مهند فوزي أبو شمالة
في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلنت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، التي سبق أن ترأست لجنة تحقيق أممية خلصت إلى ارتكاب "إسرائيل" إبادة جماعية في قطاع غزة، وهي التي قدمت إسهامات مهمة في تطوير القانون الدولي، من خلال عملها في المحاكمات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
بيلاي حقوقية وقاضية جنوب إفريقية من أصول هندية، عُرفت بدفاعها عن حقوق الإنسان ومناهضة نظام الفصل العنصري في بلادها، وشغلت مناصب قضائية وحقوقية دولية بارزة، وتولت منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، كما عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، ورئيسة للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا. وقد مثّل حصولها على الجائزة اعترافاً دولياً شجاعاً بصلابة المسار الحقوقي الذي قادته على رأس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويأتي هذا التكريم لتتويج مرحلة مفصلية نجحت خلالها التحقيقات الأممية في كسر أطر الحصانة التاريخية التي تمتع بها الاحتلال الإسرائيلي لعقود، عبر تثبيت المسؤولية القانونية المباشرة عن ارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وتأسيس الإسناد القانوني المباشر الذي بُنيت عليه مذكرات الاعتقال الدولية الصادرة بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانت.
تجاوزت التقارير التي أعدتها بيلاي ولجنتها الأممية حدود التوصيف التقليدي القائم على الإعراب عن القلق والشجب الدبلوماسي، متجهةً نحو التوصيف الجنائي المباشر والواضح للسياسات الإسرائيلية في غزة باعتبارها أفعالاً تقع حكماً ضمن تعريف الإبادة الجماعية وفق المعايير والقوانين الدولية. واعتمدت التحقيقات على أدلة ميدانية توثق الاستهداف الممنهج للمدنيين، واستخدام التجويع وسيلةً للحرب، وتدمير البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية، مما أزاح الغطاء عن الذرائع الأمنية التي طالما اعتمدها الاحتلال لتسويغ ممارساته أمام المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عمر نشابة، الباحث والأكاديمي المتخصّص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان، في حديث خاص لبوابة "الهدف"، أنّ منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام يُمثّل تحدياً صارخاً للمنظومة العالمية المتساهلة مع الجرائم الإسرائيلية.
ويشير نشابة إلى أن بيلاي، بصفتها قاضية سابقة في المحكمة الجنائية الدولية التي تواجه عقوبات أمريكية، ورئيسة لبعثة حقوقية أممية أكدت ارتكاب الاحتلال إبادة جماعية في غزة، حظيت بهذا التكريم الأممي لتوجيه رسالة حاسمة بوجوب ملاحقة ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم الفظيعة، مُحذراً من أن لجوء لجنة نوبل لهذه الخطوة يدرك تماماً مدى التحدي الموجه للسياسة الأمريكية التي تدعم إجرام الاحتلال بإطلاق تام، وهو ما يعكس تحولاً نوعياً في إقرار المؤسسات الدولية بالجرائم الجسيمة التي يتعرض لها الشعبان الفلسطيني واللبناني.
من التوثيق إلى المساءلة: تقارير بيلاي وتحولات الخطاب الحقوقي الدولي
شكّلت التقارير الصادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، برئاسة نافي بيلاي، محطة مهمة في مسار توثيق الانتهاكات المرتکبة في قطاع غزة، إذ أسهمت في نقل النقاش الحقوقي من التعبير العام عن القلق إزاء الكارثة الإنسانية إلى فحص الوقائع في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. وركزت التحقيقات على أنماط الانتهاكات التي طالت المدنيين، بما في ذلك القتل والتدمير الواسع، وحرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية، واستخدام التجويع وسيلةً من وسائل الحرب. وقد أعادت هذه المعطيات طرح أسئلة جوهرية بشأن المسؤولية القانونية عن الأفعال المرتكبة، ومدى انطباق التعريفات القانونية للجرائم الدولية، بما فيها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، على الوقائع الموثقة.
تجاوزت أهمية هذه التقارير توثيق الانتهاكات؛ فقد عززت حضور الأدلة والشهادات في النقاشات الأممية والحقوقية، وتوفير مادة يمكن الاستناد إليها في جهود المساءلة والملاحقة القانونية، وفقاً لاختصاص كل هيئة وإجراءاتها. كما أسهمت المخرجات الحقوقية في توسيع النقاش الدولي حول مسؤولية الدول والمؤسسات عن منع الجرائم الدولية ومحاسبة مرتكبيها، وأعادت التأكيد على أن حماية المدنيين لا ينبغي أن تخضع للحسابات السياسية أو لموازين القوة.
انكسار جدار السردية التقليدية
أحدثت التقارير الأممية والمذكرات القضائية المتتالية تحولاً هيكلياً في بنية السردية العالمية تجاه الصراع؛ حيث فقدت الرواية الإسرائيلية قدرتها على الهيمنة والتأثير في المحافل السياسية والإعلامية الغربية، فقد تشجّعت العديد من المنظمات والدول على التخلي عن الحذر الدبلوماسي وتبني مواقف أكثر صراحة في توصيف ممارسات الاحتلال بالفصل العنصري والإبادة الجماعية.
كما انتقلت وسائل الإعلام الدولية من مربع التشكيك في الرواية الفلسطينية إلى اعتماد المخرجات الحقوقية الأممية مرجعيةً رئيسية في تغطيتها الميدانية والتحليلية للعدوان، وصولاً لانعكاس هذه التحولات القانونية على الحراك الشعبي والأكاديمي في العواصم الغربية، عبر إعادة تعريف الصراع في أروقة الجامعات والشارع الغربي كقضية تحرر وحقوق إنسان في مواجهة نظام إبادة واستعمار.
وفي هذا الاتجاه، يوضح نشابة في حديثه مع "الهدف" أنّ التباطؤ والتراخي الرسمي في ملاحقة الجناة يعود بالأساس إلى مواقف بعض الحكومات الأوروبية؛ مستشهداً بالتعامل الخفيف لكل من فرنسا وإيطاليا مع ملف معاقبة قضاة دوليين، مثل القاضي الفرنسي "غايو" والمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز.
واعتبر الباحث والمتخصّص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان أن الاحتجاجات والمظاهرات المتصاعدة في الشوارع الفرنسية لا تقتصر على المطالب التربوية فحسب، بل تُعبّر عن غضب شعبي عارم ورفض حاسم لسياسات الحكومات الغربية الداعمة بلا حدود لآلة القتل الإسرائيلية التي تستهدف الأطفال وتفرض سياسة التجويع الممنهج ضد المدنيين.
صدمة المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل وآفاق المساءلة
أحدث تقرير بيلاي ومخرجاته القضائية حالةً من الإرباك والارتباك العميق داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية؛ إذ ألغى هذا التطور أفق الحصانة الدبلوماسية التي تذرعت بها سلطات الاحتلال لعقود خلف مبررات "الدفاع عن النفس" والشرعية الدولية الإنسانية.
تجلت آثار هذا التحول في نشوء حالة من الحذر والخشية بين كبار الضباط والمسؤولين الإسرائيليين من الملاحقات القضائية السفرية والعابرة للحدود، مما انعكس بدوره على خطط التوسع العسكري وعقد الصفقات الأمنية، وأجبر المؤسسة الإسرائيلية على إعادة حساباتها القانونية أمام كل قرار ميداني متخذ في الساحة الفلسطينية لترى موقعها الطبيعي أمام العدالة الدولية كنظام فصل عنصري وممارس لإبادة جماعية مُثبتة بالأدلة والشهادات.
وفي سياق إضاءته على آفاق تطبيق هذه القرارات، يُحذّر الدكتور عمر نشابة من مغبة استمرار تمنع بعض الدول الأوروبية وكندا عن إنفاذ التزاماتها القانونية بموجب "نظام روما الأساسي"، مُبدياً استهجانَهُ لتعطيل أوامر التوقيف والاعتقال الصادرة عن الهيئات القضائية الدولية بحق المجرمين الإسرائيليين.
ويشدّد نشابة في الوقت ذاته على أن الضغط الحقيقي يجب أن تتولاه البرلمانات والشعوب الأوروبية التي سعت أصلاً لإقرار هذه المحاكم عبر مسارات تشريعية لا ينبغي للسلطات التنفيذية الالتفاف عليها، مُختتماً حديثه مع "الهدف" بالتحذير من أن تقويض المعايير الإنسانية وشرعنة شريعة الغاب يخلقان حالة احتقان وغضب عالمي واسع لا يمكن احتواؤه.
ترسيخ السردية الفلسطينية كمرجعية حقوقية عالمية
توجت مخرجات هذا التقرير الأممي والخطوات القضائية المترتبة عليه نضال السردية الفلسطينية على الساحة الدولية؛ حيث أصبحت وثائق التقرير ومذكرات الاعتقال مرجعاً رسمياً معتمداً لدى المنظمات الدولية والأكاديمية، يُعتمد عليه في توثيق تاريخ العدوان وحجم التضحيات والانتهاكات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.
أصبحت السردية الوطنية الفلسطينية تبدو بعد أن كانت مجرد وجهة نظر سياسية قابلة للتفاوض أو المشاحنة الإعلامية حقيقة حقوقية مجسدة وموثقة بقرارات وأسانيد صادرة عن أعلى الهيئات والجهات الحقوقية على مستوى العالم، مما يُثبت الحقوق التاريخية والسياسية غير القابلة للتصرف، ويُؤطر النضال الفلسطيني ضمن مساره الطبيعي كحركة تحرر وطني ضد الاستعمار والإبادة.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire