د. طنوس شلهوب
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تبدو، في ظاهرها، استثنائية.
لحظة عابرة، جملةٌ تُقال، إجراء رسمي يُنجز، شاشة مضاءة في زمن جائحة كورونا، مجموعة من الناس أمام الكاميرا، وموظف يقرأ كلمات يفترض أن نكررها.
لكن بعض اللحظات العابرة تترك في النفس أثراً لا يعبر. كانت لحظة حصولي على الجنسية الكندية.
لم يكن في الأمر بالنسبة إليّ مجرد انتقال قانوني من مهاجر إلى مواطن. خلف تلك اللحظة كان هناك تاريخ شخصي طويل أحمله معي، تاريخ لم يبدأ يوم وصلت إلى كندا قبل 4 سنوات، ولا يمكن أن ينتهي يوم أصبحت مواطناً فيها.
ثم جاء القسم. طُلب منا أن نردد الولاء للملك. شعرتُ في تلك اللحظة بشيء يشبه الاختناق الداخلي.
أنا، الذي قضيت القسم الأكبر من حياتي منحازاً إلى الفقراء والمقهورين، مؤمناً بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية، رافضاً للاستغلال والاستعمار، كيف يمكنني أن أقف في القرن الحادي والعشرين وأقسم ولائي لملك؟ لم يكن السؤال متعلقاً فقط بشخص الملك البريطاني بقدر ما كان متعلقاً بما يمثله الرمز في وعيي السياسي والتاريخي. كان خلف الكلمة تاريخ إمبراطورية. وخلف الإمبراطورية شعوب استعمرت ونهبت وقُسمت وتعرضت للإبادة، وبلدان عرفت معنى أن تكون إرادة القوى الكبرى أقوى من إرادة شعوبها.
كان كل ذلك حاضراً في رأسي، بينما كانت الشاشة أمامي تطلب مني أن أردد الكلمات.
ولم أجد أمامي مخرجاً. فرددت. كانت شفتاي تتحركان مع الجماعة. لكنني كنت أشعر بأن شيئاً في داخلي يقف بعيداً عن تلك الكلمات. لم أشعر أنني أصبحت ملكياً. ولم أشعر أنني تخلّيت عن ماركسيتي. ولم أشعر أن كل ما عشته، وكل ما آمنت به، وكل ما ناضلت من أجله طوال حياتي، قد انهار في لحظة أمام صيغة قانونية. ابداً.
قلت لنفسي: إنها لحظة عابرة. افعلها من أجل عائلتك.
من أجل مستقبل أولادك. أما قناعاتك، فلا يمكن أن تهزمها جملة ترددها أمام شاشة.
وهكذا رددت القسم. لكن شيئاً من المرارة بقي في داخلي.
المهاجر يحمل دائماً في داخله شعوراً لا يعرف كيف يشرحه: إنه يدخل وطناً جديداً من دون أن يستطيع الخروج تماماً من وطنه القديم، وكيف بشخص يهاجر بعمر الخامسة والستين؟
المهاجر لا يهاجر بجسده وحده. يهاجر بذاكرته، بلغته الأولى، بأسماء موتاه، بصور طفولته، بلهجة أمه، برائحة البيت القديم، بالأصدقاء والرفاق الذين تركهم، وبالأسئلة التي تشكلت في رأسه قبل أن يعرف أن العالم واسع إلى هذا الحد.
وقد يحصل على جنسية جديدة، ويصبح مواطناً كامل الحقوق، ويدفع الضرائب، ويعمل، ويبني، ويشارك في المجتمع، ويحب شوارع مدينته الجديدة؛ لكنه لا يستطيع أن يمحو الإنسان الذي كانه قبل الهجرة.
وهنا تأتي قضية المحامي السيخي برابجوت سينغ ويرينغ لتلمس شيئاً عميقاً في تجربتي. فالرجل محامٍ من طائفة السيخ، وكان عليه، لكي يمارس مهنة المحاماة في مقاطعة ألبرتا الكندية، أن يؤدي قسم الولاء للملك، كما يُطلب من المحامين الجدد. لكنه رفض أداء القسم، لا رفضاً للقانون الكندي ولا للمؤسسات الدستورية، وإنما لأن معتقده الديني، بوصفه من السيخ الذين يلتزمون بعقيدة الخالق الواحد، لا يسمح له بأن يعلن الولاء لشخص أو كيان غير الخالق.
وهكذا وجد نفسه أمام خيار قاسٍ: إما أن ينطق كلمات تتعارض مع ضميره، وإما أن يتخلى عن حقه في ممارسة مهنته. وقد أيدت محكمة استئناف ألبرتا موقفه، معتبرة أن إلزامه بالقسم يضعه أمام تعارض حقيقي بين معتقده الديني وممارسة مهنته. واليوم تنظر المحكمة العليا الكندية في القضية، لتقرر أين تنتهي سلطة الدولة وأين تبدأ حرية الضمير والمعتقد.
حين قرأت عن هذه القضية، لم أستطع أن أراها كقضية محامٍ سيخي فحسب. لقد أعادتني فوراً إلى تلك اللحظة في نهاية العام 2022، التي كنت فيها أمام شاشة الكمبيوتر، أردد قسم الولاء للملك. الفرق أن ويرينغ قال: لا أستطيع أن أردد هذه الكلمات لأنها تتعارض مع عقيدتي. أما أنا فقد رددتها، لكنني كنت أقول في داخلي: أستطيع أن أنطق الكلمات، لكنني لا أستطيع أن أسمح لها بأن تخون ما أؤمن به. وهنا ربما تكمن المسألة الأعمق. فالدولة تستطيع أن تطلب منك وثيقة، وأن تفرض عليك قانوناً، وأن تحدد شروط الحصول على الجنسية أو مزاولة المهنة. لكن هل تستطيع أن تطلب منك أن تعيد تشكيل ضميرك؟
هل تستطيع أن تطلب من المؤمن أن يغير معتقده؟
هل تستطيع أن تطلب من الشيوعي أن يتخلى عن رؤيته للعالم وعن طموحه لتغييره؟
هل تستطيع أن تطلب من المهاجر أن يمحو ذاكرته كي يصبح مواطناً؟
ليس المطلوب أن يحب المواطن كل رموز دولته.
ولا أن يقدس تاريخها.
ولا أن يتفق مع نظامها السياسي.
ولا أن يتخلى عن ذاكرته لكي يثبت انتماءه.
يكفي أن يحترم القانون وحقوق الآخرين، وأن يشارك في المجتمع، وأن يؤدي واجباته كمواطن.
أما الضمير، فيجب أن يبقى آخر مساحة لا تستطيع الدولة اقتحامها.
ولهذا فإن قضية المحامي السيخي ليست قضية السيخ وحدهم.
قد يكون اليوم سيخياً يرفض قسم الولاء للملك بسبب عقيدته. وغداً قد يكون مسلماً يجد نفسه أمام ممارسة أو رمز يتعارض مع معتقده. وقد يكون مؤمناً، أو ملحداً، أو شخصاً يحمل قناعة سياسية أو أخلاقية عميقة تجعله عاجزاً عن ترديد كلمات معينة.
المسألة في جوهرها واحدة: هل تريد الدولة مواطنين يؤدون الطقوس، أم مواطنين أحراراً يمتلكون ضمائرهم؟
لقد حصلت على الجنسية الكندية. وأنا ممتن لما منحته كندا لعائلتي من أمان واستقرار وحقوق.
لكنني لم أصبح إنساناً آخر.
لم أتخل عن المكان الذي ولدت فيه، ولا عن اللغة التي تشكل بها وعيي، ولا عن تاريخي، ولا عن الأفكار التي آمنت بها.
ولم أعتبر أن جواز السفر الجديد يطلب مني أن أحرق جواز الذاكرة القديم.
ربما هذه هي المعضلة الأكثر عمقاً في تجربة المهاجر:
أن يصبح لك وطن جديد، من دون أن تفقد وطنك الأول.
أن تنتمي إلى المكان الذي تعيش فيه، من دون أن تنكر المكان الذي صنعك.
أن تتعلم كيف تكون مواطناً هنا، من دون أن تتوقف عن أن تكون نفسك.
في ذلك اليوم، أمام شاشة صغيرة فرضتها علينا جائحة كبيرة، كانت شفتاي ترددان الكلمات التي طلبوا مني تردادها.
لكن قلبي ظل صامتاً.
وصمته لم يكن خيانة.
كان وفاءً لنفسي.
فالإنسان قد يغيّر بلداً.
وقد يغيّر جواز سفر.
وقد يغيّر عنوان بيته.
وقد يتعلم لغة جديدة، ويعتاد طقساً جديداً، ويصنع لنفسه حياة جديدة.
لكن هناك شيئاً واحداً لا ينبغي أن يُطلب منه أن يهاجر منه: ضميره.
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تبدو، في ظاهرها، استثنائية.
لحظة عابرة، جملةٌ تُقال، إجراء رسمي يُنجز، شاشة مضاءة في زمن جائحة كورونا، مجموعة من الناس أمام الكاميرا، وموظف يقرأ كلمات يفترض أن نكررها.
لكن بعض اللحظات العابرة تترك في النفس أثراً لا يعبر. كانت لحظة حصولي على الجنسية الكندية.
لم يكن في الأمر بالنسبة إليّ مجرد انتقال قانوني من مهاجر إلى مواطن. خلف تلك اللحظة كان هناك تاريخ شخصي طويل أحمله معي، تاريخ لم يبدأ يوم وصلت إلى كندا قبل 4 سنوات، ولا يمكن أن ينتهي يوم أصبحت مواطناً فيها.
ثم جاء القسم. طُلب منا أن نردد الولاء للملك. شعرتُ في تلك اللحظة بشيء يشبه الاختناق الداخلي.
أنا، الذي قضيت القسم الأكبر من حياتي منحازاً إلى الفقراء والمقهورين، مؤمناً بالعدالة الاجتماعية والاشتراكية، رافضاً للاستغلال والاستعمار، كيف يمكنني أن أقف في القرن الحادي والعشرين وأقسم ولائي لملك؟ لم يكن السؤال متعلقاً فقط بشخص الملك البريطاني بقدر ما كان متعلقاً بما يمثله الرمز في وعيي السياسي والتاريخي. كان خلف الكلمة تاريخ إمبراطورية. وخلف الإمبراطورية شعوب استعمرت ونهبت وقُسمت وتعرضت للإبادة، وبلدان عرفت معنى أن تكون إرادة القوى الكبرى أقوى من إرادة شعوبها.
كان كل ذلك حاضراً في رأسي، بينما كانت الشاشة أمامي تطلب مني أن أردد الكلمات.
ولم أجد أمامي مخرجاً. فرددت. كانت شفتاي تتحركان مع الجماعة. لكنني كنت أشعر بأن شيئاً في داخلي يقف بعيداً عن تلك الكلمات. لم أشعر أنني أصبحت ملكياً. ولم أشعر أنني تخلّيت عن ماركسيتي. ولم أشعر أن كل ما عشته، وكل ما آمنت به، وكل ما ناضلت من أجله طوال حياتي، قد انهار في لحظة أمام صيغة قانونية. ابداً.
قلت لنفسي: إنها لحظة عابرة. افعلها من أجل عائلتك.
من أجل مستقبل أولادك. أما قناعاتك، فلا يمكن أن تهزمها جملة ترددها أمام شاشة.
وهكذا رددت القسم. لكن شيئاً من المرارة بقي في داخلي.
المهاجر يحمل دائماً في داخله شعوراً لا يعرف كيف يشرحه: إنه يدخل وطناً جديداً من دون أن يستطيع الخروج تماماً من وطنه القديم، وكيف بشخص يهاجر بعمر الخامسة والستين؟
المهاجر لا يهاجر بجسده وحده. يهاجر بذاكرته، بلغته الأولى، بأسماء موتاه، بصور طفولته، بلهجة أمه، برائحة البيت القديم، بالأصدقاء والرفاق الذين تركهم، وبالأسئلة التي تشكلت في رأسه قبل أن يعرف أن العالم واسع إلى هذا الحد.
وقد يحصل على جنسية جديدة، ويصبح مواطناً كامل الحقوق، ويدفع الضرائب، ويعمل، ويبني، ويشارك في المجتمع، ويحب شوارع مدينته الجديدة؛ لكنه لا يستطيع أن يمحو الإنسان الذي كانه قبل الهجرة.
وهنا تأتي قضية المحامي السيخي برابجوت سينغ ويرينغ لتلمس شيئاً عميقاً في تجربتي. فالرجل محامٍ من طائفة السيخ، وكان عليه، لكي يمارس مهنة المحاماة في مقاطعة ألبرتا الكندية، أن يؤدي قسم الولاء للملك، كما يُطلب من المحامين الجدد. لكنه رفض أداء القسم، لا رفضاً للقانون الكندي ولا للمؤسسات الدستورية، وإنما لأن معتقده الديني، بوصفه من السيخ الذين يلتزمون بعقيدة الخالق الواحد، لا يسمح له بأن يعلن الولاء لشخص أو كيان غير الخالق.
وهكذا وجد نفسه أمام خيار قاسٍ: إما أن ينطق كلمات تتعارض مع ضميره، وإما أن يتخلى عن حقه في ممارسة مهنته. وقد أيدت محكمة استئناف ألبرتا موقفه، معتبرة أن إلزامه بالقسم يضعه أمام تعارض حقيقي بين معتقده الديني وممارسة مهنته. واليوم تنظر المحكمة العليا الكندية في القضية، لتقرر أين تنتهي سلطة الدولة وأين تبدأ حرية الضمير والمعتقد.
حين قرأت عن هذه القضية، لم أستطع أن أراها كقضية محامٍ سيخي فحسب. لقد أعادتني فوراً إلى تلك اللحظة في نهاية العام 2022، التي كنت فيها أمام شاشة الكمبيوتر، أردد قسم الولاء للملك. الفرق أن ويرينغ قال: لا أستطيع أن أردد هذه الكلمات لأنها تتعارض مع عقيدتي. أما أنا فقد رددتها، لكنني كنت أقول في داخلي: أستطيع أن أنطق الكلمات، لكنني لا أستطيع أن أسمح لها بأن تخون ما أؤمن به. وهنا ربما تكمن المسألة الأعمق. فالدولة تستطيع أن تطلب منك وثيقة، وأن تفرض عليك قانوناً، وأن تحدد شروط الحصول على الجنسية أو مزاولة المهنة. لكن هل تستطيع أن تطلب منك أن تعيد تشكيل ضميرك؟
هل تستطيع أن تطلب من المؤمن أن يغير معتقده؟
هل تستطيع أن تطلب من الشيوعي أن يتخلى عن رؤيته للعالم وعن طموحه لتغييره؟
هل تستطيع أن تطلب من المهاجر أن يمحو ذاكرته كي يصبح مواطناً؟
ليس المطلوب أن يحب المواطن كل رموز دولته.
ولا أن يقدس تاريخها.
ولا أن يتفق مع نظامها السياسي.
ولا أن يتخلى عن ذاكرته لكي يثبت انتماءه.
يكفي أن يحترم القانون وحقوق الآخرين، وأن يشارك في المجتمع، وأن يؤدي واجباته كمواطن.
أما الضمير، فيجب أن يبقى آخر مساحة لا تستطيع الدولة اقتحامها.
ولهذا فإن قضية المحامي السيخي ليست قضية السيخ وحدهم.
قد يكون اليوم سيخياً يرفض قسم الولاء للملك بسبب عقيدته. وغداً قد يكون مسلماً يجد نفسه أمام ممارسة أو رمز يتعارض مع معتقده. وقد يكون مؤمناً، أو ملحداً، أو شخصاً يحمل قناعة سياسية أو أخلاقية عميقة تجعله عاجزاً عن ترديد كلمات معينة.
المسألة في جوهرها واحدة: هل تريد الدولة مواطنين يؤدون الطقوس، أم مواطنين أحراراً يمتلكون ضمائرهم؟
لقد حصلت على الجنسية الكندية. وأنا ممتن لما منحته كندا لعائلتي من أمان واستقرار وحقوق.
لكنني لم أصبح إنساناً آخر.
لم أتخل عن المكان الذي ولدت فيه، ولا عن اللغة التي تشكل بها وعيي، ولا عن تاريخي، ولا عن الأفكار التي آمنت بها.
ولم أعتبر أن جواز السفر الجديد يطلب مني أن أحرق جواز الذاكرة القديم.
ربما هذه هي المعضلة الأكثر عمقاً في تجربة المهاجر:
أن يصبح لك وطن جديد، من دون أن تفقد وطنك الأول.
أن تنتمي إلى المكان الذي تعيش فيه، من دون أن تنكر المكان الذي صنعك.
أن تتعلم كيف تكون مواطناً هنا، من دون أن تتوقف عن أن تكون نفسك.
في ذلك اليوم، أمام شاشة صغيرة فرضتها علينا جائحة كبيرة، كانت شفتاي ترددان الكلمات التي طلبوا مني تردادها.
لكن قلبي ظل صامتاً.
وصمته لم يكن خيانة.
كان وفاءً لنفسي.
فالإنسان قد يغيّر بلداً.
وقد يغيّر جواز سفر.
وقد يغيّر عنوان بيته.
وقد يتعلم لغة جديدة، ويعتاد طقساً جديداً، ويصنع لنفسه حياة جديدة.
لكن هناك شيئاً واحداً لا ينبغي أن يُطلب منه أن يهاجر منه: ضميره.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire