هل سأكمل طريق أبي؟

 

لوركا سبيتي 


اتصلت بي اليوم سيدة وقالت:
«لوركا، أنت ابنة مصطفى؟»
قلت: نعم.
قالت: «أنا أعرفه وحده، وأعرفك وحدك، ولم أعرف يوما أنكما أب وابنته. وحين رأيت صورتكما معا والناس يعزونكم، قلت: كيف لم أربط بينكما؟ لا يمكن أن يكون أبو لوركا إلا مصطفى.
الآن فهمت من أين جئت بهذه الأفكار، ومن أين جاءت طريقتك في قول الأشياء، في التعبير عن رأيك، في الكتابة، في الاعتراض، وفي ألا تقولي الكلام كما يقوله الجميع.
لن أقول لك الله يرحمه، فالله سيرحمه حتما. ولن أقول لك إنه مات، لأن هناك شيئا منه سيكمل فيك».
أغلقت الهاتف وبقيت عند هذه الجملة.
هل سأكمل طريق أبي؟
لكن أي طريق؟
طريق الشك، السؤال، الاعتراض، الوضوح؟
طريق اللغة والشعر والأدب؟ طريق الفن والجمال والمعنى؟
أم طريق الحرية، التي هي البحث الدائم عن الحقيقة، ذلك التوجه الذي لا ينتهي أبدا؟!
وتلك الطريق التي لا تصل؟!
منذ وفاته، وأنا أراقب الضجة التي يحدثها خبر غيابه. إنها تشبه تماما الضجة التي كان يحدثها في حياته.
كان أبي، أينما حل، يملأ مكانه.
كثيفا، عميقا، كثيرا.
لبقا ومشاكسا، لاذعا، صارما، صادما أحيانا، عالي اللغة، حاد الموقف.
لم يكن يعرف كيف يمر خفيفا.
وحتى في موتك يا مصطفى، لم تمر خفيفا؟!
أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي جميعها فيطلع لي أبي… ولا يتوقف عن الظهور… كأنه يقول: أنا هنا… ثم أنا هنا… وهنا… وهنا… وهنا:
قصيدة.
نص.
صورة.
حكاية.
شهادة.
تعزية.
ذكرى.
وامتنان.
هاتفي مليء بالاتصالات، وبرسائل لا تنتهي.
وأناس لم أكن أعرف أن لأبي مكانا في ذاكرتهم، يخبرونني عن أبي الذي عرفوه هم.
وأنا، أحاول أن أفهم:
ما الذي يصنع كل هذا الأثر في رجل؟
هل هو النص؟
اللغة؟
الثقافة؟
الكاريزما؟
النضال؟
الموقف؟
المشاكسة؟
أم الحرية؟
ربما الحرية.
فالناس، على ما يبدو، لا تنسى الحر الذي قال كلمته واضحة، وحمل على كتفه بندقيته، وحارب من أجل قضيته، ومشى…
ترك مصطفى وراءه الكثير من القصائد والكتب والأسرار…
ترك ناسا أعجبوا به،
وآخرين تأثروا بلغته وبفكره،
وترك ضحايا تأذوا منه،
ومنهم من أزعجتهم آراؤه السياسية، ومنهم من آذتهم صراحته ومواقفه.
ترك عشيقات وزوجات وأخوات وبنات وشاعرات صنعهن بتنقيحاته…
جميعنا تأثرنا به بطريقة أو بأخرى!!
أنا الآن أقف حزينة على رجل دُفن حيا، كبلوا يديه، وهو الذي «لا يُغل بخيط حرير»، وأغلقوا فمه بقطن ليسكتوه، لا يريدونه ان يجادل ملاك الموت ،ووضعوه في حفرة بلا ضوء ولا هواء!!وغطوه برخامة، ثم سألوني: ماذا تريدين أن نخط عليها؟
ماذا نخط عليها يا أبي؟
هلا كتبت لنا بيتين من الشعر يليقان بجنابك؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire