تشارلز روش: بين القسم والضمير

 



د. طنوس شلهوب

اتصل بي اليوم الرفيق علي ملاح المقيم في كندا منذ فترة طويلة، واستفسر مني عن تاريخ كتابتي للنص الذي اوردته على صفحتي منذ عدة أيام بعنوان "حين أقسمتُ ولم أخُن نفسي"، وأوضحتُ له أن النص جاء على خلفية الخبر الذي قرأته عن محامٍ من طائفة السيخ رفض أداء قسم الولاء لملك بريطانيا، وهو الشرط للسماح له بممارسة مهنة المحاماة، وفي السياق اخبرني عن قصة قديمة صودف ان عايشها عن المحامي تشارلز روش، وفيها الكثير من الشبه مع فكرة رفض أداء الولاء للملك، وارسل لي روابط لمقالات عن القصة التي تحولت الى مسألة رأي عام. 

***

في التفاصيل، كان روش محامياً لم يرد أداء قسم.
كان واحداً من أولئك الذين جعلوا حياتهم المهنية امتداداً لقناعاتهم. وُلد في ترينيداد عام 1933، وجاء إلى كندا للدراسة، ثم بقي فيها حتى وفاته. درس الحقوق في جامعة تورونتو، وأصبح محامياً عام 1963.
لكنه لم يحصر القانون داخل قاعات المحاكم.
في ستينيات القرن الماضي، انخرط في النضال ضد العنصرية، وضد الأسلحة النووية وحرب فيتنام، ودافع عن الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية.
وفي سبعينيات القرن الماضي، دافع عن سبع عاملات منزليات من جامايكا كن مهددات بالترحيل. نظم المظاهرات من أجلهن، وحشد الناس للكتابة إلى السياسيين ومسؤولي الهجرة، وتولى الدفاع عنهن أمام السلطات. وكانت عبارته التي قاد بها الاحتجاجات تختصر القضية كلها: «صالحات بما يكفي للعمل، صالحات بما يكفي للبقاء.» وبقيت النساء في كندا.
ثم انخرط روش في النضال ضد عنصرية الشرطة في تورونتو، خصوصاً بعد مقتل ألبرت جونسون عام 1979، وكان أحد مؤسسي لجنة الدفاع عن العمل الأسود.
ناضل ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وشارك في تنظيم مظاهرات تطالب الحكومة الكندية بقطع علاقاتها بذلك النظام.
كان محامياً، لكنه كان أيضاً ناشطاً وموسيقياً وشاعراً ورساماً.
كان يؤمن بأن القانون ليس مهنة محايدة منفصلة عن المجتمع، بل يمكن أن يكون أداة للدفاع عن الذين لا يملكون القوة.
ومع ذلك، عندما أراد أن يصبح مواطناً كندياً، اصطدم بكلمة واحدة: الولاء للملكة.
كان مستعداً أن يتعهد باحترام قوانين كندا وأداء واجباته كمواطن. لكنه لم يستطع أن يقسم الولاء لملك وراثي. لم يكن رفضه موجهاً ضد كندا. كان رفضه موجهاً إلى الفكرة نفسها.
كتب أن أداء الولاء لملك وراثي سيكون منافياً لضميره، لأنه يتعارض مع إيمانه بالمساواة بين البشر ومعارضته للتسلسلات الهرمية العنصرية.
وكان للتاريخ الشخصي معنى خاص في موقفه.
فترينيداد التي ولد فيها كانت مستعمرة بريطانية، وأسلاف الملكة إليزابيث الثانية كانوا جزءاً من النظام الاستعماري الذي ارتبط باستعباد أسلافه.
لذلك لم تكن «الملكة» بالنسبة إليه كلمة مجردة.
كانت وراءها ذاكرة تاريخية. وكان يستطيع، بالطبع، أن يفعل ما يفعله كثيرون: أن يردد القسم، ثم ينصرف.
لكن روش لم يكن معنياً بما إذا كان الآخرون سيعرفون أنه لم يكن يؤمن بما يقول. كان معنياً بأن هو نفسه يعرف.
وهنا تصبح القضية أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
رفض روش أداء القسم، فخسر فرصة الحصول على الجنسية. لكن ذلك لم ينهِ الأمر.
بدأ معركة قضائية طويلة من أجل تغيير صيغة القسم، مطالباً إما بإلغاء الإشارة إلى الملكة أو جعلها اختيارية، واستبدالها بقسم الولاء لكندا.
خسر القضية الأولى.
ثم عاد إليها بعد سنوات.
وفي عام 2007 بدأ محاولة جديدة أمام محكمة أونتاريو العليا.
لكن المرض كان أسرع منه.
في عام 2011 شُخّص بورم دماغي خبيث. خضع للجراحة والعلاج الإشعاعي، وبدأ جسده ينهار تدريجياً.
ومع ذلك لم يتخل عن القضية.
في 29 أيار/مايو 2012، ظهر للمرة الأخيرة أمام المحكمة.
كان ضعيفاً، لكنه كان مبتسماً ومتفائلاً.
وخارج المحكمة تحدث إلى أنصاره، ثم قال:
«سأعيش طويلاً بما يكفي للحصول على جنسيتي في هذا البلد.»
لكن تشارلي لم يعش.
توفي في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2012.
وحاول أصدقاؤه بعد وفاته الحصول له على الجنسية بصورة استثنائية، لكن القانون لم يسمح بمنح الجنسية لشخص متوفى.
أما معركته القضائية ضد القسم، فقد استمرت.
وفي عام 2013 قضت المحكمة بأن القسم لا يعني الولاء للملكة كشخص، بل للملكة بوصفها رمزاً لكندا. ثم أيدت محكمة الاستئناف القرار، وأُغلق الطريق أمام الوصول إلى المحكمة العليا.
وهكذا مات تشارلز روش من دون أن يحصل على الجنسية التي أرادها.
لكن ربما كان قد ترك شيئاً أهم من شهادة الجنسية:
ترك سؤالاً.
هو قال: لا أستطيع أن أنطق هذه الكلمات لأنها تتعارض مع ضميري.
أما أنا فقلت: أستطيع أن أنطق الكلمات، لكنني لن أسمح لها بأن تغيّر ما في داخلي.
هو رفض القسم كي لا يخون نفسه.
وأنا قبلت القسم، لكنني لم أشعر أنني خنت نفسي.
قد يبدو الفرق بيننا كبيراً.
لكنه في الحقيقة يعكس السؤال نفسه:
أين تنتهي سلطة الدولة، وأين يبدأ ضمير الإنسان؟
الدولة تستطيع أن تطلب مني احترام القانون، ودفع الضرائب، وأداء واجباتي، واحترام حقوق الآخرين.
لكن هل تستطيع أن تطلب مني أن أغيّر ما أؤمن به؟
هل تستطيع أن تطلب من إنسان أن يتخلى عن معتقده؟ أو أن يمحو ذاكرته؟ أو أن يتنكر لتاريخه؟
أو أن يتوقف عن التفكير في العالم بالطريقة التي شكلتها حياته؟ هنا يصبح الأمر أكبر من الملكية.
إنه يتعلق بالحد الفاصل بين المواطنة والخضوع.
لقد حصلت على الجنسية الكندية، وأنا ممتن لما منحته كندا لعائلتي من أمان واستقرار وحقوق.
لكنني لم أصبح إنساناً آخر.
لم أتخل عن المكان الذي ولدت فيه، ولا عن لغتي الأولى، ولا عن ذاكرتي، ولا عن تاريخي، ولا عن الأفكار الشيوعية التي صنعت وعيي.
المهاجر لا يترك وطنه القديم عند بوابة المطار.
يحمل معه طفولته، وأهله، وموتاه، وأصدقاءه، ولغته، ورائحة البيت القديم.
وقد يبني بيتاً جديداً، لكن البيت القديم يبقى في مكان ما داخله.
لذلك لم أشعر أن جواز سفري الجديد يطلب مني أن أحرق جواز الذاكرة القديم.
منذ الان وحتى الرحيل سأبقى كمهاجر أفكر في تشارلز روش.
رجل عاش معظم حياته في كندا، ودافع عن المهمشين والمهاجرين، وحارب العنصرية، ووقف ضد الفصل العنصري، واستخدم القانون في خدمة من لا يملكون القوة.
كان يريد أن يكون مواطناً في البلد الذي عاش وخدم فيه.
لكنه لم يقبل أن يدفع ثمن الجنسية من ضميره.
أما أنا، فجاءتني الجنسية وأنا في الخامسة والستين، أمام شاشة صغيرة في زمن الجائحة.
رددنا الكلمات.
تحركت شفتاي مع الآخرين.
لكن شيئاً في داخلي ظل صامتاً.
ولم يكن ذلك الصمت خيانة.
كان وفاءً لنفسي.
ربما كان تشارلز روش أكثر صرامة مني.
وربما كنت أنا أكثر براغماتية منه.
لكننا التقينا عند نقطة واحدة:
الجنسية قد تغير وضع الإنسان القانوني، لكنها لا ينبغي أن تغير ضميره.
قد يغيّر الإنسان بلده.
وقد يغيّر جواز سفره.
وقد يغيّر عنوان بيته.
وقد يتعلم لغة جديدة، ويبدأ حياة جديدة.
لكن هناك شيئاً واحداً لا ينبغي أن يُطلب منه أن يهاجر منه:
ضميره.
ولهذا، حين أقسمتُ، لم أخُن نفسي.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire