مروان عبد العال
لا يعرف كميل أبو حنيش هدنةً مع الكتابة. كأن خروجه من السجن لم يضع نقطةً في نهاية السطر، بل فتح فصلاً جديداً من الحكاية. يواصل استعادة سنوات الحرب والأسر، وينبش في الذاكرة عما لم تستطع جدران الزنازين طمسه. لكن ماذا يريد كميل أن يقول لنا؟ هل يكتب عما بعد السجن، أم عما بعد الحرية؟ وهل الحرية هي مجرد مغادرة المكان الذي سُجنّا فيه، أم القدرة على ألا نحمل السجن معنا إلى ما تبقى من حياتنا؟
هنا تستدعي الذاكرة حكاية سجين آخر، لم يكتفِ التحرر من السجن، بل انتزع من المكان المصمم لسلب حريته معنىً جديداً للحياة. إنه آندي دوفرين، بطل فيلم «الخلاص من شاوشانك»، الذي ظل يحفر طريقه إلى الحرية بمطرقة صغيرة، على امتداد سبعة وعشرين عاماً. ولا يمكن أن تمرّ هذه المقارنة من دون أن نستحضر ستة سجناء فلسطينيين، لم يكونوا أبناء الأساطير ولا أبطال الحكايات الخرافية، بل رجالاً عاديين جاؤوا من أرحام القهر وتناهيد التراب. حفروا بأيديهم نفق الحرية من سجن جلبوع، وأثبتوا أن ما يبدو مستحيلاً في الحكايات قد يصبح حقيقة في التجربة الفلسطينية. لم يحتاجوا إلى مطرقة آندي ولا إلى خياله الروائي؛ كان إيمانهم بالحرية كافياً ليشقّوا طريقهم في قلب المستحيل.
بين كميل وآندي مسافة تفصلها التجربة والتاريخ، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد: كيف يصنع الإنسان حريته حين يصبح القيد جزءاً من يومه، وحين لا يعود الخروج وحده كافياً لاستعادة الحياة؟ من هنا تبدأ المقارنة؛ من المطرقة التي تحفر في الجدار، إلى القلم الذي يحفر في الذاكرة، ومن النجاة من السجن إلى استعادة العالم.
في رواية ستيفن كينغ «ريتا هيوارث وخلاص شاوشانك»، التي استُلهم منها الفيلم، ثمة مطرقة صغيرة وجدار وسبعة وعشرون عاماً من الحفر الصامت. وفي تجربة كميل، ثمة ثلاثة وعشرون عاماً من الحفر بالقلم والذاكرة والمخيّلة، بحثاً عن منفذ في جدار العزلة، وعن جهة لا تحدّها الخرائط. المطرقة تعمل في الحجر، والقلم يعمل في اللغة؛ لكنهما يلتقيان في تحويل الإرادة إلى فعل، والصبر إلى طريق، والحلم إلى إمكانية. آندي يحفر في الجدار كي يبلغ البحر، وكميل يكتب كي يبقي الطريق إلى الوطن مفتوحاً. ليست المقارنة بين تجربتين متماثلتين، بل بين روحين ترفضان أن يكون الجدار آخر ما يمكن للإنسان أن يراه.
سبعة وعشرون عاماً ليست زمناً عابراً؛ إنها عمر كامل يمكن أن يذوب في رتابة الأيام ويتحول إلى انتظار بلا نهاية. غير أن آندي لا يتعامل مع الزمن بوصفه عقوبة فحسب، بل يحوّله إلى حليف في معركته. لم تكن المطرقة الصغيرة قادرة وحدها على هدم الجدار، لكن تراكم الضربات الصغيرة أنجز ما تعجز القوة المباشرة عن تحقيقه. هنا تكمن فلسفة الحكاية: ليس كل انتصار حدثاً صاخباً، وليس كل تغيير يبدأ بفعل كبير؛ أحياناً يبدأ من حركة لا يلحظها أحد، ومن إرادة تدرك أن الطريق الطويل لا يُختصر.
أما كميل، فلا يواجه العزلة بالانتظار وحده، بل بإعادة تشكيل العالم داخلها. في روايته «الجهة السابعة» (دار الفارابي، بيروت)، لا يكتفي بتسجيل تجربة الأسر ووصف القيد والحرمان، بل يطرح سؤالاً أبعد: كيف يستطيع الإنسان أن يبتكر فضاءه حين يُحرم من المكان؟ وكيف يفتح جهة جديدة حين تُغلق الجهات كلها؟
«الجهة السابعة» ليست جغرافيا بديلة، بل اكتشاف لقدرة الوعي على تجاوز الجغرافيا المفروضة. إنها المكان الذي يصنعه الأسير من الذاكرة والحلم واللغة، حين لا يعود المكان الحقيقي متاحاً له إلا في حدود الزنزانة. تتحول الكتابة هنا إلى أداة حفر من نوع آخر؛ لا تزيل الحجر، لكنها تشق في صلابته ممراً نحو المعنى، وتمنح الروح مجالاً للحركة حين يُمنع الجسد منها.
في هذه الجهة تتداخل الأحلام الذاتية والوطنية والإنسانية: حلم استعادة تفاصيل الحياة الصغيرة، والتحرر من الأسر، وعودة الوطن إلى أبنائه، وعالم لا تُقاس فيه قيمة الإنسان برقم أو ملف أو سنوات خلف القضبان. فالذات لا تنفصل عن الجماعة، والحرية الشخصية لا تستقيم في وجدان الأسير الفلسطيني بمعزل عن حرية شعبه. لذلك لا تكون الجهة السابعة ملاذاً فردياً فحسب، بل مساحة يصون فيها الأسير علاقته بالعالم، ويبقي الوطن حاضراً حتى في أقصى درجات الغياب.
لكن الحرية الداخلية لا تعوّض الحرية المفقودة، ولا تلغي قسوة الاعتقال. فالجسد المحاصر ليس استعارة، والحرمان ليس وهماً يمكن تجاوزه بالتأمل. إنما تمنح هذه الحرية الإنسان قدرة على مقاومة الانتصار الأعمق للسجّان: أن يقنعه بأن الأسر هويته، وأن الزنزانة هي العالم، وأن المستقبل لم يعد احتمالاً قائماً.
وهنا تبرز مأساة ريد في فيلم «الخلاص من شاوشانك»، الذي يكشف كيف يمكن للسجن أن يستقر في الروح حتى بعد انفتاح الأبواب. فقد يغادر السجين زنزانته، لكنه لا يستعيد حياته تلقائياً؛ يحتاج إلى استعادة ثقته بالعالم، وإلى تعلّم الحرية من جديد: حرية الاختيار والمبادرة واتخاذ القرار. فالاعتقال الطويل لا يحتجز الجسد وحده، بل قد يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالزمن والحياة خارج الأسوار.
من هنا تكتسب كتابة كميل بعد تحرره أهميتها. فهي ليست استعادة للوقائع فحسب، بل محاولة لفهم ما جرى وإعادة ترتيب الزمن واسترداد التجربة من الصمت. هناك فرق بين أن يخرج الأسير من السجن، وأن يخرج السجن من ذاكرته؛ وبين أن تنتهي سنوات الاعتقال، وأن تنتهي الأسئلة التي خلّفتها. حين يكتب كميل عن الحرب والأسر، كما خط كتابه "الكتابة والسجن" فإنه يفتح الذاكرة على أسئلة الحاضر والمستقبل: ماذا فعلت الحرب بالإنسان؟ وكيف أعاد الأسر تشكيل حياته؟ وما الذي يبقى من التجربة بعد انفتاح الأبواب؟ تصبح الكتابة شكلاً من أشكال التحرر المتواصل، وتنتقل التجربة من احتمال الحكاية إلى امتلاك روايتها.
وفي مواجهة القيد والسلاسل، تحتل المعرفة موقعاً مركزياً. لم يخرج آندي بالقوة، بل بما امتلكه من معرفة بالحسابات والقانون والجيولوجيا، وبقدرته على قراءة النظام الذي يحتجزه وفهم تناقضاته. كانت المطرقة أداته الظاهرة، لكن المعرفة كانت أداته الأعمق. والكتابة عند كميل ليست مجرد توثيق للتجربة، بل معرفة تنشأ من داخلها، وتعيد تنظيم الذاكرة، وتمنح الألم لغة تتجاوز حدود صاحبه. فالذي يكتب لا يكتفي بإعلان ألمه، بل ينتزع حقه في تفسير ما حدث وتقديم روايته للعالم، ومقاومة إغواء السلطان وفتنة البلاط لحكاية الأسير ومصيره. هنا يغدو القلم مطرقة معرفية، ويصبح النص شكلاً من أشكال استرداد الذات.
وفي صورة الملصق المعلّق على جدار زنزانة آندي تتكثف الحكاية. يراه الحراس كل يوم، فيحسبونه صورة عادية، ولا يدركون أنه يخفي ممراً يُحفر ببطء نحو البحر. ما يبدو تفصيلاً جمالياً يخفي مشروعاً كاملاً للحرية. ولعل الكتابة تؤدي وظيفة مشابهة؛ تبدو كلمات على صفحات، لكنها تخفي عالماً من التجارب والذكريات والأسئلة، وتفتح للقارئ ممراً إلى حياة لا تسمح الجدران برؤيتها. خلف الملصق بحر، وخلف الكلمات وطن، وخلف الصمت حكاية تنتظر أن تُروى.
أما الأمل، فليس انتظاراً لمعجزة، ولا تفاؤلاً يتجاهل قسوة الواقع؛ إنه المسافة التي تفصل الاستسلام عن المقاومة. لا يكفي أن يحلم آندي بالبحر، بل عليه أن يحفر كل ليلة؛ ولا يكفي أن يتخيّل كميل جهة سابعة، بل عليه أن يخلقها بالكلمة والوعي والذاكرة. حين يتصل الحلم بالمعرفة والعمل والصبر، يتحول من عزاء مؤقت إلى قوة تغيّر شروط الواقع. لذلك لا تكمن قيمة الأمل في أنه يعد بخلاص قريب، بل في أنه يمنع اليأس من التحول إلى سجن آخر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب التوازي بين آندي وكميل الاختلاف الجوهري بين تجربتيهما. فكميل أبو حنيش أسير فلسطيني محرر، أمضى ثلاثة وعشرين عاماً خلف قضبان سجون الاحتلال، وتجربته ليست عزلة فردية منفصلة عن التاريخ، بل تقع في قلب واقع استعماري يستهدف شعباً وأرضاً وذاكرة وحقاً في الحرية وتقرير المصير.
أما حكاية آندي فتتناول مقاومة الفرد لمنظومة السجن والفساد والظلم. يلتقي الاثنان في الدفاع عن الكرامة ورفض أن يكون القيد خاتمة الحكاية، لكن كميل يحمل، إلى جانب المعنى الإنساني للأسر، المعنى الوطني للتحرر. فالحرية التي يكتب عنها ليست مجرد خروج من الزنزانة، بل استعادة الإنسان لوطنه وحقه في الحياة فوق أرضه.
لذلك، لا تشكّل «الجهة السابعة» عالماً بديلاً عن الوطن، بل مساحةً لتثبيت الأثر في مواجهة المحو، وصون الذاكرة من الاقتلاع. تتعدد أدوات الحفر، وتختلف مساراتها، لكنها تلتقي عند غاية واحدة: ألّا يتحوّل القيد إلى قدر، ولا يصبح الأسر مصيراً نهائياً.
المطرقة والقلم، المعرفة والذاكرة، الخيال والصبر؛ كلها أدوات تستمد معناها من الإرادة التي تستخدمها والأفق الذي تعمل من أجله. قد يحفر أحدهم في الحجر، وآخر في اللغة، وثالث في جدار الخوف، ورابع في ذاكرة وطن يحاول الغياب ابتلاعه. لكن هذه الأفعال تلتقي في معنى واحد: أن الإنسان لا يُختزل في حدود المكان الذي حُبس فيه، ولا في الزمن الذي سُلب منه.
فما الجدار الذي نحفر فيه نحن؟ أهو جدار الخوف، أم اعتياد الظلم، أم اليأس من تغيير ما يبدو ثابتاً؟ ربما لا نملك جميعاً مطرقة آندي، ولا نستطيع ابتكار جهة سابعة مثل كميل، لكن لكل منا أداة لمقاومة الجدار الذي يحدّ من إنسانيته. المهم ألا نخلط بين اختلاف الأدوات واختلاف الغايات، وألا ننسى أن الحرية لا تُمنح دائماً دفعة واحدة؛ إنها تُنتزع أيضاً بتراكم الأفعال الصغيرة، وبالصبر والمعرفة والإيمان بالمستقبل.
بين مطرقة آندي وقلم كميل، قد يغلق الجدران والجهات، لكنه لا يستطيع أن يمنع الإنسان من ابتكار منفذ آخر. فليس الأمل أن يسقط الجدار غداً، بل أن نمتلك ما يكفي من الإرادة لنواصل الحفر الليلة، وما يكفي من الإيمان لنواصل الكتابة غداً؛ حتى لا تكون للظلم الكلمة الأخير.
لا يعرف كميل أبو حنيش هدنةً مع الكتابة. كأن خروجه من السجن لم يضع نقطةً في نهاية السطر، بل فتح فصلاً جديداً من الحكاية. يواصل استعادة سنوات الحرب والأسر، وينبش في الذاكرة عما لم تستطع جدران الزنازين طمسه. لكن ماذا يريد كميل أن يقول لنا؟ هل يكتب عما بعد السجن، أم عما بعد الحرية؟ وهل الحرية هي مجرد مغادرة المكان الذي سُجنّا فيه، أم القدرة على ألا نحمل السجن معنا إلى ما تبقى من حياتنا؟
هنا تستدعي الذاكرة حكاية سجين آخر، لم يكتفِ التحرر من السجن، بل انتزع من المكان المصمم لسلب حريته معنىً جديداً للحياة. إنه آندي دوفرين، بطل فيلم «الخلاص من شاوشانك»، الذي ظل يحفر طريقه إلى الحرية بمطرقة صغيرة، على امتداد سبعة وعشرين عاماً. ولا يمكن أن تمرّ هذه المقارنة من دون أن نستحضر ستة سجناء فلسطينيين، لم يكونوا أبناء الأساطير ولا أبطال الحكايات الخرافية، بل رجالاً عاديين جاؤوا من أرحام القهر وتناهيد التراب. حفروا بأيديهم نفق الحرية من سجن جلبوع، وأثبتوا أن ما يبدو مستحيلاً في الحكايات قد يصبح حقيقة في التجربة الفلسطينية. لم يحتاجوا إلى مطرقة آندي ولا إلى خياله الروائي؛ كان إيمانهم بالحرية كافياً ليشقّوا طريقهم في قلب المستحيل.
بين كميل وآندي مسافة تفصلها التجربة والتاريخ، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد: كيف يصنع الإنسان حريته حين يصبح القيد جزءاً من يومه، وحين لا يعود الخروج وحده كافياً لاستعادة الحياة؟ من هنا تبدأ المقارنة؛ من المطرقة التي تحفر في الجدار، إلى القلم الذي يحفر في الذاكرة، ومن النجاة من السجن إلى استعادة العالم.
في رواية ستيفن كينغ «ريتا هيوارث وخلاص شاوشانك»، التي استُلهم منها الفيلم، ثمة مطرقة صغيرة وجدار وسبعة وعشرون عاماً من الحفر الصامت. وفي تجربة كميل، ثمة ثلاثة وعشرون عاماً من الحفر بالقلم والذاكرة والمخيّلة، بحثاً عن منفذ في جدار العزلة، وعن جهة لا تحدّها الخرائط. المطرقة تعمل في الحجر، والقلم يعمل في اللغة؛ لكنهما يلتقيان في تحويل الإرادة إلى فعل، والصبر إلى طريق، والحلم إلى إمكانية. آندي يحفر في الجدار كي يبلغ البحر، وكميل يكتب كي يبقي الطريق إلى الوطن مفتوحاً. ليست المقارنة بين تجربتين متماثلتين، بل بين روحين ترفضان أن يكون الجدار آخر ما يمكن للإنسان أن يراه.
سبعة وعشرون عاماً ليست زمناً عابراً؛ إنها عمر كامل يمكن أن يذوب في رتابة الأيام ويتحول إلى انتظار بلا نهاية. غير أن آندي لا يتعامل مع الزمن بوصفه عقوبة فحسب، بل يحوّله إلى حليف في معركته. لم تكن المطرقة الصغيرة قادرة وحدها على هدم الجدار، لكن تراكم الضربات الصغيرة أنجز ما تعجز القوة المباشرة عن تحقيقه. هنا تكمن فلسفة الحكاية: ليس كل انتصار حدثاً صاخباً، وليس كل تغيير يبدأ بفعل كبير؛ أحياناً يبدأ من حركة لا يلحظها أحد، ومن إرادة تدرك أن الطريق الطويل لا يُختصر.
أما كميل، فلا يواجه العزلة بالانتظار وحده، بل بإعادة تشكيل العالم داخلها. في روايته «الجهة السابعة» (دار الفارابي، بيروت)، لا يكتفي بتسجيل تجربة الأسر ووصف القيد والحرمان، بل يطرح سؤالاً أبعد: كيف يستطيع الإنسان أن يبتكر فضاءه حين يُحرم من المكان؟ وكيف يفتح جهة جديدة حين تُغلق الجهات كلها؟
«الجهة السابعة» ليست جغرافيا بديلة، بل اكتشاف لقدرة الوعي على تجاوز الجغرافيا المفروضة. إنها المكان الذي يصنعه الأسير من الذاكرة والحلم واللغة، حين لا يعود المكان الحقيقي متاحاً له إلا في حدود الزنزانة. تتحول الكتابة هنا إلى أداة حفر من نوع آخر؛ لا تزيل الحجر، لكنها تشق في صلابته ممراً نحو المعنى، وتمنح الروح مجالاً للحركة حين يُمنع الجسد منها.
في هذه الجهة تتداخل الأحلام الذاتية والوطنية والإنسانية: حلم استعادة تفاصيل الحياة الصغيرة، والتحرر من الأسر، وعودة الوطن إلى أبنائه، وعالم لا تُقاس فيه قيمة الإنسان برقم أو ملف أو سنوات خلف القضبان. فالذات لا تنفصل عن الجماعة، والحرية الشخصية لا تستقيم في وجدان الأسير الفلسطيني بمعزل عن حرية شعبه. لذلك لا تكون الجهة السابعة ملاذاً فردياً فحسب، بل مساحة يصون فيها الأسير علاقته بالعالم، ويبقي الوطن حاضراً حتى في أقصى درجات الغياب.
لكن الحرية الداخلية لا تعوّض الحرية المفقودة، ولا تلغي قسوة الاعتقال. فالجسد المحاصر ليس استعارة، والحرمان ليس وهماً يمكن تجاوزه بالتأمل. إنما تمنح هذه الحرية الإنسان قدرة على مقاومة الانتصار الأعمق للسجّان: أن يقنعه بأن الأسر هويته، وأن الزنزانة هي العالم، وأن المستقبل لم يعد احتمالاً قائماً.
وهنا تبرز مأساة ريد في فيلم «الخلاص من شاوشانك»، الذي يكشف كيف يمكن للسجن أن يستقر في الروح حتى بعد انفتاح الأبواب. فقد يغادر السجين زنزانته، لكنه لا يستعيد حياته تلقائياً؛ يحتاج إلى استعادة ثقته بالعالم، وإلى تعلّم الحرية من جديد: حرية الاختيار والمبادرة واتخاذ القرار. فالاعتقال الطويل لا يحتجز الجسد وحده، بل قد يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالزمن والحياة خارج الأسوار.
من هنا تكتسب كتابة كميل بعد تحرره أهميتها. فهي ليست استعادة للوقائع فحسب، بل محاولة لفهم ما جرى وإعادة ترتيب الزمن واسترداد التجربة من الصمت. هناك فرق بين أن يخرج الأسير من السجن، وأن يخرج السجن من ذاكرته؛ وبين أن تنتهي سنوات الاعتقال، وأن تنتهي الأسئلة التي خلّفتها. حين يكتب كميل عن الحرب والأسر، كما خط كتابه "الكتابة والسجن" فإنه يفتح الذاكرة على أسئلة الحاضر والمستقبل: ماذا فعلت الحرب بالإنسان؟ وكيف أعاد الأسر تشكيل حياته؟ وما الذي يبقى من التجربة بعد انفتاح الأبواب؟ تصبح الكتابة شكلاً من أشكال التحرر المتواصل، وتنتقل التجربة من احتمال الحكاية إلى امتلاك روايتها.
وفي مواجهة القيد والسلاسل، تحتل المعرفة موقعاً مركزياً. لم يخرج آندي بالقوة، بل بما امتلكه من معرفة بالحسابات والقانون والجيولوجيا، وبقدرته على قراءة النظام الذي يحتجزه وفهم تناقضاته. كانت المطرقة أداته الظاهرة، لكن المعرفة كانت أداته الأعمق. والكتابة عند كميل ليست مجرد توثيق للتجربة، بل معرفة تنشأ من داخلها، وتعيد تنظيم الذاكرة، وتمنح الألم لغة تتجاوز حدود صاحبه. فالذي يكتب لا يكتفي بإعلان ألمه، بل ينتزع حقه في تفسير ما حدث وتقديم روايته للعالم، ومقاومة إغواء السلطان وفتنة البلاط لحكاية الأسير ومصيره. هنا يغدو القلم مطرقة معرفية، ويصبح النص شكلاً من أشكال استرداد الذات.
وفي صورة الملصق المعلّق على جدار زنزانة آندي تتكثف الحكاية. يراه الحراس كل يوم، فيحسبونه صورة عادية، ولا يدركون أنه يخفي ممراً يُحفر ببطء نحو البحر. ما يبدو تفصيلاً جمالياً يخفي مشروعاً كاملاً للحرية. ولعل الكتابة تؤدي وظيفة مشابهة؛ تبدو كلمات على صفحات، لكنها تخفي عالماً من التجارب والذكريات والأسئلة، وتفتح للقارئ ممراً إلى حياة لا تسمح الجدران برؤيتها. خلف الملصق بحر، وخلف الكلمات وطن، وخلف الصمت حكاية تنتظر أن تُروى.
أما الأمل، فليس انتظاراً لمعجزة، ولا تفاؤلاً يتجاهل قسوة الواقع؛ إنه المسافة التي تفصل الاستسلام عن المقاومة. لا يكفي أن يحلم آندي بالبحر، بل عليه أن يحفر كل ليلة؛ ولا يكفي أن يتخيّل كميل جهة سابعة، بل عليه أن يخلقها بالكلمة والوعي والذاكرة. حين يتصل الحلم بالمعرفة والعمل والصبر، يتحول من عزاء مؤقت إلى قوة تغيّر شروط الواقع. لذلك لا تكمن قيمة الأمل في أنه يعد بخلاص قريب، بل في أنه يمنع اليأس من التحول إلى سجن آخر.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يحجب التوازي بين آندي وكميل الاختلاف الجوهري بين تجربتيهما. فكميل أبو حنيش أسير فلسطيني محرر، أمضى ثلاثة وعشرين عاماً خلف قضبان سجون الاحتلال، وتجربته ليست عزلة فردية منفصلة عن التاريخ، بل تقع في قلب واقع استعماري يستهدف شعباً وأرضاً وذاكرة وحقاً في الحرية وتقرير المصير.
أما حكاية آندي فتتناول مقاومة الفرد لمنظومة السجن والفساد والظلم. يلتقي الاثنان في الدفاع عن الكرامة ورفض أن يكون القيد خاتمة الحكاية، لكن كميل يحمل، إلى جانب المعنى الإنساني للأسر، المعنى الوطني للتحرر. فالحرية التي يكتب عنها ليست مجرد خروج من الزنزانة، بل استعادة الإنسان لوطنه وحقه في الحياة فوق أرضه.
لذلك، لا تشكّل «الجهة السابعة» عالماً بديلاً عن الوطن، بل مساحةً لتثبيت الأثر في مواجهة المحو، وصون الذاكرة من الاقتلاع. تتعدد أدوات الحفر، وتختلف مساراتها، لكنها تلتقي عند غاية واحدة: ألّا يتحوّل القيد إلى قدر، ولا يصبح الأسر مصيراً نهائياً.
المطرقة والقلم، المعرفة والذاكرة، الخيال والصبر؛ كلها أدوات تستمد معناها من الإرادة التي تستخدمها والأفق الذي تعمل من أجله. قد يحفر أحدهم في الحجر، وآخر في اللغة، وثالث في جدار الخوف، ورابع في ذاكرة وطن يحاول الغياب ابتلاعه. لكن هذه الأفعال تلتقي في معنى واحد: أن الإنسان لا يُختزل في حدود المكان الذي حُبس فيه، ولا في الزمن الذي سُلب منه.
فما الجدار الذي نحفر فيه نحن؟ أهو جدار الخوف، أم اعتياد الظلم، أم اليأس من تغيير ما يبدو ثابتاً؟ ربما لا نملك جميعاً مطرقة آندي، ولا نستطيع ابتكار جهة سابعة مثل كميل، لكن لكل منا أداة لمقاومة الجدار الذي يحدّ من إنسانيته. المهم ألا نخلط بين اختلاف الأدوات واختلاف الغايات، وألا ننسى أن الحرية لا تُمنح دائماً دفعة واحدة؛ إنها تُنتزع أيضاً بتراكم الأفعال الصغيرة، وبالصبر والمعرفة والإيمان بالمستقبل.
بين مطرقة آندي وقلم كميل، قد يغلق الجدران والجهات، لكنه لا يستطيع أن يمنع الإنسان من ابتكار منفذ آخر. فليس الأمل أن يسقط الجدار غداً، بل أن نمتلك ما يكفي من الإرادة لنواصل الحفر الليلة، وما يكفي من الإيمان لنواصل الكتابة غداً؛ حتى لا تكون للظلم الكلمة الأخير.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire