د. طنوس شلهوب
يخلط البعض بين مسألتين مختلفتين: طبيعة القوى الصهيونية المتنافسة على السلطة، وموقف فلسطينيي الداخل من المشاركة في انتخابات الكنيست. التنافس بين معسكري نتنياهو ومنافسيه لا يلغي اتفاقهما في جوهر المشروع الصهيوني وأهدافه الاستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وإن اختلفا في بعض أساليب إدارة الصراع ووسائل تحقيق هذه الأهداف. لكن صحة هذا التشخيص لا تبرر إدانة مشاركة فلسطينيي الداخل في الانتخابات، باعتبارها دليلاً على قبولهم بالمشروع الصهيوني أو إضفاء الشرعية عليه.
فالخلط هنا يقع بين طبيعة المؤسسة السياسية والفعل الذي يمارسه الخاضعون لسلطتها. لا يعني استخدام مؤسسة قائمة قبول الأسس التي تقوم عليها، مثلما لا يجعل استخدامها ساحة الصراع محايدة أو خالية من مخاطر الاحتواء. لذلك، لا يتمثل السؤال في طبيعة الدولة الإسرائيلية، بل في كيفية تعامل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سلطتها مع مؤسساتها، وفي مدى قدرة مشاركتهم فيها على الدفاع عن حقوقهم وهويتهم الوطنية ومصالحهم الاجتماعية، من دون أن تتحول إلى وسيلة لإدماجهم في النظام القائم.
لقد تشكلت علاقة فلسطينيي الداخل بالمؤسسات الإسرائيلية في أعقاب نكبة 1948، حين وجد من بقوا في وطنهم أنفسهم أقلية وطنية داخل دولة قامت على أنقاض المجتمع الفلسطيني، في ظل الاقتلاع والتهجير ومصادرة الأراضي وتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية. ولم تمنع الجنسية الإسرائيلية إخضاعهم للحكم العسكري حتى عام 1966، واستمرار أشكال التمييز القومي.
ومنذ انتخابات الكنيست الأولى عام 1949، تراوحت المشاركة العربية بين الاحتواء الذي مارسته الأحزاب الحاكمة، ولا سيما من خلال القوائم العربية المرتبطة بها، ومحاولات استخدام التمثيل البرلماني للدفاع عن الحقوق. وفي المقابل، شكّل الحزب الشيوعي الإسرائيلي أحد ميادين مقاومة الحكم العسكري والتمييز، بينما كشفت تجربة حركة الأرض، التي مُنعت من المشاركة في انتخابات 1965، حدود المجال السياسي الذي سمحت به الدولة أمام التنظيم الوطني المستقل.
ومع تطور الحركة الوطنية وتصاعد الصراع على الأرض، مثّل يوم الأرض في 30 آذار 1976 محطة مفصلية في تأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية ومقاومة مصادرة الأراضي. وتنوعت لاحقاً اتجاهات العمل السياسي بين الشيوعيين والقوميين والإسلاميين ودعاة المقاطعة، واختلفت تقديراتها بشأن جدوى المشاركة في الكنيست.
تكشف هذه التجربة أن المشاركة البرلمانية لم تحمل وظيفة واحدة ثابتة؛ فقد كانت أحياناً أداة للاحتواء، وأحياناً مجالاً للدفاع عن الحقوق ومقاومة السياسات الإسرائيلية. ولذلك لا يمكن الحكم عليها بمعزل عن ظروفها التاريخية والبرنامج السياسي الذي يوجهها.
تجري المشاركة البرلمانية ضمن قواعد تحددها الدولة، ولا تلغي حقيقة أن الكنيست جزء من بنيتها السياسية. ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على المقاعد والائتلافات والميزانيات إلى اختزال القضية الفلسطينية في مطالب مدنية ومحلية، وفصلها عن الصراع على الأرض والهوية والحقوق الوطنية.
وتظهر مخاطر الأسرلة عندما تتحول المشاركة من وسيلة للدفاع عن الحقوق إلى إطار يحدد سقف المطالب السياسية نفسها، وعندما يصبح الحفاظ على التمثيل البرلماني أولوية تتقدم على التنظيم الشعبي المستقل ومواجهة بنية التمييز القومي والاستعمار الاستيطاني.
لكن ذلك لا يعني التقليل من أهمية المطالب اليومية، كالسكن والتعليم والصحة والعمل والميزانيات؛ فهي تمس الشروط المادية لحياة المجتمع وقدرته على الصمود. إن المسألة هي ما إذا كانت هذه المطالب جزءاً من نضال وطني واجتماعي مستقل، أم بديلاً منه.
وفي المقابل، لا تضمن المقاطعة الحفاظ على الاستقلال الوطني بمجرد إعلان رفض المؤسسة. فإذا لم تقترن ببناء بدائل سياسية واجتماعية وتنظيم جماهيري، فقد تؤدي إلى الانسحاب من ساحة للصراع من دون توفير وسيلة أكثر فاعلية للمواجهة.
**
يقدم لينين في كتابه «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية» (1920)، ولا سيما في الفصل المتعلق بالمشاركة في البرلمانات البرجوازية، نقداً للمقاطعة المبدئية التي ترفض العمل البرلماني بصرف النظر عن الظروف الملموسة. لم يكن دفاع لينين عن المشاركة إيماناً بحياد البرلمان أو بإمكان تغيير بنية النظام بمجرد الفوز بالمقاعد، بل انطلق من ضرورة استخدام مختلف ميادين الصراع لتنظيم الجماهير وكشف تناقضات النظام وتوسيع إمكانات المواجهة. وفي الوقت نفسه، لم يجعل المشاركة قاعدة مطلقة، بل أخضعها للتحليل الملموس للظروف وموازين القوى وأهداف الحركة السياسية.
ولا يمكن نقل هذا الموقف آلياً إلى الحالة الفلسطينية، التي تتداخل فيها المسألة الطبقية مع طبيعة الدولة الصهيونية والتناقض الوطني والقومي. لكن المنهج اللينيني يتيح طرح السؤال الأساسي: هل تعزز المشاركة قدرة الفلسطينيين على التنظيم المستقل ومقاومة التمييز والاستعمار، أم تحصر نضالهم في حدود المؤسسات القائمة؟
من هذا المنظور، ليست المشاركة رجعية بالضرورة، كما أن المقاطعة ليست ثورية بالضرورة. ويتوقف تقييمهما على علاقتهما بالبرنامج السياسي والتنظيم الشعبي، وعلى قدرتهما على ربط المطالب الاجتماعية اليومية بالأهداف الوطنية الاستراتيجية.
كذلك، فإن الاعتراف بالفروق بين المعسكرات الصهيونية لا يعني اعتبار أحدها بديلاً عن مواجهة المشروع الصهيوني. فقد يكون منع وصول القوى الأكثر تطرفاً إلى السلطة هدفاً تكتيكياً مهماً، لكن تحقيق هذا الهدف لا يعني تغيير طبيعة الدولة أو التخلي عن مواصلة النضال ضد سياساتها.
وعليه، يمكن فهم تعدد الدوافع التي تحمل قطاعات من فلسطينيي الداخل على المشاركة في انتخابات الكنيست، وأبرزها:
1. الدفاع عن المصالح اليومية: المطالبة بالميزانيات والخدمات، وحماية الأرض والسكن، وتحسين التعليم والصحة والعمل وأوضاع السلطات المحلية.
2. مواجهة التمييز القومي والاجتماعي: مقاومة القوانين والسياسات التمييزية، والدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية.
3. الحفاظ على الهوية الوطنية: استخدام الكنيست منبراً لطرح القضية الفلسطينية والتأكيد على الهوية الوطنية الواحدة للشعب الفلسطيني.
4. التأثير في موازين القوى: استثمار التمثيل النسبي في التأثير في تشكيل الحكومات أو منع تشكل أغلبية معينة، بما في ذلك منع وصول قوى أشد عداءً للفلسطينيين إلى السلطة، من دون أن يعني ذلك تأييد المعسكر المنافس أو القبول ببرنامجه الصهيوني.
5. تعزيز القدرة التفاوضية: استخدام الوزن الانتخابي للمطالبة بحقوق وموارد ومكاسب للمجتمع العربي.
6. الجمع بين المشاركة والصراع: التعامل مع المؤسسات بوصفها أحد ميادين النضال، لا بديلاً من التنظيم الشعبي والعمل الوطني والاجتماعي.
7. الاستفادة من التجربة التاريخية: إدراك أن جدوى المشاركة أو المقاطعة تتغير بتغير الظروف وموازين القوى، ولا يمكن حسمها بموقف مبدئي مجرد.
إن إدانة فلسطينيي الداخل لمجرد مشاركتهم في انتخابات الكنيست تخلط بين التعامل مع مؤسسات الدولة والقبول بالمشروع الصهيوني، وتتجاهل الشروط التاريخية والمادية التي يعيشون في ظلها. وفي المقابل، فإن الدفاع عن المشاركة من دون نقد حدودها ومخاطرها قد يحولها إلى غاية تكرس الاحتواء والأسرلة.
المعيار، إذاً، ليس المشاركة أو المقاطعة في ذاتهما، بل وظيفة كل منهما في الصراع: هل تعزز استقلال الفلسطينيين السياسي والاجتماعي، وتحافظ على هويتهم الوطنية، وتوسع قدرتهم على مقاومة التمييز والاستعمار؟ أم تحصر نضالهم في حدود النظام القائم؟
فالمشاركة لا تعني بالضرورة إضفاء الشرعية على المشروع الصهيوني، كما أن المقاطعة لا تعني بالضرورة مواجهته. إنما يتحدد الموقف السياسي بمدى إسهام كل خيار في بناء قوة وطنية واجتماعية مستقلة، تربط الدفاع عن الحقوق اليومية بمواصلة النضال من أجل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
يخلط البعض بين مسألتين مختلفتين: طبيعة القوى الصهيونية المتنافسة على السلطة، وموقف فلسطينيي الداخل من المشاركة في انتخابات الكنيست. التنافس بين معسكري نتنياهو ومنافسيه لا يلغي اتفاقهما في جوهر المشروع الصهيوني وأهدافه الاستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وإن اختلفا في بعض أساليب إدارة الصراع ووسائل تحقيق هذه الأهداف. لكن صحة هذا التشخيص لا تبرر إدانة مشاركة فلسطينيي الداخل في الانتخابات، باعتبارها دليلاً على قبولهم بالمشروع الصهيوني أو إضفاء الشرعية عليه.
فالخلط هنا يقع بين طبيعة المؤسسة السياسية والفعل الذي يمارسه الخاضعون لسلطتها. لا يعني استخدام مؤسسة قائمة قبول الأسس التي تقوم عليها، مثلما لا يجعل استخدامها ساحة الصراع محايدة أو خالية من مخاطر الاحتواء. لذلك، لا يتمثل السؤال في طبيعة الدولة الإسرائيلية، بل في كيفية تعامل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سلطتها مع مؤسساتها، وفي مدى قدرة مشاركتهم فيها على الدفاع عن حقوقهم وهويتهم الوطنية ومصالحهم الاجتماعية، من دون أن تتحول إلى وسيلة لإدماجهم في النظام القائم.
لقد تشكلت علاقة فلسطينيي الداخل بالمؤسسات الإسرائيلية في أعقاب نكبة 1948، حين وجد من بقوا في وطنهم أنفسهم أقلية وطنية داخل دولة قامت على أنقاض المجتمع الفلسطيني، في ظل الاقتلاع والتهجير ومصادرة الأراضي وتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية. ولم تمنع الجنسية الإسرائيلية إخضاعهم للحكم العسكري حتى عام 1966، واستمرار أشكال التمييز القومي.
ومنذ انتخابات الكنيست الأولى عام 1949، تراوحت المشاركة العربية بين الاحتواء الذي مارسته الأحزاب الحاكمة، ولا سيما من خلال القوائم العربية المرتبطة بها، ومحاولات استخدام التمثيل البرلماني للدفاع عن الحقوق. وفي المقابل، شكّل الحزب الشيوعي الإسرائيلي أحد ميادين مقاومة الحكم العسكري والتمييز، بينما كشفت تجربة حركة الأرض، التي مُنعت من المشاركة في انتخابات 1965، حدود المجال السياسي الذي سمحت به الدولة أمام التنظيم الوطني المستقل.
ومع تطور الحركة الوطنية وتصاعد الصراع على الأرض، مثّل يوم الأرض في 30 آذار 1976 محطة مفصلية في تأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية ومقاومة مصادرة الأراضي. وتنوعت لاحقاً اتجاهات العمل السياسي بين الشيوعيين والقوميين والإسلاميين ودعاة المقاطعة، واختلفت تقديراتها بشأن جدوى المشاركة في الكنيست.
تكشف هذه التجربة أن المشاركة البرلمانية لم تحمل وظيفة واحدة ثابتة؛ فقد كانت أحياناً أداة للاحتواء، وأحياناً مجالاً للدفاع عن الحقوق ومقاومة السياسات الإسرائيلية. ولذلك لا يمكن الحكم عليها بمعزل عن ظروفها التاريخية والبرنامج السياسي الذي يوجهها.
تجري المشاركة البرلمانية ضمن قواعد تحددها الدولة، ولا تلغي حقيقة أن الكنيست جزء من بنيتها السياسية. ولا ينبغي أن يؤدي التركيز على المقاعد والائتلافات والميزانيات إلى اختزال القضية الفلسطينية في مطالب مدنية ومحلية، وفصلها عن الصراع على الأرض والهوية والحقوق الوطنية.
وتظهر مخاطر الأسرلة عندما تتحول المشاركة من وسيلة للدفاع عن الحقوق إلى إطار يحدد سقف المطالب السياسية نفسها، وعندما يصبح الحفاظ على التمثيل البرلماني أولوية تتقدم على التنظيم الشعبي المستقل ومواجهة بنية التمييز القومي والاستعمار الاستيطاني.
لكن ذلك لا يعني التقليل من أهمية المطالب اليومية، كالسكن والتعليم والصحة والعمل والميزانيات؛ فهي تمس الشروط المادية لحياة المجتمع وقدرته على الصمود. إن المسألة هي ما إذا كانت هذه المطالب جزءاً من نضال وطني واجتماعي مستقل، أم بديلاً منه.
وفي المقابل، لا تضمن المقاطعة الحفاظ على الاستقلال الوطني بمجرد إعلان رفض المؤسسة. فإذا لم تقترن ببناء بدائل سياسية واجتماعية وتنظيم جماهيري، فقد تؤدي إلى الانسحاب من ساحة للصراع من دون توفير وسيلة أكثر فاعلية للمواجهة.
**
يقدم لينين في كتابه «مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية» (1920)، ولا سيما في الفصل المتعلق بالمشاركة في البرلمانات البرجوازية، نقداً للمقاطعة المبدئية التي ترفض العمل البرلماني بصرف النظر عن الظروف الملموسة. لم يكن دفاع لينين عن المشاركة إيماناً بحياد البرلمان أو بإمكان تغيير بنية النظام بمجرد الفوز بالمقاعد، بل انطلق من ضرورة استخدام مختلف ميادين الصراع لتنظيم الجماهير وكشف تناقضات النظام وتوسيع إمكانات المواجهة. وفي الوقت نفسه، لم يجعل المشاركة قاعدة مطلقة، بل أخضعها للتحليل الملموس للظروف وموازين القوى وأهداف الحركة السياسية.
ولا يمكن نقل هذا الموقف آلياً إلى الحالة الفلسطينية، التي تتداخل فيها المسألة الطبقية مع طبيعة الدولة الصهيونية والتناقض الوطني والقومي. لكن المنهج اللينيني يتيح طرح السؤال الأساسي: هل تعزز المشاركة قدرة الفلسطينيين على التنظيم المستقل ومقاومة التمييز والاستعمار، أم تحصر نضالهم في حدود المؤسسات القائمة؟
من هذا المنظور، ليست المشاركة رجعية بالضرورة، كما أن المقاطعة ليست ثورية بالضرورة. ويتوقف تقييمهما على علاقتهما بالبرنامج السياسي والتنظيم الشعبي، وعلى قدرتهما على ربط المطالب الاجتماعية اليومية بالأهداف الوطنية الاستراتيجية.
كذلك، فإن الاعتراف بالفروق بين المعسكرات الصهيونية لا يعني اعتبار أحدها بديلاً عن مواجهة المشروع الصهيوني. فقد يكون منع وصول القوى الأكثر تطرفاً إلى السلطة هدفاً تكتيكياً مهماً، لكن تحقيق هذا الهدف لا يعني تغيير طبيعة الدولة أو التخلي عن مواصلة النضال ضد سياساتها.
وعليه، يمكن فهم تعدد الدوافع التي تحمل قطاعات من فلسطينيي الداخل على المشاركة في انتخابات الكنيست، وأبرزها:
1. الدفاع عن المصالح اليومية: المطالبة بالميزانيات والخدمات، وحماية الأرض والسكن، وتحسين التعليم والصحة والعمل وأوضاع السلطات المحلية.
2. مواجهة التمييز القومي والاجتماعي: مقاومة القوانين والسياسات التمييزية، والدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية.
3. الحفاظ على الهوية الوطنية: استخدام الكنيست منبراً لطرح القضية الفلسطينية والتأكيد على الهوية الوطنية الواحدة للشعب الفلسطيني.
4. التأثير في موازين القوى: استثمار التمثيل النسبي في التأثير في تشكيل الحكومات أو منع تشكل أغلبية معينة، بما في ذلك منع وصول قوى أشد عداءً للفلسطينيين إلى السلطة، من دون أن يعني ذلك تأييد المعسكر المنافس أو القبول ببرنامجه الصهيوني.
5. تعزيز القدرة التفاوضية: استخدام الوزن الانتخابي للمطالبة بحقوق وموارد ومكاسب للمجتمع العربي.
6. الجمع بين المشاركة والصراع: التعامل مع المؤسسات بوصفها أحد ميادين النضال، لا بديلاً من التنظيم الشعبي والعمل الوطني والاجتماعي.
7. الاستفادة من التجربة التاريخية: إدراك أن جدوى المشاركة أو المقاطعة تتغير بتغير الظروف وموازين القوى، ولا يمكن حسمها بموقف مبدئي مجرد.
إن إدانة فلسطينيي الداخل لمجرد مشاركتهم في انتخابات الكنيست تخلط بين التعامل مع مؤسسات الدولة والقبول بالمشروع الصهيوني، وتتجاهل الشروط التاريخية والمادية التي يعيشون في ظلها. وفي المقابل، فإن الدفاع عن المشاركة من دون نقد حدودها ومخاطرها قد يحولها إلى غاية تكرس الاحتواء والأسرلة.
المعيار، إذاً، ليس المشاركة أو المقاطعة في ذاتهما، بل وظيفة كل منهما في الصراع: هل تعزز استقلال الفلسطينيين السياسي والاجتماعي، وتحافظ على هويتهم الوطنية، وتوسع قدرتهم على مقاومة التمييز والاستعمار؟ أم تحصر نضالهم في حدود النظام القائم؟
فالمشاركة لا تعني بالضرورة إضفاء الشرعية على المشروع الصهيوني، كما أن المقاطعة لا تعني بالضرورة مواجهته. إنما يتحدد الموقف السياسي بمدى إسهام كل خيار في بناء قوة وطنية واجتماعية مستقلة، تربط الدفاع عن الحقوق اليومية بمواصلة النضال من أجل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire