▼

هل حقاً عادت الدولة إلى الجنوب؟

 



د. طنوس شلهوب 

زيارة رئيس الحكومة إلى النبطية ليست مجرد زيارة رسمية إلى منطقة لبنانية ما زالت تعاني من الحرب والدمار. إنها، في الطريقة التي جرى تقديمها بها إعلاميا وسياسيا، مناسبة لإعادة طرح سؤال يبدو بسيطاً: هل عادت الدولة إلى الجنوب؟
خلال السنوات الأخيرة جرى، بصورة متزايدة، بناء سردية تضع الدولة والمقاومة في طرفي نقيض: الدولة تعني النظام والاستقرار والسيادة، والمقاومة تعني الفوضى والسلاح والحرب والدمار. ومع تكرار هذه الثنائية في الإعلام والخطاب السياسي، أصبح من السهل الانتقال من نقد المقاومة أو مناقشة دورها السياسي والعسكري إلى إقامة تلازم شبه آلي بين المقاومة وبين القتل والدمار، وكأن مآسي المنطقة يمكن اختزالها في وجود المقاومة، فيما يجري تغييب العامل التاريخي والسياسي الذي لا يمكن تجاهله: وجود المشروع الصهيوني، وما رافقه منذ نشأته من احتلال واقتلاع وحروب وتوسع واعتداءات متكررة على شعوب المنطقة ودولها.
وهنا لا تعود المشكلة مشكلة موقف مؤيد للمقاومة أو معارض لها، بل مشكلة في طريقة بناء السؤال نفسه.
فمن قال إن الدولة هي نقيض المقاومة؟ ومن قال إن وجود المقاومة هو الذي يمنع الدولة من أن تكون دولة؟
قبل الإجابة علينا أن نميز بين الدولة والسلطة السياسية.
الحكومة سلطة سياسية تدير مؤسسات الدولة في مرحلة معينة، ورئيس الحكومة ليس هو الدولة، كما أن أي حكومة، مهما كان برنامجها السياسي، لا تختصر الدولة بكامل بنيتها التاريخية والاجتماعية والمؤسساتية. الدولة أوسع من الحكومة، والسلطة السياسية ليست إلا إحدى صور التعبير عنها وإدارتها.
لذلك فإن وصول رئيس الحكومة إلى النبطية، وافتتاحه مؤسسات أو إعلانه عن مشاريع لإعادة الإعمار أو تفقده الأجهزة الأمنية، هو بلا شك حضور لمؤسسات السلطة العامة في الجنوب. لكن تحويل هذا الحضور إلى معنى «عودة الدولة» بالمعنى الكامل للسيادة يحتاج إلى أكثر من ذلك.
فالسيادة لا تقاس بعدد المكاتب الحكومية التي افتتحت، ولا بعدد المسؤولين الذين يزورون المنطقة، بل بقدرة الدولة على ممارسة سلطتها الفعلية على أرضها وحماية سكانها والدفاع عن حدودها وقرارها السياسي والاقتصادي في إدارة حاجات الناس الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل زيارة النبطية مجرد حدث بروتوكولي مترافق مع همروجة إعلامية.
ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة يعلن من النبطية تعزيز حضور الدولة وإعادة الإعمار، كانت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب مستمرة.
فإذا كانت الدولة تعني، قبل كل شيء، السيادة، فكيف نفهم «عودة الدولة» إلى منطقة لا تزال تتعرض للاعتداء، فيما يبقى جزء من الأرض اللبنانية تحت الاحتلال؟
هذه ليست محاولة لتقليل قيمة حضور الدولة، بل العكس تماما: إنها محاولة لتحرير مفهوم الدولة من الاختزال.
الدولة التي نريدها ليست مجرد سلطة إدارية تحضر حين تتوقف الحرب، بل دولة قادرة على الدفاع عن الشعب والأرض، أن تكون صاحبة السيادة حين تكون الحرب قائمة أيضا.
يمكن أن يختلف اللبنانيون، وينبغي أن يكون اختلافهم مشروعًا، حول دور المقاومة، وسلاحها، وعلاقتها بالدولة، وحول الصيغة التي يجب أن تحكم العلاقة بين مؤسسات الدولة والقوى التي حملت السلاح في مواجهة الاحتلال. لكن الاختلاف في هذه المسائل لا يبرر حذف السؤال الذي يسبقها: لماذا نشأت المقاومة أصلًا؟
إن اختزال المقاومة في نتائج الحرب، ثم حذف الظروف التاريخية والسياسية والعسكرية التي أنتجتها، يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة.
فالدمار الذي شهدته مناطق لبنانية لا يمكن أن يصبح، بمجرد تكراره من قبل ماكينة إعلامية مهيمنة وممولة خليجياً ومُدارة اميركياً، دليلًا على أن المقاومة هي مصدر الدمار. علينا أن نسأل: من يملك القدرة على شن الغارات وتدمير المدن والقرى؟ من يحتل الأرض؟ وما موقع المشروع الصهيوني ووظيفته في الصراع الإقليمي الذي تتوالد منه هذه الحروب؟
وهذا لا يعني أن كل فعل تقوم به المقاومة يصبح تلقائياً خارج النقاش أو النقد. بل يعني أن النقد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محو للتاريخ.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول ثنائية «الدولة أو المقاومة» إلى طريقة لإخفاء واقع أكثر تعقيدا: واقع دولة طرفية تعمل داخل نظام إقليمي ودولي غير متكافئ.
فالدولة اللبنانية ليست دولة مركزية تمتلك القدرة العسكرية والاقتصادية والسياسية نفسها التي تمتلكها القوى الكبرى في المنطقة والعالم. وهي لا تعمل في فراغ، بل داخل بنية من علاقات القوة الإقليمية والدولية، وفي مواجهة مشروع يمتلك تفوقا عسكريا وتكنولوجيا كبيرا، ويحظى بدعم لا محدود من مراكز الإمبريالية.
ومن هنا لا يمكن أن نتعامل مع مفهوم السيادة كما لو كان مجرد قرار إداري يمكن للدولة أن تستعيده بمجرد زيارة مسؤول الى منطقة منكوبة بالعدوان.
السيادة في بلد طرفي ليست شعارا فقط؛ إنها مسألة قوة وقدرة وعلاقات دولية وتوازنات اجتماعية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح بعد زيارة النبطية ليس: هل نريد الدولة أم المقاومة؟
هذا سؤال زائف لأنه يفترض مسبقا أن وجود أحدهما يلغي الآخر.
السؤال الحقيقي هو: أي دولة نريد؟ دولة تكتفي بإدارة نتائج الحرب، أم دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وممارسة سيادتها؟ وكيف يمكن بناء علاقة بين مؤسسات الدولة والمقاومة، أو أي قوة اجتماعية أخرى، تنطلق من واقع لبنان التاريخي لا من نماذج نظرية منفصلة عن وقائع الصراع؟
أما أن يصبح كل حضور للدولة في الجنوب مناسبة لإعلان انتصار الدولة على المقاومة، فيما الطائرات الإسرائيلية ما زالت تقصف الأرض اللبنانية، فهذا لا يعيد تعريف الدولة، بل يختزلها.
الدولة ليست نقيض المقاومة، كما أن المقاومة ليست مرادفا للدولة.
إنهما مفهومان مختلفان، ولكل منهما تاريخ ووظيفة وموقع في الصراع الاجتماعي والسياسي.
وإذا أردنا دولة ذات سيادة فعلية، فعلينا أولًا أن نحدد الشروط المادية التي تجعل هذه السيادة ممكنة.
عندها فقط يصبح الحديث عن «عودة الدولة إلى الجنوب» حديثا عن استعادة السيادة، لا مجرد زيارة بإخراج مسرحي فاشل إلى منطقة أنهكتها الحرب.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire