▼

الجبهة الشعبية تكسر الجمود بـمبادرة الإنقاذ الوطني

 



مروان عبد العال
كاتب وروائي فلسطيني، عضو المكتب السياسي
لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»

لا تحتاج السياسة إلى صيغة "الفرمانات" بقدر ما تحتاج إلى مبادرة تكسر الجمود وتعيد ترتيب الأسئلة. بهذا المعنى جاءت "مبادرة الإنقاذ الوطني" التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في لحظة لا تعاني فيها السياسة الفلسطينية من الانقسام وحده، بل من استمرار نهج سياسي ما زال، في كثير من مفرداته وآلياته، محكومًا بمرحلة ما قبل السابع من أكتوبر، وكأن الواقع لم يتغير. بينما تغيرت طبيعة الحرب، واتسعت دائرة التهديد ومخاطر التهجير والاقتلاع، وأعيد طرح مستقبل غزة، ويتسارع الاستيطان في الضفة، وتتعمق الضغوط على القدس واللاجئين.
لم تطرح "الجبهة الشعبية" مبادرتها لتضيف ورقة جديدة إلى رصيد البيانات والمواقف، بل لتفتح سؤالًا سياسيًا مختلفًا: هل يمكن إدارة مرحلة جديدة بأدوات وذهنية مرحلة انتهت؟ فالمبادرة، وفق ما أُعلن عنها، تقترح مسارًا انتقاليًا يقوم على الحوار والتوافق وإعادة بناء مؤسسات التمثيل وصولًا إلى الانتخابات. غير أن جوهر الطرح يتجاوز إعادة ترتيب العلاقة بين القوى؛ إنه محاولة لنقل النقاش من الصراع على المواقع والشرعيات إلى بناء القدرة الوطنية، ومن إدارة الانقسام إلى إعادة بناء السياسة على قاعدة التناقض الأساسي مع الاحتلال، بما يفرض مراجعة الأدوات والذهنيات التي حكمت المرحلة السابقة.
ومن هنا يمكن فهم ما أحدثته المبادرة في النقاش الفلسطيني. فقد ألقت "الجبهة الشعبية" حجرها في مياه لم تكن ساكنة تمامًا، بل في بحيرة عصفت بها الأعاصير حتى اختلطت اتجاهاتها وتراكمت فيها الرواسب. لا يمكن القول إن المبادرة وحدها صنعت ما تلاها، لكنها دفعت باتجاه مجرى آخر للنقاش، فتوسعت دوائر الحوار الممهد لحوارات القاهرة. والأهم أن السؤال بدأ يتغير: ليس فقط من يحكم غزة؟ ومن يمثل الفلسطينيين؟ ومن يملك الشرعية؟ بل ماذا نحتاج كي نستعيد القدرة على الفعل، وكيف نعيد بناء السياسة والمؤسسة الوطنية في واقع ما بعد السابع من أكتوبر؟
وهنا تكمن أهمية حضور الجبهة الشعبية في هذا النقاش. فهي لا تطرح المبادرة بوصفها ترتيبًا تقنيًا للعلاقة بين الفصائل، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة السياسة إلى وظيفتها الوطنية. فالنهج السائد ظل طويلًا يدور حول الشرعية والسلطة والانتخابات وتقاسم المواقع وترتيب القوائم، وصناعة أطر جاهزة لإنتاج هيئات مسبقة الصنع، فيما كانت الأرض تتغير تحت أقدام الجميع. غزة تُستنزف بالقتل اليومي والتجويع والتهجير، والضفة تُقطّع بالاستيطان والاقتحامات، والقدس تواجه الاقتلاع والتهويد، وشعبنا في فلسطين 48 يحاصر بسياسات الإقصاء والعنصرية، بينما يبقى جزء من الخطاب السياسي أسير معارك داخلية. المشكلة ليست في النقد أو المساءلة، بل حين يصبح تحديد المسؤولية بديلًا عن إنتاج البديل.
هنا تستحق استعارة دون كيشوتية أن تُستعاد لمرة واحدة. نحن نعرف الخطر الفعلي، ونرى الاحتلال يعيد تشكيل الأرض، لكن جزءًا من الطاقة الفلسطينية يذهب إلى معارك داخلية أشبه بمحاربة طواحين الهواء التي تتضخم حتى تكاد تحجب المعركة الأصلية. وما تطرحه "الجبهة الشعبية"، في جوهره، ليس إلغاء الاختلاف، بل تحويله إلى قوة سياسية منظمة بدل أن يبقى مصدرًا للاستنزاف.
ومن هذه الزاوية، وبعد أن وجدت المبادرة طريقها إلى التيار الرئيسي في الساحة الفلسطينية، لم تعد "مبادرة الإنقاذ الوطني" مجرد طرح تقدّمه "الجبهة الشعبية"، بل تحاول أن تفتح أفقاً لإعادة تعريف المسار السياسي نفسه. فالمطلوب ليس إدارة الأزمة أو إعادة توزيع مواقعها، بل الانتقال من إعادة إنتاج المعادلة القائمة إلى بناء قواعد سياسية جديدة: تمثيل أكثر شمولًا، ومشاركة حقيقية في صناعة القرار، وانتخابات تفتح باب التجديد، وشراكة تعيد وصل غزة بالضفة والقدس والشتات ضمن وحدة سياسية واحدة.
وفي جوهر هذا الانتقال يكمن سؤال أكثر عمقًا: كيف نخرج من موقعنا كموضوع للسياسة، تُرسم حولنا السيناريوهات ويُقرَّر ما سيُفعل بنا، إلى موقع الفاعل الذي يبني سياسة مؤثرة؟ أي كيف ننتقل من سؤال: ماذا سيفعل بنا الآخرون؟ إلى السؤال الذي يجب أن يحكم المرحلة: ماذا سنفعل نحن؟
بهذا المعنى، يصبح التوافق الوطني أكثر من تفاهم مؤقت بين الفصائل، ولا يُختزل في تأجيل الانتخابات وكفى. وهذا تحديدًا ما حاولت "مبادرة الإنقاذ الوطني" أن تفتحه: أرضية لمرحلة سياسية جديدة وحشد لكل أسباب القوة، تقوم على شراكة ديموقراطية تجمع بين البناء والمقاومة، وبين الديموقراطية الاجتماعية والتحرر الوطني، وتمهّد لانتخابات ذات معنى، ومؤسسات أكثر تمثيلًا، وقرار وطني أكثر اتصالًا بالمجتمع وتمثيلًا لتجمعات الشعب الفلسطيني كافة. ومن هنا، فإن قيمة المبادرة تكمن في قدرتها على كسر الجمود وتحريك السياسة نحو أفق جديد. ويبقى الرهان في حوارات القاهرة على تحويلها من فكرة إلى نتائج، ومن إدارة الأزمة إلى بناء قواعد سياسية جديدة، بحيث لا تكون القاهرة محطة أخرى تستضيف، بل ترعى الحوار، وبداية لمسار مختلف عما سبق.
لكن إعادة بناء النظام السياسي لا تكفي وحدها. فـ"الجبهة الشعبية"، التي تربط في طرحها بين إعادة بناء النظام السياسي وبين مواجهة المشروع الصهيوني، ثنائية "البناء والمقاومة"، تضع أمام أي مسار وطني سؤالًا أكثر صعوبة: هل تستطيع السياسة الفلسطينية أن تستعيد القضية بوصفها قضية شعب في مواجهة مشروع استعماري؟ حماية القدس، ومواجهة الاستيطان والاقتلاع، وصون حق اللاجئين، وربط مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني، ليست ملفات منفصلة، بل عناصر في رؤية سياسية واحدة.
ولا يمكن أن ينجح ذلك من دون توسيع قاعدة المشاركة. الشباب والنساء والنقابات والجامعات والمخيمات والمثقفون والمهنيون والمستقلون ليسوا جمهورًا ينتظر نتائج الحوارات، بل جزء من إنتاج السياسة. ومن هنا فإن أي تغيير تدعو إليه "الجبهة الشعبية" لا يكتمل بإعادة ترتيب العلاقة بين القوى القائمة، بل بإعادة وصل المؤسسات بالمجتمع، وتحويله من متلقٍ للقرار إلى شريك في صناعته ومراقبته ومحاسبته.
لقد اعتدنا أن تبدأ الأزمات بالسؤال: من المسؤول؟ وربما آن الأوان أن يبدأ الحوار بسؤال آخر: ماذا تغيّر، وماذا يجب أن يتغير في سياستنا تبعًا لذلك؟ غزة لا تحتاج فقط إلى إدارة ما بعد الحرب، والضفة لا تحتاج فقط إلى بيانات ضد الاستيطان، والقدس واللاجئون لا يحتاجون فقط إلى تأكيد الحقوق. المرحلة الجديدة تحتاج إلى أدوات سياسية جديدة، وهو السؤال الذي حاولت "الجبهة الشعبية" أن تضعه في قلب النقاش من خلال مبادرتها.
لهذا يمكن قراءة "مبادرة الإنقاذ الوطني" باعتبارها محاولة من "الجبهة الشعبية" لفتح قطيعة سياسية مع نهج ما قبل السابع من أكتوبر، لا عبر تقديم وصفة جاهزة، بل عبر إطلاق عصف فكري وسياسي حول الآفاق الاستراتيجية لمرحلة جديدة، وما تفرضه من مراجعة للمفاهيم والأدوات والأولويات.
فقيمة المبادرة لا تُحسم بمجرد طرحها، ولا بمدى تبني القوى الأخرى لصيغتها كما هي، وإنما بقدرتها على تحريك التفكير السياسي من أسر المرحلة السابقة إلى أسئلة المستقبل: كيف نعيد بناء القوة الذاتية الوطنية؟ كيف نستعيد موقعنا كفاعل في صناعة السياسة؟ وكيف ننتقل من انتظار ما سيُفعل بنا إلى تحديد ما سنفعله نحن؟ عندها يصبح النقاش الذي فتحته "الجبهة الشعبية" جزءًا من مراجعة سياسية أوسع، لا تنتهي عند إدارة الانقسام، بل تبحث في كيف نصنع شروط مرحلة جديدة بدل أن نبقى أسرى لشروط تُصنع لنا.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire