▼

منظمة التحرير الفلسطينية... بين شرعية التاريخ وغياب الدور

 

يونس العموري

لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية، في يوم من الأيام، مجرد مؤسسة سياسية تضاف إلى مؤسسات الشعب الفلسطيني، ولا اسما يدرج في البيانات الرسمية، ولا عنوانا بروتوكوليا تتزين به الوفود في المحافل الدولية. لقد كانت، في لحظة تاريخية فارقة، محاولة الفلسطينيين استعادة وجودهم السياسي بعد أن حاولت النكبة أن تحولهم إلى جماعات من اللاجئين الموزعين على خرائط الآخرين، وأن تجعل من قضيتهم شأنا إنسانيا وإغاثيا منفصلا عن أصلها السياسي والوطني. جاءت المنظمة لتقول إن الفلسطينيين شعب واحد، وإن تفرقهم على الجغرافيا لا يلغي وحدتهم، وإن اللجوء لا يسقط الوطن، وإن الاحتلال لا ينتزع حقهم في تقرير المصير، وإن الشتات ليس نهاية الحكاية الفلسطينية، بل أحد وجوهها الأكثر إيلاما ووضوحا.

من هنا اكتسبت منظمة التحرير مكانتها، ومن هنا نشأ شعار الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. لم تكن الشرعية يومها منحة دائمة يمنحها التاريخ لمؤسسة ثم يعفيها من واجباتها، ولم تكن الوحدانية امتيازا سياسيا يحق لمن يتصدر المنظمة أن يحتكره إلى الأبد. كانت الشرعية تعبيرا عن علاقة سياسية ووطنية بين الشعب وإطاره التمثيلي، وكانت الوحدانية تعني أن للفلسطينيين عنوانا وطنيا يجمعهم، لا أن هذا العنوان يملك حق مصادرة إرادتهم أو اختزال تنوعهم أو إغلاق أبواب المشاركة أمامهم. لقد منحت الجماهير المنظمة شرعيتها لأنها رأت فيها بيتا وطنيا جامعا، لا لأنها أرادت أن تستبدل تعدد الفلسطينيين بسلطة فصيل، أو أن تجعل من تاريخ النضال الفلسطيني صكا مفتوحا لا يحتاج حاملوه إلى تجديد.

كنا قد طرحنا هذا السؤال قبل سنوات .. هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده؟ لم يكن السؤال آنذاك تنكرا لتاريخ المنظمة، ولا دعوة إلى شطبها أو تجاوزها، بل كان مساءلة للفجوة التي أخذت تتسع بين مكانتها الوطنية المعلنة وواقعها السياسي والمؤسسي. كان السؤال يتصل بتراجع دورها، وباختلال العلاقة بينها وبين السلطة الفلسطينية، وبالتناقض بين الحقوق الوطنية التي قامت المنظمة للدفاع عنها وبين أطروحات سياسية أخذت تقترب من إدارة الممكن تحت الاحتلال أكثر مما تتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية. واليوم، لا يبدو السؤال أقل إلحاحا، بل إن تراكم الوقائع والتجاذبات والانقسامات يجعل من الضروري إعادة طرحه بصورة أكثر وضوحا .. ماذا بقي من وحدانية التمثيل إذا كان الفلسطينيون أنفسهم لا يجدون في مؤسساتهم الوطنية إطارا فاعلا يشاركهم القرار ويعبر عن تنوعهم ومصالحهم وحقوقهم؟

لا تكمن الأزمة في أن منظمة التحرير تواجه خلافات بين فصائلها، فالخلاف جزء طبيعي من الحياة السياسية، ولا في أن الفلسطينيين يختلفون في البرامج والوسائل والتحالفات، فالشعب الذي يخوض صراعا ممتدا على أرضه وحقوقه ليس مطالبا بأن يكون نسخة سياسية واحدة. الأزمة أن الخلاف لم يعد يجري داخل إطار وطني قادر على إدارته وتحويله إلى حوار وتوافق، بل أخذ يتحول إلى شرذمة تتنازع فيها القوى على المواقع والحصص والتمثيل، فيما يتراجع السؤال الأهم .. من يملك حق اتخاذ القرار الوطني، وبأي تفويض، وتحت أي رقابة، ولمصلحة أي مشروع؟ وحين تصبح التفاهمات الثنائية والصفقات الفصائلية بديلا عن الحوار الوطني الشامل، وحين تتقدم حسابات البقاء في السلطة على حسابات بقاء القضية وحقوق أصحابها، يصبح الحديث عن وحدة التمثيل أقرب إلى ترديد شعار لا تسنده حياة مؤسسية حقيقية.

ولعل أخطر ما أصاب منظمة التحرير هو اختلال العلاقة بينها وبين السلطة الفلسطينية. فالسلطة، التي نشأت في سياق اتفاقات محددة وبولاية جغرافية وسياسية لا تشمل الفلسطينيين جميعا، أخذت تحتل مركز الثقل في القرار الفلسطيني، بينما تراجع حضور المنظمة بوصفها الإطار الوطني الأوسع الذي يفترض أن يحدد الاتجاه السياسي العام ويحفظ وحدة القضية وحقوق الشعب أينما وجد. لم يعد السؤال فقط عن أداء اللجنة التنفيذية أو انتظام اجتماعات المجلس الوطني أو مدى تمثيل الفصائل داخل مؤسسات المنظمة، بل عن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه.. كيف أصبح الإطار الذي يفترض أن يكون مرجعية السلطة خاضعا، في كثير من مفاصل القرار والممارسة، لمنطق السلطة وحساباتها؟ وكيف تحول الجزء، الذي أنشئ لإدارة شؤون الفلسطينيين في نطاق محدد، إلى مركز يطغى على الكل الوطني، فيما يتراجع حضور ملايين الفلسطينيين الذين لا يعيشون تحت ولاية هذه السلطة ولا يشاركون في اختيار قيادتها؟

إن السلطة الفلسطينية ليست منظمة التحرير، والمنظمة ليست السلطة، ولا يجوز أن يذوب أحدهما في الآخر. فالسلطة جهاز حكم وإدارة نشأ في ظروف سياسية معلومة، أما المنظمة فمشروع تمثيل وطني لشعب تتجاوز قضيته حدود المناطق التي تديرها السلطة. وحين تختلط الوظيفتان، يصبح الفلسطيني في الشتات حاضرا في الخطاب وغائبا عن القرار، ويصبح اللاجئ موضوعا للتفاوض أكثر مما يكون شريكا في تقرير مصير قضيته، وتصبح الحقوق التاريخية قابلة لإعادة التأويل وفق احتياجات المرحلة ومصالح القائمين على إدارتها. عندها لا يعود الخلل مجرد ضعف إداري أو تقصير مؤسسي، بل يمس جوهر العلاقة بين الشعب وممثليه، وبين القضية وأدوات إدارتها، وبين الشرعية التاريخية والتفويض السياسي المتجدد.

وليس الفلسطينيون في الشتات تفصيلا ديموغرافيا يمكن استحضاره حين تدعو الحاجة إلى الحديث عن وحدة الشعب، ثم تركهم خارج دوائر القرار حين توزع المواقع وتحدد الأولويات. إن ملايين الفلسطينيين خارج وطنهم ليسوا جمهورا احتياطيا لمنظمة التحرير، ولا ذاكرة تستخدم لتثبيت شرعية الحاضر، ولا كتلة بشرية يكتفى بالحديث باسمها من دون تمكينها من المشاركة في اختيار ممثليها. إنهم جزء أصيل من الشعب الذي قامت المنظمة باسمه، وحقهم في التمثيل ليس أقل من حق الفلسطيني المقيم في الضفة الغربية أو قطاع غزة. وإذا كانت المنظمة قد اكتسبت مكانتها لأنها وحدت الفلسطينيين رغم تشتتهم، فإن أي مسار لتجديدها لا يضع مشاركة الشتات في قلبه يعرض أحد أهم أسباب وجودها للتآكل. فالتمثيل الذي لا يصل إلى الشعب في أماكن وجوده كافة لا يستطيع أن يكتفي باستدعاء وحدته التاريخية دليلا على وحدته السياسية الراهنة.

وفي قلب هذه المسألة تقع قضية اللاجئين وحق العودة. فالحق الذي شكل أحد مرتكزات الهوية الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن يتحول إلى ملف تقني يدار ضمن مقترحات التسوية، ولا إلى عبء تفاوضي يبحث السياسيون عن صيغ لتخفيفه، ولا إلى قضية إنسانية تختصر في تحسين ظروف اللجوء أو معالجة أوضاع المخيمات. وأي حديث عن حلول خلاقة لا يوضح كيف يصون حق العودة إلى الديار والممتلكات الأصلية، وكيف يحترم إرادة اللاجئين أنفسهم، يبقى حديثا ناقصا مهما بدا جذابا في لغته أو واقعيا في حساباته. فالإبداع السياسي ليس في اختراع أسماء جديدة للتنازل عن الحقوق، ولا في تجميل ما يصعب الدفاع عنه بمفردات دبلوماسية مرنة، بل في ابتكار السبل التي تحمي الحقوق وتفتح أمامها إمكانات التحقيق.

وكذلك لا يجوز أن تتحول مسألة المقاومة إلى اختبار ولاء تنظيمي، أو أن يصبح الخلاف حول أشكالها ومناهجها مدخلا لتجريد جزء من الشعب من حقه في مناقشة وسائل مواجهة الاحتلال. فالمقاومة، بمختلف أشكال الفعل الوطني والسياسي والشعبي والقانوني والدبلوماسي، ارتبطت تاريخيا بحق الشعب في إنهاء الاحتلال وتحقيق حريته وتقرير مصيره، مع ضرورة التمييز بين أشكالها المختلفة وسياقاتها ومسؤولياتها. وليس من صلاحية حكومة فلسطينية، أيا كانت، أن تعيد تعريف الحقوق الوطنية من تلقاء نفسها أو أن تجعل برنامجها السياسي الخاص مرادفا لإرادة الشعب كله. وفي المقابل، لا يحق لأي فصيل أن يحتكر وحده تعريف المصلحة الوطنية أو أن يعفي خياراته من المساءلة العامة. فالمطلوب ليس نقل الاحتكار من جهة إلى أخرى، بل استعادة المرجعية الوطنية التي تجعل الخيارات موضع نقاش ومحاسبة ومشاركة، بدلا من فرضها باسم الشرعية أو باسم المقاومة أو باسم الضرورة.

وفي عام 2026، تعود مسألة تجديد التمثيل إلى الواجهة في ظل الحديث عن انتخابات المجلس الوطني، وإقرار نظام انتخابي جديد له، إلى جانب استمرار أزمة النظام السياسي الفلسطيني وتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى موعد لاحق. لكن المسألة لا ينبغي أن تختزل في موعد انتخابي أو في عدد المقاعد أو في الصيغة القانونية التي تنظم عملية الاقتراع. فالسؤال الذي يسبق الانتخابات ويتجاوزها هو .. هل هناك إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة المشاركة الوطنية الواسعة، أم أن تجديد المؤسسات قد يتحول بدوره إلى إجراء إداري يجري التحكم في شروطه وحدوده ونتائجه من داخل البنية القائمة؟ وهل ستفتح أي انتخابات الباب أمام مشاركة الفلسطينيين في الشتات، وأمام القوى التي بقيت خارج مؤسسات المنظمة، وأمام الأجيال التي لم تجد طريقا إلى المشاركة في صناعة القرار الوطني، أم ستعيد إنتاج موازين القوى نفسها تحت عناوين جديدة؟

إن تجديد المجلس الوطني لا يصبح تجديدا للشرعية لمجرد الإعلان عن نظام انتخابي، كما أن إجراء الانتخابات، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لإعادة الاعتبار إلى منظمة التحرير. الشرعية لا تقاس فقط بعدد الصناديق التي تفتح، بل أيضا بمدى حرية المشاركة، وشمول التمثيل، واستقلال المؤسسات، ووضوح الصلاحيات، واحترام نتائج الاقتراع، وقدرة الهيئات المنتخبة على ممارسة دورها الفعلي. ولا بد من أن يكون التجديد مسارا وطنيا شاملا، لا عملية انتقائية يحدد القائمون على المؤسسات من يشارك فيها، ومن يمثل من، وأي قضايا يسمح بإدراجها على جدول الأعمال. وإلا فإننا نكون قد جددنا الشكل وتركنا جوهر الأزمة على حاله، وأعدنا إنتاج السؤال نفسه بعد أن نكون قد أنفقنا الوقت والجهد في محاولة تأجيله.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول شرعية منظمة التحرير إلى حجة ضد إصلاحها، وأن يصبح تاريخها درعا يحتمي خلفه من يرفضون مساءلة مؤسساتها أو تجديد قياداتها أو توسيع قاعدة المشاركة فيها. فالمنظمة التي كانت في مراحل من تاريخها إطارا لاستيعاب قوى واتجاهات مختلفة لا تستطيع أن تستمد شرعيتها اليوم من مجرد كونها كانت كذلك. والتاريخ، مهما كان عظيما، لا يعفي الحاضر من مسؤولياته. كما أن الدفاع عن المنظمة لا يعني الدفاع عن كل من يشغل موقعا فيها، ولا أن كل قرار يصدر عن مؤسساتها يكتسب شرعيته لمجرد صدوره باسمها. إن الوفاء الحقيقي لتاريخ المنظمة يبدأ من حماية وظيفتها الوطنية، لا من تحويل اسمها إلى غطاء للممارسة السياسية القائمة.

ولا يعني ذلك أن التخلي عن منظمة التحرير هو البديل، أو أن القفز فوقها سيؤدي تلقائيا إلى بناء تمثيل أكثر وحدة وعدالة. فإضعاف الإطار الوطني الجامع لا يضمن ولادة إطار بديل، وقد يفتح المجال أمام مزيد من التفتت وتعدد المرجعيات وتنازع الادعاءات التمثيلية. المطلوب ليس هدم البيت لأن أبوابه أغلقت في وجه كثيرين، بل فتح أبوابه وإعادة بناء ما تصدع فيه، وتحرير مؤسساته من منطق الاحتكار، وإعادة تعريف العلاقة بين المنظمة والسلطة على أساس واضح، بحيث تستعيد المنظمة استقلالها ودورها الوطني، وتعود السلطة إلى حدود وظيفتها وصلاحياتها، ويصبح القرار الفلسطيني العام نتاج مشاركة وطنية لا امتدادا لقرار جهة واحدة.

إن وحدانية التمثيل ليست امتيازا أبديا، ولا تفويضا مفتوحا، ولا شعارا يمنح أصحابه حق الكلام باسم الجميع من دون أن يسمعوا الجميع. إنها مسؤولية متجددة، لا تستقيم إلا بتجدد الثقة والمشاركة والمحاسبة. وإذا كانت منظمة التحرير قد اكتسبت مكانتها لأنها عبرت، في مرحلة تاريخية، عن إرادة الفلسطينيين في أن يكونوا شعبا واحدا وقضية واحدة، فإن عليها اليوم أن تثبت قدرتها على تمثيل هذا الشعب في واقعه المتغير، بما يحمله من انقسامات وتحديات وتطلعات وأجيال جديدة. فالوطنية ليست ملكية خاصة لفصيل، والشرعية ليست ميراثا سياسيا ينتقل من قيادة إلى أخرى، والحقوق التاريخية لا تصبح أقل ثباتا لأن أصحاب القرار اختلفوا على كيفية الدفاع عنها.

لهذا، فإن السؤال الذي طرحناه قبل سنوات لا يزال قائما، لكنه أصبح اليوم أكثر اتساعا من مجرد السؤال عن شرعية مؤسسة أو قانونية هيئة أو صلاحية قيادة. إنه سؤال عن العلاقة بين الشعب ومن يمثله، وعن حق الفلسطينيين في امتلاك قرارهم الوطني، وعن قدرة مؤسساتهم على حماية قضيتهم من الاختزال والتجزئة والتصرف المنفرد. فهل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة؟ إن الإجابة لا ينبغي أن تكون ترديدا آليا لشعار تاريخي، ولا نفيا انفعاليا لمكانة وطنية تشكلت عبر عقود من النضال والتضحيات. الإجابة الحقيقية تبدأ من سؤال آخر .. هل نملك الإرادة لإعادة بناء المنظمة بحيث تستحق أن تمثل الجميع، ويكون الجميع شركاء في اختيارها ومحاسبتها وصياغة برنامجها الوطني؟

فالمنظمة لا تحمي وحدانية تمثيلها بمجرد إعلانها، بل باستعادة الشعب لها. ولا تستعيد شرعيتها بمجرد التمسك بتاريخها، بل بتحويل ذلك التاريخ إلى قوة حية في الحاضر. أما إذا بقيت الوحدانية شعارا فيما تتسع الفجوة بين المنظمة والشعب، وبين القيادة والقاعدة، وبين الداخل والشتات، فإننا لن نكون أمام أزمة مؤسسة فحسب، بل أمام أزمة تمثيل وطني تهدد معنى المشروع الوطني نفسه. وعندها لن يكون السؤال من يمثل الفلسطينيين سؤالا تشكيكيا في المنظمة بقدر ما سيكون إنذارا أخيرا بأن التمثيل الذي لا يتجدد قد يتحول، مهما كانت شرعيته التاريخية، إلى عنوان حاضر في الخطاب وغائب عن حياة من يفترض أنه يمثلهم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire