منظمات حقوقية: استشهاد الصحافية آمال خليل على يد إسرائيل جريمة حرب

 

خلصت ثلاثة تحقيقات أجرتها منظمتا «هيومن رايتس ووتش» و«العفو الدولية» و«المفكرة القانونية» إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بلدة الطيري في قضاء النبطية، جنوبي لبنان، في 22 نيسان 2026 تشكل جريمة حرب، إذ طالت مدنيين، من بينهم الصحافية في جريدة «الأخبار» الشهيدة آمال خليل، والتي كانت تحتمي وزميلتها زينب فرج داخل مبنى.
وأفادت «هيومن رايتس ووتش» بأن الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي في ذلك اليوم وأسفرت عن استشهاد خليل وإصابة فرج، تضمنت هجمات متعمدة مفترضة على مدنيين وأعيان مدنية. واستندت المنظمة إلى أدلة مصورة وفيديوهات، وإفادات شهود، وسجلات اتصالات، إضافة إلى معلومات تتعلق بطلبات الوصول الآمن التي نقلها الصليب الأحمر اللبناني إلى الجيش الإسرائيلي عبر «اليونيفيل».
أما منظمة «العفو الدولية»، فخلص تحقيقها إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الغارة الثالثة استهدفت المدنيتين اللتين لجأتا إلى مبنى بعد إصابتهما في الغارة الثانية، ما قد يشكل جريمة حرب.
من جهتها، أكدت «المفكرة القانونية»، في قراءتها للتسلسل الزمني، أن استشهاد خليل لم يكن ضرراً جانبياً ناتجاً عن عمل عسكري منفرد أو عن عمليات عسكرية متسارعة، بل جاء نتيجة سلسلة من ثلاث هجمات متتابعة وقعت خلال نحو ساعتين، في وقت كان الجيش الإسرائيلي يراقب الأحداث الميدانية باستمرار عبر المسيّرات.

ثلاث غارات خلال نحو ساعتين
في ذلك اليوم، نفذ الجيش الإسرائيلي ثلاث غارات في الطيري، التي كان قد صنفها من جانب واحد ضمن منطقة «الدفاع الأمامي» ومنع السكان من العودة إليها.
وكانت الصحافيتان آمال خليل، وزينب فرج، تعملان على تغطية الأحداث في جنوب لبنان وتوثيق تداعيات العدوان الإسرائيلي. وبعد ورود معلومات عن انسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدة، توجهتا إليها للتحقق من ذلك، خلف سيارة كان يستقلها مختار بنت جبيل علي نبيل بزي ومحمد الحوراني.
وعند نحو الساعة 2:25 بعد الظهر، وبعد دخول الطيري مباشرة، استهدفت غارة السيارة التي كان يستقلها بزي والحوراني، ما أدى إلى استشهادهما.
عند الساعة 2:36 بعد الظهر، اتصلت خليل بمسعف الدفاع المدني اللبناني موسى شعلان، وأبلغته بأن الرجلين استُهدفا أمامها، فبدأ الاتصال بالدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني والجيش اللبناني لتنسيق الوصول إلى المنطقة.
وبحسب تحقيق صحيفة «واشنطن بوست» الذي أشارت إليه منظمة «العفو الدولية»، تواصل الصليب الأحمر مع «اليونيفيل» قبل الساعة الثالثة بقليل، وأرسل إليها مساراً مقترحاً للوصول إلى الموقع، فيما نقلت «اليونيفيل» المعلومات، بما فيها موقع الصحافيتين، إلى الجيش الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه تقريباً، تواصل الجيش اللبناني مع لجنة «الميكانيزم» لوقف إطلاق النار.
الساعات الأخيرة للشهيدة آمال خليل بدأت بانتظار طويل لفرق إنقاذ لم تتمكن من الوصول. وفي هذه الأثناء كانت الطائرات المسيّرة تحلق فوق المنطقة، ما دفع الصحافيتان لمغادرة سيارتهما والاحتماء خلف جدار منخفض قرب مبنى مهجور يضم متجراً في طابقه الأرضي، تحت سقف معدني متضرر. ووفق «العفو الدولية»، قالت فرج إن المسيّرات اقتربت منهما إلى مسافة تقل عن متر وحلقت فوقهما باستمرار طوال فترة الهجوم، التي امتدت لنحو ساعتين.

الغارة الثانية: إصابة الصحافيتين
عند نحو الساعة 3:40 بعد الظهر، استهدفت غارة ثانية سيارة الصحافيتين المتوقفة قرب مكان احتمائهما.
وبحسب منظمة «العفو الدولية»، أصيبت الصحافيتان في الانفجار، الذي أدى إلى اندفاع باب السيارة باتجاههما وتطاير الزجاج والحطام. حينها، استخدمت فرج باب السيارة للاحتماء من النيران، فيما أصيبت خليل بجروح في الرأس والأنف والذراع والفخذ، ولم تعد قادرة على تحريك ساقها.
وفي الساعة 3:48، اتصلت خليل مجدداً بالمسعف موسى شعلان وأبلغته بأنها أصيبت في الغارة، وطلبت منه الحضور لإنقاذها. وقالت فرج إنهما تمكنتا، مع اشتداد النيران، من الزحف إلى داخل المبنى والاحتماء في غرفة صغيرة.
وتظهر سجلات الاتصالات التي راجعتها «هيومن رايتس ووتش »أن خليل كانت على اتصال بشعلان قبل ذلك أيضاً. ففي الساعة 3:21 بعد الظهر، اتصلت به وأبلغته بأن وضعهما سيئ وأن «المسيّرة فوقنا»، فيما أبلغها بأنه لم يحصل بعد على الإذن للوصول إليهما. كما أظهر سجل مكالماته اتصالًا آخر عند الساعة 3:48 استمر 38 ثانية، قالت خلاله خليل، بحسب شعلان: «أسقطوا قنبلة بجانبي... أنا مصابة، لا أستطيع القدوم إليك».
ومن الساعة 4:10 حتى 4:49 بعد الظهر، اتصل شعلان بخليل ست مرات من دون أن تجيب، وفق سجل مكالماته الذي راجعته «هيومن رايتس ووتش». وفي الساعة 4:22، أجرت شقيقتها اتصالًا بها استمر 21 ثانية.
وفي الأثناء، واصلت خليل وفرج طلب المساعدة، لكنهما أُبلغتا بأن فرق الإنقاذ لا تستطيع الوصول إليهما قبل الحصول على إذن عبر «الميكانيزم».
وفي هذا السياق، لا تعتبر «المفكرة القانونية» عرقلة الإنقاذ مجرد عامل مرتبط بالهجوم، بل تشير إلى أنها قد تشكل مخالفة مستقلة للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر منع أو عرقلة وصول المساعدات الطبية إلى الجرحى، ويلزم أطراف النزاع بتأمين حرية الحركة اللازمة للعاملين في الإغاثة الإنسانية للقيام بوظائفهم، ولا يجيز تقييد حركتهم إلا في حالات الضرورة العسكرية القهرية.

الغارة الثالثة: انهيار المبنى
عند نحو الساعة 4:25 بعد الظهر، استهدفت غارة ثالثة المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق الذي كانت الصحافيتان تحتميان فيه، ما أدى إلى انهياره ودفنهما تحت الأنقاض.
وقالت فرج لـمنظمة «العفو الدولية» إنها استعادت وعيها وهي تكافح من أجل التنفس. وقال مسعف الدفاع المدني موسى شعلان للمنظمة إنه شاهد من موقع يبعد نحو كيلومترين غارة جوية في ذلك الوقت، ورأى طائرة حربية ترتفع وتطلق النار.
وراجع خبير الأسلحة في منظمة «العفو الدولية» تسجيلات مصورة لموقع الضربة، وخلص إلى أن الأضرار تتوافق مع ما يمكن أن تسببه غارة جوية. كما أظهرت صور أقمار صناعية التقطت في 24 نيسان آثار احتراق جديدة في موقع المبنى، وهي آثار تُرصد عادة في المناطق التي نفذ فيها الجيش الإسرائيلي غارات جوية.
وفي تقييمها للوقائع، قالت «العفو الدولية» إن استمرار تحليق الطائرات المسيّرة على مسافة قريبة من الصحافيتين بعد الغارة الأولى يعني أن الجيش الإسرائيلي كان يعلم، أو يفترض أن يكون قد علم، بأن الشخصين اللذين قال إنه استهدفهما في الغارة الأولى استشهدا، وأن امرأتين مدنيتين غير مسلحتين كانتا تحتميان في الموقع.
ورداً على تحقيق المنظمة، قال الجيش الإسرائيلي إن قواته رصدت مركبتين تخرجان من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله، وإن الأشخاص الموجودين فيه تجاوزوا «خط الدفاع الأمامي» واقتربوا من القوات بطريقة شكلت تهديداً فورياً، مضيفاً أن سلاح الجو استهدف إحدى المركبتين ثم المبنى الذي لجأ إليه الأشخاص.
كما راجعت «هيومن رايتس ووتش» حسابات بزي والحوراني ومنشورات عن استشهادهما وصوراً وفيديوهات لدفنهما، ولم تجد ملصقات «شهيد» صادرة عن حزب الله لأي منهما أو أدلة أخرى تشير إلى أنهما كانا مقاتلين، وفقاً للتقرير.

تأخر الإنقاذ واستشهاد آمال خليل
بعد الغارة الثالثة، مُنح الإذن بدخول المنطقة بعد الساعة الخامسة مساءً بقليل، لكن لفرق الصليب الأحمر اللبناني فقط. وتمكن المسعفون من إخراج زينب فرج، التي كانت مصابة بكسر في الجمجمة وإصابات خطيرة في ساقها اليمنى وعينها، إضافة إلى تهشم في يدها.
لكن المسعفين لم يتمكنوا من الوصول إلى خليل التي بقيت تحت الأنقاض.
وقبيل الساعة السادسة مساءً بقليل، أفاد متطوعو الصليب الأحمر اللبناني الموجودون في المكان بأنهم أُجبروا على الانسحاب بسبب تهديدات بشن هجوم آخر، فأخذوا معهم فرج المصابة وجثتي الشهيدين بزي والحوراني.
وبعد اتصالات جديدة أجرتها السلطات اللبنانية، بينها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، إلى جانب هيئات دولية، مُنح الإذن مجدداً عند الساعة 7:20 مساءً، فعادت فرق الإنقاذ التابعة للصليب الأحمر وسيارة إسعاف وجرافة صغيرة إلى الموقع.
وبدأت عمليات الإنقاذ باستخدام حفارة نحو الساعة التاسعة مساءً، فيما انتُشل جثمان خليل نحو الساعة 11 ليلاً.
وحدّد الطبيب الشرعي في شهادة الوفاة وقت وفاة خليل عند الساعة السابعة مساءً، وعزا الوفاة إلى «توقف القلب نتيجة إصابة في الرأس ونزيف حاد».
وقالت «المفكرة القانونية» إن الجيش الإسرائيلي أعاق حركة فرق الإنقاذ ومنع وصولها إلى موقع الهجوم، من خلال تأخير الموافقة على انتقال فرق الإسعاف مرتين: الأولى بين الساعة الثالثة والثالثة إلا ربعاً تقريباً والساعة 4:45 بعد الظهر، والثانية بين الساعة 6:23 والساعة 8:15 مساءً، إضافة إلى الاشتباه في تهديد فريق الإنقاذ عبر إلقاء ما يرجح أنه قنبلة صوتية، ما دفعه إلى مغادرة موقع الهجوم من دون إنقاذ خليل، فضلاً عن الاشتباه في إطلاق النار على سيارة الإسعاف، ما منع فرق الإنقاذ من الوصول إلى خليل لمدة قاربت ست ساعات.
هل كان الجيش الإسرائيلي يعلم بوجود الصحافيتين؟
ترى «هيومن رايتس ووتش» أن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي كان يعلم، أو ينبغي أن يكون قد علم، بأن خليل وفرج مدنيتان.
واستندت المنظمة في ذلك إلى وجود مسيّرات بدت أنها تراقبهما أثناء وجودهما في الطيري، وإلى طلب التنسيق الذي قدمه الصليب الأحمر اللبناني عبر «اليونيفيل» للوصول إلى الموقع، والذي تضمّن معلومات عن وجود الصحافيتين هناك قبل نحو ساعة ونصف من الغارة القاتلة.
وبحسب المنظمة، كان الجيش الإسرائيلي يعلم أو ينبغي أن يعلم أيضاً أن سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر اللبناني كانت موجودة في موقع الغارة. وأظهرت الصور والفيديوهات التي التقطها المسعفون وجود سيارتين على الأقل تحملان شارات الصليب الأحمر، وهي من شعارات اتفاقيات جنيف، فيما كانت أضواء الطوارئ مضاءة.
كما كان المسعفون يرتدون بزات حمراء فاقعة وخوذاً بيضاء تحمل شارات الصليب الأحمر من جميع الجهات، وكانوا موجودين في الموقع قبل تعرضهم للهجوم بنحو 50 دقيقة.
وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن القوات الإسرائيلية يُفترض أنها منعت المسعفين من إتمام مهمتهم الإنسانية باستخدام قنبلة صوتية أُلقيت من مسيّرة، ما أجبرهم على التراجع في البداية من دون إنقاذ خليل أو تقديم الرعاية التي كان من الممكن أن تنقذ حياتها.
وأشارت المنظمة، استناداً إلى تقرير المستشفى والتسلسل الزمني الذي توصل إليه تحليلها، إلى أن خليل كانت على الأرجح على قيد الحياة عندما أُجبر فريق الصليب الأحمر على الانسحاب.
كما تشير الأدلة التي راجعتها المنظمة إلى احتمال مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن إطلاق النار على سيارة الإسعاف بأسلحة خفيفة.

حماية المدنيين والصحافيين
لم يقتصر تحليل «المفكرة القانونية» على مسألة طبيعة الهجمات وتسلسلها، بل يشير أيضاً إلى مؤشرات على أن الجيش الإسرائيلي كان يعلم بهوية خليل الصحافية.
وبحسب التحقيق، كانت خليل من الصحافيات المعروفات بتغطية الأحداث في جنوب لبنان، وقد نشرت وسائل إعلام لبنانية عدة معلومات عن وجودها في موقع الهجوم، بدءاً من خبر نشرته جريدة «الأخبار» عند الساعة 3:12 بعد الظهر، أي قبل الهجوم على المبنى. وترى «المفكرة القانونية» أن هذه المعطيات تشكل مؤشراً إضافياً على علم الجيش بهويتها الصحافية والمدنية قبل استهداف المبنى.
بدورها، قالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «العفو الدولية»، هبة مرايف، إن التحقيق أظهر «صورة مروعة لهجوم مباشر على مدنيتين كانتا قد لجأتا إلى مكان آمن هربًا من الهجمات الإسرائيلية».
كما شددت مرايف على أن إعلان منطقة ما محظورة على المدنيين لا يعفي إسرائيل من التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يمنحها الحق في التعامل مع تلك المناطق باعتبارها مناطق إطلاق نار مفتوحة يُعتبر فيها كل مدني بقي أو عاد هدفاً عسكرياً.
وفي موازاة اتهاماتها المتعلقة بالهجمات، حذرت «هيومن رايتس ووتش» من أن نص اتفاق الإطار المبرم مؤخراً بين لبنان وإسرائيل يثير مخاوف من أن تتخذ السلطات اللبنانية خطوات تقيّد وصول الضحايا إلى العدالة في ما يتعلق بالجرائم الدولية الخطيرة.
وقالت المنظمة إن على السلطات القضائية اللبنانية، لإظهار التزامها بالمحاسبة، فتح تحقيقات محلية في هذه الانتهاكات، كما دعت مجلس النواب إلى تعزيز الإطار القانوني اللبناني عبر سن قانون يجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما يتوافق مع المعايير الدولية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire