زاهي وهبي
رحل مصطفى سبيتي. رحل بعد شهرٍ ونصف من حفل تكريمٍ أحاطه فيه محبّوه، كأنما كان الشعر يودّعه على طريقته: حضورٌ هادئ، وبدلةٌ أنيقة، وربطةُ عنقٍ تعرف كيف تتحرر في غياب العيون والمرايا. غاب الجسد، وبقي البيت الذي تتسع له القصائد.
الجنوب الذي سكنه
وُلد سبيتي في بلدة كفرصير في قضاء النبطية، جنوب لبنان. هناك يتعلّم الأطفال قبل القراءة أن للزيتون ذاكرة، وأن للتراب صوتاً لا يسمعه إلا من صبر عليه. ظلّ جنوبياً في كل شيء: في صلابته التي لا تُكسر، وفي دفئه الذي لا يُستفزّ، وفي قصيدته التي تحمل رائحة الأرض وطعم الانتظار. كان الجنوب يسكنه كما يسكن الحنين صاحبه، لم يغادره يوماً؛ واليوم، بعد أن اكتمل المسير، عاد إلى الجنوب، عاد إلى كفرصير ليقيم في ترابها الذي عشق إلى الأبد.
ولم يكن حضور مصطفى سبيتي في وجدان الجنوب شعرياً فحسب، بل كان أستاذاً ومربياً صقل عقول الأجيال، وغرس فيهم حب الحرف واللغة، تماماً كما غرس قناعاته في قصائده ودواوينه من «براعم على حطب الخليل» إلى «أرج الروي» و«سبل القوافي».
قبل شهر ونصف، تحلّق محبّوه حول إنسان في ابتسامته كثير من الدفء الباعث على الانتعاش ولو في عزّ الشوب، وفي نبرات صوته كثير من الصلابة التي أسعفَته على مواجهة الصعوبات والمشقات. يومها لم نكن نكرّم مثقفاً كبيراً وشاعراً كلاسيكياً، ولا زوجاً وأباً لأسرة جميلة ولشاعرين حداثيين. كنا نكرّم بيتاً واحداً، تتسع جدرانه لكل البحور والقوافي، وتنفتح نوافذه لكل رياح الحداثة التي تهبّ من حيث لا ندري.
كان الناس يرونه دائماً ببدلة وربطة عنق. مشيته هادئة كبحر استقر على شاطئه. كلاسيكي في نصه، كلاسيكي في بدلته، كلاسيكي حتى في طريقة جلوسه على كرسي التكريم. لكن الذي لا تراه العيون أن هذه البدلة تخفي جسداً يحلم بالأمداء اللامتناهية، وأن ربطة العنق تلك تعرف كيف تتحرر في غياب العيون والمرايا.
كلاسيكي بروح متمرّدة
مصطفى سبيتي، الذي جعل من الشعر أسلوب حياة، لم يكن أبداً على تلك الصورة النمطية للشاعر الكلاسيكي الجالس على كرسيه البعيد. كان، ولا يزال، حاضراً في تفاصيل الحياة، يكتب القصيدة كمن يزرع زيتونة، بصبر الجنوبي الذي يعرف أن الجذور تحتاج إلى وقت لتثمر. وفي داخله، رغم شغفه العارم بجدّه الشعري المتنبي، شاعر صعلوك _ بالمعنى الثوري والإيجابي للصعلكة_ يرى الحب كنافذة لا تعرف الستائر، وكقصيدة لا تكتمل عند القافية الأخيرة. كان يعرف الحب كما يعرف فنانو الأندرغراوند طعم الليل، بلا استئذان، وبلا التزام بما هو مكتوب ومتعارف عليه.
وكلاسيكيته لم تكن شكلاً يحفظه، إنّما معرفة عميقة ودراية واسعة. شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، وبحث في جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة، وكتب في سبل القوافي، فمن يعرف عروض الشعر هذه المعرفة، يستطيع أن يفتح لأبنائه باب التمرد واسعاً، لأنه واثق أنهم لن يضيعوا الطريق.
رحل مصطفى سبيتي. رحل بعد شهرٍ ونصف من حفل تكريمٍ أحاطه فيه محبّوه، كأنما كان الشعر يودّعه على طريقته: حضورٌ هادئ، وبدلةٌ أنيقة، وربطةُ عنقٍ تعرف كيف تتحرر في غياب العيون والمرايا. غاب الجسد، وبقي البيت الذي تتسع له القصائد.
الجنوب الذي سكنه
وُلد سبيتي في بلدة كفرصير في قضاء النبطية، جنوب لبنان. هناك يتعلّم الأطفال قبل القراءة أن للزيتون ذاكرة، وأن للتراب صوتاً لا يسمعه إلا من صبر عليه. ظلّ جنوبياً في كل شيء: في صلابته التي لا تُكسر، وفي دفئه الذي لا يُستفزّ، وفي قصيدته التي تحمل رائحة الأرض وطعم الانتظار. كان الجنوب يسكنه كما يسكن الحنين صاحبه، لم يغادره يوماً؛ واليوم، بعد أن اكتمل المسير، عاد إلى الجنوب، عاد إلى كفرصير ليقيم في ترابها الذي عشق إلى الأبد.
ولم يكن حضور مصطفى سبيتي في وجدان الجنوب شعرياً فحسب، بل كان أستاذاً ومربياً صقل عقول الأجيال، وغرس فيهم حب الحرف واللغة، تماماً كما غرس قناعاته في قصائده ودواوينه من «براعم على حطب الخليل» إلى «أرج الروي» و«سبل القوافي».
قبل شهر ونصف، تحلّق محبّوه حول إنسان في ابتسامته كثير من الدفء الباعث على الانتعاش ولو في عزّ الشوب، وفي نبرات صوته كثير من الصلابة التي أسعفَته على مواجهة الصعوبات والمشقات. يومها لم نكن نكرّم مثقفاً كبيراً وشاعراً كلاسيكياً، ولا زوجاً وأباً لأسرة جميلة ولشاعرين حداثيين. كنا نكرّم بيتاً واحداً، تتسع جدرانه لكل البحور والقوافي، وتنفتح نوافذه لكل رياح الحداثة التي تهبّ من حيث لا ندري.
كان الناس يرونه دائماً ببدلة وربطة عنق. مشيته هادئة كبحر استقر على شاطئه. كلاسيكي في نصه، كلاسيكي في بدلته، كلاسيكي حتى في طريقة جلوسه على كرسي التكريم. لكن الذي لا تراه العيون أن هذه البدلة تخفي جسداً يحلم بالأمداء اللامتناهية، وأن ربطة العنق تلك تعرف كيف تتحرر في غياب العيون والمرايا.
كلاسيكي بروح متمرّدة
مصطفى سبيتي، الذي جعل من الشعر أسلوب حياة، لم يكن أبداً على تلك الصورة النمطية للشاعر الكلاسيكي الجالس على كرسيه البعيد. كان، ولا يزال، حاضراً في تفاصيل الحياة، يكتب القصيدة كمن يزرع زيتونة، بصبر الجنوبي الذي يعرف أن الجذور تحتاج إلى وقت لتثمر. وفي داخله، رغم شغفه العارم بجدّه الشعري المتنبي، شاعر صعلوك _ بالمعنى الثوري والإيجابي للصعلكة_ يرى الحب كنافذة لا تعرف الستائر، وكقصيدة لا تكتمل عند القافية الأخيرة. كان يعرف الحب كما يعرف فنانو الأندرغراوند طعم الليل، بلا استئذان، وبلا التزام بما هو مكتوب ومتعارف عليه.
وكلاسيكيته لم تكن شكلاً يحفظه، إنّما معرفة عميقة ودراية واسعة. شرح ديوان أبي الطيب المتنبي، وبحث في جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة، وكتب في سبل القوافي، فمن يعرف عروض الشعر هذه المعرفة، يستطيع أن يفتح لأبنائه باب التمرد واسعاً، لأنه واثق أنهم لن يضيعوا الطريق.
حين أنجبت القصيدة العمودية حداثتها
لكن ما يثير الدهشة حقاً أن هذا البيت، الذي نبتت فيه القصيدة العمودية، استطاع أن ينجب شاعرين حداثيين، (ووردتين هما فداء وماجدة)، كأن الكلاسيكية عنده لم تكن سقفاً، بل أرضاً خصبة تسمح لكل نبتة أن تنمو بطريقتها. في صمته، منحهما حق التمرد على الوزن، حق كسر القافية، حق أن يكونا مختلفين، دون أن يفقدا خيط النسب الشعري الذي يربطهما به. لوركا التي استعارت اسمها من شاعر استثنائي، وفيديل الذي اختار اسم ثائر أممي، هما ثمرة شجرة عربية كلاسيكية، لكن جذورها تتغلغل في أعماق تربة ثائرة متمردة.
غير أن هذه الحرية لم تكن دائماً سهلة أو سلسة. كانت علاقته بأبنائه شائكة أحياناً، كما هي حال كل علاقة حقيقية بين أب يعشق المتنبي وابنة تختار لوركا، بين من يحفظ العروض وابن يكتب قصيدة النثر. لم تكن العلاقة مشهداً عائلياً مثالياً، بل كانت مساحة تتجاذبها الكلاسيكية والحداثة، الأصالة والتمرد، الصمت والانفجار.
لكنها ظلت دائماً مرتكزة على أرضية واحدة: الحرية. حرية الأب في أن يبقى كلاسيكياً، وحرية الأبناء في أن يكونوا مختلفين. لم يفرض وصايته، ولم يطالبهم بأن يكونوا امتداداً له، بل منحهم حق الاختلاف حتى حين كان هذا الاختلاف يربكه أو يجرحه. وهذه الحرية بالذات هي ما جعل العلاقة تنضج مع الزمن، وتتحول من شائكة إلى مصدر فخر متبادل.
ولا يمكن أن تُنسى عقيلته السيدة إكرام التي لها من اسمها نصيب، فلو لم تكن شجرة وارفة وامرأة حرة لما استطاع شاعرنا أن يكتب ديوان حريته بهذا المقدار من الجرأة والجموح.
في حضرة هذا الرجل، تعلّم محبّوه أن الشعر ليس أعمدة وقضبان سجن، وأن العمود لا يحجب الضوء عن النثر، وأن الاختلاف بين الأجيال ليس حرباً، إنما هو استمرار لذات الدهشة. في حضوره الهادئ، كان يذكّرهم بأن القصيدة، أياً كان شكلها، تبقى ابنة الروح، وأن البحر، مهما تلاطمت أمواجه، يظل بحراً واحداً. هو، في بدلته وربطة عنقه، صورة الأمس، لكن روحه، في علاقته مع الحب والحرية والتمرد، هي صورة الغد الذي لا يزال يُكتب.
رحل الجسد وبقيت القصائد
اليوم، وقد رحل مصطفى سبيتي، ندرك أننا كنا نكرّمه في حياته، ونرثيه بعد غيابه. رحل الرجل الذي جعل من الشعر أسلوب حياة، لا وقوفاً على قافية. رحل الجالس على كرسي التكريم، وبقي الكرسي فارغاً إلا من القصائد. رحل الصوت الهادئ، وبقيت نبرته في كل من أصغى إليه.
رحل مصطفى سبيتي، لكنه لم يرحل عن قناعاته. عاش حراً في قصيدته ودنياه، وخرج منها محمولاً على أكتاف رفاق الكلمة. لم يهادن سلطة، ولم يساوم على قصيدة، إنما ترك تراثاً من الكلمات المقترنة بالموقف. هو الذي كتب عن الحرية، دفع ثمنها، ثم عاد ليكتب عنها أكثر يقيناً.
تحية لبيت تتسع له القصائد، وتتناغم فيه الكلمات وتتخاصم وتتصالح. تحية لإنسان علّم محبّيه، بصمته وصوته، أن الشاعر الحقيقي لا يصنع أتباعاً، إنما يصنع أحراراً، وأن الكلاسيكية الحقيقية ليست في الشكل، إنما في القدرة على أن تكون كلاسيكياً بلا تقليد حتى لو تلبَّسك المتنبي نفسه وحرّاً بلا ادعاء.
رحل مصطفى سبيتي، لكن ليس كلياً. رحل الجسد، وبقي الطيف. خفت الصوت، وبقي النبض في القصائد. وكما نَعَتْه ابنته لوركا بمرارة العشق والذهول: «الناس عم يقولوا مات... وأنا مبارح كنت عنده، وما قال لي: بكرا بدي موت. معقول ما مات؟ يمكن بس ملّ من الحكي، ولما صار الحكي سكوت... فتح باب خيالو، وفات». رحل الشاعر، وبقي البيت الذي تتسع له القصائد، وبقيت القصائد تتسع له.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire