إشكالية الخطاب السياسي لمحور المقاومة: مراجعة نقدية في مواجهة تغوّل الهيمنة الدولية

 

أديب إسماعيل محفوض

يتجاوز الصراع في العالم المعاصر حدود التصادم المادي والتنافس على الموارد الاقتصادية، ليمتدّ في جوهره إلى بنية التمثيل ومنظومات إنتاج المعنى، حيث تتحوّل الخطابات السياسية إلى ميادين لشرعنة الوجود أو نفيه. وفي هذا السياق، تبرز لغة القانون الدولي التي صاغتها المركزية الغربية كإطار مرجعي يمتلك ادعاء الكونية، بينما تعمل ممارساته كأداة تقنية لضبط موازين القوى وحماية المصالح الجيوسياسية تحت غطاء الشرعية، مانحةً أي خروج عن إرادتها صفة الخروج عن النمط الحضاري (أنطوني أنغي، 2005).
في المقابل، برز خطاب القوى السيادية المناهضة للهيمنة، وفي طليعتها محور المقاومة، كاستجابة بنيوية لواقع الإقصاء المؤسساتي؛ إذ لم يتأسس هذا الخطاب كبديل قانوني مكتمل الأركان، بل كخيار اضطراري لبناء مشروعية مستمدة من الفعالية الميدانية. ومع ذلك، يعاني هذا الخطاب من إشكاليات بنيوية عميقة؛ تتجلى في عجز فواعله عن صياغة أطروحة قانونية وسياسية متماسكة قادرة على التفكيك المعرفي للمركزية الغربية، ووقوعه المتكرر في التبريرية الذاتية، والانعزال المعرفي، عبر الاكتفاء بالمواجهة الميدانية دون خوض حرب السرديات والنظريات، مما يدع المركزية الغربية تحتكر صياغة المفاهيم والتصنيفات (كالتمييز بين المقاومة والإرهاب)، والارتهان للبلاغة الشعاراتية والتجييش العاطفي على حساب التنظير المؤسساتي المستدام. وقد امتدت آثار هذا القصور لتلقي بظلالها على البيئة المحلية، حيث أفضت مقتضيات حماية الردع الميداني إلى الانزلاق نحو مساومات سلطوية والتغاضي عن الفساد المؤسساتي، ما أدى إلى انحسار الرصيد القِيَمي للخطاب، وانكشافه أمام استحقاقات الحوكمة والعدالة الاجتماعية.
إن التوتر القائم بين قانون القوة الذي تمارسه الهيمنة الدولية، وبين خطاب المواجهة الذي يتبناه المحور، يعكس أزمة أعمق في هيكلية النظام الدولي؛ حيث تحوّل القانون من حامٍ للحقوق إلى قناع تقني يُشرعن تغول الأقوياء (مارتي كوسكينيمي، 2001).
تسعى هذه الدراسة إلى تشريح الجدلية القائمة بين هذين الخطابين من منظور نقدي موضوعي؛ يتوخى تفكيك مكامن القوة الميدانية التي فرضت أمراً واقعاً، بموازاة الوقوف عند الثغرات المعرفية والقصور التواصلي والنظري الذي يعتري خطاب المحور في مواجهته للهيمنة، وصولاً إلى تفكيك انعكاسات هذه الخيارات على الساحة الداخلية، وما خلّفته المساومات السلطوية من مآزق قيمية ومؤسساتية تحول دون تمأسس الخطاب وصموده الوطني.

أولاً: لغة القانون الدولي كأداة للهيمنة الاستعمارية
تُقدِّم لغة القانون الدولي نفسها في الفضاء العام بوصفها منظومة حيادية وكونية تسعى لتنظيم العلاقات بين الفواعل الدولية على قاعدة المساواة التأسيسية. غير أن التحليل النقدي لهذه البنية يثبتُ صوغها، في جوهرها الوظيفي، كتقنية لحماية مصالح المراكز المهيمنة واحتواء تطلعات المجتمعات المستضعفة؛ إذ لا يعمل النص القانوني كحَكَمٍ محايد، بل كمرجعية إيديولوجيّة تُسبغ الصفة الأخلاقية والشرعية على موازين القوى القائمة (أنطوني أنغي، 2005).
وفي هذا السياق، يتجلى استخدام القانون الدولي كآلية للاحتواء وضبط الصراع؛ إذ تَعمَد الإمبريالية المعاصرة إلى التوظيف الانتقائي للمفاهيم القانونية المُنْشِئة للشرعية كـالسيادة، والحق في الدفاع عن النفس، وحماية المدنيين؛ حيث تُكيَّف هذه المصطلحات وفق مقتضيات ميزان القوى لا ثبات المبدأ. فبينما يُمنح الكيان الاسرائيلي غطاءً مطلقاً للتأويل الذاتي لمفهوم الدفاع عن النفس لتبرير السلوكيات الإبادية، تُصنَّف أشكال المقاومة وحركات التحرر الوطني ضمن أطر الإرهاب أو الخروج عن النسق الحضاري.
ينبع هذا التباين البنيوي من أسبقية سلطة التسمية؛ حيث تمتلك القوى المهيمنة قدرة احتكارية على صياغة التعريفات والمفاهيم المُشَكِّلة للواقع، ومن يمتلك سلطة التسمية يمتلك حكماً القدرة على التوصيف والضبط السيادي (إدوارد سعيد، 1993). وبذلك تحوّلت لغة القانون في المحافل الدولية، ولا سيما مجلس الأمن، إلى بيروقراطية باردة تُفرغ القضايا الوجودية من حمولتها الأخلاقية، مُختزلةً حقوق الشعوب في أوراق تفاوضية وتقنية تُدار وفق المنظور الإمبريالي.
ولا يقتصر هذا الضبط على المستوى الإجرائي، بل يتجاوزه إلى تفكيك وهم الحياد المزعوم في المرجعية الدولية؛ إذ تأسست البنية الراهنة للقانون الدولي في لحظة الهيمنة لمنتصري الحرب العالمية الثانية، ما جعلها بنية قاصرة بالضرورة عن استيعاب الشرعيات الناشئة لحركات التحرر الوطني إلا في حدود وظيفيّة ضيّقة. وقد مكّنت الهيمنة الأحادية واشنطن من تحويل المنظمات الأممية إلى أدوات تنظيمية تهدف إلى تمرير أهدافها الجيوسياسية بأقل كلفة إجرائية.
وفي هذا الامتداد، يتحوّل النص القانوني إلى أداة إكراه وضبط مُوجَّهة ضد الدول والفاعلين المناهضين للهيمنة؛ حيث يُحصر خيار الفواعل غير المنصاعة بين الامتثال التام للإرادة الإمبريالية، أو الخضوع للعزل والعقوبات بتهمة خرق الشرعية. يكشف هذا التوظيف الأدواتي للنصوص عن استحالته إلى سلاح بنيوي لتدجين الإرادات السيادية وإعادة إنتاج التبعية تحت قناع القانون (مارتي كوسكينيمي، 2001).

ثانياً: تحوّلات الخطاب السيّادي ومآزقه: من المنطق الميثاقي إلى الردع الواقعي
في مقابل لغة القانون الجافة والارتهان لإرادات القوى الكبرى، برز خطابٌ سياسي تتبنّاه القوى المناهضة للهيمنة، يُمكن تشخيصه بوصفه «خطاباً للفعاليّة وبلاغةً للمواجهة». وهو خطابٌ لا ينطلق من كون البلاغة مجرّد أدوات إنشائية، بل يتمظهر بوصفه «فعلاً كلاميّاً»؛ حيث تقترن فيه الكلمة بالإنجاز الميداني لتتحوّل إلى التزامٍ يفرض معادلات جديدة. غير أن هذا الخطاب، رغم قدرته التعبوية، يحمل إشكاليات بنيوية تتعلق بقدرته على التعبير عن نفسه بلغة مؤسسية قابلة للصمود الدبلوماسي.

1- إعادة تعريف السيادة خارج الأطر التقليدية
بينما تحصر الأدبيات القانونية التقليدية مفهوم السيادة في الاعتراف الدبلوماسي والامتثال للحدود الموروثة عن الاستعمار، يعمد خطاب المقاومة إلى نقل السيادة من طابعها الشكلي إلى طابعها الوجودي والميداني؛ حيث تُشرعَن السيادة عبر القدرة على المواجهة وحماية المجال الحيوي.
وفي التجربة اللبنانية، تجلّى هذا التحوّل عبر اعتماد ما يُسمّى «الصدقية الميدانية» كرافعة استراتيجيّة لفرض معادلات الردع وإجبار الخصم على إعادة حساب كلفة المواجهة. غير أن التحليل النقدي يكشف عن ثغرة جوهرية في هذا الطرح؛ إذ إن اقتصار مشروعية السيادة على الفعل الميداني، مع إهمال تطوير الخطاب القانوني والمؤسساتي للدولة، يتيح للخصوم تصوير المقاومة كحراك خارج عن القانون الدولي، وتأطيرها في حدود التجييش الشعبي المفتقر إلى الحصانة الدبلوماسية المستدامة.

2- المقاومة كواقعية صلبة في مواجهة سيولة القانون الدولي
تنبثق فلسفة هذا الخطاب من تحويل النقص في القوى المادية التقليدية إلى قوة ردع غير متماثلة تهدف إلى استبدال لغة الاستجداء بلغة المعادلات. ويسعى هذا التحوّل إلى خرق قواعد اللعبة الدولية وفرض واقع سيادي يجبر المنظومة الدولية على الاعتراف بحقوق كانت تُهدر في التسويات الكبرى.
ينسجم هذا الطرح جزئياً مع المقاربات الواقعية الصلبة في العلاقات الدولية التي ترى أن النظام الدولي محكوم بموازين القوى لا بالنصوص المجرّدة (جون ميرشايمر، 2001). بيد أن القصور الجوهري لخطاب المقاومة يكمن في افتقاره للبلاغة القانونية الدولية؛ حيث يكتفي الخطاب غالباً بالاشتباك الميداني وإبراز الردع دون صياغة مدوّنة حقوقية ومحاجّة قانونية قادرة على اختراق المحافل الدولية أو مخاطبة الرأي العام العالمي بها، ما يجعل الخطاب يبدو في كثير من الأحيان متصلّباً ويعوزه المرونة التواصليّة والقدرة على خوض حرب السرديات القانونية بالقدر نفسه من الكفاءة الميدانية.

ثالثاً: محور المقاومة وتحدّي المركزية المعرفية الغربية
لم يعد الاشتباك مع القوى المهيمنة محصوراً في الميادين العسكرية أو الصراعات الاقتصادية، بل امتدّ إلى بنية الاستعمار المعرفي التي تفرضها المركزية الغربية. لقد حاول محور المقاومة بلورة حالة تتجاوز فكرة الفصيل المسلح لتصل إلى ملامح منظومة فكرية تسعى لكسر أحادية القطبية المعرفية، عبر تقديم سرديات بديلة تتحدّى المفاهيم المعولمة الرامية إلى تدجين وعي الشعوب.

1- النموذج الإيراني: بين الندّية السيادية والاشتباك التأويلي للقانون
تُقدّم طهران في خطابها السياسي نموذجاً لاستخدام لغة القانون الدولي وتأويل أطره؛ حيث تجمع بين المرجعية الميثاقية (ولا سيما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالدفاع الشرعي) ومفاهيم السيادة الوطنية وحقوق الدول المشاطئة. وقد تجلّى هذا المسار بعمق خلال المواجهة العسكرية والاقتصادية المفتوحة والمتواصلة لعام 2026؛ إذ لم تكتفِ إيران بالمحاججة السياسية، بل صاغت موقفها الميداني -المتمثل في فرض القيود البحرية وتنظيم الملاحة في مضيق هرمز - بناءً على استناد حقوقي دقيق؛ يتصل بتوقيعها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 دون المصادقة عليها، وهو تمييز جوهري يُتيح لها التحلل من الالتزام بنظام «المرور العابر» المعاهدي، والتمسك بنظام «المرور البريء» العرفي وقواعد قانون الصراع المسلح لحماية مياهها الإقليمية وأمنها القومي.
يسعى هذا الخطاب إلى تفكيك وهم الأستاذية الغربية وتأسيس ندّية سياسية ترفض لغة التبعية (حميد دباشي، 2008). بيد أن التفكيك النقدي لهذا النموذج يكشف عن التحدي المعرفي الذي يواجهه والمتمثل في الاشتباك التأويلي للقانون الدولي؛ فبينما يستند الموقف الإيراني إلى أطر حقوقية عرفية وميثاقية تمنح الدولة المشاطئة حق حماية أمنها وحظر عبور قطع العدو، تسعى القوى الغربية لتظهير هذه الإجراءات كخرق لنظام «المرور العابر» ومساس بحرية الملاحة الدولية. وتتمثل الثغرة الجوهرية في هذا الخطاب في عجزه عن تحويل تأويله الحقوقي الخاص إلى معيار كوني بديل يحظى باعتراف المنظومة الدولية؛ مما يتيح للخصوم تصوير الممارسة السيادية المشروعة وكأنها مناورة تكتيكية إقليمية تستغل الثغرات التنفيذية، بدلاً من التأسيس لشرعية قانونية عالمية جديدة.

2- السرديات الإقليمية: تفكيك هيبة القوّة ومحدودية التمأسس
في مقابل المحاولات الإمبريالية لتأطير التحركات العسكرية تحت عناوين «الأمن البحري» و«حرية الملاحة» لحماية مصالح الكيان الصهيوني، برزت التجربتان اليمنية واللبنانية لتعرية هذا النمط المعرفي؛ فبينما استطاع الفعل الميداني اليمني إعادة تعريف مفهوم «أمن الملاحة» وربطه بواجب وقف حرب الإبادة الجماعية، سعى الفعل الميداني في لبنان إلى تحدّي أنماط السيطرة التقليدية وفرض معادلات اشتباك غير متماثلة ترفع كلفة العدوان.
يُمَكّن هذا التكامل الميداني من مواجهة المركزية الغربية بإنتاج شرعية أخلاقية بديلة تنطلق من الأرض لتخاطب الضمير الإنساني خارج أروقة مجلس الأمن (والتر مينيولو، 2011). غير أن مكامن الضعف في هذا الخطاب تكمن في عجزه عن ترجمة هذا الصمود إلى أطر مؤسساتية ودبلوماسية عابرة للإقليم؛ إذ يغلب على السردية الصادرة عن هذه الفواعل التجييش العاطفي والاستهلاك الداخلي، مع الافتقار إلى أدوات التواصل الدولي القادرة على اختراق المنظومات الإعلامية والحقوقية العالمية التي تديرها المؤسسة الغربية. ويظل الخطاب بالتالي معرّضاً للوقوع في فخ التنميط والإبعاد، طالما لم يبتكر أدوات قانونية وإعلامية تتجاوز البلاغة التقليدية نحو أطروحة عالميّةٍ متكاملة.

رابعاً: الاشتباك الميداني وأثره في إعادة تشكيل القواعد القانونية
تُظهر التطورات الميدانية الجارية على جبهات الصراع الممتدة بين عامي 2023 و2026 أزمة عميقة في كفاءة المنظومة التنفيذية للقانون الدولي؛ حيث أثبتت الوقائع أن المراهنة على الضمانات الأممية المجرّدة دون امتلاك أوراق قوة مادية تعزّز الانكشاف الأمني للدول الصغرى والفواعل المناهضة للهيمنة.
وقد عكست التجربة التاريخية في لبنان أزمة الردع المؤسساتي وحدود الفعالية الميدانية؛ إذ تجلى عجز القرارات الأممية المتعاقبة (كالقرارين 425 و1701) عن توفير حماية فعالة ضد الاعتداءات، نتيجة افتقار المنظومة الدولية لآليات الإلزام الصارمة، واستخدام حق النقض (الفيتو) كغطاء سياسي للمعتدي. وفي هذا السياق، برز مفهوم الردع الميداني كبديل إجرائي يُعوض العجز المؤسساتي ويفرض معادلات الحماية.

غير أن التحليل النقدي والدستوري لهذا الطرح يكشف عن مأزق مزدوج في خطاب المحور وأدائه المؤسساتي:
- على المستوى الميداني: يتمثل في أن الردع الميداني ينجح في فرض توازنات حذرة وحدود لكلفة الاستنزاف - كما شهدت الجبهات قبل عام 2023 وكما يُفرض في ميدان المواجهة اليوم، بالرغم من التنصل الإسرائيلي الممنهج من الالتزام بأي هدنة - لكن هذا الردع المادي يظل عاجزاً بمفرده عن إنتاج حالة استقرار سياسي أو حقوقي دائم.
- على المستوى الدستوري والمؤسساتي: يتجلى في الاكتفاء بالتغطية السياسية عبر البيانات الوزارية المتعاقبة دون الانتقال إلى التمأسس التشريعي. فالبيان الوزاري، وفق مبدأ تدرج القواعد القانونية، مجرد وثيقة إجرائية مؤقتة تسقط بسقوط الحكومة ولا ترتقي إلى مستوى النص الدستوري ولا حتّى إلى القانون الصادر عن البرلمان؛ ما يجعله عاجزاً عن حسم النزاع حول التزامات الدولة تجاه النظام الدولي أو مبدأ حصرية السلاح. وبخلاف تجارب أخرى قنّنت وجود القوى المناهضة للهيمنة ودمجتها تشريعياً وهيكلياً ضمن القوات المسلحة (كقانون الحشد الشعبي في العراق عام 2016)، بقي النموذج اللبناني محصورة تغطيته في تسويات حكومية هشّة. هذا القصور البنيوي أتاح للخصوم الإفادة من النموذج الفيبري للدولة (المتمسك باحتكار وسائل الإكراه وقرار الحرب والسلم) لتظهير المقاومة كـفاعل من غير الدول يمارس سلطات موازية، بدلاً من تقنينها كرافعة لسيادة الدولة.
وبينما يظل هذا الردع المادي عاجزاً بمفرده عن إنتاج تمأسس دائم، تبرز إشكالية التأسيس لقواعد بديلة ومأزق الاعتراف الدولي؛ إذ يسعى خطاب المحور إلى تأطير أفعال المواجهة المباشرة باعتبارها ممارسات تدخل ضمن مبدأ المعاملة بالمثل والدفاع الشرعي ضد الجرائم الممنهجة (ريتشارد فالك، 2008)، متخذاً من الميدان مسرحاً لإعادة تعريف مفاهيم العدالة والسيادة.
غير أن العقبة الجوهرية أمام هذا التوجه تكمن في عجز هذه الممارسات عن التحول إلى قواعد عرفية ناشئة؛ فالمنظومة الدولية لا تعيد تشكيل أطرها المعيارية تلقائياً بمجرد وقوع الاشتباك المادي، بل تتطلب بلورة قناعة قانونية تُطرح ويُدافع عنها في المحافل الدولية. وإن اقتصار الخطاب على الشرعية الأخلاقية والميدانية، دون رفدها بأطروحة حقوقية عالميّة مكتملة الأركان، يتيح للقوى المهيمنة الاستمرار في توصيف هذه الأفعال كاختراقات غير شرعية تخل بالنظام العام، بدلاً من القبول بها كمدخلات لإنتاج قواعد قانونية جديدة.

خامساً: الفعالية السيادية ومفهوم التضامن الإقليمي: بين الحماية الجيوسياسية والتكلفة المادية
يطرح محور المقاومة نفسه في أدبياته السياسية كشبكة ردع منطقية تتبنى استراتيجية الواقعية الدفاعية للحد من الهيمنة الدولية ومشاريع إعادة هيكلة الإقليم؛ حيث يُقدَّم دور الفواعل الإقليمية غير المحصورة في الأطر الغربية كحائط صد يمنع انحلال الكيانات الوطنية وفراغ السيادة.

1- مفهوم التضامن السيادي وإشكالية التماسك الوطني
يُؤطَّر الدعم المتبادل ضمن أطراف المحور كنوع من التضامن السيادي الموجّه لحماية المنعة الجماعية ضد مشاريع التجزئة والفوضى الخلّاقة. وتسعى هذه السردية إلى تقديم الردع الشبكي كأداة لحماية الأمن الإقليمي ومنع استباحة الفضاء الجغرافي والسياسي للشرق الأوسط.
غير أن هذا النمط من التضامن يصطدم بتحدٍ معقّد؛ فبينما يُسهم التنسيق الشبكي في منع الحسم العسكري للخصوم وتوسيع كلفة العدوان، فإنه يضع المجتمعات الحاضنة أمام استحقاقات اقتصادية وإنسانية باهظة نتيجة الحصار والعدوان المستمر. وتتجلى الثغرة في صعوبة الموازنة بين متطلبات الصمود الجيوسياسي العابر للحدود، وبين صون التماسك الاجتماعي الداخلي الذي يئن تحت وطأة الاستنزاف المالي والبنيوي.

2- أخلاقيات التحرر ومأزق الاستدامة المجتمعية
في مواجهة السردية الغربية التي تُوظف حقوق الإنسان بشكل انتقائي، يسعى الخطاب السياسي للمقاومة إلى طرح أدبيات مستمدة من أخلاقيات التحرر لرفض الاستسلام واسترداد الفاعلية الحضارية (إنريكي دوسيل، 1998)؛ حيث يُعرَّف الصمود بوصفه فعلاً ثقافياً وقيمياً يمنع الانكسار النفسي ويُحافظ على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
بيد أن المأزق الأبرز أمام هذه السردية يكمن في مسألة الاستدامة المجتمعيّة؛ إذ إن الاعتماد المفرط على البلاغة التعبوية والصمود النفسي دون تقديم حلول تنموية واقتصادية ملموسة لمواجهة العقوبات وتدمير البنى التحتية، يُعرّض الخطاب لتراجع القدرة على التعبئة العامة على المدى الطويل. إن التحول من منطق إدارة الأزمة إلى صياغة نموذج اقتصادي وسياسي كفيل بإسناد المجتمع، هو الشرط الأساسي لمنع تحول التضحيات الميدانية إلى حالة استنزاف مجتمعي شامل.

سادساً: المآزق البنيوية والسياسية للخطاب الداخلي
لا تقتصر ثغرات الخطاب السياسي للمقاومة على البعدين القانوني والدبلوماسي الخارجيين، بل تتعداهما إلى مآزق بنيوية أعمق تتصل بأسلوب مخاطبة الشريك الداخلي، وإدارة العلاقة مع البيئة الحاضنة، وطبيعة التموضع في معادلة الحكم والسلطة. وتتجلى هذه المآزق في أربعة أبعاد مفصلية:

1- التجييش العقائدي ومحدودية الخطاب الحقوقي الجامع
تتأسّس النواة الصلبة لخطاب المقاومة في الأدبيات المرجعيّة على منظومة من المفاهيم العقائدية والغيبية (مثل التكليف الشرعي، والواجب الديني، والنصر الإلهي). وعلى الرغم من الفعالية الاستثنائية لهذا التجييش العقائدي في بناء العقيدة القتالية وتثبيت القاعدة الاجتماعية المؤمنة بهذه الأدبيات، إلا أنه يُنشئ جداراً سيميائياً يُعيق الخطاب عن العبور إلى الفضاءات الإنسانية والحقوقية غير المؤدلجة. إن عجز الخطاب عن ترجمة مقولاته الأخلاقية ومظلوميته الميدانية إلى لغة حقوقية وسياسية جامعة، يجعله غير قادر على المخاطبة الفعّالة للرأي العام المحلّي والعالمي، أو مد جسور التفاهم مع القوى المدنية والعلمانيّة والحقوقية المحليّة والدولية التي تتوجس من البلاغة العقائدية، وتختزل الفعل المسلح في خانة الإيديولوجيا المغلقة بدلاً من تقبله كمشروع تحرّرٍ وطنيٍّ وإنسانيّ.

2- إدارة التعددية الوطنية ومأزق العقد الدفاعي المشترك
يراوح خطاب المقاومة في التعاطي مع الفضاء الوطني المتعدد بين نبرتين متناقضتين: نبرة تدعو إلى التلاحم والشراكة الوطنية لمواجهة الخطر الخارجي المشترك، ونبرة تصعيديّةً تصل في بعض الأحيان إلى حدِّ تخوين المخالفين وإسقاط الوطنية عن القوى السياسية والمجتمعية التي تبدي تحفظات على خيارات المواجهة الميدانية. هذا التذبذب بين الاستيعاب السياسي والاتهام البنيوي يعيق التأسيس لـعقد دفاعي وطني جامع؛ حيث يميل الخطاب في سياقاتٍ بعينها إلى تقديم خياراته الاستراتيجية كمسلّمات تتجاوز النقاش، دون إيلاء القدر الكافي من المراعاة لحساسية التوازنات الطائفية والمجتمعية، مما يتيح للخصوم تظهير الردع الميداني وكأنه مشروع فئوي أو أداة وهيمنة داخلية، بدلاً من إبرازه كحق سيادي ودفاعي يهم الكيان الوطني بكليته.

3- الضرورة العسكرية وتحدي الشفافية مع الحاضنة الشعبية
تفرض مقتضيات الحرب غير المتماثلة أعلى درجات السرية التكتيكية والمباغتة الميدانية لضمان نجاح ضربات الردع وحماية البنية العسكرية. بيد أن هذا المنطق العسكري الضروري ينعكس سلباً على الخطاب السياسي في علاقته بالبيئة المجتمعية الحاضنة؛ إذ ينشأ مأزقٌ قيميٌّ وسياسيٌّ يتعلق بضعف الشفافية وإغفال الشراكة في القرار مع حاضنة شعبية تُطالَب بتحمّل أكلاف باهظة تصل إلى حد التدمير الشامل للبنى التحتية والتهجير القسري. إن غياب آليات الحوار السياسي المسبق وتقييم المخاطر المفتوح مع حاضنته المباشرة، يجعل الخطاب يقع في فخ إدارة الأزمات بالبلاغة التعبوية وطلب الصبر المفتوح، دون منح هذه البيئة الحق السياسي في مناقشة المآلات والأولويات، مما يُحدِث فجوةً صامتةً بين التضحيات الميدانية والقدرة على الاستمرار والتكيّف على المدى الطويل.

4- المساومة السلطوية وتآكل الرصيد الرمزي للخطاب
لعل التناقض الأكثر إرباكاً في أداء هذا الخطاب وسياساته يكمن في مقايضة الردع الميداني بالتغاضي عن الفساد الداخلي؛ ففي سبيل حماية سلاحه وتأمين الغطاء الحكومي والسياسي لوجوده، انزلق الفاعل السياسي للمقاومة إلى عقد تسويات وتفاهمات مع طبقات سلطوية متهمة بالفساد المالي والانهيار المؤسساتي. هذا الخيار البراغماتي وضع الخطاب في مأزقٍ قِيَمِيٍّ وَسِيَاسِيٍّ حَادٍّ؛ إذ كيف يستقيم خطابٌ ينادي بـالتحرر، ورفض الاستكبار، واسترداد الكرامة مع ممارسة سياسية تتغاضى عن نهب المال العام وتداعي مؤسسات الدولة التي تمس مباشرة المعاش اليومي للمواطنين؟ لقد أثّرت هذه الممارسة في الرصيد القِيَمي والرمزي للخطاب، لا سيما لدى الأجيال الشابة من خارج بيئة المقاومة والطبقات الوسطى المتضررة من الفساد، والتي باتت ترى في هذا التغاضي ثغرةً جوهريةً تفصل بين شعارات التحرر الخارجي ومتطلبات العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة في الداخل.

إعادة صياغة المرجعيّة الحقوقية في ظلّ التعدديّة القطبيّة الناشئة
تكشف حصيلة البحث عن جدليةٍ معقدةٍ بين لغة القانون الدولي كتقنية هيمنة وبين خطاب المقاومة كفعل ردع ميداني؛ حيث أثبتت التحولات المتسارعة الممتدة حتى عام 2026 أن المراهنة المجرّدة على المنظومة الأممية لم تعد كافية لحماية السيادة الوطنية للدول الصغرى والفواعل المناهضة للهيمنة. لقد نجح الفعل الميداني لمحور المقاومة في تعرية الانتقائية المعيارية للمؤسسات فوق الوطنية، كاشفاً عن حالة الاستثناء التي تُعطّل بموجبها أحكام القانون الدولي حين تتعلق بجرائم القوى المهيمنة، بينما تُفعَّل بصرامة كأداة ضبط وإكراه ضد الشعوب المطالبة بحقوقها الوجودية (جورجيو أغامبين، 2005).
ومع ذلك، يُسجل التحليل النقدي مأزقاً بنيوياً وحدّاً معرفياً في تجربة خطاب محور المقاومة؛ إذ على الرغم من نجاحه في كسر الأحادية المعرفية للغرب وطرح أدبيات متقدمة في الردع المادي والتضامن الإقليمي، فإنه ما يزال يعاني من:
1- الارتهان للبلاغة التعبوية والشعاراتية: على حساب التنظير المؤسساتي المستدام والخطاب الحقوقي الموجه للرأي العام المحلّي والعالمي.
2- العجز عن الترجمة الدبلوماسية والحقوقية: حيث يُخفق الخطاب في تحويل مكاسبه الميدانية وتوازنات الردع إلى صياغات ونظريات قانونية بديلة ومكتملة الأركان تحظى باعتراف دولي.
3- هشاشة التمأسس الدستوري والنموذج المجتمعي: عبر الارتهان لتسويات حكومية مؤقتة (كالبيانات الوزارية) دون تقنين تشريعي صلب، فضلاً عن غياب أطروحة تنموية واقتصادية قادرة على إسناد المجتمعات الحاضنة أمام استحقاقات الاستنزاف والحصار.
4- الانكشاف القِيَمي والتحدي الحوكمي: عبر الانزلاق نحو مساومات سلطوية والتغاضي عن الفساد المؤسساتي ككلفة لحماية الردع، ما أثّر في الرصيد القِيَمي والرمزي للخطاب، وأحدث فجوةً بين شعارات التحرر الخارجي واستحقاقات الحوكمة والعدالة الاجتماعية في الداخل.

في المحصلة، إن تحويل حقوق الإنسان والسيادة الوطنية من أدوات في يد المركز الإمبريالي إلى مشروع تحرري كوني (أوبيندرا باكسي، 2002) يقتضي توجّه خطاب المقاومة نحو التجسيد المؤسساتي، وصياغة فقه قانوني بديل يتجاوز رد الفعل الميداني ليصل إلى مستوى الأطروحة الحقوقية العالمية المتماسكة ذات الرصيد القِيَمي الصلب داخلياً وخارجياً.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire