بول مخلوف
كشفت حرب غزة ما تخفيه شعارات الحياد والموضوعية في الصحافة الغربية، وأعادت طرح أسئلة قديمة عن علاقة الإعلام بالسلطة وصناعة الرواية. من تشومسكي إلى إدوارد سعيد وآني إرنو، تتقاطع الأسئلة حول من يملك حق الكلام، وكيف تصنع اللغة صورة الضحية، ومتى يتحوّل الحياد إلى موقف
فضحت حرب الإبادة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ما كانت الصحافة الغربية تحاول إخفاءه طويلاً تحت ستار الموضوعية والحياد: انحيازاً عميقاً لإسرائيل وللرواية الصهيونية. انحيازٌ لم يظهر فقط في المواقف الصريحة وإنما (ي) تسلّل إلى بنية الخبر، إلى مفرداته وعناوينه ومصادره وصوره، وإلى ما يقوله وما يسكت عنه.
خلال هذه الحرب، بدا واضحاً أنّ المسألة تتجاوز أخطاء صحافية عابرة أو اختلافاً في تقدير الأولويات. نحن أمام نظام كامل لصناعة الرواية، يجعل الإسرائيلي ذاتاً لها اسم وقصة وذاكرة، فيما يدفع الفلسطيني إلى هامش المشهد بوصفه رقماً في حصيلة القتلى أو مشكلة أمنية ينبغي تفسيرها.
لقد أعادت غزة، بهذا المعنى، فتح ملف قديم يتعلق بعلاقة الصحافة بالسلطة، وبكيفية صناعة الحقيقة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى.
ولعل اللافت أنّ الأسئلة التي يطرحها المشهد الراهن ليست جديدة تماماً. قبل عقود، وضع نعوم تشومسكي وآني إرنو، كلّ من موقعه، أسئلة جذرية عن وظيفة الإعلام والكاتب أمام السلطة والعنف، فيما كشف إدوارد سعيد البنية الثقافية التي تسمح للغرب بأن يرى الشرق من خلال صور مسبقة صنعتها قرون من التمثيل الاستعماري. من هذا المنطلق تحديداً، ذكّرتنا قناة «الجزيرة»، في منشور لها على صفحتها العربية على انستغرام بهؤلاء المثقفين في منشور حمل عنوان: «تشومسكي وإدوارد سعيد وإرنو وآخرون... مثقفون ومفكرون يحاكمون التغطية الصحافية الغربية المنحازة». والمناسبة هنا تستحق العودة إلى بعض أفكارهم، لا بوصفها مواقف أرشيفية وإنما باعتبارها مفاتيح تساعدنا على فهم ما تكشفه غزة اليوم عن الإعلام الغربي.
تشومسكي: الخبر الذي يصلنا بعدما مرّ من بوابة السلطة
يشكل نعوم تشومسكي أحد أكثر النقاد راديكاليةً للصحافة الغربية لأنه رفض النظر إلى الإعلام باعتباره مؤسسةً قائمة في فراغ، منفصلة عن الاقتصاد والسياسة وشبكات النفوذ. في كتابه «صناعة الموافقة»، الذي كتبه مع إدوارد هيرمان، وضع نموذجاً كاملاً يشرح كيف تستطيع وسائل الإعلام الكبرى تشكيل وعي الجمهور من دون الحاجة إلى تلفيق الأخبار على نحو مباشر.
تكمن عبقرية تشومسكي النقدية في كشفه ديناميكية الدعاية الحديثة التي لا تحتاج إلى كذبة كاملة، بل يكفيها أن تتحكّم في شروط ظهور الحقيقة. يخبرنا تشومسكي كيف أنّ المؤسسة الإعلامية لا تختار الخبر بل تختار مصادره، وتحدد ما الذي يستحق المتابعة، ومن الذي يمنح صفة الخبير، وأي رواية تدخل المتن وأيها تدفع إلى الهامش.
وحين تتكرر هذه الاختيارات بالاتجاه نفسه، تتشكل لدى القارئ صورة للعالم تبدو طبيعية، مع أنها نتاج سلسلة طويلة من القرارات المؤسسية. في حالة فلسطين، يصبح هذا النموذج شديد الوضوح.
لا ينبغي التعامل مع تصريحات «الجيش» الإسرائيلي بوصفها رواية تحتاج إلى اختبار حيادي، فالتجربة الطويلة أثبتت أنها جزء من آلة الدعاية والتضليل الإسرائيلية. السؤال الحقيقي هنا: لماذا تمنحها الصحافة الغربية هذه المساحة الواسعة رغم سجلها الحافل بالكذب؟
ولماذا تُقدَّم ادعاءاتها باعتبارها معلومات أولية، بينما تُحاصر الرواية الفلسطينية بالشكوك والتحفظات حتى حين تتحدث عن مجازر موثقة وضحايا مدنيين؟ ومن الذي يقرر أن رواية الجاني تستحقّ أن تكون نقطة البداية، فيما يطلب من الضحية أن يثبت براءته قبل أن يُسمح له بالكلام؟ لماذا تتحول بيانات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في كثير من الأحيان إلى «معلومات»، بينما تحتاج الرواية الفلسطينية إلى وضع مسافة لغوية وشروط تحفظية حتى عندما تتحدث عن الضحايا؟
هي ليست مسألة كلمات فحسب. إنها مسألة هندسة للرؤية، إعادة صياغة العالم من جديد، وفي عالمنا المعاصر، «عالم ما بعد الحقيقة» هذا يقال عنه: اختراع الحقيقة. قد تنقل الصحيفة آلاف الأخبار عن غزة، لكنها تظل عاجزة عن رؤية غزة سياسياً وتاريخياً إذا اختصرت المسألة في يوم واحد من الحرب.
الاحتلال، والحصار، والاستيطان، والاقتلاع، والعنف البنيوي الذي يسبق القصف، هذا كلّه يصبح خلفيةً بعيدة فيما يقدَّم 7 أكتوبر باعتباره لحظة الصفر. على هذا النحو، تعمل آلية الإعلام كما وصفها تشومسكي: لا ضرورة لمنع حقيقة ما؛ يكفي أن تُحاصر داخل إطار يجعل دلالتها محدودة. إن أقوى أشكال الدعاية، في هذا التصور، هي تلك التي لا تبدو بأنها دعاية. وحيث يكتب الصحافي، ويختار المحرر، ويتحدث المصدر، ويستهلك القارئ الأخبار، تستقرّ السردية الأكثر انسجاماً في النهاية، مع ميزان القوة في وعي الجمهور باعتبارها «الواقع نفسه».
سعيد: حين ترى الصحافة فلسطين بعين استعمارية
إذا كان تشومسكي قد فكك المؤسسة التي تنتج الخبر، فإن إدوارد سعيد فكك العين التي تنظر إلى العالم قبل أن تبدأ بكتابة الخبر. كانت أطروحة سعيد المركزية في «الاستشراق» أن الغرب لم يكتفِ بدراسة الشرق، بل صنع صورة عنه. الشرق، في المخيال الغربي، ليس جغرافيا فحسب، وإنما شخصية عاطفية، مضطربة، غير عقلانية، ميالة إلى العنف، تحتاج باستمرار إلى من يفسرها ويضبطها. ومع الزمن، انتقلت هذه الصورة من الأدب والدراسات الاستشراقية إلى السياسة والإعلام. والحال، تبدو أفكار سعيد راهنة على نحو مخيف في تغطية فلسطين.
ثمة فرق شاسع في الطريقة التي يظهر بها الإسرائيلي والفلسطيني في كثير من وسائل الإعلام الغربية. الأول يصل إلى الشاشة فرداً كاملاً، الصهيوني له اسم، وعائلة، ومهنة، وشكل، وملامح وجه، وطفولة، ومخاوف، وصورة شخصية بينما الفلسطيني يبدو مجرداً من ذاتيته، محاطاً بمفردات الأمن والإرهاب، أو يختزل في رقم جديد من أرقام الضحايا. حين يظهر طفل فلسطيني ميتاً تحت الأنقاض، لا تحصل صورته دائماً على السياق الإنساني نفسه الذي يحظى به الطفل الإسرائيلي، كأن موت الفلسطيني يحتاج إلى تفسير سياسي قبل أن يسمح له بأن يكون مأساة إنسانية خالصة. هكذا، يصبح مفهوم سعيد عن التمثيل حاسماً.
فالاستشراق لا يشتغل فقط حين تقول الصحافة إن العربي متوحش أو غير عقلاني. إنه يعمل أيضاً حين يصبح الفلسطيني مفهوماً مسبقاً باعتباره «طرفاً معتدياً»، فيما يظهر الإسرائيلي باعتباره «الفرد الطبيعي» الذي تعرّض للخطر. في الحالة الأولى، يطلب منك أن تعرف ما الذي فعله الفلسطيني قبل أن تتعاطف معه؛ في الثانية يكفي أن تعرف أنه «إنسان» فقد منزله أو عائلته.
وهذا هو تحديداً المعنى في التمثيل الذي طرحه سعيد وهو البعد الأخطر فيه؛ فالتمثيل يحدد، من البداية، من الذي يستحق التعاطف ومن الذي يحتاج إلى تبرير نفسه. هكذا، يبدو سعيد معنيّاً دائماً بالسؤال عمن يتكلم ومن يملك حق إنتاج صورة الآخر. في الحالة الفلسطينية، اكتسب هذا السؤال بعداً مؤلماً: الفلسطيني لا يعاني فقط من العنف الذي يقع عليه، وإنما من معركة أخرى تجري على صورته، وعلى حقه في أن يكون صاحب رواية لا موضوعاً لروايات الآخرين.
إرنو: الكاتب أمام الجريمة
تضيف آني إرنو الأديبة الفرنسية الحائزة جائزة «نوبل» للآداب إلى هذه السلسلة بعداً أخلاقياً لا يمكن تجاهله. مشروعها الأدبي، في جزء كبير منه، قائم على تحويل التجربة الشخصية إلى مرآة تكشف الطبقة والسلطة والتفاوت والعنف الاجتماعي. الكتابة عندها ليست عزاءً جمالياً، إنها طريقة للنظر إلى العالم من موقع من يرفض أن تختبئ علاقات القوة وراء اللغة المحايدة. على هذا النحو، يمكن فهم مواقفها من فلسطين ومن الحرب على غزة. لقد وقّعت إرنو بيانات ومواقف تنتقد إسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين، كما شاركت في دعوات تنتقد الرقابة التي تمارسها المؤسسات الثقافية والإعلامية الغربية على الأصوات المتضامنة مع فلسطين. وفي 2025 وقعت، إلى جانب مثقفين فرنسيين آخرين، مقالاً دعا فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى مواجهة ما وصفه الموقّعون بسياسة التدمير الإسرائيلية، وتوقف عند قتل الصهاينة للصحافيين الفلسطينيين ومنع الصحافة الأجنبية من الوصول إلى غزة.
تكتسب هذه المواقف معناها من تصوّر إرنو للكاتب باعتباره شخصاً لا يستطيع الاحتماء إلى ما لا نهاية بحجة الحياد. حين يكون هناك قتلى تحت الأنقاض، وحين يُقتل الصحافيون الذين ينقلون ما يجري، وتصبح إمكانية الوصول إلى مكان الجريمة نفسها خاضعة للقوة العسكرية، فإن سؤال الكاتب يتغير. عوضاً أن يكون السؤال: كيف أبقى محايداً؟ يتحوّل عند إرنو ويغدو: ما الذي يعنيه أن أمتنع عن الكلام حين تكون القدرة على الكلام نفسها موزعة بصورة غير عادلة؟
عند إرنو، الكتابة هي مسؤولية عن تسمية ما يحدث، والتسمية فعل سياسي دائماً. القول «إنّ هذا احتلال» أي الدلالة عليه والإدلاء بهذا الكلام يختلف عن القول إنّ هذا «نزاع». والقول إنّ هؤلاء ضحايا يختلف عن تحويلهم إلى «خسائر جانبية». والقول إنّ الصحافي قُتل أثناء أداء عمله يختلف عن دفنه في عبارة عابرة داخل تقرير طويل. تعلّمنا رؤية إرنو أنّ الموت والصمت يصبحان، في لحظات معينة، موقفاً لا فراغاً ولا حياداً ولا حتى نزاهة (طهارة) أخلاقية (بل العكس). تحثنا إرنو على الانتباه بأن المؤسسات الغربية حين تمتلك قدرة هائلة على تشكيل الرأي العام، تصبح مسؤولية الكاتب مضاعفة؛ عليه أن يسأل عما تفعله اللغة بالعالم، لا أن يكتفي بما تفعله الجملة.
ثلاثة طرق إلى السؤال نفسه
من الصعب جمع تشومسكي وسعيد وإرنو في موقف واحد؛ فكل واحد جاء إلى فلسطين من طريق مختلف. لكنّ تقاطعهم يفتح أمامنا صورة أكثر اكتمالاً. تشومسكي يجعلنا ننظر إلى المؤسسة: من يملك وسائل الإعلام؟ كيف تُختار المصادر؟ كيف تصنع الأجندة؟ وأين تختبئ السلطة داخل ما نسميه «خبراً»؟ وسعيد يأخذنا إلى اللغة والتمثيل: بأي قاموس يظهر الفلسطيني؟ ما الصور القديمة التي تسبقه إلى الشاشة؟ ولماذا يبدو طرف أكثر إنسانية من طرف آخر؟ أما إرنو، فتدفع السؤال نحو المسؤولية الأخلاقية: ماذا يفعل الكاتب حين لا تكون المساواة بين الطرفين قائمة أصلاً؟ وهل يمكن للحياد أن يكون أخلاقياً حين تكون القوة والضعف موزعين بهذا الاختلال؟
بهذه الطبقات الثلاث، يمكن قراءة فضيحة التغطية الغربية لحرب غزة. القضية لا تختصر في صحافي متحيز أو محرر سيئ النية، وإنما تتصل بنظام أوسع لصناعة الرواية. نظام يقرر ما الذي يبدأ منه التاريخ، ومن الذي يملك حق الكلام، ومن الذي يُرى، ومن الذي يصبح موته خبراً عابراً. لعل الدرس الأكثر إيلاماً الذي تتركه غزة هو أن الصحافة شاركت، من حيث تدري أو لا تدري، في إعادة ترتيب الواقع نفسه داخل وعي القارئ.
تستعيد أفكار تشومسكي وسعيد وإرنو قوتها لأنها تذكّرنا بأن المعركة على فلسطين لا تخاض فوق الأرض وحدها. ثمة معركة أخرى تجري داخل اللغة؛ على حق الفلسطيني في أن يُرى، وأن يُسمّى، وأن يُسمع، وأن يدخل التاريخ لا بوصفه مشكلة تحتاج إلى تفسير، وإنما بوصفه إنساناً له أرض وذاكرة وحق في الحياة. وفي هذه المعركة، تصبح (أصبحت) الصحافة طرفاً.
كشفت حرب غزة ما تخفيه شعارات الحياد والموضوعية في الصحافة الغربية، وأعادت طرح أسئلة قديمة عن علاقة الإعلام بالسلطة وصناعة الرواية. من تشومسكي إلى إدوارد سعيد وآني إرنو، تتقاطع الأسئلة حول من يملك حق الكلام، وكيف تصنع اللغة صورة الضحية، ومتى يتحوّل الحياد إلى موقف
فضحت حرب الإبادة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 ما كانت الصحافة الغربية تحاول إخفاءه طويلاً تحت ستار الموضوعية والحياد: انحيازاً عميقاً لإسرائيل وللرواية الصهيونية. انحيازٌ لم يظهر فقط في المواقف الصريحة وإنما (ي) تسلّل إلى بنية الخبر، إلى مفرداته وعناوينه ومصادره وصوره، وإلى ما يقوله وما يسكت عنه.
خلال هذه الحرب، بدا واضحاً أنّ المسألة تتجاوز أخطاء صحافية عابرة أو اختلافاً في تقدير الأولويات. نحن أمام نظام كامل لصناعة الرواية، يجعل الإسرائيلي ذاتاً لها اسم وقصة وذاكرة، فيما يدفع الفلسطيني إلى هامش المشهد بوصفه رقماً في حصيلة القتلى أو مشكلة أمنية ينبغي تفسيرها.
لقد أعادت غزة، بهذا المعنى، فتح ملف قديم يتعلق بعلاقة الصحافة بالسلطة، وبكيفية صناعة الحقيقة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى.
ولعل اللافت أنّ الأسئلة التي يطرحها المشهد الراهن ليست جديدة تماماً. قبل عقود، وضع نعوم تشومسكي وآني إرنو، كلّ من موقعه، أسئلة جذرية عن وظيفة الإعلام والكاتب أمام السلطة والعنف، فيما كشف إدوارد سعيد البنية الثقافية التي تسمح للغرب بأن يرى الشرق من خلال صور مسبقة صنعتها قرون من التمثيل الاستعماري. من هذا المنطلق تحديداً، ذكّرتنا قناة «الجزيرة»، في منشور لها على صفحتها العربية على انستغرام بهؤلاء المثقفين في منشور حمل عنوان: «تشومسكي وإدوارد سعيد وإرنو وآخرون... مثقفون ومفكرون يحاكمون التغطية الصحافية الغربية المنحازة». والمناسبة هنا تستحق العودة إلى بعض أفكارهم، لا بوصفها مواقف أرشيفية وإنما باعتبارها مفاتيح تساعدنا على فهم ما تكشفه غزة اليوم عن الإعلام الغربي.
تشومسكي: الخبر الذي يصلنا بعدما مرّ من بوابة السلطة
يشكل نعوم تشومسكي أحد أكثر النقاد راديكاليةً للصحافة الغربية لأنه رفض النظر إلى الإعلام باعتباره مؤسسةً قائمة في فراغ، منفصلة عن الاقتصاد والسياسة وشبكات النفوذ. في كتابه «صناعة الموافقة»، الذي كتبه مع إدوارد هيرمان، وضع نموذجاً كاملاً يشرح كيف تستطيع وسائل الإعلام الكبرى تشكيل وعي الجمهور من دون الحاجة إلى تلفيق الأخبار على نحو مباشر.
تكمن عبقرية تشومسكي النقدية في كشفه ديناميكية الدعاية الحديثة التي لا تحتاج إلى كذبة كاملة، بل يكفيها أن تتحكّم في شروط ظهور الحقيقة. يخبرنا تشومسكي كيف أنّ المؤسسة الإعلامية لا تختار الخبر بل تختار مصادره، وتحدد ما الذي يستحق المتابعة، ومن الذي يمنح صفة الخبير، وأي رواية تدخل المتن وأيها تدفع إلى الهامش.
وحين تتكرر هذه الاختيارات بالاتجاه نفسه، تتشكل لدى القارئ صورة للعالم تبدو طبيعية، مع أنها نتاج سلسلة طويلة من القرارات المؤسسية. في حالة فلسطين، يصبح هذا النموذج شديد الوضوح.
لا ينبغي التعامل مع تصريحات «الجيش» الإسرائيلي بوصفها رواية تحتاج إلى اختبار حيادي، فالتجربة الطويلة أثبتت أنها جزء من آلة الدعاية والتضليل الإسرائيلية. السؤال الحقيقي هنا: لماذا تمنحها الصحافة الغربية هذه المساحة الواسعة رغم سجلها الحافل بالكذب؟
ولماذا تُقدَّم ادعاءاتها باعتبارها معلومات أولية، بينما تُحاصر الرواية الفلسطينية بالشكوك والتحفظات حتى حين تتحدث عن مجازر موثقة وضحايا مدنيين؟ ومن الذي يقرر أن رواية الجاني تستحقّ أن تكون نقطة البداية، فيما يطلب من الضحية أن يثبت براءته قبل أن يُسمح له بالكلام؟ لماذا تتحول بيانات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في كثير من الأحيان إلى «معلومات»، بينما تحتاج الرواية الفلسطينية إلى وضع مسافة لغوية وشروط تحفظية حتى عندما تتحدث عن الضحايا؟
هي ليست مسألة كلمات فحسب. إنها مسألة هندسة للرؤية، إعادة صياغة العالم من جديد، وفي عالمنا المعاصر، «عالم ما بعد الحقيقة» هذا يقال عنه: اختراع الحقيقة. قد تنقل الصحيفة آلاف الأخبار عن غزة، لكنها تظل عاجزة عن رؤية غزة سياسياً وتاريخياً إذا اختصرت المسألة في يوم واحد من الحرب.
الاحتلال، والحصار، والاستيطان، والاقتلاع، والعنف البنيوي الذي يسبق القصف، هذا كلّه يصبح خلفيةً بعيدة فيما يقدَّم 7 أكتوبر باعتباره لحظة الصفر. على هذا النحو، تعمل آلية الإعلام كما وصفها تشومسكي: لا ضرورة لمنع حقيقة ما؛ يكفي أن تُحاصر داخل إطار يجعل دلالتها محدودة. إن أقوى أشكال الدعاية، في هذا التصور، هي تلك التي لا تبدو بأنها دعاية. وحيث يكتب الصحافي، ويختار المحرر، ويتحدث المصدر، ويستهلك القارئ الأخبار، تستقرّ السردية الأكثر انسجاماً في النهاية، مع ميزان القوة في وعي الجمهور باعتبارها «الواقع نفسه».
سعيد: حين ترى الصحافة فلسطين بعين استعمارية
إذا كان تشومسكي قد فكك المؤسسة التي تنتج الخبر، فإن إدوارد سعيد فكك العين التي تنظر إلى العالم قبل أن تبدأ بكتابة الخبر. كانت أطروحة سعيد المركزية في «الاستشراق» أن الغرب لم يكتفِ بدراسة الشرق، بل صنع صورة عنه. الشرق، في المخيال الغربي، ليس جغرافيا فحسب، وإنما شخصية عاطفية، مضطربة، غير عقلانية، ميالة إلى العنف، تحتاج باستمرار إلى من يفسرها ويضبطها. ومع الزمن، انتقلت هذه الصورة من الأدب والدراسات الاستشراقية إلى السياسة والإعلام. والحال، تبدو أفكار سعيد راهنة على نحو مخيف في تغطية فلسطين.
ثمة فرق شاسع في الطريقة التي يظهر بها الإسرائيلي والفلسطيني في كثير من وسائل الإعلام الغربية. الأول يصل إلى الشاشة فرداً كاملاً، الصهيوني له اسم، وعائلة، ومهنة، وشكل، وملامح وجه، وطفولة، ومخاوف، وصورة شخصية بينما الفلسطيني يبدو مجرداً من ذاتيته، محاطاً بمفردات الأمن والإرهاب، أو يختزل في رقم جديد من أرقام الضحايا. حين يظهر طفل فلسطيني ميتاً تحت الأنقاض، لا تحصل صورته دائماً على السياق الإنساني نفسه الذي يحظى به الطفل الإسرائيلي، كأن موت الفلسطيني يحتاج إلى تفسير سياسي قبل أن يسمح له بأن يكون مأساة إنسانية خالصة. هكذا، يصبح مفهوم سعيد عن التمثيل حاسماً.
فالاستشراق لا يشتغل فقط حين تقول الصحافة إن العربي متوحش أو غير عقلاني. إنه يعمل أيضاً حين يصبح الفلسطيني مفهوماً مسبقاً باعتباره «طرفاً معتدياً»، فيما يظهر الإسرائيلي باعتباره «الفرد الطبيعي» الذي تعرّض للخطر. في الحالة الأولى، يطلب منك أن تعرف ما الذي فعله الفلسطيني قبل أن تتعاطف معه؛ في الثانية يكفي أن تعرف أنه «إنسان» فقد منزله أو عائلته.
وهذا هو تحديداً المعنى في التمثيل الذي طرحه سعيد وهو البعد الأخطر فيه؛ فالتمثيل يحدد، من البداية، من الذي يستحق التعاطف ومن الذي يحتاج إلى تبرير نفسه. هكذا، يبدو سعيد معنيّاً دائماً بالسؤال عمن يتكلم ومن يملك حق إنتاج صورة الآخر. في الحالة الفلسطينية، اكتسب هذا السؤال بعداً مؤلماً: الفلسطيني لا يعاني فقط من العنف الذي يقع عليه، وإنما من معركة أخرى تجري على صورته، وعلى حقه في أن يكون صاحب رواية لا موضوعاً لروايات الآخرين.
إرنو: الكاتب أمام الجريمة
تضيف آني إرنو الأديبة الفرنسية الحائزة جائزة «نوبل» للآداب إلى هذه السلسلة بعداً أخلاقياً لا يمكن تجاهله. مشروعها الأدبي، في جزء كبير منه، قائم على تحويل التجربة الشخصية إلى مرآة تكشف الطبقة والسلطة والتفاوت والعنف الاجتماعي. الكتابة عندها ليست عزاءً جمالياً، إنها طريقة للنظر إلى العالم من موقع من يرفض أن تختبئ علاقات القوة وراء اللغة المحايدة. على هذا النحو، يمكن فهم مواقفها من فلسطين ومن الحرب على غزة. لقد وقّعت إرنو بيانات ومواقف تنتقد إسرائيل وسياساتها تجاه الفلسطينيين، كما شاركت في دعوات تنتقد الرقابة التي تمارسها المؤسسات الثقافية والإعلامية الغربية على الأصوات المتضامنة مع فلسطين. وفي 2025 وقعت، إلى جانب مثقفين فرنسيين آخرين، مقالاً دعا فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى مواجهة ما وصفه الموقّعون بسياسة التدمير الإسرائيلية، وتوقف عند قتل الصهاينة للصحافيين الفلسطينيين ومنع الصحافة الأجنبية من الوصول إلى غزة.
تكتسب هذه المواقف معناها من تصوّر إرنو للكاتب باعتباره شخصاً لا يستطيع الاحتماء إلى ما لا نهاية بحجة الحياد. حين يكون هناك قتلى تحت الأنقاض، وحين يُقتل الصحافيون الذين ينقلون ما يجري، وتصبح إمكانية الوصول إلى مكان الجريمة نفسها خاضعة للقوة العسكرية، فإن سؤال الكاتب يتغير. عوضاً أن يكون السؤال: كيف أبقى محايداً؟ يتحوّل عند إرنو ويغدو: ما الذي يعنيه أن أمتنع عن الكلام حين تكون القدرة على الكلام نفسها موزعة بصورة غير عادلة؟
عند إرنو، الكتابة هي مسؤولية عن تسمية ما يحدث، والتسمية فعل سياسي دائماً. القول «إنّ هذا احتلال» أي الدلالة عليه والإدلاء بهذا الكلام يختلف عن القول إنّ هذا «نزاع». والقول إنّ هؤلاء ضحايا يختلف عن تحويلهم إلى «خسائر جانبية». والقول إنّ الصحافي قُتل أثناء أداء عمله يختلف عن دفنه في عبارة عابرة داخل تقرير طويل. تعلّمنا رؤية إرنو أنّ الموت والصمت يصبحان، في لحظات معينة، موقفاً لا فراغاً ولا حياداً ولا حتى نزاهة (طهارة) أخلاقية (بل العكس). تحثنا إرنو على الانتباه بأن المؤسسات الغربية حين تمتلك قدرة هائلة على تشكيل الرأي العام، تصبح مسؤولية الكاتب مضاعفة؛ عليه أن يسأل عما تفعله اللغة بالعالم، لا أن يكتفي بما تفعله الجملة.
ثلاثة طرق إلى السؤال نفسه
من الصعب جمع تشومسكي وسعيد وإرنو في موقف واحد؛ فكل واحد جاء إلى فلسطين من طريق مختلف. لكنّ تقاطعهم يفتح أمامنا صورة أكثر اكتمالاً. تشومسكي يجعلنا ننظر إلى المؤسسة: من يملك وسائل الإعلام؟ كيف تُختار المصادر؟ كيف تصنع الأجندة؟ وأين تختبئ السلطة داخل ما نسميه «خبراً»؟ وسعيد يأخذنا إلى اللغة والتمثيل: بأي قاموس يظهر الفلسطيني؟ ما الصور القديمة التي تسبقه إلى الشاشة؟ ولماذا يبدو طرف أكثر إنسانية من طرف آخر؟ أما إرنو، فتدفع السؤال نحو المسؤولية الأخلاقية: ماذا يفعل الكاتب حين لا تكون المساواة بين الطرفين قائمة أصلاً؟ وهل يمكن للحياد أن يكون أخلاقياً حين تكون القوة والضعف موزعين بهذا الاختلال؟
بهذه الطبقات الثلاث، يمكن قراءة فضيحة التغطية الغربية لحرب غزة. القضية لا تختصر في صحافي متحيز أو محرر سيئ النية، وإنما تتصل بنظام أوسع لصناعة الرواية. نظام يقرر ما الذي يبدأ منه التاريخ، ومن الذي يملك حق الكلام، ومن الذي يُرى، ومن الذي يصبح موته خبراً عابراً. لعل الدرس الأكثر إيلاماً الذي تتركه غزة هو أن الصحافة شاركت، من حيث تدري أو لا تدري، في إعادة ترتيب الواقع نفسه داخل وعي القارئ.
تستعيد أفكار تشومسكي وسعيد وإرنو قوتها لأنها تذكّرنا بأن المعركة على فلسطين لا تخاض فوق الأرض وحدها. ثمة معركة أخرى تجري داخل اللغة؛ على حق الفلسطيني في أن يُرى، وأن يُسمّى، وأن يُسمع، وأن يدخل التاريخ لا بوصفه مشكلة تحتاج إلى تفسير، وإنما بوصفه إنساناً له أرض وذاكرة وحق في الحياة. وفي هذه المعركة، تصبح (أصبحت) الصحافة طرفاً.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire