الخوف المصطنع: من طائرات غزة الورقية إلى «انعدام الأمان» في الجامعات

 

جمال كنج

أتذكر طفولتي في مخيم نهر البارد، كم كنا نحن الأطفال بارعين في ابتكار ألعاب موسمية قليلة الكلفة: موسم لكرة القدم، وآخر للغميضة، ثم السباحة وصيد السمك في البحر، وغيرها من الألعاب التي كانت تملأ فرص المدارس. لعبتي المفضلة كانت صناعة الطائرات الورقية في الصيف.
كنا نصنعها من البلاستيك أو الورق الذي نجمعه من المكب القريب من حارتنا، أما هيكلها فمن عيدان القصب، نربطها أو نلصقها بأسلاك كهربائية أو معدنية. وكانت الكلفة الوحيدة الحقيقية هي الخيط. وإذا لم يحالفنا الحظ في العثور على خيط صنارة أو بكرة خياطة في المكب، اضطررنا إلى شرائه.
لم يخطر ببالي يوماً أن لعبتنا المفضلة، والأرخص تقريباً، يمكن أن تُصنَّف يوماً على أنها «نشاط مسلح».
في الثالث والعشرين من آب/أغسطس، أمر رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه إسرائيل كاتس أطفال غزة بالتوقف عن تحليق طائراتهم الورقية، وإلا واجهوا الموت. هذه ألعاب يصنعها صبية وفتيات صغار في شريط من الأرض لم يعد فيه ما يمكن فعله سوى محاولة اقتناص لحظات نادرة من الطفولة.
إن العذاب النفسي الذي يُفرض على هؤلاء الأطفال ليس سوى طبقة أخرى من إرهاب منظم لدولة الكيان. حتى لجان الأحياء المحلية دعت الأهالي إلى منع أطفالهم من صناعة الطائرات الورقية أو تحليقها. وقالت إحدى الأمهات إن أطفالها كانوا يحلّقون الطائرات الورقية كل صيف للتسلية، لكنها لن تسمح لهم بذلك بعد الآن.
في غزة، حتى الفرح أصبح جريمة. فالطفل الذي يحاول أن يعيش لحظة طبيعية، ولو لدقائق، يُنظر إليه باعتباره تهديداً. والسعادة العادية، في مكان يفترض الاحتلال أن يخلو من السعادة أصلاً، تتحول إلى خطر وجودي.
وليس الهلع من الطائرات الورقية سابقة بلا مثيل. فقد حظرت حركة طالبان تحليق الطائرات الورقية في أفغانستان في منتصف تسعينيات القرن الماضي. أما اليوم، فها هي دولة الاحتلال تمارس المنطق ذاته، في نسخة يمكن وصفها بأنها «طالبان اليهود».
لكن هلع الطائرات الورقية ليس سوى أحدث حلقات سلسلة طويلة من التهديدات المتخيلة التي تُستخدم لقمع الخطاب وإسكات المعارضين في أنحاء العالم.

انظروا إلى الجامعات الأميركية
وجد استطلاع شمل قرابة ألف باحث أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، وأجراه باحثون من جامعة ميريلاند وجامعة جورج واشنطن، أن أغلبية كبيرة منهم تمارس الرقابة الذاتية عند الحديث عن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وعزا معظمهم ذلك إلى الخوف من تبعات مهنية، أو الإقصاء، أو الإبلاغ عنهم إلى إدارات جامعاتهم.
هذه ليست بيئة نقاش أكاديمي حر، بل نتيجة مباشرة لحملة تخويف منظمة، يجري فيها تصوير انتقاد سياسات دولة أجنبية على أنه تعصب ضد دين أو عرق.
في عام 2024، عندما احتج الطلاب الأميركيون على الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال في غزة، لم تكن لدى الجماعات الصهيونية القدرة أو الحجة للدفاع عن سياسة دوله الكيان. ولذلك لجأت إلى سلاح أكثر فاعلية: الابتزاز العاطفي واستدعاء الذنب. قيل إن الطلاب اليهود «يشعرون بانعدام الأمان» في جامعاتهم. لكن انعدام الأمان من ماذا تحديداً؟
لم يكن هناك تهديد محدد، بل شعور. خوف غامض لا يمكن إثباته بدليل، ولا تحويله إلى واقعة لمجرد تكراره. المشاعر ليست وقائع، ومجرد الشعور بالخوف لا يحوّل مصدر الخوف المتخيّل إلى تهديد حقيقي إلا إذا كان المراد استغلاله لتحويل الأنظار من الإبادة الجماعية في غزة.
ولهذا تحديداً أصبح «انعدام الأمان» أداة مثالية لمنظمة مكافحة التشهير اليهودية وأمثالها. فعندما تعجز عن كسب الحجة بالوقائع، تتخلى عن الوقائع وتستبدلها بالعاطفة.
قصة اعتصام جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2024 تكشف هذا النمط بوضوح.
قبل الساعة الحادية عشرة مساءً بقليل في 30 نيسان/أبريل، اقتحمت عصابات صهيونيه تضم ما لا يقل عن مئة رجل ملثم اعتصاماً سلمياً مؤيداً لغزة في ساحة ديكسون. أطلق المعتدون أصوات بكاء أطفال من مكبرات الصوت، وسلطوا أضواء وامضة، ورشوا مواد مهيجة، وأطلقوا ألعاباً نارية داخل الخيام التي كان الطلاب نائمين فيها.
تراجع حراس الجامعة العزّل واختبأوا داخل أحد المباني. وصلت شرطة الحرم الجامعي ثم غادرت بعد نحو عشر دقائق. أما شرطة لوس أنجلوس، فتأخرت ساعتين إضافيتين، تاركة المهاجمين يواصلون اعتداءهم حتى الثالثة فجراً. نُقل 25 طالباً إلى المستشفى. ولم يُعتقل أي من المهاجمين. ومع ذلك، وصفت وسائل إعلام أميركية عديدة ما حدث بأنه مجرد «اشتباك». ثم جاءت المفارقة الأكثر إثارة للسخرية.
خلال الأسابيع التالية، تباكى مدّعو «الضحايا المحترفون» الذين نظموا تلك الحشود على أنهم هم الضحايا. فالاعتصام السلمي، لا من هاجم الطلاب بالعصي، أصبح هو المشكلة. والطلاب الذين تعرضوا للاعتداء هم الذين اتُهموا بجعل الطلاب اليهود يشعرون بـ«انعدام الأمان». وينطبق المثل الشعبي: ضربني وبكا، سبقني واشتكى.
هكذا انقلبت الأدوار: تحوّل المعتدى عليه إلى معتدٍ، والمعتدي إلى ضحية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد كوفئ المهاجمون، عملياً، بتحقيقات فيدرالية حول «معاداة السامية»، بينما تُركت الاعتداءات نفسها تتوارى خلف الضجيج الإعلامي. وكما يحدث مراراً في قضية فلسطين، أُلقي اللوم على الضحية، وبُرّئ المعتدي. الخوف ليس تشخيصاً، بل ذريعة.
رجل أبيض عنصري يدّعي أنه «يشعر بانعدام الأمان» عندما يرى أميركيين سود يتظاهرون ضد العنصرية، لا يصبح أقل عنصرية لأن خوفه حقيقي في نظره. العنصرية لا تتحول إلى سلوك مشروع لمجرد أن العنصري يختبئ خلف مشاعره.
والمنطق نفسه ينطبق على الجامعات الأميركية. الطلاب اليهود الذين يؤيدون سياسات دولة الاحتلال، حتى عندما تتضمن دعماً للإبادة الجماعية في غزة، لهم الحق في آرائهم مهما كانت بغيضة؛ فهذا جزء من حرية التعبير. لكن الشعور بعدم الارتياح أمام انتقاد دولة الاحتلال لا يحوّل النقد إلى تهديد، ولا يمنح أحداً حق استخدام «الأمان» درعاً لمنع الآخرين من التعبير عن آرائهم.
والأهم أن الطلاب اليهود أنفسهم ليسوا كتلة واحدة. فهناك يهود لا يرون الاحتجاجات المؤيدة ل فلسطين تهديداً، بل يرونها قضية تستحق الدفاع عنها. بعضهم لا يهرب من هذه الاحتجاجات، بل يقودها ويشارك فيها.
طائرة ورقية تحلق فوق مستوطنة ناحال عوز اليهودية الحصرية، ومحاضر يقف أمام طلابه في جامعة مينيسوتا، لا يجمع بينهما في الظاهر أي شيء.
لكن ثمة قاسماً مشتركاً: كلاهما يمكن أن يتحول، في خطاب «الضحايا المحترفين»، إلى مصدر لـ«انعدام الأمان».
الطائرة الورقية ترعب حكومة لا تحتمل أن ترى سكاناً محاصرين يستمتعون بخمس دقائق من الفرح. وفضح الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال داخل الجامعات الأميركية يرعب جماعة «إسرائيل أولاً»، سواء جاء التحدي من طبيب، أو أستاذ، أو طالب يرتدي الكوفية ويفنّد الروايات الصهيونية.
فأيّهما هو الحقيقة إذن، في غزة وفي الساحات الجامعية الأميركية؟
هل نحن أمام لعبٍ متعمد لدور الضحية لتبرير الإبادة الجماعية في غزة والترهيب السياسي في الولايات المتحدة؟ أم أننا أمام خوف حقيقي، لكنه بلغ من اللاعقلانية حداً يجعل طائرة ورقية لطفل في غزة، أو عريضة طلابية في جامعة أميركية، يُعاملان بوصفهما تهديدين وجوديين؟
في الحالتين، لا تحتاج دولة الاحتلال ولا جماعة «إسرائيل أولاً» في أميركا إلى مزيد من المحامين أو جماعات الضغط أو الجنرالات. إنهما تحتاجان إلى أطباء نفسيين.
فمن لا يستطيع التمييز بين لعبة وسلاح، أو بين حجة تطالب بحقوق الإنسان وجريمة كراهية، ليس مؤهلاً لتحديد حدود الخطاب، أو تقرير من يجب أن يُسجن أو يُطرد، سواء في غزة أو داخل الجامعات الأميركية. إن جنون العظمة الذي تصنعه مؤسسات تحتكر لنفسها صفة الضحية ليس واقعاً، بل وهمٌ يُراد له أن يتحول إلى سياسة عامة.
ولا ينبغي أن يتحول الخوف المفتعل إلى رخصة لإسكات الكلام في الولايات المتحدة، كما لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرير الإبادة الجماعية في فلسطين.
فالخوف، مهما كان مرتفع الصوت، لا يصبح حقيقة لمجرد أن صاحبه يصرخ به. والطائرة الورقية، مهما أخافت المحتل، تبقى لعبة طفل. والكلمة التي تفضح الإبادة لا تصبح جريمة لمجرد أنها تجرح شعور من يؤيد الإبادة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire