“الحياد الأخلاقي”

 



طنوس شلهوب

لا يمكن فهم خطاب “الحياد الأخلاقي” خارج البنية الأيديولوجية التي يعمل داخلها. فالسياسة، في الفضاء الأيديولوجي، لا تعرف حياداً حقيقياً. وقد أشار التقليد الماركسي منذ وقت مبكر إلى أن الادعاء بالحياد في مجتمع منقسم طبقياً ليس سوى شكل من أشكال الانحياز غير المعلن. فكما كتب ماركس وإنجلز في تحليلهما للأيديولوجيا، فإن الأفكار السائدة في كل عصر هي، في الغالب، أفكار الطبقة السائدة نفسها.
بهذا المعنى، لا يكون الحياد موقفاً خارج الصراع، بل موقعاً داخله. وعندما يُقدَّم الحياد بوصفه فضيلة سياسية عليا، فإنه ينتهي غالباً إلى تثبيت علاقات الهيمنة القائمة، لأن الامتناع عن تسمية الهيمنة أو عن تحديد مواقعها الفعلية يتركها تعمل من دون مساءلة. ولهذا فإن كل حياد في فضاء أيديولوجي تحكمه علاقات غير متكافئة بين أطراف الصراع يتحول، في نهاية المطاف، إلى انحياز موضوعي لصالح القوى المسيطرة.
ولهذا فإن اختزال السياسة في قائمة متوازنة من الإدانات لا يساهم في فهم العالم، بل قد يساهم في إخفاء البنية الفعلية للقوة المسيطرة التي تشكله.
في عالم ما يزال مطبوعاً بعمق بتاريخ الاستعمار وبالاختلالات البنيوية في القوة العسكرية والاقتصادية، لا يمكن للسياسة أن تكتفي بلغة الطهارة الأخلاقية. فالمواقف السياسية ليست مجرد إعلان نوايا، إنها تدخل دائماً في صراع القوى القائم.
ولهذا السبب لا يمكن للسياسة أن تُختزل في قائمة إدانات.
فالسياسة، في جوهرها، ليست بحثاً عن نقاء أخلاقي مجرد، بل جهداً لفهم العالم كما هو، بكل تناقضاته واختلالات القوة التي تشكله، تمهيداً للعمل على تغييره.
فالفهم وحده لا يكفي؛ إذ إن السياسة تبدأ حقاً حين يتحول فهم العالم إلى إرادة لتغييره.

(مقتطف من فصل: في نقد التناظر الأخلاقي وأوهام الحياد من كتاب سيرى النور قريباً)
بالمناسبة، هذا المقتطف من مقال أوسع، وهو يفضح الموقف السياسي للموقعين على نداء النبطية، الأول والثاني، في إقامتهما التناظر بين العدوان الصهيوني والمقاومة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire