلسطينية في النقب بمثابة غرفة تحقيق مفتوحة يعيش أهلها تحت رقابة مستمرّة.
ومنذ احتلال فلسطين عام 1948، دأبت إسرائيل على استهداف النقب من دون توقّف؛ فقد هُجّر أكثر من 100 ألف بدوي من المنطقة، ولم يبقَ سوى نحو 11 ألفاً ضمن منطقة «السياج» يعيشون في ظلّ حكم عسكري، في حين صاغت الدولة قوانين «أملاك الغائبين» (1950)، و«أملاك الدولة» (1951)، واستيلاء الأراضي (1953)، لتكرّس مصادرة الأراضي وتحويلها إلى «أملاك دولة»، وهو الأساس القانوني الذي ارتكزت عليه كل مخطّطات الاستيطان لاحقاً. ومذّاك، تعاقبت المخطّطات الإسرائيلية لتوطين البدو في بلدات فقيرة مكتظّة ومنعهم من البناء في الكثير من القرى، وذلك في مقابل مستوطنات زراعية مزدهرة ومشاريع استراتيجية كبرى - من مفاعل ديمونا النووي، إلى القواعد العسكرية والمطارات والسجون -، جعلت هذه المنطقة مفصلاً محورياً في دولة الاحتلال يجمع بين الأمن والاستيطان والزراعة والبحث العلمي.
أيضاً، استبطنت المشاريع الزراعية والمائية استراتيجية تهويد طويلة الأمد للنقب، وذلك عبر شبكات ريّ ضخمة، من مثل خطّ اليركون - النقب، وخطوط الريّ الممتدّة من بحيرة طبريا، إضافة إلى مشاريع التحريج وإقامة المزارع الفردية، والهادفة تحويل النقب إلى منطقة زراعية واستيطانية. ولم يقتصر الأمر على البنية التحتية والزراعة، بل شمل الهوية الثقافية والرمزية، مع استبدال الأسماء العربية بأسماء عبرية أو توراتية في أكثر من 500 موقع - ضمن ما يُعرف بـ«إعادة تسمية النقب» -، والذي رمى إلى إزالة الوجود التاريخي والثقافي الفلسطيني وخلق أرض جديدة تُسجّل كأرض يهودية خالصة.
«الأونروا» تعتزم فتح مكتب لها في أنقرة خلال أسابيع
أعلن المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليب لازاريني، أن الوكالة ستفتح مكتباً لها في أنقرة خلال أسابيع.
وقال لازاريني لصحافيين خلال زيارته للعاصمة التركية، اليوم: «وقّعنا الاتفاق النهائي مع حكومة تركيا، وقد صادق عليه هذه المرة أيضاً البرلمان»، مضيفاً أن افتتاح المكتب «مسألة أسابيع».
يأتي هذا التطور غداة إعلان «الأونروا» أنها تمرّ بأزمة مالية حادة أجبرتها على الاستغناء عن 571 من موظفيها في غزة ممن غادروا القطاع الذي دمرته الحرب.
وقالت «الأونروا»، في بيان أمس، إن القرار «الصعب للغاية» يعود إلى أزمة مالية ناجمة عن تراجع التبرعات التي تعتمد عليها، بعدما أصبحت محوراً لانتقادات وهجمات إسرائيلية متزايدة.
وعلى مدى أكثر من سبعة عقود، قدمت «الأونروا» المساعدة للاجئين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان والأردن وسوريا، ولا تزال تواصل عملها هناك «رغم قيود كثيرة جداً»، وفق لازاريني.
الاحتلال ارتكب 1193 خرقًا خلال 90 يومًا من الاتفاق
قال المكتب الإعلامي الحكومي إن قوات الاحتلال واصلت، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وحتى اليوم الجمعة 9 يناير/كانون الثاني 2026، ارتكاب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني وبنود البروتوكول الإنساني المُلحق به.
وأوضح المكتب، في بيان صحفي، اليوم الجمعة، أن الجهات الحكومية المختصة رصدت 1193 خرقًا خلال 90 يومًا، شملت 384 جريمة إطلاق نار مباشر ضد المدنيين، و66 عملية توغّل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و551 جريمة قصف واستهداف لمواطنين ومنازلهم، إضافة إلى 192 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات مدنية.
وأشار البيان إلى أن هذه الانتهاكات أدت إلى استشهاد 484 مواطنًا وإصابة 1206 آخرين، فضلًا عن 50 حالة اعتقال غير قانوني نفذتها قوات الاحتلال.
وفي الشق الإنساني، حذّر المكتب من تفاقم الإبادة البطيئة في قطاع غزة نتيجة تنصّل الاحتلال من التزاماته، مبينًا أن ما دخل القطاع خلال الفترة المذكورة 23,019 شاحنة مساعدات فقط من أصل 54,000 شاحنة كان يفترض إدخالها، بمتوسط 255 شاحنة يوميًا من أصل 600، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 43%، ما أدى إلى استمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والوقود.
وأضاف، أن شحنات الوقود التي دخلت القطاع لم تتجاوز 539 شاحنة من أصل 4,500 شاحنة مقررة، بمتوسط 5 شاحنات يوميًا من أصل 50، وبنسبة التزام تقارب 11%، الأمر الذي أبقى المستشفيات والمخابز ومحطات المياه والصرف الصحي في حالة شبه شلل. وفي ملف الإيواء، أكد المكتب أن إغلاق المعابر ومنع إدخال البيوت المتنقلة والكرفانات ومواد الإيواء أدى، بالتزامن مع المنخفضات الجوية وبداية فصل الشتاء، إلى انهيار أكثر من 50 منزلًا ومبنىً متضررًا، ما أسفر عن شهداء ومصابين، إلى جانب تسجيل وفيات جراء البرد داخل خيام النازحين، في ظل خروج أكثر من 127 ألف خيمة عن الخدمة وعدم صلاحيتها لإيواء نحو 1.5 مليون نازح.
كما أكد المكتب الحكومي، أن استمرار هذه الخروقات والانتهاكات يُعدّ التفافاً خطيراً على وقف إطلاق النار، ومحاولة لفرض معادلة إنسانية تقوم على الإخضاع والتجويع والابتزاز، محملًا الاحتلال "الإسرائيلي" المسؤولية الكاملة عن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، وعن الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي دُمّرت خلال فترة يُفترض فيها أن يسود وقف كامل ومستدام لإطلاق النار.
ودعا المكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والجهات الراعية والوسطاء والضامنين، والمجتمع الدولي، والأمم المتحدة، إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها كاملة، وضمان حماية المدنيين، وتأمين التدفق الفوري والآمن للمساعدات والوقود.
مطلقات وسط ركام الحرب في غزة: سأبدأ من جديد ولو في خيمة
نسمة الحرازين

في مدينة غزة، لم تنتهِ آثار الحرب عند حدود القصف والركام ورائحة البارود والإبادة، بل امتدت لتكشف هشاشة اجتماعية مضاعفة، لا سيما في حياة النساء المعنَّفات، خاصة النساء المطلقات.
لم تقتصر معاناة الحرب على النزوح والفقر وفقدان الأحبة والأمن والأمان، بل عمّقت أنماطاً قديمة من العنف الأسري، تجذرت مع غياب الأمن وسبل الحماية وتآكل منظومة الحقوق الدولية للإنسان، خاصة المرأة، لتتحول غزة إلى واحدة من أشرس البيئات الإنسانية في العالم بالنسبة للنساء الأضعف اجتماعياً.
يسلط التقرير التالي الضوء على نساء غزّيات خرجن من تحت الركام الجسدي والنفسي معاً، ويرصد كيف تحوّلت الأمومة الفردية والمرض والإصابة والنزوح القسري إلى معركة يومية من أجل العيش بكرامة، في ظل حرب شرسة لم تترك مساحة حقيقية للتعافي من آثارها النفسية والاجتماعية.

فوق ركامين
في خيمة صغيرة، نُصبت على عجل في إحدى مناطق النزوح بمدينة غزة، جلست هبة مراد، امرأة في بداية الأربعين من عمرها وأم لخمسة أطفال، تحاول ترتيب أكياس الطحين حولها بما يمنح المكان شيئاً من الاستقرار المؤقت.
لا يبدو المشهد استثنائياً في مدينة أنهكتها الحرب، لكن ملامح هبة أعمق من آثار القصف... غبار متراكم من سنوات طويلة من الحروب، وأخرى اجتماعية سحقت ما هو أبعد من البيوت، لتطال الثقة والأمان والحق في حياة كريمة.
اليوم، تقف هبة فوق ركامين في آن واحد: ركام مدينة مدمّرة، وركام حياة أُنهكت حتى أصبحت تبحث عن «وطن آمن» داخل خيمة لا تحمي من برد الليل، ولا من أسئلة الغد.

قاصر… زوجة… ومعيلة في بيئة خطرة
لم تبدأ معاناة هبة مع الحرب الأخيرة، بل سبقتها بسنوات طويلة. في عمر الرابعة عشرة، فُرض عليها الزواج، لتنتقل فجأة من طفولة قصيرة إلى حياة مليئة بالقيود والمسؤوليات. وتقول بصوت منخفض: «كنت طفلة… لا أفهم معنى الزواج، ولا أعرف كيف أدافع عن نفسي».
خمسة عشر عاماً قضتها في منزل عائلة الزوج، في بيئة تفتقر إلى الخصوصية؛ حمام مشترك، غرف ضيقة، وصراعات عائلية لا تنتهي.
الأخطر من ذلك، كما تروي، أن جزءاً من أفراد عائلة الزوج كانوا متورطين في تجارة المواد المخدرة، ما جعل حياتها اليومية محاطة بالخوف والقلق الدائم، وفرض عليها حالة توتر مستمرة داخل المنزل.
لم تكن هبة تملك رفاهية الانسحاب، فحاولت الصمود عبر بيع مواد تنظيف بسيطة لتأمين احتياجات أطفالها، بينما كان الخطر يقترب أكثر من دون شبكة أمان تحميها أو جهة رسمية قادرة على التدخل.

يوم انقلبت فيه الحياة
في السادس من تشرين الأول 2019، داهمت الشرطة منزل عائلة طليقها بسبب أحد المطلوبين في قضايا مخدرات.
كانت هبة في الطابق العلوي تُعد الطعام عندما رأت زوجها يفرّ من المكان. تقول بأسى: «في تلك اللحظة فقط أدركت أنه عاد إلى طريق الحبوب الممنوعة». لكن الصدمة الأكبر جاءت حين أُلصقت بها تهمة الاعتداء على أحد الضباط أثناء المداهمة، رغم تأكيدها أن زوجة شقيق زوجها هي من قامت بذلك.
اعتُقلت هبة مع طفلتها وابنة شقيق زوجها، ونُقلت إلى مركز الزيتون ثم إلى سجن أنصار.
خمسة عشر يوماً تصفها بأنها الأصعب في حياتها. تقول بصوت متحشرج: «كنت أبكي طوال الليل. شعرت أن كرامتي تُسلب أمام الناس وأنا بريئة».
خرجت هبة بكفالة، لكنها فوجئت باستقبال عائلة الزوج لها بهتاف «أسيرة محررة»، في مشهد فهمت منه سريعاً أن ما جرى كان محاولة لتثبيت التهمة عليها وتبرئة الآخرين، وتحميلها عبء الفضيحة الاجتماعية.

من بيت الزوجية إلى بيت العائلة… ثم عودة قسرية
لم تتوقف المعاناة عند بوابة السجن. الاتهام أحدث شرخاً داخل عائلتها أيضاً. تقول هبة: «أخي الكبير غضب مني، وظن أنني مذنبة… كنت منهارة ولا أقوى حتى على الوقوف».
حاولت الهروب وطلب الطلاق، مراراً، لكن عائلتها ضغطت عليها للعودة «حفاظاً على الأبناء». وعندما رفضت، أُعيدت بالقوة. عندها لجأت إلى مؤسسة مختصة بشؤون المرأة ورفعت أول قضية طلاق، متنازلة عن جميع حقوقها المادية. لكن المجتمع لم يكن رحيماً، وُجّه لها اللوم لأنها «خرّبت بيتها»، وفق نظرة اجتماعية لا ترى في المرأة المعنَّفة ضحية، بل متهمة دائمة.

عودة مشروطة… وعنف متجدّد
قبل انتهاء العدّة، رضخت هبة لضغوط العائلة وعادت إلى زوجها بعد استئجار شقة، على نفقتها الخاصة، أملاً في بداية جديدة. غير أن العنف عاد، وربما بشكل أشد. تقول وهي تبكي: «كان يضربني ويشتمني… كنت أشعر أنني محبوسة داخل خوف مستمر».
في إحدى المرات، ألقت بنفسها من نافذة الغرفة هرباً من الضرب، بينما كان طفلها ذو الثلاث سنوات يحاول الدفاع عنها، في مشهد يلخّص هشاشة الأمومة تحت العنف، وانعدام أي حماية فعلية.

الطلاق الثاني… وولادة امرأة جديدة
بعد سلسلة اعتداءات جسدية عليها من قبل زوجها، رفعت هبة قضية طلاق ثانية، وتنازلت مجدداً عن حقوقها المادية. تقول بصوت أكثر صلابة: «هذه المرة لم أعد خائفة… شعرت أن حياتي يجب أن تعود لي».
لكن الزوج منعها من رؤية أطفالها لأشهر، في محاولة للضغط والانتقام. كانت تنهار كل ليلة، لكنها واصلت المعركة القانونية حتى استعادت حضانتهم، لتبدأ مرحلة جديدة من الصمود.

عنف وتشرد… واستعادة الذات
لم يكن الطلاق نهاية الألم. بعد انفصالها، استأجرت هبة بيتاً صغيراً في شارع أبو عرار في محاولة منها لإعادة ترتيب حياتها، إلا أن الزوج لاحقها واعتدى عليها بالضرب في الشارع أمام المارة، في مشهد مهين دفع صاحبة المنزل إلى التدخل وإنقاذها بعدما حاولت الانتحار بإلقاء نفسها من الطابق الرابع.
لجأت هبة إلى مراكز لحماية المرأة حيث وجدت دعماً نفسياً أعاد لها جزءاً من قوتها المسلوبة. وتقول إن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحوّل حقيقية، رغم حرمانها من أطفالها لفترة طويلة. ولم يتوقف العنف عند الزوج، بل امتد إلى العائلة، إذ واجهت إهانات قاسية من شقيقها.
رغم كل ذلك، اختارت هبة ألا تستسلم. خلال العدوان على غزة عام 2023، عملت كمندوبة مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، تشارك في توزيع المساعدات للنازحين، في محاولة لردّ شيء من الخير لعالم ضاق بها طويلاً، ولإثبات قدرتها على الوقوف مجدداً رغم كل ما فُرض عليها.
مع اندلاع الحرب، تضاعفت مسؤوليات هبة، كامرأة مطلقة تعيل خمسة أطفال وحدها. تقول بصوت باكٍ: «لم يكن لدي بيت ثابت… كنت أتنقل وأنا أجرّ أولادي بيدي».
أعاد صوت الصواريخ فتح جرح عتيق داخل هبة لتقول: «كنت أحمل الماء والطعام والخوف وحدي… وأخفي دموعي عن أولادي».
عندما سُئلت عن أقصى طموحاتها، ابتسمت بهدوء وأجابت: «لا أريد الكثير… فقط بيت صغير يجمعني بأطفالي، وعمل براتب ثابت. أريد أن أعيش بسلام».

قصص واقعية أخرى
في مركز خاص بمرضى السرطان للأيتام بمدينة غزة، تروي صفاء أبو فول (38 عاماً) حكايتها مع العنف والمرض والنزوح. فقدت والدها مبكراً، وانقطعت عن التعليم، وأصيبت لاحقاً بسرطان الدماغ، قبل أن تعيش سنوات من العنف الأسري والاستغلال.
تقول صفاء إنها عانت المجاعة، وأُجبرت على أكل طعام الطيور وورق الشجر، وتعرضت للضرب والحرمان من المساعدات، قبل أن تجد في المركز مأوى إنسانياً أعاد لها دفء العائلة. وتضيف بصوت مكسور: «كان أخي يمنعني من النزوح ويجبرني على خدمته رغم إصابتي بالسرطان… استخدم ألفاظًا لا تُحتمل، وضربني بسوط جلدي».

إعاقة جسدية وإرادة صامدة
نيبال الهسي، فتاة عشرينية من مدينة جباليا، فقدت يديها إثر إصابة خلال العدوان، ثم فقدت زوجها الذي طلب الانفصال «لعدم قدرته على تحمّل إعاقتها».
تعيش نيبال اليوم مع طفلتها، وتنتظر فرصة علاجية لتركيب أطراف بديلة، بينما تحاول إعادة بناء حياتها بكرامة، رافضةً أن تكون الإعاقة سبباً لإقصائها.

واقع الطلاق في ظل العدوان
في ظل العدوان الشرس على مدينة غزة، لم تتوفر حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد النساء المطلقات، بسبب القصف والدمار وتعطل مؤسسات التوثيق، وصعوبة وصول النساء إلى المحاكم الشرعية والنزوح الواسع المستمر.
إلا أن مؤشرات المحاكم الشرعية تشير إلى ارتفاع ملحوظ في قضايا الطلاق والانفصال، حيث أفادت بعض المصادر القضائية بأن معاملات الطلاق شكّلت نحو 12% من إجمالي المعاملات الشرعية، خلال فترة العدوان 2023-2025، ما يعكس حجم الضغط الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الذي تتعرض له الأسر الغزية، خاصة النساء.

طلاق ونزوح... وصراع البقاء
تسرد ماهي عدوان، صحافية تعمل في تلفزيون فلسطين، معاناتها كامرأة مطلقة وأم لطفلين في ظل النزوح والحرب، وتقول: «شعور سيئ أن تكوني مضطرة للنزوح وأنتِ مسؤولة عن تقرير مصيرك مع طفلين، لكن الحمد لله مرت المرحلة».
وتضيف: «كانت لدي خيمة خاصة بي، لكن لم تكن هناك خصوصية على الإطلاق، وكان الناس يتساءلون لماذا أنا مطلقة، وكيف أتعامل مع أموري الشخصية مثل الهاتف وتحديث المستندات والبطاقة، خاصة أثناء النزوح».
تصف ماهي أصعب اللحظات بصوت حزين: «أصعب مرحلة كانت عندما اضطررت للنزوح ولم أكن أعرف إلى أين أذهب أو من أين أحضر خيمة. عند وصولي إلى منطقة المواصي بخانيونس، بكيت كثيراً في أول يوم، وكانت نفسيتي وأولادي سيئة جداً. أثناء القصف والطيران الحربي، كان أولادي يخافون كثيراً، وأنا أخاف أكثر منهم».
تتابع ماهي: «وجود الرجل لا يمنع القصف أو الخوف. لم أتعرض لأي مضايقات، لكن بعض النساء كن يغرن مني لأنني لم أتعرض لمشاكل مع الرجال. الأمان لا يوجد في غزة، وأصبح معظم النساء خلال الحرب معنفات من قبل الرجال».
تطالب ماهي بتوفير دعم خاص للمطلقات: «أتمنى أن يكون هناك شيء خاص للمطلقات، دعم مادي ونفسي ومعنوي، وتلبية احتياجاتهن وأولادهن. رسالتي أن يتم الاهتمام أكثر بالمطلقات وأطفالهن وعدم تركهن يعانين وحيدات».
وتختم عدوان حديثها بحلمها الشخصي: «أحلم بأن يكون هناك تقدير للمطلقة، لأن لا أحد يختار الطلاق بسهولة. أنا مطلقة منذ 12 سنة، وأثناء الحرب نزحت، أكثر من مرة، من تل السلطان رفح إلى المواصي بخانيونس، ثم انتهى المطاف بي في مدينة غزة. حاولت أن أقوم بكل ما يقوم به الرجال لرعاية أطفالي، وكل من حولي ساعدوني. أطفالي كبروا في ظل الحرب، وحصلت ابنتي الكبرى على معدل 97.6 في الثانوية العامة عام 2007، وحالياً أحضر كل الاحتياجات والمستلزمات لهم».

هشاشة مضاعفة
تقول الدكتورة تهاني أبو غالي، الأخصائية النفسية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، إن الحرب تضاعف الهشاشة النفسية لدى المرأة المطلقة، لأنها تدخل الأزمة وهي مثقلة أصلًا بخسارة عاطفية واجتماعية واقتصادية.
وتوضح أبو غالي أن النساء المطلقات أكثر عرضة للاكتئاب واضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة، إضافة إلى العنف النفسي والاقتصادي والجسدي، خصوصاً في بيئات النزوح غير الآمنة حيث تُنظر للمطلقة أحياناً كـ«فريسة سهلة».
تشير أبو غالي إلى أن المجتمع في أوقات الأزمات يميل إلى التشدد والعودة إلى الأحكام التقليدية، فتُحمَّل المطلقة مسؤولية فشل الزواج، ما يعمّق عزلتها ويمنعها من طلب المساعدة.
وترى أن الدعم النفسي والملاجئ الآمنة ليست رفاهية، بل ضرورة لإعادة بناء الإحساس بالقيمة، ومنع انتقال أثر الصدمة إلى الأطفال
في ظل الأوضاع الصعبة والواقع المرير، تواجه نساء غزة المطلقات فجوة خطيرة بين النظريات والتطبيق العملي وغياب حقوق الإنسان، حيث تراجعت المؤسسات الرسمية والأهلية عن التدخل والحماية بفعل الحرب والنزوح وانهيار الخدمات المتاحة.
مع غياب المؤسسات الخاصة بالتعامل مع مسألة العنف ضد المرأة وغياب الدعم الإنساني، تجد كثير من النساء أنفسهن مجبرات على الصمت أو العودة إلى بيئات عنيفة، خوفاً من التشرد أو فقدان الأطفال، ما يجعل الطلاق في زمن الحرب مخاطرة كبيرة، لا خيار نجاة مضموناً.
من هبة مراد، إلى صفاء أبو فول، إلى نيبال الهسي، تتقاطع القصص عند نقطة واحدة مع ماهي عدوان، نساء أُجبرن على النزوح من أجل النجاة، في مساحة غزة الضيقة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، بين العنف والاضطهاد والفقر والنزوح ونظرة مجتمع قاسية.
تقول كل واحدة منهن، في ختام حديثها، بالمعنى ذاته: «تعلمت أن كرامتي ليست ورقة بيد أحد… سأبدأ من جديد، ولو من خيمة».
«حفلة» قتل جديدة في غزة: العدو يواصل تهشيم الاتفاق
يوسف فارس

غزة | فتحت إسرائيل، مجدّداً، فوهة الجحيم على قطاع غزة، متذرّعة بانطلاق صاروخ محلّي الصنع من مناطق شمال غرب القطاع، رغم سقوطه في المكان نفسه الذي انطلق منه في منطقة بعيدة كلّياً عن وجود جنودها، وذلك في محيط منطقة أبراج المقوسي غرب مدينة غزة. وعلى الأثر، أطلق العدو موجة غارات واغتيالات استمرّت ليلة كاملة، وأدّت إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى.
ووفقاً لشهود عيان، فإنّ عدداً من الأطفال قاموا بإشعال نار في منطقة قريبة من الخيام التي يسكنوها؛ وعلى نحو مفاجئ، انطلق صاروخ لم تُحدّد ماهيّته، أكان من مخلّفات الاحتلال أو واحداً من صواريخ المقاومة المدفونة في الأرض. ويقول الشهود، لـ«الأخبار»، إنّ الصاروخ انطلق لبضعة عشرات من الأمتار في السماء، ثم سقط في الحيّز الجغرافي نفسه الذي انطلق منه، في منطقة لا وجود فيها لأي من جنود الاحتلال، وبعيدة جداً عن «الخط الأصفر» الواقع على امتداد المناطق الشرقية للقطاع، كونها واقعة في محاذاة الساحل البحري للمدينة. إلا أنّ جيش الاحتلال زعم في السردية التي قدّمها ذريعة للغارات، أنّ مقاومين حاولوا إطلاق صاروخ محلّي تجاه المناطق التي يتمركز فيها الجنود الإسرائيليون، لكنهم فشلوا في ذلك، مدّعياً أنّ العملية شكّلت خطراً على سلامة الجنود، ليبدأ والحال هذه حملة قصف واغتيالات مكثّفة امتدّت من أقصى شمال القطاع وحتى أقصى جنوبه، وشملت أحزمة نارية أعادت إلى الأذهان صورة الحرب المكثّفة.
واستهدفت الغارة الأولى مركز «أبو حسين» لإيواء النازحين في مخيم جباليا شمالي القطاع، وتسبّبت في استشهاد الشاب إبراهيم صبح؛ ثم أغارت الطائرات الحربية على محيط مفترق عسقولة في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، ما أدّى إلى استشهاد 4 شبان. وفي غضون ذلك، أرسل جيش الاحتلال أوامر بإخلاء 4 منازل ومخيم إيواء في منطقة المقوسي شمال غرب المدينة، ونفّذ أحزمة نارية مكثّفة ضدّ مخيم الإيواء، مدمّراً بذلك المئات من الخيام التي لم يستطع سكانها الخروج بأمتعتهم منها.
كذلك، استهدفت طائرات «الكوادكابتر» خيام النازحين في مدرسة خليفة في مشروع بيت لاهيا، ما تسبّب بإصابة 4 نازحين. أمّا في وسط القطاع، فقد شهدت مدينة دير البلح ومنطقة الزوايدة ومخيم النصيرات، سلسلة من الغارات التي استهدفت منازل وخياماً مأهولة، وأسفرت عن استشهاد القائد الميداني في «كتائب القسام»، أحمد ثابت. وفي الجنوب، هاجم جيش الاحتلال بمسيّرة انتحارية خيمة تؤوي نازحين من عائلة العبادلة، ما أدّى إلى ارتقاء 4 شهداء من بينهم 3 أطفال. كما استشهد المواطن صالح القصاص جرّاء استهدافه بقنبلة من طائرة «كوادكابتر» في منطقة الشيخ ناصر في مدينة خانيونس جنوبي القطاع. وبحسب إحصائيات وزارة الصحة، فإنّ موجة الغارات الأخيرة أدّت إلى استشهاد 14 مواطناً وإصابة 17 آخرين.
هذه الموجة، وما رافقها من قصف مدفعي وجوي امتدّ من ساعات المساء وحتى صباح اليوم التالي، يَظهر واضحاً أنها لا تتناسب مع حجم الحدث المقابل، بل تشير إلى أنّ المحرّك الرئيس لكسر حال الهدوء والانتقال إلى التصعيد المفاجئ، هو توفّر مجموعة من الأهداف الوازنة. وفي هذا الإطار، لا يبدو أنّ صاحب القرار الإسرائيلي يتوقّف طويلاً عند بناء السردية التي تُغسل بها موجات التصعيد المتكرّرة، لا سيّما في ظلّ حال عدم الاكتراث التي يتصرّف بها الوسطاء والضامنون لاتفاق وقف إطلاق النار، وعلى رأسهم الأميركي، حيال الملف بكامله. والجدير ذكره، هنا، أنّ جيش الاحتلال حاول في بعضٍ من عمليات القصف الأخيرة، اغتيال قادة ميدانيين في «كتائب القسام» يُصنّفون على أنهم من الصف الثاني أو النشطاء الميدانيين، وهو حاول مؤخّراً اغتيال قائد «كتيبة التفاح»، محمد علوان، كما نجح في اغتيال عدد من القادة البارزين في المقاومة أبرزهم كمال عواد وأحمد حماد ثابت ومهدي كوارع.
حماسة إسرائيلية لاحتجاجات إيران | المؤسّسة الأمنية تتحفّظ: انهيار النظام بعيد
يحيى دبوق

توصَف الاحتجاجات المتواصلة في إيران، في خلال النقاشات الإسرائيلية حولها والتي لا تخلو من لاموضوعية وإهمال للذاكرة التاريخية، بعبارات دراماتيكية من قبيل: «بداية نهاية النظام» و»حدث لا مثيل له». ولا تقتصر تلك النبرة المتفائلة والمتحمّسة، على برامج التحليل في وسائل الإعلام العبرية، بل تتعداها إلى أعلى المستويات السياسية، حيث اعتبر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مثلاً، أنه «من الممكن جدّاً أنّنا نقف أمام اللحظة التي سيقرّر فيها الشعب الإيراني مصيره بيده».
لكنّ المقاربة الإسرائيلية تجاه الحدث الإيراني ليست في اتّجاه واحد؛ بل هي تُراوِح بين أمل كبير في أن يزول التهديد الاستراتيجي الأكبر نتيجة انهيار داخلي في طهران، وقلق متصاعد من أن يعمد النظام الإيراني إلى تصعيد خارجي، خصوصاً ضدّ إسرائيل، لصرف الانتباه عن أزمته الداخلية. وفي انتظار ما ستؤول إليه، لا تقف تل أبيب متفرّجة تنتظر النتائج، بل تعمل، بالتنسيق مع واشنطن، على استثمار الزخم الشعبي في إيران لدفعه نحو أقصى النتائج الممكنة.
ومع ذلك، فإن التقديرات السائدة في الأوساط الاستخبارية والأمنية تبدو أكثر تحفّظاً بكثير ممّا يُطرح في استوديوهات التلفزة العبرية، ويمكن تلخيص أبرز ملامحه بالآتي:
أولاً: تختلف الاحتجاجات الحالية في إيران عن تلك التي خرجت في عام 2022، في أن خلفيتها اقتصادية بشكل رئيسيّ - في ظلّ استياء الجمهور الإيراني من ارتفاع تكاليف المعيشة -، وهو ما يقطع الصلة ابتداءً مع المطالب السياسية الصريحة، وإن كان لا ينفي احتمال تطوّرها لاحقاً. ووفقاً لمصادر استخبارية إسرائيلية، سُجّلت، في الأيام القليلة الماضية، زيادة كبيرة في بؤر التظاهر، مع جرأة أكبر يظهرها المشاركون على رغم «العنف» الذي يواجَهون به، حتى إن الاحتجاجات توسّعت إلى مدن بعيدة عن طهران. لكنّ المقاربة الأمنية الإسرائيلية تلحظ أن الاحتجاجات ما زالت تفتقر إلى التنسيق المركزي، وإلى قيادة موحّدة قادرة على تحويل الغضب العفوي (الاقتصادي المعيشي) إلى حركة سياسية مُنظّمة.
ثانياً: على رغم الضغوط، لم يُظهِر النظام أيّ علامات حقيقية على الانقسام الداخلي، لا في صفوف المؤسسة الأمنية بكلّ أذرعها - وهي العامل الحاسم في أيّ «ثورة» ناجحة -، ولا حتى في أروقة السلطة الدينية. أيضاً، لا توجد مؤشرات إلى هروب النخبة أو تآكل ولاء الدوائر الحاكمة، كما حدث في عهد الشاه عشية الثورة عام 1979. ووفقاً لما يؤكده رئيس «مركز الدراسات الإيرانية» في جامعة تل أبيب، البروفيسور مئير ليتفاك، فإن «تقارير وسائل الإعلام عن احتمال هروب المرشد، علي خامنئي، تبدو أقرب إلى التمنّي». فالطبقة الحاكمة في إيران لا تزال قوية ومتماسكة، وتسيطر على مفاصل الدولة، ولديها القدرة على الصمود حتى في أحلك الظروف.
ثالثاً: على رغم أن صنّاع القرار في تل أبيب لا يجزمون بنية إيران شنّ هجوم عسكري على إسرائيل للهروب من أزمتها الداخلية، لكنّ هذا الاحتمال يؤرّق الجمهور الإسرائيلي، خصوصاً بعدما تحوّلت المخاوف المتصلة به إلى القضية الأولى في النقاش العام. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي العبرية موجة من الشائعات عن احتمال اندلاع حرب قريبة مع إيران، استندت إلى تقدير شائع - وإنْ غير رسمي - مفاده أن النظام الإيراني، تحت الضغط الذي يواجهه، قد يُقدِم على «خطوة جريئة» تتمثّل في شنّ هجوم صاروخي واسع النطاق على إسرائيل. كذلك، تردّد سيناريو مقابل مفاده أن إسرائيل ترى في «إيران الرازحة تحت الضغط»، فرصة استراتيجية لتوجيه ضربة ضدّ منشآتها النووية أو الصاروخية. وتداوُل عامّة الإسرائيليين هذين السيناريوين - على رغم أنهما غير مرجّحين في هذه المرحلة -، يكشف مدى تأثير التطوّرات في إيران على الوعي الجمعي الإسرائيلي، وهو ما لم يكن ملحوظاً في ردود الفعل الإسرائيلية على احتجاجات سابقة، كانت أشدّ ممّا هو قائم اليوم.
رابعاً: مع أن بنيامين نتنياهو وجّه تعليمات واضحة إلى وزرائه وكبار المسؤولين بعدم التعليق علناً على التطوّرات في إيران، فإن «شهية التعليق»، النابعة من الرغبة في رؤية زوال «الخصم الأكبر»، دفعت أكثر من وزير ومسؤول إلى تجاوز هذا الحظر، حتى إن نتنياهو نفسه لم يلتزم تماماً بتوجيهاته، وسارع إلى الإدلاء بتصريحات عبّرت عن تمنياته بسقوط النظام. ولم يقتصر التجاوز على المستوى السياسي، بل تعدّاه إلى الأجهزة الأمنية، خصوصاً جهاز «الموساد»، الجهة المعنية مباشرة بمتابعة الشأن الإيراني استخباريّاً، حيث برزت تسريبات وتعليقات غير رسمية تحمل بصمته، بل وحتى «تغريدات» باللغة الفارسية من حسابات مرتبطة به، تسعى جميعها إلى استغلال الزخم الاحتجاجي في الداخل الإيراني، وتعزيز شعور الجمهور بأن النظام منهار، مع تشجيع المشاركة في الاحتجاجات. لكنّ هذا السلوك، على رغم جموحه، ينطوي على مخاطر، إذ من شأنه أن يقوّض مصداقية المتظاهرين عبر تصويرهم كأدوات بيد جهات أجنبية، إسرائيلية تحديداً.
في المُحصّلة، يكشف النقاش الإسرائيلي حول الاحتجاجات الإيرانية عن فجوة عميقة بين الرغبة والواقع. فبينما يرى الإعلام والخطاب السياسي، أن النظام الإيراني مقبل على «نهاية قريبة»، تتمسّك النخبة الأمنية بقراءة أكثر واقعية، عنوانها أن النظام قد يكون في أزمة حالياً، لكنه لا ينهار، وإن وجب العمل على تعزيز الاحتجاجات ضدّه وتوجيه مسارها، بما قد يساعد في انهياره لاحقاً.
كأننا نعيش سنوات ما بعد النكبة الفلسطينية
أحمد مفيد

في 2025، واجهت الثقافة الفلسطينية اختباراً وجودياً غير مسبوق، تحت الإبادة والحصار والسجون. قُتل مبدعون، دُمّرت مؤسسات، وتقلّصت شروط الإنتاج، فيما استمرّ الفن والأدب والسينما بوصفها أفعال توثيق ومقاومة. عامٌ أعاد طرح سؤال جدوى الثقافة ومعناها، في زمن يذكّر بما تلا نكبة 1948
في تموز (يوليو) 2025، نشر الفنان طه أبو غالي مقطعاً مصوراً يحطم فيه أعماله الفنية لاستخدامها في طهي الطعام. بعد انتشار المقطع على نطاق واسع، كتب في منشور آخر: «ما يُبكيني ويقتلني أنني لم أجد أحداً تعاطف مع الشهداء والجرحى، بينما تعاطف هذا العالم الغريب مع بعض الخربشات. والآن، وبعدما مزَّقت أعمالي، يعرض كثيرون المساعدة وشراء اللوحات».
كأننا نعيش سنوات ما بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، حيث يمر الإنتاج الثقافي الفلسطيني في أصعب تحدياته. بلغ عدد الشهداء من العلماء والأكاديميين والمعلمين في قطاع غزة 1023، وعدد المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية المدمرة 835 منذ بداية العدوان.
أما الجغرافيات الأخرى فتعيش تحديات كبيرة، أولها جغرافيا السجون التي تضم آلاف النخب من الأسرى والأسيرات، ولا تتوافر لهم أدنى مقومات الإنتاج الثقافي من كتب وورق وأقلام، لأن الطعام والشراب والملابس نفسها ممنوعة. وفي الجغرافيات الأخرى (الضفة، القدس، الداخل المحتل، والشتات) فإن الإنتاج يصطدم بسؤال الفنان طه أبو غالي حول دور الإنتاج الثقافي في الإبادة.

شهداء الثقافة
بعد انتهاك العدو الصهيوني للهدنة الأولى في 18 آذار (مارس) 2025، نفّذت قواته مجازر مروّعة أودت بحياة أكثر من 400 شخص، بينهم الفنان ضرغام قريقع وزوجته.
وبعد أقل من شهر، استُشهدت فاطمة حسونة «قنّاصة اللحظات»، وهي مصوّرة وكاتبة في منصة «فلسطين غير المحكية »، وكانت شغوفة بالفن والموسيقى. وفي أواخر حزيران (يونيو)، استهدفت قوات العدو مقهى «الباقة» المعروف كملتقى للفنانين والطلاب، حيث استُشهدت الفنانة آمنة السالمي والصحافي إسماعيل أبو حطب مع العشرات من الشهداء والجرحى.
وفي 17 أيلول (سبتمبر) 2025، اغتال العدو الصهيوني الفنان محمد أبو ليلة في قطاع غزة، المعروف برسم الجداريات التي تخلّد المناسبات الوطنية.
كما نعت المؤسسات الثقافية المسرحي عادل الترتير الذي وافته المنية في 10 تموز (يوليو)، وهو أحد أبرز روّاد الحركة المسرحية، أسّس فرقة «بلالين» ومسرح «صندوق العجب» في سبعينيات القرن الماضي. ونعت أيضاً الدكتور عبد الكريم أبو خشّان، أستاذ الأدب الفلسطيني والعربي في «جامعة بيرزيت».

غزة تعيد «تركيب» الحكاية
تُعدّ «مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي» إحدى أهم المؤسسات التي واصلت العمل الثقافي والفني خلال الحرب في قطاع غزة والضفة الغربية ومصر.
بيسان نتيل، إحدى عضوات طاقم المؤسسة في غزة، عملت على توثيق التجارب الحيوية تحت وطأة الحرب واللجوء، وأصدرت كتاب «كيف نعيد تركيب الحكاية؟» الذي يجمع قصصاً حيوية لأطفال نازحين، وكتاب «ذاكرة العدوان»، وهو يوميَّات توثِّق الذاكرة الجَماعية للإبادة في غزة عبر سرديَّات شخصية. وفي مجلة «الجنوب»، نشرت نتيل بحثاً بعنوان: «البحث عن «المفقود» الذي يوثق قصص عائلات فقدت أحد أفرادها خلال الحرب ضمن منهجية تاريخية وسردٍ قصصي تضع قضية المفقودين كجزء مؤسس في الهوية الفلسطينية.
كما عملت المؤسسة على تنظيم معارض فنية للأطفال، كان أحدها بعنوان «ماذا حدث للعيد؟» ضمّ رسومات أطفال غزة، وكذلك معرض «مسار العودة إلى البيت» في «جمعية المغازي للتأهيل» في مخيم المغازي جنوبي القطاع. تألف المعرض من 140 لوحة من رسومات الأطفال تتخيّل مسار العودة لأولئك الذين عاشوا سنوات الحرب وهم نازحون في أماكن مختلفة داخل القطاع وخارجه.
من جهتها، واصلت «مؤسسة عبد المحسن القطَّان» عملها الثقافي رغم الظروف الإنسانية الكارثية في غزة، فأطلقت برنامجها الثقافي الطارئ «رَحَى» الهادف إلى توفير مساحات آمنة للتعبير والدعم النفسي للأطفال والعائلات. كما تعاونت مع مبدعي غزة الصغار عبر مشروعي «قمر حزين فوق مخيمات النزوح» و «يوميات الحزن العادي» ضمن سلسلة «الحرب كرة سنركلها بعيداً» التي جمعت قصص الأطفال بإشراف الأديب المتخصص في أدب الأطفال هاني السالمي.
أما على صعيد الإصدارات الأدبية، فقد أطلقت منصة «مجتمع شعراء غزة» العدد الأول من مجلتها Gaza Verse المتخصصة في الشعر والفن باللغة الإنكليزية، وجمعت أعمالاً لمبدعين من أنحاء العالم ممّن يتضامنون مع فلسطين وشعبها، إضافة إلى مبدعين فلسطينيين من الداخل المحتل والشتات.
كما نشرت دار VERSO كتاباً بعنوان Gaza: The Story of a Genocide، حرّرته فاطمة بوتو وسونيا فالييرو، وقدمه الشاعر والكاتب الفلسطيني مصعب أبو توهة. ضم الكتاب عدداً من المداخلات المهمة لفنانين وكتاب، منهم: ملكة شويخ، شريف سرحان، مريم إقبال، يارا هواري، مريم برغوثي، طارق بقعوني، ليلى العريان، والشاعرة الشهيدة هبة أبو الندى. كما نشرت الكاتبة والصحافية بلستيا العقاد كتاباً باللغة الانكليزية بعنوان: The Eyes of Gaza: A Diary of Resilience الذي يوثق يوميات الحرب التي عاشتها في غزة.
أما «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، فقد أصدرت عدداً من المنشورات باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية خلال عام 2025، أهمها منصة توثق ضحايا الحرب من الشهداء والمفقودين، والدمار في البنية التحتية ويوميات من الحصار والتجويع ومنع المساعدات والعلاج.
وفي سياق المبادرات المميزة داخل الأرض المحتلة، صدرت الأعداد الأول والثاني والثالث من «الجنوب: المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية»، الصادرة عن «دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي». وقد ضمت الأعداد الأولى كتابات من أسرى وأكاديميي وأدباء الشعب الفلسطيني.

السينما تجوب العالم
في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، تزامناً مع ذكرى وعد بلفور، انطلقت «أيام فلسطين السينمائية» في مهرجان عالمي نظّم في أكثر من سبعين دولة، وضمّ نحو 500 عرض لأفلام فلسطينية. مثّل هذا الحدث تعبيراً عن أشكال التضامن العالمي مع فلسطين.
كما حظي فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، بصدى عالمي واسع بعد وصوله إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار في دورتها الثامنة والتسعين. وبرزت أفلام أخرى بقوة على الساحتين العربية والعالمية، مثل فيلم «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، وفيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر.
وفي الأسبوع الأخير من 2025، رحل الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري (1953 – 2025) وهو الوجه السينمائي الأبرز للقضية الفلسطينية. بدأ مسيرته في مسرح حيفا والقصبة، ثم انطلق في السينما بدور في فيلم «هانّا ك» (1983). أخرج فيلمه الوثائقي «جنين جنين» (2002) الذي وثّق مجزرة مخيم جنين ومثّل في عدد من الأفلام آخرها «اللي باقي منك» (2025).

«الفنون» تعود إلى الرقص
بعد انقطاع استمر منذ بداية الحرب عام 2023، عادت «فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية» إلى الواجهة عبر عرضها «يا صاحب الطير»، الذي قُدّم في رام الله وعمّان في كانون الأول (ديسمبر) 2025. مثل العرض عملاً فنياً جماعياً استحضر العلاقة الأصيلة مع الأرض، عبر رقصات فولكلورية وموسيقى وأزياء تعكس التاريخ الفلسطيني.

الفنون التشكيلية عالمياً
لاقت الفنون التشكيلية الفلسطينية رواجاً عالمياً في أعقاب الإبادة المستمرة في غزة، ويعود الفضل في ذلك لفناني غزة الذين جابوا صالات العرض العالمية والمتاحف الرائدة. وقد شكلت مبادرة «بينالي غزة» إحدى أبرز المبادرات الفنية التي ضمت أعمال خمسين فناناً من غزة من أمثال محمد الحاج، رفيدة سحويل، وباسل العكلوك، ومعتز نعيم، وملكة أبو عودة، حيث نُظِّمت معارضها في باريس وأثينا وعدد من المدن الأوروبية الأخرى.
كما كان للمبادرات الفنية داخل قطاع غزة أثرٌ بالغ في إعادة تعريف هوية الفن التشكيلي الفلسطيني. هكذا، أسهم معرض «بنت القمر»، الذي خُصِّص لأعمال فنانات من قطاع غزة، في تشكيل هوية بصريةٍ مميزة وروّج لرموزٍ فنيةٍ تجسّد الحرب والتهجير والمعاناة. كما حاز المتحف الفلسطيني في بيرزيت «جائزة الممارسات المتحفية المتميزة لعام 2025» عن معرضه الاستثنائي «غزة الباقية» الذي عُرِض في أكثر من 240 موقعاً حول العالم.

السجون كجغرافيات مصغّرة عن غزة
تعيش الحركة الفلسطينية الأسيرة اليوم أصعب ظروف مرّت بها منذ عام 1948. ظروف تصفها الباحثة أماني سراحنة بأنّها «جغرافيات مصغّرة عن غزة»، حيث تطبَّق إبادة ممنهجة تتكثّف في شكل قمع وحشي يومي جسدي ونفسي، يصل حدّ القتل والتجويع والتشويه والعنف الجنسي. أدّت هذه الظروف إلى شُحِّ حادّ في الإنتاجات الثقافية التي اعتدنا أن تصدر عن مثقّفي الحركة الأسيرة.
مع ذلك، شكّلت عمليات تبادل الأسرى الأخيرة بارقة أمل، بعدما تحرّر عدد من الأسرى أصحاب الإنتاجات الأدبية البارزة، مثل باسم خندقجي وكميل أبو حنيش والمفكر وائل الجاغوب. كما فاز الأسير المحرّر ناصر أبو سرور، الذي قضى 32 عاماً في الأسر، بجائزة «الأدب العربي» لعام 2025 عن روايته «حكاية جدار».
على صعيد الدراسات الفكرية، نشر وائل الجاغوب ومنذر فلاح ومحمد ملح دراسة بحثية بعنوان «السجن في الحيز الاستعماري: متغيرات الحركة الفلسطينية الأسيرة» التي تُعدّ جزءاً من مخطوطة كتاب قدَّمها الأسير المناضل مروان البرغوثي قبل بدء العدوان على غزة عام 2023. ونشرت مجلة «الجنوب» (خريف-شتاء 2025) هذه الدراسة، كما نشرت في العدد نفسه دراسة أخرى بعنوان «رياحين الشباب في مفاصل صخر الدولة العبرية» للأسير الشهيد وليد دقّة، التي تُعدّ بمنزلة سيرة ذاتية للأسير ومنهج نضالي.
وفي إطار الإصدارات الأدبية، صدرت في القاهرة طبعة جديدة من كتابي الأسير المُحرَّر أسامة الأشقر «رسائل كسرت القيد» و «للسجن مذاق آخر» اللذين يُشكِّلان سيرة ذاتية لحياته داخل الأسر التي امتدَّت 22 عاماً.
«أبو الزوس»... عروض جديدة
تجددت العروض لمسرحية «أبو الزوس» بين 15 و18 كانون الثاني (يناير) الجاري، على مسرح «كولبنكيان» في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت.
العمل مقتبس عن نص «الله» للسينمائي وودي آلن، من إخراج لينا خوري، ويغوص في قضايا وجودية تطرح تساؤلات فلسفية جادة في قالب كوميدي ساخر. يسعى العمل إلى تقديم رؤية مسرحية تتلاعب بالمفاهيم العميقة عبر مواقف هزلية وتهكمية، محاولاً استكشاف الفواصل الرفيعة بين المعنى والعبث في قالب بصري وحواري ممتع.
تتميز المسرحية بمشاركة طاقم تمثيلي يجمع أجيالاً من خريجي الجامعة، وهم: طارق تميم، سنيّ عبد الباقي، وفاء حلاوي، طلال الجردي، مروان طرّاف، إيلي ف. حبيب، عليّة الخالدي، هالة المصري، هيثم شمص، رياض قبيسي، سامي حمدان، سمية خولي قبيسي، محمد مسلماني، نسيب نعيمة، فيروز أبو حسن، عمر مجاعص، مريم شومان، عليا عبد الباقي، لارا أبو دهن، غايتانا كفروني، غايا صوايا، كريم مكارم، أنجلينا فرح.

* «أبو الزوس»: من 15 حتى 18 كانون الثاني (يناير) – الساعة الثامنة مساءً - مسرح «كولبنكيان» (الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت). للاستعلام: 01/786464 | 03/791314 (ext.1172)
الذكرى الثانية لاستشهاد الزميل الصحفي أحمد بدير
يصادف اليوم السبت الذكرى الثانية،لاستشهاد الشهيد الصحفي الزميل أحمد نعيم بدير، محرر الأخبار وأحد أعمدة العمل الرئيسية في "بوابة الهدف" الإخبارية".
أحمد بدير، الذي استُشهد وهو في ميدان عمله؛ إثر قصف غادرٍ استهدف بوابة مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
الشهيد الصحفي أحمد بدير كان جندياً في الميدان استمر في عمله حتى لحظة استشهاده، ناقلا للخبر والحقيقة لحظة بلحظة لم يكن للتعب أو التوقف مكاناً في قاموسه.
الصحفي المثابر الذي تنقل بين زخات البارود ورشقات الموت ليكتب خبر وينقل صورة بمهنية واحترافية لم تستكين، وأقسم على أداء مهمته الصحفية_ الوطنية منذ بدء العدوان، كما كل جولة من جولات الحروب السابقة التي شنّها العدو على قطاع غزة.
الشهيد أحمد بدير، استمرّ في أداء مهمته طيلة شهور العدوان رغم كل المعيقات التي كانت تحول دون استمرارها، إلّا أنه لم يكن يعرف لليأس طريقاً، حيث عمل واجتهد وبادر إلى أن أتت مكافأته، حيث الشهادة في ميادين البطولة.4

عن الشهيد أحمد:
أحمد بدير أحد أقدم الزملاء في بوابة الهدف الإخبارية.
استشهد وهو على رأس عمله الصحفي، ناقلاً للحقيقة.
ولد في حي الشجاعية في ٢٧/١١/١٩٩٣
حصل على دبلوم العلاقات العامة والإعلام من جامعة الأقصى، ثم بكالوريوس في الصحافة والإعلام-تخصص الإذاعة والتلفزيون من جامعة فلسطين.
انخرط في العمل الإعلامي قبل تخرجه من الجامعة، تجسيداً لحبه للعمل الإعلامي
عمل مراسلاً ومعداً للأخبار في عددٍ من الإذاعات المحلية.
التحق للعمل في بوابة الهدف الإخبارية عام 2015. كمراسل ومعدٍ للتقارير، ثم أصبح محرراً.
كان أحد أعمدة العمل في بوابة الهدف.
منذ بدء العدوان على قطاع غزة في أكتوبر من العام 2023، حمل أمانة نقل الحقيقة رغم كل الأسباب التي كانت تحول دون عملها.
استشهد وهو صامد في ميدان العمل الصحفي أمام أعين عالمٍ يرى جرائم عدوٍ استباح الدم واحتل الأرض.
رحل وهو على رأس عمله في مكتب بوابة الهدف في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح إثر قصف استهدف بوابة المستشفى.
استشهد أحمد .. ولن تغيب الحقيقة..
وباسم بوابة الهدف الإخبارية نقول" فقدانك كان الحزن الغائر في تراب غزة الجريحة وللأبد.. لأجلك ذلك كله مستمرون".
ونعاهد شهيدنا كما نعاهد جميع الشهداء أن نسير على دربه لنشر الحقيقة وفضح كذب وزيف العدو الصهيوني حتى النصر والتحرير والعودة.
العولمة الإرهابية الأميركية
سعد الله مزرعاني
كاتب وسياسي لبناني

لا يتميّز عام 2025 بأي خاصية مهمة عن العامين اللذين سبقاه، وتحديداً منذ السابع من أكتوبر عام 2023. هو يشكّل، ارتباطاً بعملية «طوفان الأقصى»، امتداداً لهما، لجهة الأزمات المستمرة والمتفاقمة. الصراع مفتوح. وهو سيستمر كذلك لفترة طويلة. السبب يكمن في أن القوى ذات السطوة والأرجحية والغلبة الآن، ماضية في اندفاعتها، عبر الوسائل إيّاها، لتحقيق «نصر حاسم»، كما يردّد ويلحّ رئيس حكومة الكيان الصهيوني، ويكرّر، وبالدرجة نفسها أيضاً، الرئيس الأميركي.
مضمون هذا المدخل، مهم ومصيري بالنسبة إلى لبنان وإلى شعوب المنطقة العربية والشرق أوسطية. ثم لأنه يقع في نطاق مسار أوسع وأخطر يشمل العالم بأسره! تكاملت هياكل هذا المسار، خصوصاً في أواخر وأوائل العامين المنصرم والجديد. هذا المسار أميركي بامتياز، وترامبي بالتحديد! نهج ترامب هو، في الجوهر، ثمرة تحولات نوعية في التوازنات الدولية خلال العقدين الأخيرين خصوصاً: في حقول الإنتاج والتصنيع وبراءات الاختراع والتصدير وفوائض رؤوس المال والاستحواذ على الأسواق. نجم عن ذلك اختلال متعدّد الميادين والفروع، ما جعل المنافسة تصبّ، بشكل مضطرد، لمصلحة الاقتصادات الصاعدة وأهمها الاقتصاد الصيني.
هذا الاقتصاد يتّجه بقوة دفع متفوقة ليحتل الصدارة في شروط منافسة وضع قواعدها وشروطها وصاغ مؤسساتها المتنوعة الفريق المحتكر السابق بقيادة النظام الرأسمالي الأميركي. وليس خافياً على السلطات والاحتكارات الأميركية، قبل سواها، أن الاقتصاد الأميركي المثقل بالديون الفلكية، والمتسم بوتيرة مقلقة من التراجع في المنافسة الاقتصادية، مهدّد بإفلاس صاعق وعاجل ما لم يجرِ تدارك الأمر بشكل سريع وبوسائل غير تقليدية.
تبلورت أُولى المحاولات عام 2002 عبر «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» الصادرة في عهد الرئيس بوش الابن وفريقه من «المحافظين الجدد»: وضع «قوة أميركا في خدمة اقتصادها». أمّا الوسائل، فكان من بين أبرزها الغزو عبر «الحروب الوقائية والاستباقية». الضحايا، كان أولاها «الشرق الأوسط الجديد»: غزو واحتلال أفغانستان والعراق، وتهديد سوريا، والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. أمّا الغاية، فالثروة الهائلة من الطاقة، والمزيد من تسخيرها لخدمة الكارتيلات والاقتصاد الأميركيين، ولتمكين الكيان الصهيوني.
وُووجه المشروع بمقاومة سياسية وعسكرية غير متوقّعة. تراجع أصحابه وخسروا السلطة. كان على الرئيس الجديد، باراك أوباما (2008-2016)، و«الدولة العميقة» في واشنطن، تدارك خسائر وخيبات الغزو. تم إطلاق «داعش» في مرحلة، و«الربيع العربي» في مرحلة متصلة؛ وفق تكامل بالأهداف وتنوّع بالأساليب.
مع انتخاب ترامب رئيساً عام 2016 بدأت نسخة جديدة من مشروع تسخير «قوة أميركا في خدمة اقتصادها» المتراجع بسبب المنافسة. عود على بدء: «صفقة القرن» الترامبية الشرق أوسطية، وتبنّي كل المطالب الإسرائيلية في فلسطين، وضم الجولان السوري المحتل. الاتفاقيات «الإبراهيمية» التطبيعية مع دول خليجية. تجاوز «الإشكال» مع القيادة السعودية. الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. سلسلة توجهات وسياسات ومواقف جديدة ومختلفة حيال العلاقات والاتفاقات والمعاهدات والالتزامات والمؤسسات الدولية في معظم الحقول بما فيها التجارية.
بيد أن ترامب لم يتمكّن من تجديد ولايته عام 2021. فعل ذلك عام 2025 بزخم استثنائي. رفع شعار «أميركا القوية أولاً ومجدداً». تبلورت تباعاً وسريعاً أعمدة وهياكل مشروعه الذي مهّد له في ولايته الأولى:
سلطة رئاسية «طاغية» ومتجاهِلة ومهمّشة للمؤسسات الدستورية، رغم أنه يمتلك الأكثرية في معظمها. الافتتان بمفردات العظمة والتميّز والاقتدار والسعي إلى الألقاب الكبيرة، الرائجة أو المستحدثة. يعزّز ذلك فريق من المساعدين والمصفقين وأفراد العائلة وأصحاب الثروات الكبرى من صفوة الأصدقاء، إلى طامحين من بقايا «المحافظين الجدد» ممن سبقوه إلى التأسيس. استسهال إطلاق المواقف والمعادلات بما ينتقص من كفاءة خصومه وجدارتهم في مقابل قدرته الفائقة على فض الأزمات وفرض الإرادة، المبالغة بوعود الرخاء والوفرة، والانحياز الكامل لمصلحة الأثرياء على حساب الطبقات الشعبية والمتوسطة.
تغذية عنصرية مقيتة حيال شعوب وجماعات بأكملها. تشجيع ودعم تيارات متطرفة وفاشية بهدف إضفاء طابع عالمي على سياساته وتياره ونهجه. تهميش أوروبا، وتمنينها، وتعميق أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية في مسائل الأمن والضرائب والتوازنات. احتقار مؤسسات الشرعية الدولية وتقليص أو قطع المساعدات عنها وتهديد مسؤولين فيها خصوصاً إذا أدانوا الممارسات الإجرامية الإسرائلية المدعومة دائماً من واشنطن. بالموازاة، المثابرة على فرض الإرادة والسياسات الأميركية شرعية بديلة: بقوة النفوذ والضغوط والعقوبات والمؤمرات والتدخل العسكري.
في مجرى كل ذلك، السعي بكل الأساليب، «الناعمة» والخشنة، إلى ابتزاز مئات المليارات من الأنظمة والحكام بعد التلويح برفع الحماية وتقويض السلطات وتهديد الاستقرار، وحتى تهديد السلم العالمي. اختلاق ذرائع وادعاء «حقوق» ومصالح حصرية واحتكارية لواشنطن، في كل بلدان أميركا اللاتينية (استعادة نظرية الرئيس مونرو وتطعيمها وتقاسمها مع ترامب). إعلان الرغبة في ضم بلدان أخرى (حتى ولو حليفة أو بإدارة حلفاء) ككندا وغرينلاند وبنما. تحريك الأساطيل والقوات المتنوعة لحصار بلدان ولإسقاط أنظمة ورؤساء (كما في فنزويلا) وتهديد أخرى: في انتهاك فظ لسيادتها واستهداف وقح لثرواتها وحقوق شعوبها. المجاهرة باستهداف واستفزاز الصين وروسيا، واعتبار الأولى الخطر الأكبر على واشنطن وبالتالي العدو الأول لها.
كرّست ولخّصت «استراتيجية الأمن القومي» الصادرة عن إدارة ترامب في 4 كانون الأول الماضي، ما تقدّم ذكره وسواه، من الأهداف والتوجّهات والأساليب. نقع، في النص والممارسة والسياسات، و«دردشات» ترامب مع الإعلاميين (!)، على نسخة شبه متكاملة، من «نظرية مونرو»، والمحافظين الجدد، وإضافات ترامب نفسه، لمعالجة أزمة تراجع هيمنة احتكارات بلاده على العالم، ومشكلة تفوّق نظام منافس، موجّه واشتراكي نسبياً، على النظام الرأسمالي الإمبريالي الأميركي. هو يسقط مبادئ «السوق»، وحرية التجارة والحدود المفتوحة والمنافسة، ويشتقّ نظام عولمة جديداً، يقوم على عبقريته وقدراته الخارقتين، ويعتمد أساساً على «أقوى جيش في العالم» لنهب واقتطاع وسلب ما يريد للبقاء على قمة العالم: بالقوة والبلطجة والإرهاب.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire