د. طنوس شلهوب
اليوم انقضى من عمري سبعون عاماً. أقولها فأشعر بشيء من الدهشة. سبعون؟ كيف مرّت كل هذه السنوات بهذه السرعة؟ كأنني، قبل قليل، كنت ذلك الفتى الذي خرج من ديرميماس وفي رأسه أسئلة أكبر من عمره، ثم وجدتني في الحدث منخرطاً في النشاط السياسي، والحرب،وموسكو، وأعيش بعيدا عن أهلي، وأكتشف أن العالم أوسع بكثير مما كنا نراه من نافذة البيت.
ثم عدت إلى بيروت، ودخلت الجامعة اللبنانية، ومضت سنوات طويلة من التعليم والبحث والعمل. علّمت أجيالًا من الطلاب، وتعلمت منهم أكثر مما يتصورون. تنقلت بين كليات الجامعة، وعشت تجارب لم تكن دائمًا سهلة، ومررت بأيام كان فيها المستقبل يبدو غامضا، لكنني في كل مرة كنت أجد سببا للاستمرار.
ومنذ شبابي الأول، كانت السياسة والفكر جزءًا من حياتي. لم أكن أتعامل معهما كزينة ثقافية أو كهوية نضعها على الرف، بل كجزء من محاولة فهم العالم وتغييره. وربما لهذا السبب لم أستطع، حتى اليوم، أن أعيش بعيدا عن الأسئلة الكبرى: لماذا يعيش الناس كما يعيشون؟ لماذا يُظلم بعضهم ويملك بعضهم كل شيء؟ كيف تتغير المجتمعات؟ وما الذي يمكن للإنسان أن يفعله، ولو كان صغيرا، في مواجهة عالم يبدو أحيانا أكبر من قدرته؟
قد أكون أخطأت في كثير من التفاصيل.
وربما لو أُعيدت أمامي بعض الخيارات الصغيرة لاخترت غير ما اخترت. لكنني، إذا عدت إلى الوراء، فلن أندم على خياراتي الأساسية.
لم أختر دائما الطريق الأسهل، ولم أكن حريصا على أن تكون حياتي مريحة. كنت، في معظم الأحيان، قاسيا بحق نفسي، وربما أكثر مما ينبغي، لكنني كنت أحاول في المقابل أن أكون منصفا مع الآخرين.
لم أكن دائمًا على حق، ولا أظن أن أحدا يستطيع أن يدّعي ذلك بعد سبعين عاما من الحياة. لكنني كنت أحاول أن أكون صادقًا مع ما أؤمن به، وأن أدفع ثمن اختياراتي بنفسي، بدل أن أجعل الآخرين يدفعونه عني.
وهذا، في النهاية، هو الشيء الذي أستطيع أن أتصالح معه وأنا أنظر إلى الوراء.
لكنني لا أستطيع أن أنظر إلى هذه السنوات وكأنني صنعتها وحدي. كلما فكرت في حياتي، اكتشفت أنني كنت محاطا بأشخاص جعلوا الطريق ممكنا.
هناك أهلي ومن ثم عائلتي التي حملت معي أثقالاً لم تكن ظاهرة دائما، وهناك أصدقاء ورفاق وزملاء وطلاب وأشخاص عبروا حياتي ربما لفترة قصيرة، لكنهم تركوا فيها أثرا لا يزول.
وفي المراحل الصعبة تحديدا، كنت أكتشف أن الإنسان لا يعبر الجسور وحده.
ربما كنا نظن أننا نحن الذين نعبر، لكن يدا ما تكون دائما قد امتدت إلينا في اللحظة المناسبة، وكلمة ما أعادت إلينا شيئا من قوتنا، وشخصا ما جعل الطريق أقل وحشة.
لهذا، حين أتلقى اليوم رسائل المعايدة من كل هذا العدد من الناس، لا أقرأ فيها مجرد تهنئة بعيد ميلاد.
أشعر أنني أستعيد شيئا من الطريق.
كل رسالة تفتح نافذة صغيرة على مرحلة، وكل اسم يعيد وجها أو مكانا أو حوارا أو ضحكة أو حتى خلافا قديما.
وكم هو غريب هذا العمر!
نحن نعتقد أننا نترك الأشياء خلفنا، ثم نكتشف بعد عقود أنها لم تتركنا نحن.
تبقى موسكو في الذاكرة، وتبقى بيروت، وتبقى غلبون، وتبقى الجامعة اللبنانية بكل ما حملته من تعب وأمل، وتبقى السنوات التي كان فيها العمل السياسي والفكري جزءًا من الحياة اليومية، وتبقى وجوه الذين شاركونا تلك السنوات، بعضهم قريب وبعضهم بعيد وبعضهم لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.
وتبقى كندا أيضا، بكل ما حملته من انتقال إلى عمر جديد، ومن محاولة للبدء من جديد في بلد آخر، بعدما كان المرء يظن أن البدايات انتهت. لكن يبدو أن البدايات لا تنتهي ما دام الإنسان قادرًا على أن يحلم.
وهنا أصل إلى الشيء الذي يدهشني أكثر من بلوغي السبعين. كلما اقتربت من استهلاك زيت القنديل، تكاثرت المشاريع. كان يفترض، وفق المنطق البسيط، أن يحدث العكس. أن تقل الرغبات، وأن يخفّ الفضول، وأن نقول: لقد فعلنا ما نستطيع، وحان وقت الراحة. لكن ما يحدث معي هو العكس تماما. كلما مرّ عام، وجدت فكرة جديدة تطرق الباب.
مشروع لم يُكتب بعد.
فصل لم يكتمل.
سؤال لم يجد جوابا.
موضوع أشعر أنني لم أفهمه بما يكفي.
نص أريد أن أقوله بطريقة أفضل.
ومشروع جديد يظهر في اللحظة التي يفترض فيها أن أكون قد أغلقت دفتر المشاريع.
وأضحك من نفسي. أقول: يا رجل، أما آن لك أن ترتاح قليلًا؟ ثم أجدني بعد ساعات أفتح كتابا، أو أفتش عن موصوع، وأكتب فقرة، أو أضع فكرة جديدة على الورق. ولعل هذا هو الأمل.
ليس الأمل أن نتوهم أن أمامنا عمرا لا ينتهي، ولا أن ننكر أن الزمن أخذ منا الكثير. الأمل هو أن يبقى فينا شيء يريد أن يقول شيئا، أو يفهم شيئا، أو يصنع شيئا، أو يترك شيئا صغيرا وراءه.
لقد أخذت مني الحياة أشياء كثيرة، وأعطتني أشياء أكثر. ولا أريد أن أضع حسابًا نهائيا بين الخسارة والربح.
فالحياة ليست دفتر حساب. يكفيني أنني عشتها، وأنني حاولت أن أكون أنا، لا نسخة مما أراده الآخرون مني.
وحين أفكر اليوم في السبعين عاما، لا أرى رقمًا فقط. أرى طريقا طويلًا. أرى صبيا لم يكن يعرف إلى أين سيأخذه الطريق. أرى شابا كان يعتقد أن بإمكانه أن يفهم العالم ويغيره. أرى أستاذا أمضى عمراً في التعليم والبحث. أرى رفيقا في مسار سياسي وفكري طويل، شهد تحولات كثيرة ولم يتخلَّ عن الأسئلة التي دفعته إليه. أرى رجلًا بنى عائلة، وأحب، وخسر، وفرح، وتعب، وغضب، وصالح الحياة مرات كثيرة. وأرى نفسي اليوم، في السبعين، ما زلت أحاول أن أفهم. وربما هذه أجمل خلاصة يمكن أن أصل إليها.
فأنا لا أريد أن أصل إلى نهاية الأسئلة. أريد أن أبقى قادرا على السؤال. ولا أريد أن أقول إنني عرفت كل شيء. يكفيني أنني ما زلت أتعلم. ولا أريد أن أقول إنني لم أخطئ. يكفيني أنني لم أتوقف عن مراجعة نفسي. ولا أريد أن أقول إنني حققت كل ما أردت. يكفيني أن بعض الأحلام التي ظننت أنها انتهت ما زالت تعيش في مكان ما داخلي.
أما الذين أرسلوا إليّ اليوم كلماتهم الجميلة، فأقول لهم من القلب: شكراً.
لقد جعلتم هذا اليوم أكثر دفئا.
وربما لا يعرف بعضكم أن رسالته، مهما كانت قصيرة، قد أعادت إليّ لحظة من عمر بعيد، أو ابتسامة، أو وجها، أو شعورا ظننته قد اختفى.
بعد سبعين عاماً، أصبحت أعرف أن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما جمعه، ولا ما أنجزه، ولا حتى ما كتبه.
أجمل ما يملكه هو هؤلاء الذين يجعلون الطريق، مهما طال، أقل وحدة. لذلك لا أريد أن أقول اليوم: مضت سبعون سنة.
أفضّل أن أقول: عبرت سبعون سنة من الطريق، وما زلت أمشي.
قد يكون زيت القنديل قد نقص. لكن الغريب أنني، كلما نظرت إليه، أكتشف أن لديّ مشروعا جديدا.
ولذلك، ما دام هناك قليل من الزيت...فلنكمل.
اليوم انقضى من عمري سبعون عاماً. أقولها فأشعر بشيء من الدهشة. سبعون؟ كيف مرّت كل هذه السنوات بهذه السرعة؟ كأنني، قبل قليل، كنت ذلك الفتى الذي خرج من ديرميماس وفي رأسه أسئلة أكبر من عمره، ثم وجدتني في الحدث منخرطاً في النشاط السياسي، والحرب،وموسكو، وأعيش بعيدا عن أهلي، وأكتشف أن العالم أوسع بكثير مما كنا نراه من نافذة البيت.
ثم عدت إلى بيروت، ودخلت الجامعة اللبنانية، ومضت سنوات طويلة من التعليم والبحث والعمل. علّمت أجيالًا من الطلاب، وتعلمت منهم أكثر مما يتصورون. تنقلت بين كليات الجامعة، وعشت تجارب لم تكن دائمًا سهلة، ومررت بأيام كان فيها المستقبل يبدو غامضا، لكنني في كل مرة كنت أجد سببا للاستمرار.
ومنذ شبابي الأول، كانت السياسة والفكر جزءًا من حياتي. لم أكن أتعامل معهما كزينة ثقافية أو كهوية نضعها على الرف، بل كجزء من محاولة فهم العالم وتغييره. وربما لهذا السبب لم أستطع، حتى اليوم، أن أعيش بعيدا عن الأسئلة الكبرى: لماذا يعيش الناس كما يعيشون؟ لماذا يُظلم بعضهم ويملك بعضهم كل شيء؟ كيف تتغير المجتمعات؟ وما الذي يمكن للإنسان أن يفعله، ولو كان صغيرا، في مواجهة عالم يبدو أحيانا أكبر من قدرته؟
قد أكون أخطأت في كثير من التفاصيل.
وربما لو أُعيدت أمامي بعض الخيارات الصغيرة لاخترت غير ما اخترت. لكنني، إذا عدت إلى الوراء، فلن أندم على خياراتي الأساسية.
لم أختر دائما الطريق الأسهل، ولم أكن حريصا على أن تكون حياتي مريحة. كنت، في معظم الأحيان، قاسيا بحق نفسي، وربما أكثر مما ينبغي، لكنني كنت أحاول في المقابل أن أكون منصفا مع الآخرين.
لم أكن دائمًا على حق، ولا أظن أن أحدا يستطيع أن يدّعي ذلك بعد سبعين عاما من الحياة. لكنني كنت أحاول أن أكون صادقًا مع ما أؤمن به، وأن أدفع ثمن اختياراتي بنفسي، بدل أن أجعل الآخرين يدفعونه عني.
وهذا، في النهاية، هو الشيء الذي أستطيع أن أتصالح معه وأنا أنظر إلى الوراء.
لكنني لا أستطيع أن أنظر إلى هذه السنوات وكأنني صنعتها وحدي. كلما فكرت في حياتي، اكتشفت أنني كنت محاطا بأشخاص جعلوا الطريق ممكنا.
هناك أهلي ومن ثم عائلتي التي حملت معي أثقالاً لم تكن ظاهرة دائما، وهناك أصدقاء ورفاق وزملاء وطلاب وأشخاص عبروا حياتي ربما لفترة قصيرة، لكنهم تركوا فيها أثرا لا يزول.
وفي المراحل الصعبة تحديدا، كنت أكتشف أن الإنسان لا يعبر الجسور وحده.
ربما كنا نظن أننا نحن الذين نعبر، لكن يدا ما تكون دائما قد امتدت إلينا في اللحظة المناسبة، وكلمة ما أعادت إلينا شيئا من قوتنا، وشخصا ما جعل الطريق أقل وحشة.
لهذا، حين أتلقى اليوم رسائل المعايدة من كل هذا العدد من الناس، لا أقرأ فيها مجرد تهنئة بعيد ميلاد.
أشعر أنني أستعيد شيئا من الطريق.
كل رسالة تفتح نافذة صغيرة على مرحلة، وكل اسم يعيد وجها أو مكانا أو حوارا أو ضحكة أو حتى خلافا قديما.
وكم هو غريب هذا العمر!
نحن نعتقد أننا نترك الأشياء خلفنا، ثم نكتشف بعد عقود أنها لم تتركنا نحن.
تبقى موسكو في الذاكرة، وتبقى بيروت، وتبقى غلبون، وتبقى الجامعة اللبنانية بكل ما حملته من تعب وأمل، وتبقى السنوات التي كان فيها العمل السياسي والفكري جزءًا من الحياة اليومية، وتبقى وجوه الذين شاركونا تلك السنوات، بعضهم قريب وبعضهم بعيد وبعضهم لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.
وتبقى كندا أيضا، بكل ما حملته من انتقال إلى عمر جديد، ومن محاولة للبدء من جديد في بلد آخر، بعدما كان المرء يظن أن البدايات انتهت. لكن يبدو أن البدايات لا تنتهي ما دام الإنسان قادرًا على أن يحلم.
وهنا أصل إلى الشيء الذي يدهشني أكثر من بلوغي السبعين. كلما اقتربت من استهلاك زيت القنديل، تكاثرت المشاريع. كان يفترض، وفق المنطق البسيط، أن يحدث العكس. أن تقل الرغبات، وأن يخفّ الفضول، وأن نقول: لقد فعلنا ما نستطيع، وحان وقت الراحة. لكن ما يحدث معي هو العكس تماما. كلما مرّ عام، وجدت فكرة جديدة تطرق الباب.
مشروع لم يُكتب بعد.
فصل لم يكتمل.
سؤال لم يجد جوابا.
موضوع أشعر أنني لم أفهمه بما يكفي.
نص أريد أن أقوله بطريقة أفضل.
ومشروع جديد يظهر في اللحظة التي يفترض فيها أن أكون قد أغلقت دفتر المشاريع.
وأضحك من نفسي. أقول: يا رجل، أما آن لك أن ترتاح قليلًا؟ ثم أجدني بعد ساعات أفتح كتابا، أو أفتش عن موصوع، وأكتب فقرة، أو أضع فكرة جديدة على الورق. ولعل هذا هو الأمل.
ليس الأمل أن نتوهم أن أمامنا عمرا لا ينتهي، ولا أن ننكر أن الزمن أخذ منا الكثير. الأمل هو أن يبقى فينا شيء يريد أن يقول شيئا، أو يفهم شيئا، أو يصنع شيئا، أو يترك شيئا صغيرا وراءه.
لقد أخذت مني الحياة أشياء كثيرة، وأعطتني أشياء أكثر. ولا أريد أن أضع حسابًا نهائيا بين الخسارة والربح.
فالحياة ليست دفتر حساب. يكفيني أنني عشتها، وأنني حاولت أن أكون أنا، لا نسخة مما أراده الآخرون مني.
وحين أفكر اليوم في السبعين عاما، لا أرى رقمًا فقط. أرى طريقا طويلًا. أرى صبيا لم يكن يعرف إلى أين سيأخذه الطريق. أرى شابا كان يعتقد أن بإمكانه أن يفهم العالم ويغيره. أرى أستاذا أمضى عمراً في التعليم والبحث. أرى رفيقا في مسار سياسي وفكري طويل، شهد تحولات كثيرة ولم يتخلَّ عن الأسئلة التي دفعته إليه. أرى رجلًا بنى عائلة، وأحب، وخسر، وفرح، وتعب، وغضب، وصالح الحياة مرات كثيرة. وأرى نفسي اليوم، في السبعين، ما زلت أحاول أن أفهم. وربما هذه أجمل خلاصة يمكن أن أصل إليها.
فأنا لا أريد أن أصل إلى نهاية الأسئلة. أريد أن أبقى قادرا على السؤال. ولا أريد أن أقول إنني عرفت كل شيء. يكفيني أنني ما زلت أتعلم. ولا أريد أن أقول إنني لم أخطئ. يكفيني أنني لم أتوقف عن مراجعة نفسي. ولا أريد أن أقول إنني حققت كل ما أردت. يكفيني أن بعض الأحلام التي ظننت أنها انتهت ما زالت تعيش في مكان ما داخلي.
أما الذين أرسلوا إليّ اليوم كلماتهم الجميلة، فأقول لهم من القلب: شكراً.
لقد جعلتم هذا اليوم أكثر دفئا.
وربما لا يعرف بعضكم أن رسالته، مهما كانت قصيرة، قد أعادت إليّ لحظة من عمر بعيد، أو ابتسامة، أو وجها، أو شعورا ظننته قد اختفى.
بعد سبعين عاماً، أصبحت أعرف أن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما جمعه، ولا ما أنجزه، ولا حتى ما كتبه.
أجمل ما يملكه هو هؤلاء الذين يجعلون الطريق، مهما طال، أقل وحدة. لذلك لا أريد أن أقول اليوم: مضت سبعون سنة.
أفضّل أن أقول: عبرت سبعون سنة من الطريق، وما زلت أمشي.
قد يكون زيت القنديل قد نقص. لكن الغريب أنني، كلما نظرت إليه، أكتشف أن لديّ مشروعا جديدا.
ولذلك، ما دام هناك قليل من الزيت...فلنكمل.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire