▼

١٠٩ أعوام على إعلان بلفور المشؤوم

 

يصادف اليوم، الثاني من تشرين الثاني، الذكرى الـ 109 لصدور اعلان بلفور المشؤوم، الذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
"إعلان بلفور" كان بمثابة الخطوة الأولى للغرب على طريق إقامة كيان لليهود على أرض فلسطين؛ استجابة مع رغبات الصهيونية العالمية على حساب شعب متجذر في هذه الأرض منذ آلاف السنين.
وجاء الإعلان على شكل تصريح موجه من قبل وزير خارجية بريطانيا آنذاك، آرثر جيمس بلفور في حكومة ديفيد لويد جورج في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، إلى اللورد روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية، وذلك بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات دارت بين الحكومة البريطانية من جهة، واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية من جهة أخرى، واستطاع من خلالها الصهاينة إقناع بريطانيا بقدرتهم على تحقيق أهداف بريطانيا، والحفاظ على مصالحها في المنطقة.
وكانت الحكومة البريطانية قد عرضت نص اعلان بلفور على الرئيس الأمريكي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسميا سنة 1918، ثم تبعها الرئيس الأمريكي ولسون رسميا وعلنيا سنة 1919، وكذلك اليابان، وفي 25 نيسان سنة 1920، وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر سان ريمو على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 تموز عام 1922 وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 أيلول 1923، وبذلك يمكننا القول إن اعلان بلفور كان وعدا غربيا وليس بريطانيا فحسب.
في المقابل اختلفت ردود أفعال العرب تجاه الاعلان بين الدهشة، والاستنكار، والغضب، وبهدف امتصاص حالة السخط والغضب التي قابل العرب بها إعلان بلفور، أرسلت بريطانيا رسالة إلى الشريف حسين، بواسطة الكولونيل باست، تؤكد فيها الحكومة البريطانية أنها لن تسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، ولكنها في الوقت نفسه أصدرت أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في فلسطين، أن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة حاييم وايزمن خليفة هرتزل، وكذلك عملت على تحويل قوافل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ووفرت الحماية والمساعدة اللازمتين لهم.
أما الشعب الفلسطيني فلم يستسلم للوعود والقرارات البريطانية والوقائع العملية التي بدأت تفرض على الأرض من قبل الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة، بل خاض ثورات متلاحقة، كان أولها ثورة البراق عام 1929، ثم تلتها ثورة 1936.
من جهتها، اتخذت الحركة الصهيونية العالمية وقادتها من هذا الوعد مستندا قانونيا لتدعم به مطالبها المتمثلة، في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وتحقيق حلم اليهود بالحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي لهم، يجمع شتاتهم بما ينسجم وتوجهات الحركة الصهيونية، بعد انتقالها من مرحلة التنظير لأفكارها إلى حيز التنفيذ في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول، الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، والذي أقرّ البرنامج الصهيوني، وأكد أن الصهيونية تكافح من أجل إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.
وتبدو الإشارة إلى إعلان بلفور في نص وثيقة الاستقلال المعلنة مع قيام دولة "إسرائيل"، دليلا فصيحا على أهمية هذا الوعد بالنسبة لليهود، حيث نقرأ في هذه الوثيقة: "الانبعاث القومي في بلد اعترف به وعد بلفور...".
وتمكن اليهود من استغلال تلك القصاصة الصادرة عن آرثر بلفور المعروف بقربه من الحركة الصهيونية، ومن ثم صك الانتداب، وقرار الجمعية العامة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ليحققوا حلمهم بإقامة "إسرائيل" في الخامس عشر من أيار عام 1948، وليحظى هذا الكيان بعضوية الأمم المتحدة بضغط الدول الكبرى، ولتصبح "إسرائيل" أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي التي تنشأ على أرض الغير، وتلقى مساندة دولية جعلتها تغطرس في المنطقة، وتتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه دون رحمة.
واعلان بلفور أعطى وطنا لليهود وهم ليسوا سكان فلسطين، حيث لم يكن في فلسطين من اليهود عند صدور التصريح سوى خمسين ألفا من أصل عدد اليهود في العالم حينذاك، والذي كان يقدر بحوالي 12 مليونا، في حين كان عدد سكان فلسطين من العرب في ذلك الوقت يناهز مليونا و650 ألفا من المواطنين الذين كانوا، ومنذ آلاف السنين يطورون حياتهم في بادية وريف ومدن هذه الأرض، ولكن الوعد المشؤوم تجاهلهم ولم يعترف لهم إلا ببعض الحقوق المدنية والدينية، متجاهلا حقوقهم السياسية والاقتصادية والإدارية.

فيما يلي نص اعلان بلفور:
وزارة الخارجية البريطانية
2 نوفمبر 1917م

عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".
 وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح.
الجبهة الشعبية في ذكرى وعد بلفور المشؤوم: بريطانيا شريكة في الجريمة والمسؤولية لن تسقط بالتقادم
أكدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في بيان صحفي بمناسبة الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور المشؤوم، أنّ الشعب الفلسطيني يخوض أصعب مراحل تاريخه، تحت حرب الإبادة المتواصلة في قطاع غزة، حيث يتعرض للحصار والتجويع والتدمير المنهجي للبنية التحتية ومقومات الحياة، بالتوازي مع حرب الاقتلاع والتهجير والتهويد والاستيطان التي تتصاعد في الضفة و القدس .
وقالت الجبهة: "تعيد هذه اللحظة الدامية التذكير بجذور المأساة الفلسطينية، وبالمسؤولية التاريخية للاستعمار البريطاني الذي منح أرض فلسطين للحركة الصهيونية، فاتحاً الطريق أمام مشروع استعماري استيطاني إحلالي فاشي وعنصري قام على اقتلاع شعبنا من أرضه ومصادرة حقوقه. إنها جريمة لن نغفرها ولن ننساها، وستبقى مسؤولية بريطانيا عنها قائمة ما بقي شعبنا يناضل من أجل استعادة حقوقه".
وأضافت الشعبية أنّه "بعد أكثر من قرن، تتواصل هذه الجريمة بأدواتٍ جديدة وشراكات واضحة؛ فالدعم العسكري والسياسي الذي تقدمه القوى الغربية للاحتلال، والغطاء الذي وفرته له خلال حرب الإبادة، يؤكدان استمرار المسؤولية الاستعمارية عن المأساة التي يعيشها شعبنا".
وأشارت الجبهة إلى أنّه في بريطانيا نفسها، يتصاعد الغضب الشعبي وتتسع المطالبات بكشف دور الحكومة البريطانية في الحرب، حيث وقّع عشرات الآلاف على عريضة تطالب بتحقيق مستقل في حجم مشاركتها ودعمها للعمليات العسكرية ضد قطاع غزة، مؤكدةً أنّ هذا التحول في الرأي العام العالمي يمثل قوة مهمة يتوجب البناء عليها، وتعزيز التواصل مع القوى الشعبية والنقابية والتقدمية، وتحويل التضامن مع شعبنا إلى ضغط سياسي وقانوني متواصل.
وعلى صعيد الداخل "الإسرائيلي"، بينت الجبهة أنّ "الانتخابات الصهيونية الأخيرة تكشف حقيقة المشروع الذي يواجهه شعبنا، حيث تتغير الحكومات الصهيونية وتتعاقب القيادات المجرمة، فيما يبقى المشروع الصهيوني وبرنامجه الاستعماري واحداً، ثابتاً في جوهره وأهدافه"، لافتةً إلى أنّه "مشروع يقوم على الاستيطان والضم والتهجير وإنكار حقوق شعبنا، ولا يمكن مواجهته إلا بتعزيز صمود شعبنا ومقاومته، وترسيخ وحدته الوطنية، وحشد كل الطاقات الفلسطينية والعربية والأممية في مواجهة هذا المشروع الاستعماري".
وتابعت الشعبية: "لقد أثبت شعبنا في غزة والضفة والقدس وأراضي الـ48 والشتات وحدة هويته ومصيره، وتمسكه بحقوقه الثابتة كاملة، مشددة على أنّه "أمام الظروف القاسية التي تحيط بقضيتنا، والمخاطر التي تهدد مستقبلها، يصبح الحوار الوطني الفلسطيني الشامل ممرّاً إجبارياً لا مفر منه؛ فالوحدة الوطنية اليوم ضرورة لحماية شعبنا، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء مؤسساتنا الوطنية على أسس ديمقراطية وشراكة حقيقية، وصياغة استراتيجية وطنية جامعة تواجه الاحتلال ومشاريع التصفية".
وختمت الجبهة الشعبية بيانها بالتأكيد أن الشعب الفلسطيني، الذي واجه أكثر من قرن من الاستعمار والاقتلاع، لن يتخلى عن أرضه وحقوقه، وأن فلسطين ستبقى، رغم حرب الإبادة والتجويع والتهجير ومشاريع التصفية، أرض شعبها ووطنه الذي يناضل من أجل حريته وعودته واستقلاله.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire