من الصواريخ إلى الأهداف البريطانية، هل تقترب الحرب من نقطة اللاعودة؟

 


د. طنوس شلهوب

قد يبدو تصريح ماريا زاخاروفا الأخير مجرد حلقة جديدة في سلسلة التحذيرات الروسية، لكنه يكتسب أهمية خاصة إذا وضعناه في سياق التصعيد المتسارع بين موسكو ولندن.
قبل أيام قليلة فقط، كان فلاديمير بوتين قد رفع بدوره سقف التحذير، عندما وصف محاولات الدول الأوروبية احتجاز السفن التجارية الروسية بأنها «قرصنة ونهب»، وقال إن روسيا سترد بشكل مماثل، وليس بالضرورة في المياه نفسها التي تقع فيها عمليات الاحتجاز، بل في أي مكان تراه مناسباً، بما في ذلك مناطق بعيدة عن مسرح المواجهة الحالي.
وبعد ذلك بأيام، جاءت زاخاروفا لتعلن أن الرد الروسي على استخدام أوكرانيا أسلحة بريطانية ضد الأراضي الروسية قد يشمل «أي منشآت ومعدات عسكرية بريطانية في أوكرانيا وخارجها».
وإذا وضعنا التصريحين جنباً إلى جنب، تظهر صورة أكثر إثارة للقلق: موسكو لا تتحدث فقط عن الرد داخل مسرح الحرب الأوكرانية، بل تلوّح بإمكانية الرد على الدول الداعمة حيث ترى أن مصالحها أو قدراتها أصبحت جزءاً من الحرب.
فمع تطور الحرب، أخذت المسافة بين «تزويد أوكرانيا بالسلاح» و«المشاركة في الحرب» تضيق. فالصواريخ بعيدة المدى لا تعني مجرد تسليم قطعة سلاح؛ إنها ترتبط بالتدريب والاستخبارات وتحديد الأهداف والتكنولوجيا، فيما تتجه بريطانيا إلى تعزيز قدرة أوكرانيا على إنتاج بعض هذه الأسلحة.
 موسكو تدرك إنها لا تواجه الجيش الأوكراني وحده، بل كل منظومة الناتو، ويبدو ان حدود مشاركة الغرب في الاعمال العسكرية بدأت تلامس نقطة المواجهة المباشرة مع موسكو.  وهنا تكمن خطورة التصعيد.
فاستهداف منشأة بريطانية داخل أوكرانيا سيكون تطوراً خطيراً، لكنه يبقى ضمن مسرح الحرب. أما استهداف منشأة أو أصل عسكري بريطاني خارج أوكرانيا، فسيعني انتقالاً نوعياً نحو مواجهة روسية ـ بريطانية مباشرة، حتى لو كانت محدودة.
أما وصول الضربات إلى الأراضي البريطانية نفسها فسيضع المسألة في مستوى مختلف تماماً، نظراً إلى عضوية بريطانيا في الناتو، ويفتح الباب أمام احتمال توسع الصراع إلى مواجهة روسية ـ أطلسية.
لكن لا يعني ذلك أن مواجهة مباشرة أصبحت وشيكة. فموسكو تدرك مخاطر ضرب الأراضي البريطانية، ولندن تدرك بدورها أن الانتقال من دعم أوكرانيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا يحمل مخاطر هائلة.
الخطر الحقيقي هو التدحرج. قد تبدأ العملية بسلاح بريطاني، ثم ضربة أوكرانية أعمق داخل روسيا، ثم رد روسي على منشأة بريطانية مرتبطة بالحرب، ثم رد بريطاني، فتدخل الأطراف في دائرة من التصعيد يستطيع كل طرف أن يقدم فيها خطوته باعتبارها مجرد «رد» على الخطوة السابقة.
لهذا فإن عبارة زاخاروفا «في أوكرانيا وخارجها» تستحق التوقف عندها.
إنها لا تعني أن موسكو قررت ضرب بريطانيا، لكنها تعني أن الحدود التي كانت تفصل بين الحرب الروسية ـ الأوكرانية والمواجهة الروسية ـ الغربية أصبحت أكثر هشاشة.
والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس فقط: هل ستضرب روسيا بريطانيا؟ بل: إلى أي حد يمكن أن يستمر الغرب في توسيع مشاركته العسكرية في الحرب من دون أن تنتقل روسيا من استهداف أدوات الحرب إلى استهداف بعض الذين يقفون خلفها؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire