حيدر العيلة أبوالأمير /غزة
ليست الانتخابات التشريعية المقبلة مجرد سباق على مقاعد في المجلس التشريعي، ولا استحقاقاً انتخابياً عابراً يمكن للجبهة الشعبية أن تتعامل معه كواحد من الاستحقاقات الدورية.
هذه الانتخابات، إذا جرت، ستجري في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، يجري فيها إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى، وتتحرك فيها قوى جديدة لإعادة رسم الخارطة السياسية، فيما تبدو الثنائية التقليدية بين فتح وحماس أمام اختبارات وتحولات قد تغير شكلها ومضمونها.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تجد الجبهة الشعبية نفسها أمام قرار سياسي أكبر من مجرد المشاركة أو عدم المشاركة.
إنها أمام ثلاثة خيارات: أن تدخل في تحالفات واسعة مع قوى مختلفة، أو أن تبادر إلى بناء تحالف ديمقراطي وطني يشكل بديلاً حقيقياً، أو أن تختار مقاطعة الانتخابات.
لكل خيار مبرراته ومخاطره، لكن المشكلة ليست في تعداد الخيارات، بل في معرفة أيها يخدم موقع القضية الوطنية والجبهة ودورها ومستقبلها، وأيها قد يحولها من قوة سياسية مؤثرة إلى مجرد شاهد على إعادة تشكيل المشهد من خارج الملعب.
وفي قلب هذه التحولات، تجد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفسها أمام سؤال يتجاوز مجرد المشاركة في الانتخابات: أين تقف؟ ومع من تتحالف؟ والأهم: ماذا تريد أن تكون بعد الانتخابات؟
وسط هذه التحولات هناك ثلاثة خيارات أمام الجبهة الشعبية:
الخيار الأول: التحالف الواسع
الدخول في تحالف وطني واسع يضم قوى مختلفة، من حماس والجهاد الإسلامي إلى التيار الإصلاحي في فتح وشخصيات وقوى أخرى. وقد يمنح هذا الخيار الجبهة فرصة أكبر للوصول إلى المجلس التشريعي وتحقيق حضور انتخابي مؤثر.
في السياسة، لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة؛ هناك مصالح وطنية وموازين قوى وظروف تتغير، والسياسي المرن هو من يستطيع أن يقرأ هذه التحولات، وأن يختار القرار الصحيح في اللحظة الصحيحة، من دون أن يحوّل المرونة إلى تنازل عن المبادئ أو تخلياً عن الثوابت.
ومن هذا المنطلق، ليس المطلوب من الجبهة أن ترفض التحالف مع قوى تختلف معها في كثير من القضايا لمجرد الاختلاف، كما ليس المطلوب أن تقبل بأي تحالف بحثاً عن أكبر عدد من المقاعد. المطلوب أن تعرف أين يمكن أن تلتقي، وأين يجب أن تختلف، وما الذي يمكن التوافق عليه وما الذي لا يمكن التفريط به.
فالتحالف السياسي الناجح لا يقوم على تطابق كامل بين مكوناته، وإنما على برنامج مشترك ومساحات واضحة للاتفاق والاختلاف، وعلى قدرة كل طرف على الحفاظ على هويته وموقفه السياسي.
لكن الجبهة يجب أن تدرك في المقابل أن التحالف الواسع قد يحمل مخاطر حقيقية. فقد تجد نفسها مجرد مكوّن صغير داخل مشروع يحدد الآخرون اتجاهه، أو تدخل في صيغة انتخابية تجمع المتناقضات من أجل المقاعد فقط، ثم تبدأ الخلافات بعد الوصول إلى المجلس.
لذلك، إذا اختارت الجبهة هذا الطريق، فلا ينبغي أن تدخل باعتبارها رقماً تكميلياً، بل كشريك حقيقي، ببرنامج سياسي واجتماعي واضح، وأسس معلنة للشراكة، وضمانات سياسية، ووزن تفاوضي يتناسب مع حضورها.
فالمرونة في السياسة قوة عندما تخدم المبدأ، لكنها تتحول إلى ضعف عندما تصبح بديلاً عن المبدأ.
وهنا أيضاً يجب ألا تتحول المعركة الانتخابية إلى موقف عاطفي من هذا الطرف أو ذاك.
ليست القضية: هل نحب حماس أم نكرهها؟ هل نقترب من دحلان أم نبتعد عنه؟ هل نختلف مع فتح ام نقترب منها؟ هل تدخل الجبهة تحالفاً وطنياً واسعاً ببرنامج سياسي واجتماعي مشترك، أم تبني تحالفاً ديمقراطياً تضع هي برنامجه وتحدد مع شركائها اتجاهه؟
والخلاصة أن القرار يجب ألا يُبنى على الحب والكراهية، ولا على القرب والابتعاد، بل على المصلحة الوطنية، وقدرة التحالف على خدمة مشروع القضية الوطنية والشعب ويخدم الجبهة ويحفظ على استقلال قرارها السياسي.
وأقول للرفاق الذين يرفضون بصورة قاطعة أي تفاهم أو تحالف مرحلي مع حركة ما بسبب أخطائها ومواقفها السابقة، أقول: من حقكم أن ترفضوا، وأن تختلفوا، وأن تتمسكوا بمواقفكم ومبادئكم؛ لكن لا تجعلوا الخلاف السياسي يتحول إلى قيد يمنعنا من قراءة الواقع وموازين القوى بموضوعية.
السياسة ليست وفاء دائم للخصومة، كما أنها ليست تنازل عن المبادئ. قد نختلف كثيراً مع طرف، ونرفض أخطاءه ونحمله مسؤولية ما ارتكب، ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى التفاهم معه في محطة محددة إذا اقتضت ذلك مصلحة الوطن والجبهة.
المهم أن نعرف الفرق بين التفاهم الذي تفرضه ضرورات المرحلة، والتحالف الذي يعني التماهي السياسي؛ وأن ندرك أن فتح باب الحوار لا يعني غسل الماضي، وأن الجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني إسقاط الحساب.
لا نريد سياسة تُدار بالعاطفة، ولا براغماتية بلا مبادئ. نريد سياسة تجمع بين صلابة الموقف ومرونة الحركة، تحفظ الثوابت ولا تُغلق أبواب المناورة، وتضع مصلحة الوطن والجبهة فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية.
وعندما تستقر الأوضاع وتتهيأ الظروف، يجب أن تُفتح كل الملفات بلا استثناء، وأن يخضع الجميع للمساءلة الوطنية والقانونية عن أخطائهم بحق الوطن والقضية والشعب؛ من ملفات السابع من أكتوبر، إلى الفساد، وسوء الإدارة، والإقصاء، والتفرد بالقرار، وكل انتهاك للحقوق الوطنية والسياسية.
الخيار الثاني: بناء تحالف من القوى الديمقراطية
فهو بناء تحالف وطني ديمقراطي تقدمي تكون الجبهة في قلبه، باعتبارها القوة الأبرز والأكثر حضوراً في اليسار الفلسطيني.
هذا الخيار أصعب، لكنه ربما يكون أكثر أهمية سياسياً على المدى البعيد.
فبدلاً من البحث عن مقاعد داخل تحالفات الآخرين، تستطيع الجبهة أن تسعى إلى بناء قوة ثالثة تقدم نفسها للناس باعتبارها بديلاً وطنياً وديمقراطياً عن الثنائية التقليدية بين فتح وحماس.
لكن هذا الخيار يحتاج إلى شجاعة سياسية أكبر من مجرد إصدار البيانات ورفع الشعارات.
تحالف يضم القوى الديمقراطية والتقدمية الوازنة، والشخصيات الوطنية المستقلة التي تحظى بثقة الناس، وليس جمع عددا من التنظيمات الصغيرة والشخصيات التي لا وزن جماهيري لها، وإنما بناء تحالف كبير بوزنه الشعبي، لا بعدد مكوّناته، ويستطيع أن يقدم للناخب الفلسطيني مشروعاً سياسياً واجتماعياً مختلفاً. وهنا تحديداً تقع مسؤولية الجبهة الشعبية.
فالجبهة ليست مجرد فصيل يساري يريد الحفاظ على عدد من المقاعد في المجلس التشريعي. تاريخها وموقعها السياسي يفرضان عليها أن تفكر أبعد من حدود المشاركة الانتخابية.
والسؤال الذي تطرحه على نفسها ليس: كم مقعداً يمكن أن تحصل عليه؟
بل: ماذا تريد أن نفعل بهذه المقاعد؟ وأي مشروع سياسي نريد أن نخدم من خلالها؟
فالناس لا تبحث فقط عن أسماء الفصائل، ولا تصوّت للتاريخ وحده. الناس تريد قوة سياسية تتحدث عن حياتها، وعن كرامتها، وعن مستقبل أبنائها، وعن غزة وإعمارها، وعن الضفة والاستيطان والضم، وعن الحريات والعدالة الاجتماعية، وعن إصلاح النظام السياسي وإنهاء حالة الانقسام وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية.
الخيار الثالث: المقاطعة
وهو، في الحقيقة، الخيار الأسهل، الذي ينادي به بعض الرفاق، متهمين قيادة الجبهة بـ"الهرولة خلف انتخابات عباسية"، باعتبار أن المشاركة تعني القبول بشروطها السياسية والقانونية، ومنح الشرعية لمسار يرونه لا يخدم المشروع الوطني.
وللمقاطعة، بطبيعة الحال، مبرراتها السياسية التي لا يمكن تجاهلها، لكن سهولة اتخاذ هذا الموقف لا تعني بالضرورة أنه الخيار الأكثر صواباً أو تأثيراً في الظروف الراهنة.
إذا ناقشنا هذا الخيار بعلمية ودون تشنج فالجبهة تملك من المبررات والأسباب ما يكفي لتبرير موقف المقاطعة؛ من طبيعة البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالانتخابات، إلى غياب التوافق الوطني الكامل، وتعقيدات المشهد الفلسطيني، وشروط العملية الانتخابية وموازين القوى التي تجعل المنافسة غير متكافئة.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن مصادرة حق الجبهة في أن تقول: إن هذه الانتخابات لا تتوافر فيها الشروط التي تجعل مشاركتنا ممكنة أو ذات معنى.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بصحة الموقف من حيث المبدأ، وإنما أيضاً بما ينتجه هذا الموقف في الواقع.
في الظروف الفلسطينية الراهنة، قد تتحول المقاطعة من موقف احتجاجي مشروع إلى موقف عدمي إذا لم تستطع أن تغير شيئاً في مسار الانتخابات أو في موازين القوى التي ستنتج عنها.
فالانتخابات، إذا جرت، لن تتوقف لأن الجبهة قاطعتها. والمجلس التشريعي سيُشكّل، والقوى الأخرى ستتنافس على مقاعده، وستُعاد صياغة الخريطة السياسية، بينما تكون الجبهة قد اختارت الوقوف خارج الملعب.
وقد تكون المقاطعة مريحة من الناحية التنظيمية؛ فهي تعفي الجبهة من معركة انتخابية صعبة، ومن إعادة بناء خطابها، ومن مواجهة امتحان حقيقي لحجمها الجماهيري. لكنها في المقابل قد تحرمها من فرصة نادرة للتأثير في إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.
وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة: هل نريد أن نسجل موقفاً من الانتخابات، أم نريد أن نؤثر في نتائجها ومسارها السياسي؟
هذه ليست دعوة للمشاركة بأي ثمن، ولا تجاهلاً للمبررات التي قد تدفع إلى المقاطعة. لكنها دعوة إلى النظر إلى المقاطعة باعتبارها أداة سياسية، لا غاية بحد ذاتها.
فإذا كانت المقاطعة قادرة على فرض تغيير حقيقي في شروط العملية الانتخابية، أو منع مسار سياسي خطير، فهي موقف يمكن الدفاع عنه.
أما أن نقاطع، ثم نترك الآخرين يرسمون الخريطة السياسية الجديدة، ونكتفي بتسجيل موقف أخلاقي أو احتجاجي، فذلك قد يكون في هذه المرحلة أقرب إلى الانسحاب من السياسة منه إلى ممارسة السياسة.
خيار المقاطعة، رغم أنه الأسهل، قد يكون سياسياً هو الأغلى ثمناً.
فالذي يقاطع يستطيع أن يحافظ على نقائه التنظيمي، لكنه قد يخسر موقعه في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يحسم موقف الجبهة ليس:
هل الانتخابات مثالية؟ بل: أي خيار يتيح للجبهة أن تكون أكثر تأثيراً في مستقبل فلسطين: أن تجلس خارج الملعب، أم تدخل المعركة بشروطها ومشروعها وتحالفاتها؟
في السياسة، ليس كل موقف صحيح من حيث المبدأ يكون صحيحاً في كل ظرف. والظرف الراهن قد يجعل المقاطعة موقفاً مفهوماً، لكنها ليست بالضرورة موقفاً منتجاً.
لذلك فإن الجبهة الشعبية، وبعد أن اتخذت قرارها الصائب بالمشاركة أمامها فرصة سياسية نادرة لإعادة تقديم نفسها إلى المجتمع الفلسطيني، ليس باعتبارها فصيلاً تاريخياً يحاول الحفاظ على حضوره، وإنما باعتبارها قوة قادرة على التأثير الحقيقي في الخارطة السياسية.
وهذا يتطلب منها أن تبادر، وأن تقرأ حجمها الحقيقي بواقعية، وأن تعرف أين تكمن قوتها وأين تكمن نقاط ضعفها، وأن تختار شركاءها بعناية على أساس الوزن الشعبي والكفاءة والبرنامج، لا على أساس المجاملات الفصائلية.
المطلوب ليس أن تبحث الجبهة عن مقعد في تحالفات الآخرين، بل أن تبحث عن موقع سياسي يصنع فرقاً في مستقبل فلسطين.
وفي كل هذه الخيارات، يبقى هناك استحقاق لا ينبغي للجبهة ولا للقوى الفلسطينية تجاوزه: إطلاق حوار وطني شامل قبل الذهاب إلى الانتخابات.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد عملية لإعادة توزيع المقاعد، وإنما فرصة لتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى محطة حقيقية للتجديد الوطني والسياسي، تفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتعددية، وتنتج قيادة فلسطينية جديدة قادرة على مواجهة التحديات الاستراتيجية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الجبهة لا تقتصر على اختيار التحالف الذي ستدخله، بل قبل كل ذلك الدفع باتجاه حوار وطني جاد يحدد قواعد اللعبة السياسية، ويضمن أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات، لا مجرد وسيلة لإعادة إنتاج المشهد القديم بأسماء وتحالفات جديدة.
ليست الانتخابات التشريعية المقبلة مجرد سباق على مقاعد في المجلس التشريعي، ولا استحقاقاً انتخابياً عابراً يمكن للجبهة الشعبية أن تتعامل معه كواحد من الاستحقاقات الدورية.
هذه الانتخابات، إذا جرت، ستجري في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، يجري فيها إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى، وتتحرك فيها قوى جديدة لإعادة رسم الخارطة السياسية، فيما تبدو الثنائية التقليدية بين فتح وحماس أمام اختبارات وتحولات قد تغير شكلها ومضمونها.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تجد الجبهة الشعبية نفسها أمام قرار سياسي أكبر من مجرد المشاركة أو عدم المشاركة.
إنها أمام ثلاثة خيارات: أن تدخل في تحالفات واسعة مع قوى مختلفة، أو أن تبادر إلى بناء تحالف ديمقراطي وطني يشكل بديلاً حقيقياً، أو أن تختار مقاطعة الانتخابات.
لكل خيار مبرراته ومخاطره، لكن المشكلة ليست في تعداد الخيارات، بل في معرفة أيها يخدم موقع القضية الوطنية والجبهة ودورها ومستقبلها، وأيها قد يحولها من قوة سياسية مؤثرة إلى مجرد شاهد على إعادة تشكيل المشهد من خارج الملعب.
وفي قلب هذه التحولات، تجد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفسها أمام سؤال يتجاوز مجرد المشاركة في الانتخابات: أين تقف؟ ومع من تتحالف؟ والأهم: ماذا تريد أن تكون بعد الانتخابات؟
وسط هذه التحولات هناك ثلاثة خيارات أمام الجبهة الشعبية:
الخيار الأول: التحالف الواسع
الدخول في تحالف وطني واسع يضم قوى مختلفة، من حماس والجهاد الإسلامي إلى التيار الإصلاحي في فتح وشخصيات وقوى أخرى. وقد يمنح هذا الخيار الجبهة فرصة أكبر للوصول إلى المجلس التشريعي وتحقيق حضور انتخابي مؤثر.
في السياسة، لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة؛ هناك مصالح وطنية وموازين قوى وظروف تتغير، والسياسي المرن هو من يستطيع أن يقرأ هذه التحولات، وأن يختار القرار الصحيح في اللحظة الصحيحة، من دون أن يحوّل المرونة إلى تنازل عن المبادئ أو تخلياً عن الثوابت.
ومن هذا المنطلق، ليس المطلوب من الجبهة أن ترفض التحالف مع قوى تختلف معها في كثير من القضايا لمجرد الاختلاف، كما ليس المطلوب أن تقبل بأي تحالف بحثاً عن أكبر عدد من المقاعد. المطلوب أن تعرف أين يمكن أن تلتقي، وأين يجب أن تختلف، وما الذي يمكن التوافق عليه وما الذي لا يمكن التفريط به.
فالتحالف السياسي الناجح لا يقوم على تطابق كامل بين مكوناته، وإنما على برنامج مشترك ومساحات واضحة للاتفاق والاختلاف، وعلى قدرة كل طرف على الحفاظ على هويته وموقفه السياسي.
لكن الجبهة يجب أن تدرك في المقابل أن التحالف الواسع قد يحمل مخاطر حقيقية. فقد تجد نفسها مجرد مكوّن صغير داخل مشروع يحدد الآخرون اتجاهه، أو تدخل في صيغة انتخابية تجمع المتناقضات من أجل المقاعد فقط، ثم تبدأ الخلافات بعد الوصول إلى المجلس.
لذلك، إذا اختارت الجبهة هذا الطريق، فلا ينبغي أن تدخل باعتبارها رقماً تكميلياً، بل كشريك حقيقي، ببرنامج سياسي واجتماعي واضح، وأسس معلنة للشراكة، وضمانات سياسية، ووزن تفاوضي يتناسب مع حضورها.
فالمرونة في السياسة قوة عندما تخدم المبدأ، لكنها تتحول إلى ضعف عندما تصبح بديلاً عن المبدأ.
وهنا أيضاً يجب ألا تتحول المعركة الانتخابية إلى موقف عاطفي من هذا الطرف أو ذاك.
ليست القضية: هل نحب حماس أم نكرهها؟ هل نقترب من دحلان أم نبتعد عنه؟ هل نختلف مع فتح ام نقترب منها؟ هل تدخل الجبهة تحالفاً وطنياً واسعاً ببرنامج سياسي واجتماعي مشترك، أم تبني تحالفاً ديمقراطياً تضع هي برنامجه وتحدد مع شركائها اتجاهه؟
والخلاصة أن القرار يجب ألا يُبنى على الحب والكراهية، ولا على القرب والابتعاد، بل على المصلحة الوطنية، وقدرة التحالف على خدمة مشروع القضية الوطنية والشعب ويخدم الجبهة ويحفظ على استقلال قرارها السياسي.
وأقول للرفاق الذين يرفضون بصورة قاطعة أي تفاهم أو تحالف مرحلي مع حركة ما بسبب أخطائها ومواقفها السابقة، أقول: من حقكم أن ترفضوا، وأن تختلفوا، وأن تتمسكوا بمواقفكم ومبادئكم؛ لكن لا تجعلوا الخلاف السياسي يتحول إلى قيد يمنعنا من قراءة الواقع وموازين القوى بموضوعية.
السياسة ليست وفاء دائم للخصومة، كما أنها ليست تنازل عن المبادئ. قد نختلف كثيراً مع طرف، ونرفض أخطاءه ونحمله مسؤولية ما ارتكب، ثم نجد أنفسنا مضطرين إلى التفاهم معه في محطة محددة إذا اقتضت ذلك مصلحة الوطن والجبهة.
المهم أن نعرف الفرق بين التفاهم الذي تفرضه ضرورات المرحلة، والتحالف الذي يعني التماهي السياسي؛ وأن ندرك أن فتح باب الحوار لا يعني غسل الماضي، وأن الجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني إسقاط الحساب.
لا نريد سياسة تُدار بالعاطفة، ولا براغماتية بلا مبادئ. نريد سياسة تجمع بين صلابة الموقف ومرونة الحركة، تحفظ الثوابت ولا تُغلق أبواب المناورة، وتضع مصلحة الوطن والجبهة فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية.
وعندما تستقر الأوضاع وتتهيأ الظروف، يجب أن تُفتح كل الملفات بلا استثناء، وأن يخضع الجميع للمساءلة الوطنية والقانونية عن أخطائهم بحق الوطن والقضية والشعب؛ من ملفات السابع من أكتوبر، إلى الفساد، وسوء الإدارة، والإقصاء، والتفرد بالقرار، وكل انتهاك للحقوق الوطنية والسياسية.
الخيار الثاني: بناء تحالف من القوى الديمقراطية
فهو بناء تحالف وطني ديمقراطي تقدمي تكون الجبهة في قلبه، باعتبارها القوة الأبرز والأكثر حضوراً في اليسار الفلسطيني.
هذا الخيار أصعب، لكنه ربما يكون أكثر أهمية سياسياً على المدى البعيد.
فبدلاً من البحث عن مقاعد داخل تحالفات الآخرين، تستطيع الجبهة أن تسعى إلى بناء قوة ثالثة تقدم نفسها للناس باعتبارها بديلاً وطنياً وديمقراطياً عن الثنائية التقليدية بين فتح وحماس.
لكن هذا الخيار يحتاج إلى شجاعة سياسية أكبر من مجرد إصدار البيانات ورفع الشعارات.
تحالف يضم القوى الديمقراطية والتقدمية الوازنة، والشخصيات الوطنية المستقلة التي تحظى بثقة الناس، وليس جمع عددا من التنظيمات الصغيرة والشخصيات التي لا وزن جماهيري لها، وإنما بناء تحالف كبير بوزنه الشعبي، لا بعدد مكوّناته، ويستطيع أن يقدم للناخب الفلسطيني مشروعاً سياسياً واجتماعياً مختلفاً. وهنا تحديداً تقع مسؤولية الجبهة الشعبية.
فالجبهة ليست مجرد فصيل يساري يريد الحفاظ على عدد من المقاعد في المجلس التشريعي. تاريخها وموقعها السياسي يفرضان عليها أن تفكر أبعد من حدود المشاركة الانتخابية.
والسؤال الذي تطرحه على نفسها ليس: كم مقعداً يمكن أن تحصل عليه؟
بل: ماذا تريد أن نفعل بهذه المقاعد؟ وأي مشروع سياسي نريد أن نخدم من خلالها؟
فالناس لا تبحث فقط عن أسماء الفصائل، ولا تصوّت للتاريخ وحده. الناس تريد قوة سياسية تتحدث عن حياتها، وعن كرامتها، وعن مستقبل أبنائها، وعن غزة وإعمارها، وعن الضفة والاستيطان والضم، وعن الحريات والعدالة الاجتماعية، وعن إصلاح النظام السياسي وإنهاء حالة الانقسام وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية.
الخيار الثالث: المقاطعة
وهو، في الحقيقة، الخيار الأسهل، الذي ينادي به بعض الرفاق، متهمين قيادة الجبهة بـ"الهرولة خلف انتخابات عباسية"، باعتبار أن المشاركة تعني القبول بشروطها السياسية والقانونية، ومنح الشرعية لمسار يرونه لا يخدم المشروع الوطني.
وللمقاطعة، بطبيعة الحال، مبرراتها السياسية التي لا يمكن تجاهلها، لكن سهولة اتخاذ هذا الموقف لا تعني بالضرورة أنه الخيار الأكثر صواباً أو تأثيراً في الظروف الراهنة.
إذا ناقشنا هذا الخيار بعلمية ودون تشنج فالجبهة تملك من المبررات والأسباب ما يكفي لتبرير موقف المقاطعة؛ من طبيعة البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالانتخابات، إلى غياب التوافق الوطني الكامل، وتعقيدات المشهد الفلسطيني، وشروط العملية الانتخابية وموازين القوى التي تجعل المنافسة غير متكافئة.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن مصادرة حق الجبهة في أن تقول: إن هذه الانتخابات لا تتوافر فيها الشروط التي تجعل مشاركتنا ممكنة أو ذات معنى.
لكن السياسة لا تُقاس فقط بصحة الموقف من حيث المبدأ، وإنما أيضاً بما ينتجه هذا الموقف في الواقع.
في الظروف الفلسطينية الراهنة، قد تتحول المقاطعة من موقف احتجاجي مشروع إلى موقف عدمي إذا لم تستطع أن تغير شيئاً في مسار الانتخابات أو في موازين القوى التي ستنتج عنها.
فالانتخابات، إذا جرت، لن تتوقف لأن الجبهة قاطعتها. والمجلس التشريعي سيُشكّل، والقوى الأخرى ستتنافس على مقاعده، وستُعاد صياغة الخريطة السياسية، بينما تكون الجبهة قد اختارت الوقوف خارج الملعب.
وقد تكون المقاطعة مريحة من الناحية التنظيمية؛ فهي تعفي الجبهة من معركة انتخابية صعبة، ومن إعادة بناء خطابها، ومن مواجهة امتحان حقيقي لحجمها الجماهيري. لكنها في المقابل قد تحرمها من فرصة نادرة للتأثير في إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.
وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة: هل نريد أن نسجل موقفاً من الانتخابات، أم نريد أن نؤثر في نتائجها ومسارها السياسي؟
هذه ليست دعوة للمشاركة بأي ثمن، ولا تجاهلاً للمبررات التي قد تدفع إلى المقاطعة. لكنها دعوة إلى النظر إلى المقاطعة باعتبارها أداة سياسية، لا غاية بحد ذاتها.
فإذا كانت المقاطعة قادرة على فرض تغيير حقيقي في شروط العملية الانتخابية، أو منع مسار سياسي خطير، فهي موقف يمكن الدفاع عنه.
أما أن نقاطع، ثم نترك الآخرين يرسمون الخريطة السياسية الجديدة، ونكتفي بتسجيل موقف أخلاقي أو احتجاجي، فذلك قد يكون في هذه المرحلة أقرب إلى الانسحاب من السياسة منه إلى ممارسة السياسة.
خيار المقاطعة، رغم أنه الأسهل، قد يكون سياسياً هو الأغلى ثمناً.
فالذي يقاطع يستطيع أن يحافظ على نقائه التنظيمي، لكنه قد يخسر موقعه في لحظة يعاد فيها تشكيل النظام السياسي الفلسطيني.
وهنا أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يحسم موقف الجبهة ليس:
هل الانتخابات مثالية؟ بل: أي خيار يتيح للجبهة أن تكون أكثر تأثيراً في مستقبل فلسطين: أن تجلس خارج الملعب، أم تدخل المعركة بشروطها ومشروعها وتحالفاتها؟
في السياسة، ليس كل موقف صحيح من حيث المبدأ يكون صحيحاً في كل ظرف. والظرف الراهن قد يجعل المقاطعة موقفاً مفهوماً، لكنها ليست بالضرورة موقفاً منتجاً.
لذلك فإن الجبهة الشعبية، وبعد أن اتخذت قرارها الصائب بالمشاركة أمامها فرصة سياسية نادرة لإعادة تقديم نفسها إلى المجتمع الفلسطيني، ليس باعتبارها فصيلاً تاريخياً يحاول الحفاظ على حضوره، وإنما باعتبارها قوة قادرة على التأثير الحقيقي في الخارطة السياسية.
وهذا يتطلب منها أن تبادر، وأن تقرأ حجمها الحقيقي بواقعية، وأن تعرف أين تكمن قوتها وأين تكمن نقاط ضعفها، وأن تختار شركاءها بعناية على أساس الوزن الشعبي والكفاءة والبرنامج، لا على أساس المجاملات الفصائلية.
المطلوب ليس أن تبحث الجبهة عن مقعد في تحالفات الآخرين، بل أن تبحث عن موقع سياسي يصنع فرقاً في مستقبل فلسطين.
وفي كل هذه الخيارات، يبقى هناك استحقاق لا ينبغي للجبهة ولا للقوى الفلسطينية تجاوزه: إطلاق حوار وطني شامل قبل الذهاب إلى الانتخابات.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد عملية لإعادة توزيع المقاعد، وإنما فرصة لتحويل الاستحقاق الانتخابي إلى محطة حقيقية للتجديد الوطني والسياسي، تفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتعددية، وتنتج قيادة فلسطينية جديدة قادرة على مواجهة التحديات الاستراتيجية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن مسؤولية الجبهة لا تقتصر على اختيار التحالف الذي ستدخله، بل قبل كل ذلك الدفع باتجاه حوار وطني جاد يحدد قواعد اللعبة السياسية، ويضمن أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات، لا مجرد وسيلة لإعادة إنتاج المشهد القديم بأسماء وتحالفات جديدة.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire