غادة حداد
يحتفل «مسرح المدينة» بمرور 33 عاماً على تأسيسه، مواصلاً برمجته المسرحية والفنية والثقافية في بيروت. من حلم تأسيس مسرح شعبي وثقافي وفني مفتوح على الجميع، إلى انتقال «مسرح المدينة» من كليمنصو إلى الحمرا، تستعيد نضال الأشقر مسيرة أكثر من ثلاثة عقود، مؤكدةً أن المسرح يشكل مساحة للشباب للتعبير وطرح الأسئلة والاستماع إلى أفكار مختلفة، وفضاءً للحفاظ على الحياة الثقافية والاجتماعية في أصعب الظروف. وفي ظل غياب الدعم الرسمي، يستمر المسرح بجهود العاملين فيه وأصدقائه، فيما تطمح الأشقر إلى أن يصبح نواة للقاء عربي، وإلى أن تنتشر المسارح والمراكز الثقافية في مختلف المناطق اللبنانية، فلا تبقى الثقافة محصورة في بيروت
يُدرج أخيراً بين رواد بيروت ومقاهيها ترداد النعي لشارع الحمرا، بعدما خسر مقاهيه، ومسارحه، وسينماته، ومثقفيه ورواده. وإن فعلاً حصلت هذه الميتة، فهي لم تكن طبيعية، ولم تكن محكومة فقط بالعنصر الخارجي من حربٍ وأزمات اقتصادية، ولا هي عناصر خاصة من خسارة الشارع لدوره السياسي والثقافي. وهناك ظلم بإعلان وفاة شارع، بقدر ما هو صراع دائم على البقاء، فهو يشهد افتتاح مراكز ثقافية جديدة، وأخرى لا تزال صامدة في وجه المد التجاري والعمراني.
قيل للبنانيين بعد انتهاء الحرب الأهلية إن الريع سيأخذ بكم إلى الجنة الاقتصادية والرفاهية، وهذا الحلم تدمّر في ليلة أمام أعينهم عام 2019. تلاه انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر نصف العاصمة، وأكد للسكان أنهم متروكون لمصيرهم. وهذا ما تأكد بعد بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان في تشرين الأول (أكتوبر) 2023. بعد كل هذا، بقي متنفس ثقافي يواجه الأزمات الأخيرة، كما السابقة، كمخاطرة جميلة وثورية في آن. صمد «مسرح المدينة» في وجه الحروب وموجة الاغتيال، وجولات الاقتتال الداخلي، والأزمة الاقتصادية، بما تعتز به مؤسسة المسرح، المخرجة نضال الأشقر، وهو «العناد».
مسرح لمدينة تريد أن تعيش
بعد 33 عاماً على تأسيس «مسرح المدينة»، ترى الأشقر أنها حققت ما كانت تحلم به في رؤيتها للمسرح. افتتح المسرح بعد الحرب الأهلية، وكان هناك توق لأن يخرج الناس إلى حياة مدنية. أول الأعمال التي قدمت على خشبته كانت «صخرة طانيوس» للمخرج الراحل جيرار أفيديسيان. ترافق ذلك مع سوق شعبي أقيم خارج المسرح، «لكي يشعر الناس بأن مدينتهم لا تزال على قيد الحياة، على الرغم من أنها كانت مدمّرة كلها».
رافق حلم افتتاح هذا المسرح الأشقر منذ طفولتها. كانت تريد تأسيس مسرح شعبي، لكنْ ثقافي وفني ومنفتح على جميع الناس، ولا يتجنب طرح أي موضوع: «أردنا أن نطرح كل المواضيع الشائكة لكي يسمعها الناس، ثم يذهبوا إلى المنزل ويتمكنوا من التحدث مع أولادهم فيها».
بدأ هذا الحلم في كليمنصو. وفي السنوات العشر بعد افتتاح المسرح، حقق الكثير من أهدافه. استضاف مئات المسرحيين من العالم العربي ومن مختلف أنحاء العالم، من اليابان إلى أستراليا، ومن أوروبا وغيرها. في بداياته، تولّى رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري إصلاح المسرح، بعدما علم أنّ الأشقر كانت تتوجه إلى المصارف، برفقة المسرحي الراحل وأحد أعضاء مجلس أمناء المسرح أسامة العارف، للحصول على قرض، من دون أن يملكوا ما يمكن تقديمه كضمان. أرسل إليهم شخصاً محترماً جداً، وقال لهم: «هذا المسرح لمدينة بيروت، ورفيق الحريري يريد تمويله».
فرحت في البداية، لكنها رأت لاحقاً أن وراء هذا الدعم غايةً بأن يصبح المسرح مرآة لمصالحهم ولرؤيتهم للحياة السياسية والاجتماعية، فتوقف التمويل. ومنذ ذلك الحين استمر المسرح بفعل دعم أصدقاء المسرح.
بعد عشر سنوات على افتتاحه، اضطرت الأشقر إلى إيجاد مكان جديد له بعد رفض مالك العقار تجديد عقد الإيجار. بدأت رحلة البحث عن مكان آخر، وكان التوجه نحو شارع الحمرا، فجالت برفقة العارف على قرابة 12 قاعة سينما ومسرح، حتى وجدوا سينما «السارولا»، ليصبح المكان الجديد للمسرح. ولكن عند انتهائهم من ترميم المسرح، اغتيل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وأجبروا على تأجيل الافتتاح 40 يوماً.
فعل صمود
خلال سنوات المسرح الـ33، لم يكن يفصل بين الحرب والحرب، وبين قتل إنسان في الشارع وقتل شخص آخر، سوى بضعة أشهر فقط، ولكن ظل «مسرح المدينة» مستمراً رغم كل شيء. وفي حديثها معنا، تعود كل مرة إلى الجنوب، مشيرةً إلى أننا اليوم نعيش أسوأ مرحلة، إذ إن الاحتلال يمارس وحشية كاملة في الجنوب، كأن هولاكو دخل إليه، من تدمير المنازل، واقتلاع الزيتون. هناك عائلات كثيرة تعتاش من زراعة الزيتون، وتضيف: «قتلوا وزحفوا وهدموا، ولم يبقَ شيء لم يقوموا به في الجنوب، ورغم ذلك لم نوقف عملنا».
في ظل هذه الظروف، من الضروري الاستمرار، و«أن نريهم أننا قابلون للحياة» مضيفةً «مهما حدث، سنطردهم من الجنوب، مهما حصل، مع الدولة أو من دونها. والمسرح يستوعب كل هذه الأمور ويظهرها بطريقته». من هنا، يشكل «مسرح المدينة» مساحة للشباب للتعبير عما يحدث، وحتى عن واقع غير مرتبط مباشرة بالحرب. لكن يبقى هناك ارتباط، إذ بمجرد العمل على مسرحية لا تذكر الحرب، فهذا أيضاً له معنى.
في المقابل، يمكن للبعض الاعتراض على وجود المسرح والاهتمام به في وقت تُهدم فيه بيوت الناس وينزحون، ولا مجال للحياة الكريمة إلا بقوة إرادتهم. لكنّ الأشقر تؤكّد أنّ المسرح مهم جداً في هذا الوقت بالذات، لكل المجتمع، وليس فقط في الجنوب. مثلاً، عرضت أخيراً مسرحية «من إيد لإيد» لنائلة الحارس، وهي ليست ممثلة ولا مسرحية، ولكنّ أمها وأباها أصمّان وأبكمان، وأنجزت مسرحية تشرح عن حياتها، وكيف تعلمت، وهي صغيرة، لغة الإشارة، وكيف كانت تذهب مع والدتها وتتشاجر مع الكندرجي ومع البقال بالإشارة.
هذه ليست مسرحية موجهة إلى الجنوب وليست مباشرة، ولكن هذا قسم من المجتمع يجب أن نعرف عنه. حتى عندما لا يكون المسرح سياسياً، فهو اجتماعي سياسي، ومفيد جداً للشباب لأنه يجعلهم يعملون، وفق الأشقر، مشيرةً إلى أنه في الحروب غالباً ما يتجه الشباب إلى الممنوعات. أما المسرح، فهو مدرسة شعبية مدنية ومنفتحة، تدعو الشباب لطرح كل المواضيع، ومخاوفهم.
يستضيف المسرح كذلك محاضرات ومحترفات وتجمعات ضد التطبيع، ويعطي القدرة لرواده على الاستماع إلى أطروحات مختلفة، وهذا ضروري لكي يتمكن الإنسان من تقبل ما يحدث معه. تتمنّى الأشقر أن يشعر الناس هذا العام بالأمان، رغم أنها لا تعرف كيف يمكن أن يتحقق ذلك، وأن تخرج إسرائيل من الجنوب، وأن يعود الناس إلى إعمار منازلهم، وقبل أن يأتي البرد، أن يعود الناس إلى بيوتهم، وبمساعدة كل الفئات، ولا يجب رفض أي إنسان يريد المساعدة في إعمار الجنوب. وتتمنى ذلك من قلبها، لأنها لم تعد تحتمل مشاهدة الأخبار، وما يحدث في فلسطين ولبنان.
ثقافة تنتظر الدولة
كغيره من المراكز الثقافية في لبنان، لم يحصل «مسرح المدينة» على مساعدة من الدولة إلا قليلاً. فميزانية وزارة الثقافة هي من الأدنى بين الحقائب الوزارية، ولم تأتِ أي حكومة تولي أهمية للثقافة عامة، وللمسرح خاصةً. وهذا يعزز التحدي أمام المسرحيين للصمود بكل الطرق. تشير الأشقر إلى أهمية إحياء المسارح وتوسيعها، ولو لم يكن خطها مثل خطهم، ورؤيتهم مختلفة، سواء أكانت تجارية أم فنية أم هابطة أم أياً كانت، لكن وجودها أساسي ليكون هناك تنوع في المشهد الثقافي. ورغم ضعف الدعم والأزمات المتتالية، بقي المسرح موجوداً. وبعد 33 سنة، سيبقى كذلك، كما تؤكد الأشقر، بجهود الأصدقاء والعاملين في المسرح.
وتطمح بأن يصبح نواة للقاء عربي، كما كان في السابق. وإن «بات لنا دولة يوماً ما» تدرك أهمية الثقافة، وتخصص لها ميزانية، حكماً يبقى المسرح مستمراً وينتعش، ويصل إلى أهداف أكبر. لكنها تتحسر على عدم قدرتهم على تحقيق هذا اليوم، لعدم توافر القدرة المالية. كما تشير إلى الاضطرابات في العالم العربي، إذ سابقاً كان يحضر فنانون من سوريا، وبغداد، والأردن، وتونس، ومن أينما كان في العالم.
وتلفت الأشقر إلى أهمية تجارب المسارح خارج بيروت، وضرورة انتشار المسرح في مختلف أنحاء لبنان، وألا يبقى محصوراً في العاصمة. فلا قدرة لجميع الشباب على القدوم إلى بيروت. ومن المهم أن تتوافر لهم أماكن ثقافية في مناطقهم، يذهبون إليها ويتعلمون ويستفيدون منها، تماماً كما هي الحال مع المكتبات. وهي تتابع المبادرات في المناطق من صيدا وصور وطرابلس، وغيرها، وتشير إلى أنه لو كانت هناك دولة لبنانية، لكان في إمكانها أن تصل إلى هذه المناطق وتدعم، ولو بقدر بسيط، المراكز الثقافية، بما يتيح لها الاستمرار في استقبال الشباب وإبقاءهم على صلة بالمسرح والثقافة.
وتختصر الأشقر واقع الدعم الرسمي للمسرح والثقافة بالقول: «وصلوا إلى الجمل بعدما وصلوا إلى المسارح. والجمل يمشي على مهله». وهي، شخصياً، شاركت في اجتماعات عدة عقدتها وزارة الثقافة، وتحدثوا واجتمعوا وأعدّوا التقارير، لكنها لم ترَ نتيجة فعلية. تنتقد الأشقر واقع وزارة الثقافة، رغم إدراكها ضعف ميزانيتها، معتبرةً أن المشكلة تتجاوز الثقافة نفسها، إذ لا تتوافر البنى التحتية بشكلٍ عام، فبعد أكثر من 30 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية لا تزال بيروت بلا كهرباء ولا ماء، ومن دون أي مشروع إنمائي للمدينة.
حكاية «مسرح المدينة»
تأسس «مسرح المدينة» عام 1994 فضاءً مفتوحاً للمسرح والفنون والثقافة، يستقبل مختلف أشكال التعبير الفني والفكري. ومنذ انطلاقته، احتضن فرقاً وفنانين لبنانيين وعرباً ودوليين، إلى جانب المعارض وورش العمل والعروض السينمائية والمهرجانات والندوات والمحاضرات وتوقيع الكتب وسواها من الفعاليات الثقافية.
يمتد المسرح على مساحة 2000 متر مربع، ويضم خشبتي مسرح وصالة عرض ومخازن وصالة للتمارين، ما جعله فضاءً يتجاوز العرض إلى الإنتاج والتدريب والاستضافة والتجريب.
أتى تأسيسه امتداداً لمسيرة نضال الأشقر في المسرح والثقافة. ففي عام 1966، أسست الأشقر، إلى جانب مجموعة من الفنانين، «ورشة المسرح في بيروت»، التي قدمت عشرات المسرحيات وتناولت قضايا اجتماعية وسياسية وإقليمية، قبل أن تتوقف مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينيات. وفي منتصف الثمانينيات، أسست في عمّان فرقة «الممثلون العرب»، التي جمعت فنانين من 13 دولة عربية، وقدمت عروضها في بلدان عدة في المنطقة وخارجها، وصولاً إلى «رويال ألبرت هول» في لندن.
وفي عام 1994، ترجمت الأشقر هذه التجربة إلى مؤسسة ثقافية تسعى إلى توفير مساحة للحوار والتعبير الحر عن القضايا التي تواجه المجتمعين اللبناني والعربي، وتحولت إلى منصة متعددة الاختصاصات تجمع الفنانين والكتاب والمثقفين وتتيح لهم تقديم أعمالهم أمام جمهور متنوع.
وفي آذار (مارس) 2005، انتقل المسرح من موقعه في شارع كليمنصو إلى شارع الحمرا، بعد ترميم مبنى كان داراً للسينما وتحويله إلى فضاء ثقافي وفني. وفي العام نفسه، تطور إلى «جمعية مسرح المدينة للفنون والثقافة»، التي ضمت لجنة من شخصيات في المجتمع المدني، بينهم محامون وأكاديميون وخبراء في التنمية واختصاصيون في الشأن الثقافي.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، استقبل «مسرح المدينة» أكثر من 1300 عمل مسرحي من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والمغرب وتونس وإسبانيا وفرنسا وأستراليا واليابان والولايات المتحدة، ليشكّل مساحة مفتوحة أمام تجارب مسرحية وفنية من لبنان والعالم، وملتقى لتيارات وأساليب وتجارب مختلفة.
احتفالية ثقافية وفنية
احتفاءً بعيده الـ33، يواصل «مسرح المدينة» في بيروت برمجته الثقافية والفنية، تحت شعار «33 سنة مسرح المدينة». ويشهد هذا العام إعادة افتتاح المسرح الصغير تحت اسم «فضا المدينة»، بإشراف المسرحيين علية الخالدي وعوض عوض، ولدعمه تُقام اليوم حفلة «عالمريخ اكتشفنا المي»، من أجل جمع التبرعات.
حتى نهاية هذا العام، يحفل برنامج «مسرح المدينة» بالعروض المسرحية والموسيقية والراقصة، إلى جانب سلسلة من المحاضرات. وقد ضمّ مسرحية «قطر الندى» للفنانة رائدة طه، التي عُرضت في 10 أيلول (سبتمبر) الفائت، ومسرحية «من إيد لإيد» لنائلة الحارس بين 25 و27 من الشهر نفسه. فيما يستمر عرض «وآخرتها شو؟» لكوهاريغ كرويان حتى 11 تشرين الأول (أكتوبر)، إضافة إلى أمسية «في سبيل الطرب» مع سندي لطي في 17 من الشهر نفسه، ومسرحية «حنة» من إخراج إيلي كمال وبطولة ندى أبو فرحات في 29 منه، وسهرة طرب مع ميس حرب في 31 منه.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، يقدم عرض الباليه «Les Sylphides» من تصميم أليس مسابكي من 12 إلى 14 منه، ومسرحية «دنيا» من إخراج زياد نجار وبطولة ندى أبو فرحات بين 19 و22 منه، ومهرجان للرقص المعاصر مع بسام أبو دياب من 26 إلى 28 منه. أما ختام العام، فيتوج باحتفالية مرور 33 عاماً على تأسيس «مسرح المدينة»، إلى جانب سلسلة من المحاضرات التي يشارك فيها الأكاديمي ميلاد السبعلي في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، والأكاديمي الزميل أسعد أبو خليل في 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، والباحثة ليلى نقولا في 8 كانون الأول (ديسمبر).
ولا يقتصر برنامج العام على العروض، إذ تطمح نضال الأشقر إلى إطلاق «محترف نضال الأشقر للفنون الأدائية»، بمشاركة عدد من الأساتذة والفنانين الذين تعتمد عليهم في العمل المسرحي. وفي كانون الأول (ديسمبر)، يحتفل «مسرح المدينة» بمرور 33 عاماً على تأسيسه من خلال احتفالية خاصة ومتنوعة، يعلن عن توقيتها وبرنامجها لاحقاً.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire