حوار مع زياد ماجد
الجمهورية.نت
في هذا الحوار، يتناول الكاتب وأستاذ العلوم السياسية زياد ماجد التحولات التي يشهدها لبنان في خضمّ الحرب الإسرائيلية عليه، والتغيرات التي يفرضها إضعاف حزب الله، وحدود الحديث عن دخول البلاد مرحلة «ما بعد الحزب». ويناقش المأزق الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، ومخاطر رهان القوى الطائفية اللبنانية المتكرر على الخارج لتعديل موازين القوى الداخلية. ينتقل الحوار بعد ذلك إلى إمكان بناء سياسة تقدمية في لبنان، وإلى ملامح السلطة والمجتمع في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وشروط فتح صفحة جديدة بين البلدين. وفي قسمه الأخير، يتوقف ماجد عند أثر حرب الإبادة في غزة على الحياة السياسية الفرنسية، وعند التطبيع الانتخابي مع اليمين المتطرف وشعاراته واتساع احتمالات وصوله إلى الرئاسة العام 2027.
لبنان وحزب الله
لنبدأ من لبنان. تتحدث الحكومة مباشرةً مع إسرائيل دون مشاركة حزب الله، وهو الطرف المقاتل على الأرض. وفي الوقت نفسه، خسر الحزب جانباً كبيراً من قدرته على الفرض والتعطيل من دون أن يَخرُجَ من المؤسسات أو يفقد تمثيله الطائفي. أمام هذا التركيب المتناقض، هل يمكن وصف لبنان اليوم بأنه بلد «ما بعد حزب الله»، أم أننا في منطقة وسطى لم تتحدد ملامحها بعد؟
المشهد اللبناني اليوم معقّد وستُراوِحُ أموره على حالها الراهنة طويلاً. لكن ثمة مسألتان يمكن التوقّف عندهما لشرح موقع حزب الله ضمن المعادلة القائمة.
المسألة الأولى هي تراجُع نفوذه وسطوته. كانت لديه قدرة على فرض مواقف أو تعطيل قرارات، أما اليوم فلم يعُد لديه هذه القدرة. لا يستطيع التعطيل إلا إذا لجأ إلى العنف الداخلي، ولا يستطيع، خارج الميدان الحربي في الجنوب، أن يفرض خيارات في السياسة الخارجية يرفضها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة.
حدثَ ذلك نتيجة نكسته العسكرية، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، والضربات الإسرائيلية التي أطاحت بجزء من قيادتيه السياسية والعسكرية في العام 2024، فضلاً عن السيطرة الجوية الإسرائيلية على لبنان. وكان الحزب قد انكشف، خلال أكثر من عشر سنوات من المشاركة في الحرب السورية، أمام اختراقات مخابراتية، ثم انقطعت خطوط إمداده العسكرية الرئيسية بعد سقوط النظام الأسدي.
أضعفته هذه العوامل مجتمعةً وقلّصت دوره، واضطر للقبول بتسويات إقليمية ودولية لم تكن طهران طرفاً مُبادِراً فيها. وهي تسويات أميركية فرنسية سعودية أفضت بعد وقف النار في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 (الذي لم تلتزم به إسرائيل)، إلى انتخاب رئيس جمهورية مطلع العام 2025، وتكليف رئيس حكومة جديد. الأول، جوزاف عون، جاء إلى رأس السلطة السياسية من قيادة الجيش، مُمثِّلاً بالتالي المؤسسة العسكرية ذات المشروعية الوطنية والمسيحية تاريخياً، فيما جاء الثاني، نواف سلام، بوصفه حامل مشروعٍ إصلاحي، فهو رئيس سابق لمحكمة العدل الدولية، وسفير سابق في الأمم المتحدة، وأستاذ جامعي. ودخل معه إلى الحكومة وجهان محترمان في الأوساط الثقافية والتيارات التغييرية، طارق متري وغسان سلامة، في بلد يحتاج إلى الإنقاذ بعد الانهيار المالي والحرب وتداعياتهما.
أربكَ ذلك حزب الله. لم يرغب في المجاهرة بمعارضته للعهد، لا بل دخل بوزيرين إلى الحكومة الجديدة.
إلا أن الحرب الثانية ابتداءً من 2 آذار (مارس) 2026 كسرت الجرّة بينه وبين رئيسي الجمهورية والحكومة. واليوم، بعد احتلال إسرائيل لقرابة 6 في المئة من الأراضي اللبنانية وارتكابها إبادة عمرانية في المناطق التي تحتلها، يعتبرُ رئيسُ الجمهورية أن التفاوض معها هو الخيار الوحيد المتاح، مستنداً في مهمّته إلى صلاحياته الدستورية. والأرجح أنه يحظى في ذلك بتأييد مسيحي واسع، وبموافقة ضمنية من شرائح درزية وسنّية عديدة. لكن مأزقه يكمن في أن إسرائيل لا تقبل أياً من مطالبه التفاوضية، مُشترِطةً قبل أي بحث في وقف جرائمها وإنهاء احتلالها ولو تدريجياً نزعَ سلاح حزب الله، وهي تعرف أن هذا غير ممكن لبنانياً من دون تفاهمات وحوارات ومن دون أن تُوقِفَ قصفها واغتيالاتها وتباشر بانسحابات تُتيح للجيش اللبناني الانتشار. كما أن الرئيس اللبناني يضعُ رهاناته بأكملها عند دونالد ترامب، على اعتبار أن واشنطن هي الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل، ما قلّصَ خياراته السياسية وجعلها بلا هوامش. ليس فقط لأن واشنطن لن تضغط كفاية على إسرائيل، ولا لأن الأخيرة تستطيع أن تناور بين جبهة إيران وجبهات الضفة وغزة والجنوب السوري ولبنان، فتتنازلَ لترامب في مكان وتُصعِّدَ في مكان آخر، بل أيضاً لأن التخلّي عن الدبلوماسية وعن السعي للتنسيق مع دول كثيرة من المنطقة والعالم للتأثير على ترامب يَحدُّ من فرص دفعِ الأخير إلى أي قرار إيجابي وحازم. لذلك سندخل مرحلة طويلة من المُراوحة في المفاوضات ومن المماطلة الإسرائيلية المعهودة، ومن البقاء في دائرة مفرغة بين مشروطيّتي الانسحاب والسلاح.
المسألة الثانية التي يجب النظر إليها، في ما يخصّ حزب الله، هي مسألةُ النظام الطائفي اللبناني التي تُصعِّبُ القول إننا دخلنا في مرحلة «ما بعده»، رغم تَراجُع قوّته.
فالنظام اللبناني المُسمَّى توافقياً يتيح لممثلي الطوائف المشارَكةَ في صنع القرار والمكوثَ داخل المؤسسات التنفيذية والتشريعية. وطالما أن التمثيل الشيعي مُحتكَر من حزب الله وحليفته حركة أمل، لأسباب ترتبط بقدرة التعبئة الشعبية لديهما، وبالنظام الانتخابي وتقسيم دوائره، وبالزبائنية والخدمات، وبالواقع الطائفي في البلد عامةً وقواه الرئيسية المتنافسة، فإن مشاركتهما في البرلمانات ستفرض مشاركتهما في الحكومات. تماماً كما هو الوضع اليوم، ولا أرى تغيّراً سيحصل في موازين القوى الشيعية أو الطائفية عامةً في الانتخابات المقبلة، بمعزل عن رهانات البعض وأوهامهم التي تتكرّر هي نفسها منذ العام 2005.
ألمحَ دونالد ترامب إلى إمكان أن يؤدي أحمد الشرع أو القوات السورية دوراً في نزع سلاح حزب الله. هل ترى أن ثمة احتمالاً واقعياً لدور سوري كهذا، أم أن موازين القوى اللبنانية والإقليمية تجعله مستحيلاً؟ ولماذا يبدو أن الأمر لم يُثِر رفضاً لبنانياً كبيراً؟
أستبعدُ أن يكون لسوريا دور من هذا النوع، حتى لو كان ترامب قد فكّرَ جدياً في إدخال قوات سورية للمشاركة في نزع سلاح الحزب. الأمر مُتعذِّر عربياً وإقليمياً ودولياً، فلا السعودية ولا تركيا ولا مصر ولا قطر ولا فرنسا ولا الاتحاد الأوروبي يمكن أن تشجّع عليه. كما أن الشرع نفسه، في تقديري، يتهيّبُ الأمر ولا يعتبره من مهامه. هذا إضافة إلى كونه ميدانياً، في أي حال، صعبُ التحقّق.
لبنانياً، سيواجِهُ أمرٌ كهذا إن تخطّى طور التصريحات الترامبية رفضاً مطلقاً، حتى إذا كان بعض هذا الرفض اليوم غائبٌ أو مضمرٌ لأسباب كثيرة. رئيس الجمهورية مثلاً لا يريد أن يبدو وكأنه يعترض على كلام ترامب، وهو الذي يُعوّل على العلاقة به للضغط على إسرائيل للانسحاب. لذلك يُكتفى بالقول إن هكذا شأن لا يستقيم لبنانياً. قادة القوى المسيحية صمتوا إذ قرأوا التصريح بوصفه وسيلة ضغط إضافية على حزب الله، لكنهم أيضاً لن يكونوا حياديين إذا تحوّلَ إلى مشروع فعلي، لأسباب تتصل بذاكرة قواعدهم الشعبية ومعاناتها مع النظام السوري السابق، وكذلك لريبتهم من التركيبة السياسية والخلفية الإيديولوجية للنظام الحالي. الأمر نفسه ينطبق على القوى الدرزية. فوليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي يعارضان هذا الأمر، وخصوم الجنبلاطية في الساحة الدرزية يعارضونه من باب معارضتهم للشرع بسبب مجزرة السويداء. قد تكون بعض البيئات السنّية، وخصوصاً في الشمال، أكثر ترحيباً بدور سوري ما في لبنان. وأظهرت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس إمكان نشوء ولاء جديد لدى قطاعات من سنّة الشمال المهمشين تاريخياً، اقتصادياً واجتماعياً، لنظام إسلامي سنّي في دمشق يحظى بغطاء تركي وسعودي. لكن الأمر لا يعني تأييداً لدخول عسكري سوري، وهو يبقى في أي حال محدوداً في جغرافيا لها خصائصها في العلاقة مع سوريا سياسياً وطائفياً (طرابلس هي المدينة اللبنانية الوحيدة التي فيها علويّون، وقد اصطدموا بسنّة المدينة في مراحل عديدة؛ وطرابلس هي المدينة الوحيدة أيضاً التي عاملها حافظ الأسد خلال الحرب والاجتياحات بعنف شديد وكأنها مدينة سورية).
بالمقابل، يوظّف حزب الله تصريحات ترامب لتخويف الشيعة البقاعيين. يقول خطابه إن شيعة لبنان باتوا مُحاصرين من كل الجهات. الحدود السورية صارت عدائية تجاههم شرقاً، وإسرائيل عدوّتهم التاريخية جنوباً، والسلطة اللبنانية والمراقبة الدولية تُقفلان البحر أمامهم غرباً، فلا خيار لهم سوى التكتل والاعتماد على الذات وعلى ما تبقى من عون إيراني. وهذا كلّه مقلق بالطبع في مفاعيله داخلياً، خاصة في ظلّ تهجير مئات الآلاف من الجنوبيين ممّن لن يعودوا إلى حطام قراهم المحتلّة قريباً…
في حرب 2006 أصدرتَ مع الراحل إلياس خوري بياناً أثار جدلاً في لحظة كان فيها الانقسام اللبناني حاداً، لأنكما جمعتما بين معارضة حزب الله ورفض الحرب الإسرائيلية على لبنان. الآن، بعد عقدين، ما الذي ما زال صالحاً من ذلك الموقف؟ وما الذي ينبغي قوله بصورة مختلفة؟
كرّرتُ الموقف نفسه هذه المرة، وأنا مقتنع بأنه كان وما زال الموقف المناسب. لا يمكن أن أكون، كيساريٍّ، مع حزب الله سياسياً أو ثقافياً أو في تحالفاته الإقليمية، فمُمارساته وسلوكه أمورٌ ساهمت بتعميق الانقسامات الطائفية في لبنان، وساهمت في استفحال الأزمات. وبعد 2006 ازدادت أسباب معارضته: انخراطه في الحرب السورية ودفاعه عن بشار الأسد، وتسلطه على الحياة السياسية اللبنانية، وربطه لبنان أكثر فأكثر بالمصالح الإيرانية ومشاركته في قمع الانتفاضة الشعبية العام 2019. المعارضةُ للحزب جذرية إذن، وتبقى كذلك. لكن إسرائيل خطر تاريخي على لبنان، وسيرةُ اعتداءاتها عليه واحتلال أرضه وقتل عشرات الآلاف من أبنائه وبناته سابقةٌ على ولادة حزب الله ولاحقةٌ لها. وليس صحيحاً أن سياسة تل أبيب هي سياسة ردّات فعل كما يردّد البعض اليوم، وكأن إسرائيل دولةٌ بلا استراتيجيات هيمنة وبناء نفوذ وتوسّع وتهجير سكّان، أو كأنها تتصرّف فقط وفق «الردّ على من يهاجمها». هذا كلام خاطئ علمياً، وتجعله المقارنات التي تُعطى في ما يخصّ تعامل إسرائيل مع مصر (أكبر دولة عربية ومتوسّطية ديموغرافياً) والأردن (حيث نصف السكان من أصول فلسطينية) أكثر تهافتاً. وهناك، بمعزل عن أي سجال حول ما تريده إسرائيل، مشكلة لبنانية مُزمنة تتمثل في رهان القوى الطائفية الكبرى على القوى الخارجية لتسوية صراعاتها الداخلية. مارسَ حزب الله هذا الرهان، ويمارسه عددٌ من خصومه أيضاً، وإنْ في ظروف مختلفة. في حرب 2006 كما اليوم، راهنَ هؤلاء الخصوم على أن تضربه إسرائيل لتُعدِّلَ موازين القوى الداخلية، من دون أي اكتراث بتبعات الأمر، ومن دون أي تعاطف مع مئات ألوف الضحايا، مُهجَّرين ومصابين وقتلى وفاقدي أملاك وبيوت وأرزاق أعمار.
لا يستطيع، برأيي، من يفكر جدياً بمصلحة البلد أن يقبل بهكذا رهانات أو أن يكون حيادياً إزاء قصف إسرائيل واحتلالها وتهجيرها الناس وسعيها إلى محو عشرات البلدات، ومنها بلدات كبيرة مثل بنت جبيل والخيام وعيترون وميس الجبل والطيبة وحولا. نتحدث هنا عن تفجير آلاف المساكن وتدمير المدارس والمؤسسات العامة والبنى التحتية وجرف المقابر، وعن استهداف المسعفين والصحافيين، وعن حرق الأراضي الزراعية وكروم الزيتون والأشجار المثمرة…
أضيفُ إلى ما ورد أنه في بلد صغير مثل لبنان، يُشكِّلُ عدمُ اعتبار البلد في حالة حرب إن كانت المقتلة تدور فقط في جنوبه، أو عدم الاكتراث بجماعة مُستهدَفة بسبب الخصومة مع ممثليها السياسيين، لا بل الشماتة بها أحياناً، أرضيةً خصبة للحروب وللنزاعات الأهلية.
تأتي الحرب فوق انهيار مالي وسياسي سابق، ونظام طائفي شديد القدرة على التعطيل، وتدخلات خارجية متعددة، وفي لحظة فراغ إيديولوجي إقليمي وعالمي. ضمن هذه الشروط، هل ما زال ممكناً الحديث عن سياسة تَقدُّمية في لبنان؟ وما المسائل التي يمكن أن تنتظم حولها؟
هذا ممكن، ولو أنني لا أظن أن الوضع الإقليمي والداخلي يسمح حالياً بتغيير جذري لموازين القوى. ظهرت فرصة في مطلع 2025، بعد سقوط النظام السوري ووقف إطلاق النار الجزئي في لبنان وتشكيل الحكومة الحالية. بدا أن وجود نواف سلام وطارق متري وغسان سلامة، إلى جانب رئيس جمهورية وافد من خارج الطبقة السياسية، يفتح احتمالات إيجابية: تفاوض مع هيئات دولية لإنقاذ الاقتصاد، بالتوازي مع إصلاح القضاء والإدارة والنظام الانتخابي، وهي ملفات سبق إنجاز العمل الفكري والقانوني حولها. وكان يمكن بالتالي، للمرة الأولى ربما، أن تقترن المساعدات الدولية للبنان بشروط إصلاحية جدية. لكن بعض التطوّرات داخل السلطة التنفيذية أبطأت المسار سريعاً. ظهرت المعركة الأولى عند تعيين حاكم مصرف لبنان، واصطدمت الشخصيات الإصلاحية الحكومية بباقي الوزراء، وبرئيس الجمهورية الذي اختار حاكماً يُعَدّ قريباً من جمعية المصارف، وهي من الجهات الرئيسية المسؤولة عن الانهيار المالي. أظهر الأمر أن اللوبي المصرفي ما زال قوياً، وأن الشروع بالمشروع الإصلاحي أصعبُ مما توهّمَ البعض. ثم جاءت بعض التعيينات والإجراءات لتؤكّد على هذه الصعوبة، قبل أن يفرض تَجدُّد الحرب على نطاقها الواسع والمتوحّش ابتداءً من آذار (مارس) 2026 تبديل جميع الأولويات.
في المقلب المجتمعي، ليس التقدميون والعلمانيون والإصلاحيون، وفي طليعتهم اليساريون، قلّة، لكنهم لا يتفقون على أجندة واحدة، ويبتعد قسم منهم عن العمل السياسي المباشر، منتقلين إلى الإعلام البديل ومراكز الأبحاث والجمعيات والمبادرات المدنية والنسوية والحقوقية والنقابية والبيئية والثقافية.
وثمة معارك مهمة خاضها هؤلاء في السنوات الماضية داخل نقابات المهندسين والمحامين والصحافيين وفي الأوساط الطلابية الجامعية. لكنها لم تتحوّل إلى مشاريع سياسية جامعة، ولم تلتئم القوى فيها ضمن ما يمكن تسميته بالفدرالية السياسية أو التحالف العريض للأفراد والمجموعات لكي تقدم برنامجاً وتكافح من أجله. وقد يكون توفّر الحريات الفردية والجماعية لديهم، معطوفاً على ديناميكيّتهم المُناقِضة لجمود التمثيل السياسي الطائفي، وقدرة بعضهم الدورية على مغادرة البلد ثم العودة إليه، دافعاً لتعبير بعضهم عن الغضب واحتقار السياسيين بواسطة الفنون والكتابة والتظاهر وأنشطة الدياسبورا، من دون أي حاجة مُلحّة للانخراط الحزبي أو للعمل المنظّم طويل النفس. ينزلون إلى الشارع في لحظات مثل التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري العام 2005 أو خلال حملة «طلعت ريحتكم» العام 2015 أو وقت الانتفاضة الشعبية الأوسع في تاريخ لبنان الحديث العام 2019، ثم يعودون إلى مجالات أخرى عندما تفشل تحرّكاتهم أو تصطدم بجدار النظام الطائفي وبناه وقواه الشديدة التماسك.
ولا شكّ أن الانقسام اليوم حول الحرب الدائرة، وحول العلاقة بحزب الله وبباقي الأحزاب والتيارات الطائفية المخاصمة له، يُعقِّدُ مهمّة تجميع القوى التقدمية واليسارية والتحرّك المنظّم. حاولنا سابقاً تقديم مقاربة تركّز على حصرية قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة، وعلى رفض الإملاءات والاعتداءات الإسرائيلية وعلى انتقاد محدودية الخيارات التفاوضية التي تصرّ عليها السلطة التنفيذية، مع ربط الأمر بأفق سياسي وإصلاحي واستراتيجية دفاعية لبنانية خارج الاصطفافات الحالية وبعيداً عن الممانعة والممانعة المعكوسة… لكن الأمر صعبٌ في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها البلد اقتصادياً، مع تدمير متواصل وتهجير (وهجرة شبابٍ لم تتوقّف منذ العام 2020)، الأمور التي تُسهِّلُ انسياق المتضرّرين خلف انفعالات ظرفية وخيارات يعدّونها من باب التمنّي واقعية، في حين أنها أبعد ما تكون عن الواقع.
علاوة على الانقسام السياسي وندرة العمل الجامع، ثمة أمور لا ننظر إليها كتقدميّين أو كيساريين كفاية، رغم أنها أساس التنظيم والتعبئة والتشبيك: الجسم المتفرّغ لإعداد الحملات وبناء الحركة أو الحركات السياسية الفعّالة. وهذا يحتاج إلى قدرات مالية وخبرات وكفاءات لا بديل عنها، وهي غير متوفّرة اليوم. كما يحتاج إلى مرونة فكرية تقبل بالتنوع وإدارة الاختلاف أو تفاوت الاهتمامات والأولويات.
مع ذلك، هناك الكثير مما يمكن فعله قبل الوصول إلى التنظيم المثالي وقبل حلّ مسألة سلاح حزب الله وبموازاة العمل الإغاثي والاجتماعي والتربوي والإعلامي والتوثيقي المهمّ المواجه للعدوان الإسرائيلي. فلا شيء يمنع مثلاً من استكمال الحملات المدنية حول حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لأولادها وزوجها، وحول قانون الأحوال الشخصية المدني الاختياري، أو حول حماية البيئة والشواطئ والحيز العام من الخصخصة والاستيلاء والكسّارات والتلوّث الصناعي، أو حول صيانة الحريات الإعلامية والنقابية، أو حول الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين بما فيها حقّهم في العمل، أو حول حقوق العمال الأجانب، خاصة العاملات في المنازل اللواتي لا قوانين كافية تحميهنّ من الانتهاكات والتجاوزات، أو حتى حول دعم البلديات لمنحها سلطات خدماتية تُقلِّص ابتزاز القوى السياسية الطائفية للمواطنين عبر شبكات الانتفاع التي تستغلّ حاجاتهم…
سوريا والعلاقات اللبنانية–السورية
أكثر من عشرين شهراً على هروب بشار الأسد. خلال هذه الفترة ظهرت ملامح حكم منبثق من هيئة تحرير الشام ومحيطها، ووقعت مجازر الساحل والسويداء، وتوغلت إسرائيل في الجنوب وقصفت دمشق، فيما أعادت السلطة ترتيب علاقاتها مع لبنان والعراق ودول الخليج والغرب. أنت ممن تابعوا سوريا عن كثب قبل الثورة وخلالها؛ كيف تقرأ بنية الحكم التي تتشكل؟ وماذا تكشف هذه الأشهر عن المجتمع السياسي السوري، وعن حدوده؟
منذ سقوط النظام، رأيتُ أن النقاش محكومٌ بفرضيتين مبالغ فيهما أو موهومتين. الأولى اعتبرت أن الانتقال الديمقراطي أو التعدّدي سياسياً ممكن ويسير، ولذلك كان الإحباط شديداً تجاه تعذّره بعد عشرين شهراً. وإذا كان استخدام الماضي حجّة لغياب هكذا تحوّل اليوم استخدامٌ خاطئ وكسول، فإنه لا يمكن في الوقت ذاته تجاهل أربعة وخمسين عاماً من الأسدية وما تخللها من مجازر وتخريب للمجتمع واغتيال للسياسة فيه، ولا تجاهل الخصائص الإيديولوجية للقوى التي أطاحت بالأسدية وتجاربها القتالية وإدارتها السابقة للمناطق التي سيطرت عليها خلال الثورة والحرب. كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن المحيط العربي لسوريا لم يشهد بعد هزيمة ثورات العام 2011 أي تقدّم ديمقراطي. أكثر من ذلك، لا مبالغة في القول إن الديمقراطية والحرّيات تتراجع عالمياً (مرحليّاً على الأقل)، من الولايات المتحدة إلى أميركا الجنوبية فأوروبا الغربية. لهذا، لا يمكن في مرحلة قصيرة أن تستقيم الفرضية الديمقراطية سورياً.
الفرضية الثانية المبالغ فيها، هي تلك التي عدّت هذه السلطة غير قادرة على إنتاج شيء يتخطّى القمع والتوحش. صحيح أن مجزرتين طائفيّتين وقعتا ضد العلويين في الساحل وضد الدروز في السويداء وجبل العرب، فضلاً عن جرائم خطف نساء علويّات وممارسات طائفية واغتيالات في مناطق أخرى. لكن لا يمكن اختزال السلطة كلها في هاتين المجزرتين وما تبعهما من جرائم. وهذا بالتأكيد ليس تقليلاً من حجم المأساة وعمق الجرح اللذين تسبّب بهما ما جرى.
نحن في ظنّي أمام سلطة مُركَّبة تمتلك مرونة وخيارات هجينة وتتعامل إلى الآن مع المؤقّت والممكن. هي ليبرالية اقتصادياً، تراهن على جذب الاستثمارات بشروط المستثمرين، وخصوصاً من الخليج وتركيا، وتحاول استرضاء الولايات المتحدة والغرب لحماية نفسها. تقبل ببعض الحرّيات السياسية والاجتماعية، لكنها تُظهِرُ بين الحين والآخر قُدرتها على ممارسة القمع المباشر أو الرمزي.
داخلها مكوّن جهادي، ومكوّن انتهازي، وأشخاص صادقون في رغبتهم في قيادة سوريا إلى مرحلة أخرى. وتتقاطع هذه المكوّنات كلها عند أحمد الشرع الذي يُظهر منذ ما قبل تولّيه السلطة براغماتية و«رشاقة حركة» شجّعته عليها تركيا ثم بعض دول الخليج، وتشجّعه عليها اليوم تجربته الداخلية وعلاقاته الخارجية. وهو يعرف أن الإبقاء على توازنات حكمه وهَجانته تتطلّب مقاربات تقبل بقدرٍ من التنوّع في البلد.
يحظى الشرع بدعم دولي وإقليمي واضح، لذلك كان الاعتقاد أن مجازر الساحل أو السويداء ستعزله أو تدفع الغرب إلى محاربته اعتقاداً ساذجاً. تنظر الولايات المتحدة وأوروبا إليه بوصفه ضمانة للاستقرار في سوريا، ويُمكنهما غضُّ النظر عن بعض الممارسات والجرائم إن لم تتكرّر أو تخرج عن إمكانية الضبط. ويكفي متابعة التخلّي عن الحليف الكردي مقابل اتفاق مع دمشق وأنقرة لفهم الأمر.
في الجنوب، لا ينفصل التوغّل الإسرائيلي والاحتلال الجديد عن رغبة تل أبيب في قطع طريق تركيا سوريا الأردن السعودية ضمن صراع المحاور الجديد. ولا ينفصل كذلك عن السعي لتوظيف «مسألة درزية» في بازارات الابتزاز ومحاولات تعديل الخرائط. فثمة في إسرائيل من يرى أن قوساً من جبل العرب عبر «كوريدور» محتلّ أو مأخوذ بالتفاوض مروراً بالجولان وجبل الشيخ، يمكنه الوصول إلى دروز البقاع الغربي وحاصبيا في جنوب لبنان. وللعلم، لم تدمّر إسرائيل أو تهجّر في حربها اللبنانية المستمرة البلدات الدرزية (والمسيحية والسنّية). أرادت أن تبدو في حرب مع حزب الله وقاعدته الشيعية حصراً. وهي تُجرُِّ سيناريوهات التفتيت والتوسّع، فإن نجحت كان به، وإلا تكون قد تسبّبت بأضرار جسيمة وأَسَّست لانعدام ثقة وتنابُذ بين «الجماعات» المقيمة على مقربة منها.
أخيراً، وهنا ربما التحدّي الأهم والأصعب، ما هي قدرة المجتمع السوري اليوم على التماسك، ومنع تكرار المجازر، والحدّ من احتمالات تغوّل السلطة، والإصرار على مسار عدالة انتقالية، في ظل أحوال اقتصادية متردّية وبلد شبه مدمّر وما زال أكثر من ثلث سكانه مهجّرين داخلياً أو لاجئين خارجياً؟
لا تكفي الديناميات الإيجابية مثل فتح مكاتب مؤسسات حقوقية وإعلامية، وإقامة فعاليات ثقافية وعقد ندوات ومحاضرات، وإطلاق حملات مدنية، بالتزامن مع عودة بعثات أجنبية، لإظهار هكذا قدرة. فإن لم تتأسّس حياة حزبية وتُقامَ انتخابات دورية ويستقلَّ القضاء وتُوضعَ الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت الرقابة، فسيبقى تحدّي القدرة المجتمعية على فرملة أي منحى تسلّطي لأي نظام محدوداً.
لهذا أظن أن المرحلة الانتقالية بخصائصها الراهنة وموازين القوى والتقاطعات فيها لن تكون قصيرة الأمد.
يتزامن الانتقال السوري مع انتقال لبناني لا يُعرَف تماماً إلى أين يقود. ويواجه البلدان تهديدات إسرائيلية بأشكال مختلفة، ويحتاج كل منهما إلى الآخر اقتصادياً، وتتداخل بينهما مسائل اللاجئين والحدود والتركيبة الطائفية. هذا العام هو الذكرى الخمسون على أول تدخل عسكري سوري في لبنان، وفيه تردَّدَ الكلام الترمبي الذي أشرنا إليه عن تَدخُّل سوري جديد. وأيضاً كأن هناك «غبرة» راسخة في سياسة البلدين: ثمة اعتقاد واعتقاد مضاد بأن على من يحكم سوريا، أياً يكن، أن يحاول الهيمنة على لبنان؛ وعلى من يحكم لبنان أن يتوجس من سوريا. هل هذه بنية دائمة في علاقة البلدين أم إرث تاريخي قابل للتجاوز؟ وما الشروط العملية لتجاوزه؟
هذان الاعتقادان قائمان بالفعل، لكنهما قابلان للتجاوز. لدى بعض السوريين شعورٌ بأن لبنان كيان مصطنع سُلِخَ عن سوريا، ولدى بعض اللبنانيين شعورٌ بأن سوريا دولة توسعية تريد «ابتلاعهم». كرّسَ حافظ الأسد المخاوف اللبنانية عبر الاجتياحات العسكرية والشعارات حول «الشعب الواحد في دولتين» ومحاولات هضم البلد من دون ضمّه رسمياً، وتركَ ذلك توجساً لبنانياً دائماً، فيما يخصُّ البقاع والشمال تحديداً.
إعادة الأمور إلى نصابها تبدأ بترسيم الحدود بين البلدين، بما في ذلك حول مزارع شبعا. فوفق خرائط الأمم المتحدة، تقع المزارع داخل الأراضي السورية، رغم أن الملكيات العقارية فيها تعود إلى أهالي شبعا اللبنانيين. رفضَ النظام السوري السابق تثبيت لبنانيتها رسمياً أو تعديلَ الخرائط وقتَ الاتفاق الأممي على الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل، عقبَ جلاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب العام 2000، ليُبقي الملف قابلاً للاستخدام. لذلك يجب ترسيم الحدود من شبعا عبر البقاع والشمال وصولاً إلى البحر المتوسط.
الأهم أن العلاقة الطبيعية والسيادية لا تعني إنكار الاختلافات الكثيرة بين البلدين، ولا تعني مطالبة لبنان بالتصرف كأنه منفصل عن محيطه. فالمطلوب تحويل الجوار من تماس جغرافي متوتّر إلى مجال مصالح مُعلَنة، مثل تنظيم المعابر والتجارة، والربط بالطرقات السريعة مع العراق والأردن وتركيا، والتعاون في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار والاستفادة من المرافئ والمطارات، والتبادل الأكاديمي، ومعالجة قضايا المفقودين وتسهيل عودة اللاجئين. حين توضع هذه الملفات في اتفاقات بين دولتين، وتخضع للمؤسسات وللرقابة، تتراجع قدرة الأجهزة والمتنفّذين وشبكات التهريب على التأثير في العلاقة.
تحتاج الدولتان أيضاً إلى تنسيق سياسي بأسرع وقت ممكن. هما تواجهان احتلالاً إسرائيلياً، لكن كل واحدة تتّكل منفردة على الولايات المتحدة: يعتبر لبنان الرسمي أن واشنطن قد تُعينه للضغط على إسرائيل، مقابل إنهاء الوضع المسلح لحزب الله؛ وترى السلطة السورية أن علاقتها بالأميركيين قد تردعُ إسرائيل وتُتيح استعادة الأراضي التي احتلتها بعد سقوط الأسد، أي من دون الجولان. التنسيق بينهما غائب تماماً في هذا الملف، علماً أنه يمكن لهما اليوم الاستفادة من التحالفات الإقليمية الجديدة، ومن تَقارُب تركيا والسعودية وقطر وباكستان، وربما العراق، في مقابل المحور الذي يضم إسرائيل والإمارات والهند بدرجات مختلفة. يمكن تنسيق المواقف من دون استعداء الولايات المتحدة، ومن دون تكريس عداوة مع إيران التي يترنّحُ دورها الإقليمي، فلا مصلحة على المدى البعيد في ذلك.
لكن أي صفحة جديدة تتطلبُ مراجعة الطرفين أيضاً لخطاب المظلومية: اللبنانيون يتحدثون عن تسعة وعشرين عاماً من الهيمنة السورية والاغتيالات والنهب وعن العبء الاقتصادي والديموغرافي للاجئين، والسوريون يتحدثون عن سوء معاملة هؤلاء اللاجئين في الكثير من المناطق وعن تدخل حزب الله عسكرياً لحماية نظام الأسد البائد.
زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان التي أشرنا إليها كانت ذات دلالة، ويبدو أنه أبلغَ رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن القيادة السورية لا تمانع فتح صفحة جديدة مع حزب الله، وردَّ نعيم قاسم لاحقاً بأن حزبه لا يمانع لقاء القيادة الجديدة في دمشق. لكن على حزب الله أولاً أن يعتذر من السوريين واللبنانيين عن تدخله في الحرب السورية، فهذا الاعتذار ضروري. ويجب إطلاق المعتقلين السوريين في لبنان ممن لم يُحاكَموا أو أمضوا مدة محكومياتهم. بالمقابل، على النظام السوري التأكيد على عدم تدخّله في الشأن الداخلي اللبناني، وطيّ صفحة الماضي وخطاباتها المذهبية. وللكتّاب والمثقفين السوريين واللبنانيين دور موازٍ هنا، عبر الكتابة عن تاريخ البلدين وخلق مساحات التلاقي الثقافية والفنية وغيرها من الأمور.
فلسطين وفرنسا واليمين المتطرف
عشتَ حرب الإبادة على غزة من موقعين: كمثقف لبناني يتابع فلسطين وتداعيات الحرب على لبنان والمنطقة، وكأستاذ مقيم في فرنسا وحاضر بصورة متواترة في إعلامها. بدا المشهد الفرنسي في البداية أكثر خفوتاً والتباساً من محطات سابقة متصلة بالشرق الأوسط، ثم أصبحت فلسطين موضوع فرز داخلي حاد. ما الخصوصية الفرنسية التي تُفسّر هذا المسار؟
هناك العديد من القضايا التي يجدر التوقف عندها للإجابة عن السؤال. لفرنسا خصوصية تاريخية، تماماً كما تقول. فهي من الدول الغربية القليلة التي لم تُراجِع رسمياً ماضيها الاستعماري ولم تعتذر عنه، وما زالت أصوات مُعتبَرة فيها، ونصوص تعليمية في مدارسها، تقدم الاستعمار بوصفه «مهمة حضارية» شيّدت المدارس والمستشفيات ورقّت الشعوب المُستعمَرة. كما أن علاقة المخيلة السياسية لليمين والوسط الفرنسيين بالعالم العربي محكومةٌ إلى حد بعيد بعلاقتها المتوترة ماضياً وحاضراً مع الجزائر، تتعامل من خلالها مع المنطقة وترى في الكفاح الفلسطيني مرآة للكفاح الجزائري السابق ضدها. وبسبب وجود عدد كبير من المقيمين الجزائريين أو من الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية والمغاربية في المدن الفرنسية وضواحيها، تحولت هذه المخيّلة من علاقة تاريخية مع «آخر» بعيد إلى قضية داخلية فرنسية مستديمة التوتّر.
وتنسحب هذه الخصوصية على المسألة اليهودية. ذلك أن عقدة الذنب المرتبطة بتعاون سلطات فيشي والشرطة الفرنسية مع النازيين، وترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة، أثّرت لفترة طويلة على مواقف فرنسا الرسمية، خاصة في الخمسينيات والستينيات، وعلى جيل من السياسيين ما زالت أفكاره ذات حضور اليوم في أوساط اليمين كما في جانب الأوساط الاشتراكية المتقدّمة في السن. ولنتذكّر أن فرنسا هي من وفّرت لإسرائيل التكنولوجيا النووية العسكرية لبناء برنامجها والحصول على السلاح الذرّي. وهي من دفعت إلى الحرب ضد مصر بعد تأميم جمال عبد الناصر قناة السويس العام 1956، من باب الحلف مع تل أبيب وانتقاماً من دعمه لجبهة التحرير الوطني الجزائرية.
يُضاف إلى ذلك أن قسماً غير قليل من يهود فرنسا هم من أصول مغاربية، حصل أجدادهم على الجنسية الفرنسية أوائل القرن الماضي، أو طُردوا بعد استقلال الجزائر – في ما عدا الشيوعيين منهم – على اعتبارهم موالين للاستعمار المهزوم. لذلك فعلاقتهم شائكة أيضاً مع العرب والمسلمين، في بلد يضمّ أكبر جماعتين يهودية ومسلمة في أوروبا. وهذا يختلف كثيراً عن أحوال اليهود الأميركيين مثلاً، الذين لا تماس عدوانياً لهم ولا ذاكرة صدامية مع العرب، وتُظهر استطلاعات الرأي اليوم أن أكثريةً بين جيلهم الجديد تعارض إسرائيل وترفض الخلط بين المشروع الصهيوني وهويّتهم اليهودية.
وبعد 7 أكتوبر 2023، دخل عنصران على خطّ الدعم لإسرائيل وحربها. الأول خطاب إسرائيل الذي وظّفَ مفهوم الإرهاب ليُماهي بين هجمات حماس وهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك والاعتداءات في فرنسا – من «باتاكلان» ونيس إلى قتل المدرّس صامويل باتي. ووظّفَ كل مكوّنات الخطاب الإسلاموفوبي لتمرير مقارناته، وفصل أعمال العنف المشروعة (حين تستهدف جنوداً ومستوطنين مسلّحين) وغير المشروعة (حين تستهدف مدنيين) عن كل ما يمكن أن يشرح خلفياتها السياسية والتاريخية (والشرح لا يعني التبرير). وتماشى معظمُ الإعلام المرئي الفرنسي مع هذا الخطاب الإسرائيلي، وجرّمَ معنوياً محاولات تحليل ما جرى، وجرّمَ بالطبع كل تضامن مع الفلسطينيين نازعاً الأنسنة عنهم، بما جعل قتلاهم أرقاماً بلا وجوه وقصص ونجاحات وإخفاقات وذكريات يمكن أن تثير التعاطف.
العنصر الثاني هو انضمام اليمين المتطرّف، الذي كانت معاداة السامية أبرز معالم تاريخه وثقافته، إلى الحملات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية. والمفارقة أن هذا اليمين الذي تأسّسَ على يد متعاونين مع ألمانيا النازية وعسكريين شاركوا في التعذيب في الجزائر، تحوّلَ منذ سنوات إلى الطرف الأكثر دعماً لإسرائيل، ليس في فرنسا فقط، بل في كامل أوروبا، لسببين رئيسيين. أوّلهما، ما يسمّيه الفيلسوف البلجيكي ميشال فيهير «التبييض المتبادل» بين معادي السامية والصهاينة، وثانيهما تأييده إسرائيل كحليف «غربي أبيض» في حروبها على عرب ومسلمين، أي على «سكّان أصليين سُمر البشرة».
رغم كل هذا، ورغم تصريحات إيمانويل ماكرون ووزرائه طيلة الأشهر الأولى لبدء الإبادة، التي عبّرت عن جهل وسوء نيّة إذ أرادت جعل العداء للصهيونية مُرادِفاً للعداء لليهودية، ورغم ضغوط إدارات الجامعات على طلابها وأجهزتها التدريسية والإدارية، ورغم صرف موظّفين ومقاطعة منتجين لفنّانين وإعلاميين عبّروا عن تضامنهم مع الكفاح الفلسطيني أو أدانوا مجازر إسرائيل، فقد سارت عشرات التظاهرات الكبرى وعُقدت مئات الندوات واللقاءات، وتصدّى صحافيون للصمت أو الرقابة والابتزاز، وصدرن عشرات الكتب، وتسيّسَ جيل جديد وشاركَ في التجمّعات الجامعية وانخرطَ في أنشطة مقاطعة لبضائع ومؤسسات متعاملة مع إسرائيل.
ويجب القول هنا إن حزب «فرنسا الأبية»، وعدداً من شخصيات اليسار البيئي (الخضر) والشيوعي والتروتسكي وقيادات النقابات الكبرى ووسائل الإعلام البديل، لعبت دوراً رئيسياً في التصدّي للدعاية الإسرائيلية ولليمين المتطرّف وللخطاب الرسمي داخل المؤسسات وفي الشارع، وحوّلت الموقف من فلسطين إلى إحدى قضايا الفرز داخل الحياة السياسية الفرنسية.
ومع مرور الوقت، تراجعَ وقعُ الدعاية الإسرائيلية وتأثير الإعلام المتبنّي لها، واضطرَ ماكرون إلى انتقاد ما أسماه «البربرية» في سلوك إسرائيل في غزة، كما اضطر إلى إعلان الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول (سبتمبر) 2025. وكان للقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، ولمذكّرات توقيف المحكمة الجنائية ضد نتنياهو وغالانت، ولتقارير عشرات المنظمات الحقوقية والإنسانية والصحية، ولشهادات الأجسام الطبية، وللصور التي تمكّنَ الغزّاويون من إرسالها، ولكتاباتهم عن الهمجية الإسرائيلية التي يتعرّضون لها، دورٌ في إحداث تغيير في أوساط الرأي العام غير العنصري وغير المتمترس خلف مقولات الإرهاب وتغييب السياسة. لكنّ المعركة طويلة، خاصة أن تغطية ما يجري في غزة تراجعت اليوم، ومثلها التعبئة الداعمة لحقوق الفلسطينيين.
يتكرر في كل انتخابات فرنسية سؤال ما إذا كان اليمين المتطرف سيفوز، لكنه لم يعد هذه المرة مجرد فزّاعة موسمية. هل ستكون انتخابات 2027 لحظة تأكيد انطواء التيارات الإيديولوجية التقليدية في غرب أوروبا، أي اليمين المحافظ والاشتراكية الديمقراطية، مقابل قطبين هما اليمين المتطرف وفرنسا الأبية، تتوسطهما تحالفات ظرفية من تيارات أصغر؟ وإلى أي حد صار فوز مارين لوبان أو تيارها واقعاً فعلياً؟
تنحو الحياة السياسية الفرنسية تدريجياً منذ سنوات نحو التوصيف الذي تتحدّث عنه: يمين متطرف يواجهه يساراً راديكالياً تقوده «فرنسا الأبية». الجديد اليوم، قبل عام من الانتخابات الرئيسية، هو أن اليمين المتطرف صار مُطبَّعاً معه في معظم الأوساط الفرنسية، وصار مُكرَّساً على الخريطة البرلمانية والتنفيذية الأوروبية.
أتذكّر عندما وصل جان ماري لوبان إلى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية للمرة الأولى العام 2002، كيف كانت الصدمة هائلة، وشهدت فرنسا بين الدورتين، في الأول من أيار (مايو)، واحدة من أكبر مظاهرات تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية. صوّتَ اليسارُ كله لجاك شيراك يومها، رغم أنه مرشح يميني، لقطع الطريق على لوبان، فحصل على أكثر من ثمانين في المئة من الأصوات. ذلك المشهد انتهى، وصار اليمين المتطرّف اليوم جزءاً من المعادلة السياسية الرسمية. ويمكن الجزم أن التحول بدأ فعلياً مع نيكولا ساركوزي في العام 2007، إذ تبنّى جزءاً كبيراً من خطاب اليمين المتطرف حول الهوية والإسلام والهجرة إضافة إلى قيم العمل والعائلة، وهي من مفردات اليمين الفاشي الفرنسي القديم. كانت حجته أنه يستخدم شعارات اليمين المتطرف لسحب البساط من تحته، لكن الناس غالباً ما يفضّلون النسخة الأصلية على النسخة المُقلَّدة. استخدم ساركوزي لغة عنيفة ومُهينة في الضواحي ضد شبان سود ومن أصول عربية، وجعلَ هذا الخطاب مألوفاً على وسائل الإعلام. كما عيّنَ حوله مجموعة من العنصريين (بعضهم أدين مثله مؤخراً أمام القضاء الفرنسي بقضايا فساد ورشوة واستلام أموال من معمّر القذافي لتمويل حملات انتخابية!). وحين جاء فرانسوا هولاند بعد ساركوزي العام 2012، حاول تحويل حزبه الاشتراكي إلى حزب اجتماعي ديمقراطي على الطريقة الإسكندنافية أو الألمانية، أي أكثرَ ليبرالية في الاقتصاد وأقربَ إلى الوسط، مع الاحتفاظ بقيم تقدمية اجتماعياً. لكن خلطته لم تنجح؛ انشقَّ اليسار الذي أراد البقاء اشتراكياً وانضمَّ بعضه إلى أقصى اليسار، فيما نشأ وسطٌ يتبنى مثلاً حقوق النساء والمثليين ويدافع عن قضايا البيئة والانفتاح الاجتماعي، لكنه يؤيد الخصخصة وخفض الضرائب على رأس المال والاندماج الأوسع في العولمة. وقد خرج الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون من صفوف هذا الوسط تحديداً. كان مستشاراً لهولاند، بعد أن عمل مصرفياً وخبيراً مالياً، وحملَ وصفات تكنوقراطية للاقتصاد «التنافسي» على ما يقول، وحافظَ على بعض المواقف التقدمية اجتماعياً، لكنه راحَ بين الحين والآخر يغازل المحافظين والرجعيين ويترك وزراءه يهاجمون ما يسمّى «ثقافة الووك». وفي ولايته الثانية المستمرّة، تحالفَ ماكرون مع اليمين التقليدي، فانقسمَ الأخير على نفسه كما انقسم الاشتراكيون من قبله، وبات بعضهم وسطياً يواليه في حين اقتربَ البعض الآخر من اليمين المتطرّف أو حتى اندمج فيه.
في موازاة ذلك، نجحت مارين لوبان، وارثة اليمين المتطرّف عن والدها، في الوصول مرتّين إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وإلى الحصول على كتل نيابية كبيرة في البرلمانين الفرنسي والأوروبي. كما نجح حزبها في الفوز بالانتخابات البلدية في بعض الأرياف حيث قاعدتها الكاثوليكية المحافظة المعادية لنخب باريس السياسية والثقافية، والمتضرّرة من السياسات الزراعية الأوروبية ومن المنافسة مع المنتجات المُستورَدة؛ وفي عدد من مدن الجنوب حيث يقيم مزيج من المتقاعدين الأثرياء قليلي التحصيل العلمي، والسكان المحليين الكارهين للمهاجرين من شمال أفريقيا ووسطها، وأبناء قدامى حروب الجزائر والمستعمرات؛ وفي مدن شمالية وشرقية كان بعضها معاقل تاريخية للشيوعيين، أيام العمل في المناجم والصناعات الكبرى، قبل أن تضربها التحوّلات الاقتصادية والأورَبة والعولمة، والبطالة. وتستفيد لوبان أيضاً من أحوال مدن طرفية نمت حول الطرقات السريعة من دون فرص عمل لمن وفد للعيش فيها، فصار سكانها يقودون مسافات طويلة ليعملوا في المدن الكبرى ويتضررون من ارتفاع أسعار الوقود. وقد عبّرت حركة السترات الصفراء عن المتضرّرين هؤلاء، وحاولت لوبان تبنّي خطابهم وجذبت جزءاً منهم، مقابل جذب اليسار لجزء آخر.
كل ذلك حوّلَ حزبها إلى حزب عادي وقويّ داخل المشهد السياسي، في مرحلة تنامت فيها العنصرية في القارة الأوروبية بعد تزايد الهجرات المُسمّاة غير شرعية (من أفغانستان والعراق وسوريا عبر تركيا، ومن دول أفريقية عدة عبر ليبيا وتونس). ولوبان استفادت مباشرة من دعم روسيا فلاديمير بوتين لها وللأحزاب اليمينية في أوروبا عامة، كما استفادت من ولاية دونالد ترامب الأولى وخطابه خلالها ومن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي تُناصبه العداء. وهي تستفيد اليوم تكراراً من ولاية ترامب الثانية ومن الموجة اليمينية المتطرّفة في أميركا الجنوبية، من الأرجنتين إلى تشيلي وكولومبيا. أكثر من ذلك، بات لخطاب اليمين المتطرّف الفرنسي وثقافته رجالُ أعمال من الأكثر غنى في البلاد، يملك أحدهم – فانسان بولوريه – وسائل إعلام مكتوبة ومرئية ومسموعة ودور نشر ومكتبات وقاعات سينما، وهو يَعُدُّ نفسه في «حملة صليبية» لإنقاذ فرنسا من «الاجتياح الإسلامي» على ما يُردِّد. وتشير الكثير من الدراسات حول السلوك الانتخابي إلى أن 57 في المئة من عديد الشرطة والأجهزة الأمنية الفرنسية مثلاً يصوّتون لليمين المتطرّف. وهذا يفسّر جوانب من ممارساتهم في ضواحي المدن وأحيائها الشعبية، حيث تتركّز إقامة المهاجرين الفقراء والفرنسيين من أصول أفريقية مختلفة. فهناك، يتصرّف رجال الشرطة بفظاظة ويبدون أحياناً وكأنهم في مناطق معادية أو مستعمرات داخلية، حيث يستسهلون ممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد الشبّان المحلّيين. ولم يَعُد يُجرِّم خطاب الكراهية وممارسات العنصرية إلا أقصى اليسار، وتحديداً «فرنسا الأبية»، في وقت صار الوسط الماكروني والاشتراكي يتعامل معها بوصفها أمراً واقعاً.
سينعكس ذلك كله في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، وتشير جميع استطلاعات الرأي إلى وصول لوبان إلى الدور الثاني (أو مرشّح حزبها جوردان بارديلا في حال أدانها القضاء الفرنسي بتهمة الفساد الملاحقة بها). وهناك احتمالان لمواجهتها في هذا الدور. احتمال للوسط (ولبقايا اليمين الجمهوري الديغولي) يمثّله رئيس الحكومة السابق إدوار فيليب، واحتمال لليسار يمثّله جان لوك ميلانشون مرشّح «فرنسا الأبيّة». الأول تعطيه الاستطلاعات فرصة أفضل لهزيمة لوبان لأنه يستطيع جمع أصوات الوسط وجزء من أصوات اليسار وبقايا اليمين الذي أشرنا إليه. الثاني، ميلانشون، احتياطه الانتخابي أضيق، لكون الوسط وقسم من اليسار الاشتراكي ومعظم تشكيلات اليمين قد تمتنع عن التصويت، أو حتى تميل إلى لوبان، لمنعه من الوصول إلى الرئاسة. لكنه يملك أيضاً عنصراً يصعب قياسه: الناخبون لأول مرّة والشباب الذين لم يصوّتوا في السابق. وحزبه إحصائياً هو الأول حتى الآن في تنسيب هؤلاء وجذبهم إلى التظاهرات والاعتصامات، وأحياناً إلى الاستحقاقات الانتخابية، لأسباب فرنسية وفلسطينية.
ولتلخيص درامية الوضع، كنا نقول في السابق إننا نُضطر للتصويت لمرشح لا نريده ولا يعبّر عنا في شيء كي لا تفوز لوبان. اليوم نخشى حتى ألّا يكفي تصويت كهذا. فإذا وصل مرشح مثل فيليب إلى الدورة الثانية وخسر رغم التحشيد عن غير قناعة له، فستكون تلك مأساة حقيقية. وهي واردة…
الجمهورية.نت
في هذا الحوار، يتناول الكاتب وأستاذ العلوم السياسية زياد ماجد التحولات التي يشهدها لبنان في خضمّ الحرب الإسرائيلية عليه، والتغيرات التي يفرضها إضعاف حزب الله، وحدود الحديث عن دخول البلاد مرحلة «ما بعد الحزب». ويناقش المأزق الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، ومخاطر رهان القوى الطائفية اللبنانية المتكرر على الخارج لتعديل موازين القوى الداخلية. ينتقل الحوار بعد ذلك إلى إمكان بناء سياسة تقدمية في لبنان، وإلى ملامح السلطة والمجتمع في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وشروط فتح صفحة جديدة بين البلدين. وفي قسمه الأخير، يتوقف ماجد عند أثر حرب الإبادة في غزة على الحياة السياسية الفرنسية، وعند التطبيع الانتخابي مع اليمين المتطرف وشعاراته واتساع احتمالات وصوله إلى الرئاسة العام 2027.
لبنان وحزب الله
لنبدأ من لبنان. تتحدث الحكومة مباشرةً مع إسرائيل دون مشاركة حزب الله، وهو الطرف المقاتل على الأرض. وفي الوقت نفسه، خسر الحزب جانباً كبيراً من قدرته على الفرض والتعطيل من دون أن يَخرُجَ من المؤسسات أو يفقد تمثيله الطائفي. أمام هذا التركيب المتناقض، هل يمكن وصف لبنان اليوم بأنه بلد «ما بعد حزب الله»، أم أننا في منطقة وسطى لم تتحدد ملامحها بعد؟
المشهد اللبناني اليوم معقّد وستُراوِحُ أموره على حالها الراهنة طويلاً. لكن ثمة مسألتان يمكن التوقّف عندهما لشرح موقع حزب الله ضمن المعادلة القائمة.
المسألة الأولى هي تراجُع نفوذه وسطوته. كانت لديه قدرة على فرض مواقف أو تعطيل قرارات، أما اليوم فلم يعُد لديه هذه القدرة. لا يستطيع التعطيل إلا إذا لجأ إلى العنف الداخلي، ولا يستطيع، خارج الميدان الحربي في الجنوب، أن يفرض خيارات في السياسة الخارجية يرفضها رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة.
حدثَ ذلك نتيجة نكسته العسكرية، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، والضربات الإسرائيلية التي أطاحت بجزء من قيادتيه السياسية والعسكرية في العام 2024، فضلاً عن السيطرة الجوية الإسرائيلية على لبنان. وكان الحزب قد انكشف، خلال أكثر من عشر سنوات من المشاركة في الحرب السورية، أمام اختراقات مخابراتية، ثم انقطعت خطوط إمداده العسكرية الرئيسية بعد سقوط النظام الأسدي.
أضعفته هذه العوامل مجتمعةً وقلّصت دوره، واضطر للقبول بتسويات إقليمية ودولية لم تكن طهران طرفاً مُبادِراً فيها. وهي تسويات أميركية فرنسية سعودية أفضت بعد وقف النار في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 (الذي لم تلتزم به إسرائيل)، إلى انتخاب رئيس جمهورية مطلع العام 2025، وتكليف رئيس حكومة جديد. الأول، جوزاف عون، جاء إلى رأس السلطة السياسية من قيادة الجيش، مُمثِّلاً بالتالي المؤسسة العسكرية ذات المشروعية الوطنية والمسيحية تاريخياً، فيما جاء الثاني، نواف سلام، بوصفه حامل مشروعٍ إصلاحي، فهو رئيس سابق لمحكمة العدل الدولية، وسفير سابق في الأمم المتحدة، وأستاذ جامعي. ودخل معه إلى الحكومة وجهان محترمان في الأوساط الثقافية والتيارات التغييرية، طارق متري وغسان سلامة، في بلد يحتاج إلى الإنقاذ بعد الانهيار المالي والحرب وتداعياتهما.
أربكَ ذلك حزب الله. لم يرغب في المجاهرة بمعارضته للعهد، لا بل دخل بوزيرين إلى الحكومة الجديدة.
إلا أن الحرب الثانية ابتداءً من 2 آذار (مارس) 2026 كسرت الجرّة بينه وبين رئيسي الجمهورية والحكومة. واليوم، بعد احتلال إسرائيل لقرابة 6 في المئة من الأراضي اللبنانية وارتكابها إبادة عمرانية في المناطق التي تحتلها، يعتبرُ رئيسُ الجمهورية أن التفاوض معها هو الخيار الوحيد المتاح، مستنداً في مهمّته إلى صلاحياته الدستورية. والأرجح أنه يحظى في ذلك بتأييد مسيحي واسع، وبموافقة ضمنية من شرائح درزية وسنّية عديدة. لكن مأزقه يكمن في أن إسرائيل لا تقبل أياً من مطالبه التفاوضية، مُشترِطةً قبل أي بحث في وقف جرائمها وإنهاء احتلالها ولو تدريجياً نزعَ سلاح حزب الله، وهي تعرف أن هذا غير ممكن لبنانياً من دون تفاهمات وحوارات ومن دون أن تُوقِفَ قصفها واغتيالاتها وتباشر بانسحابات تُتيح للجيش اللبناني الانتشار. كما أن الرئيس اللبناني يضعُ رهاناته بأكملها عند دونالد ترامب، على اعتبار أن واشنطن هي الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل، ما قلّصَ خياراته السياسية وجعلها بلا هوامش. ليس فقط لأن واشنطن لن تضغط كفاية على إسرائيل، ولا لأن الأخيرة تستطيع أن تناور بين جبهة إيران وجبهات الضفة وغزة والجنوب السوري ولبنان، فتتنازلَ لترامب في مكان وتُصعِّدَ في مكان آخر، بل أيضاً لأن التخلّي عن الدبلوماسية وعن السعي للتنسيق مع دول كثيرة من المنطقة والعالم للتأثير على ترامب يَحدُّ من فرص دفعِ الأخير إلى أي قرار إيجابي وحازم. لذلك سندخل مرحلة طويلة من المُراوحة في المفاوضات ومن المماطلة الإسرائيلية المعهودة، ومن البقاء في دائرة مفرغة بين مشروطيّتي الانسحاب والسلاح.
المسألة الثانية التي يجب النظر إليها، في ما يخصّ حزب الله، هي مسألةُ النظام الطائفي اللبناني التي تُصعِّبُ القول إننا دخلنا في مرحلة «ما بعده»، رغم تَراجُع قوّته.
فالنظام اللبناني المُسمَّى توافقياً يتيح لممثلي الطوائف المشارَكةَ في صنع القرار والمكوثَ داخل المؤسسات التنفيذية والتشريعية. وطالما أن التمثيل الشيعي مُحتكَر من حزب الله وحليفته حركة أمل، لأسباب ترتبط بقدرة التعبئة الشعبية لديهما، وبالنظام الانتخابي وتقسيم دوائره، وبالزبائنية والخدمات، وبالواقع الطائفي في البلد عامةً وقواه الرئيسية المتنافسة، فإن مشاركتهما في البرلمانات ستفرض مشاركتهما في الحكومات. تماماً كما هو الوضع اليوم، ولا أرى تغيّراً سيحصل في موازين القوى الشيعية أو الطائفية عامةً في الانتخابات المقبلة، بمعزل عن رهانات البعض وأوهامهم التي تتكرّر هي نفسها منذ العام 2005.
ألمحَ دونالد ترامب إلى إمكان أن يؤدي أحمد الشرع أو القوات السورية دوراً في نزع سلاح حزب الله. هل ترى أن ثمة احتمالاً واقعياً لدور سوري كهذا، أم أن موازين القوى اللبنانية والإقليمية تجعله مستحيلاً؟ ولماذا يبدو أن الأمر لم يُثِر رفضاً لبنانياً كبيراً؟
أستبعدُ أن يكون لسوريا دور من هذا النوع، حتى لو كان ترامب قد فكّرَ جدياً في إدخال قوات سورية للمشاركة في نزع سلاح الحزب. الأمر مُتعذِّر عربياً وإقليمياً ودولياً، فلا السعودية ولا تركيا ولا مصر ولا قطر ولا فرنسا ولا الاتحاد الأوروبي يمكن أن تشجّع عليه. كما أن الشرع نفسه، في تقديري، يتهيّبُ الأمر ولا يعتبره من مهامه. هذا إضافة إلى كونه ميدانياً، في أي حال، صعبُ التحقّق.
لبنانياً، سيواجِهُ أمرٌ كهذا إن تخطّى طور التصريحات الترامبية رفضاً مطلقاً، حتى إذا كان بعض هذا الرفض اليوم غائبٌ أو مضمرٌ لأسباب كثيرة. رئيس الجمهورية مثلاً لا يريد أن يبدو وكأنه يعترض على كلام ترامب، وهو الذي يُعوّل على العلاقة به للضغط على إسرائيل للانسحاب. لذلك يُكتفى بالقول إن هكذا شأن لا يستقيم لبنانياً. قادة القوى المسيحية صمتوا إذ قرأوا التصريح بوصفه وسيلة ضغط إضافية على حزب الله، لكنهم أيضاً لن يكونوا حياديين إذا تحوّلَ إلى مشروع فعلي، لأسباب تتصل بذاكرة قواعدهم الشعبية ومعاناتها مع النظام السوري السابق، وكذلك لريبتهم من التركيبة السياسية والخلفية الإيديولوجية للنظام الحالي. الأمر نفسه ينطبق على القوى الدرزية. فوليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي يعارضان هذا الأمر، وخصوم الجنبلاطية في الساحة الدرزية يعارضونه من باب معارضتهم للشرع بسبب مجزرة السويداء. قد تكون بعض البيئات السنّية، وخصوصاً في الشمال، أكثر ترحيباً بدور سوري ما في لبنان. وأظهرت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس إمكان نشوء ولاء جديد لدى قطاعات من سنّة الشمال المهمشين تاريخياً، اقتصادياً واجتماعياً، لنظام إسلامي سنّي في دمشق يحظى بغطاء تركي وسعودي. لكن الأمر لا يعني تأييداً لدخول عسكري سوري، وهو يبقى في أي حال محدوداً في جغرافيا لها خصائصها في العلاقة مع سوريا سياسياً وطائفياً (طرابلس هي المدينة اللبنانية الوحيدة التي فيها علويّون، وقد اصطدموا بسنّة المدينة في مراحل عديدة؛ وطرابلس هي المدينة الوحيدة أيضاً التي عاملها حافظ الأسد خلال الحرب والاجتياحات بعنف شديد وكأنها مدينة سورية).
بالمقابل، يوظّف حزب الله تصريحات ترامب لتخويف الشيعة البقاعيين. يقول خطابه إن شيعة لبنان باتوا مُحاصرين من كل الجهات. الحدود السورية صارت عدائية تجاههم شرقاً، وإسرائيل عدوّتهم التاريخية جنوباً، والسلطة اللبنانية والمراقبة الدولية تُقفلان البحر أمامهم غرباً، فلا خيار لهم سوى التكتل والاعتماد على الذات وعلى ما تبقى من عون إيراني. وهذا كلّه مقلق بالطبع في مفاعيله داخلياً، خاصة في ظلّ تهجير مئات الآلاف من الجنوبيين ممّن لن يعودوا إلى حطام قراهم المحتلّة قريباً…
في حرب 2006 أصدرتَ مع الراحل إلياس خوري بياناً أثار جدلاً في لحظة كان فيها الانقسام اللبناني حاداً، لأنكما جمعتما بين معارضة حزب الله ورفض الحرب الإسرائيلية على لبنان. الآن، بعد عقدين، ما الذي ما زال صالحاً من ذلك الموقف؟ وما الذي ينبغي قوله بصورة مختلفة؟
كرّرتُ الموقف نفسه هذه المرة، وأنا مقتنع بأنه كان وما زال الموقف المناسب. لا يمكن أن أكون، كيساريٍّ، مع حزب الله سياسياً أو ثقافياً أو في تحالفاته الإقليمية، فمُمارساته وسلوكه أمورٌ ساهمت بتعميق الانقسامات الطائفية في لبنان، وساهمت في استفحال الأزمات. وبعد 2006 ازدادت أسباب معارضته: انخراطه في الحرب السورية ودفاعه عن بشار الأسد، وتسلطه على الحياة السياسية اللبنانية، وربطه لبنان أكثر فأكثر بالمصالح الإيرانية ومشاركته في قمع الانتفاضة الشعبية العام 2019. المعارضةُ للحزب جذرية إذن، وتبقى كذلك. لكن إسرائيل خطر تاريخي على لبنان، وسيرةُ اعتداءاتها عليه واحتلال أرضه وقتل عشرات الآلاف من أبنائه وبناته سابقةٌ على ولادة حزب الله ولاحقةٌ لها. وليس صحيحاً أن سياسة تل أبيب هي سياسة ردّات فعل كما يردّد البعض اليوم، وكأن إسرائيل دولةٌ بلا استراتيجيات هيمنة وبناء نفوذ وتوسّع وتهجير سكّان، أو كأنها تتصرّف فقط وفق «الردّ على من يهاجمها». هذا كلام خاطئ علمياً، وتجعله المقارنات التي تُعطى في ما يخصّ تعامل إسرائيل مع مصر (أكبر دولة عربية ومتوسّطية ديموغرافياً) والأردن (حيث نصف السكان من أصول فلسطينية) أكثر تهافتاً. وهناك، بمعزل عن أي سجال حول ما تريده إسرائيل، مشكلة لبنانية مُزمنة تتمثل في رهان القوى الطائفية الكبرى على القوى الخارجية لتسوية صراعاتها الداخلية. مارسَ حزب الله هذا الرهان، ويمارسه عددٌ من خصومه أيضاً، وإنْ في ظروف مختلفة. في حرب 2006 كما اليوم، راهنَ هؤلاء الخصوم على أن تضربه إسرائيل لتُعدِّلَ موازين القوى الداخلية، من دون أي اكتراث بتبعات الأمر، ومن دون أي تعاطف مع مئات ألوف الضحايا، مُهجَّرين ومصابين وقتلى وفاقدي أملاك وبيوت وأرزاق أعمار.
لا يستطيع، برأيي، من يفكر جدياً بمصلحة البلد أن يقبل بهكذا رهانات أو أن يكون حيادياً إزاء قصف إسرائيل واحتلالها وتهجيرها الناس وسعيها إلى محو عشرات البلدات، ومنها بلدات كبيرة مثل بنت جبيل والخيام وعيترون وميس الجبل والطيبة وحولا. نتحدث هنا عن تفجير آلاف المساكن وتدمير المدارس والمؤسسات العامة والبنى التحتية وجرف المقابر، وعن استهداف المسعفين والصحافيين، وعن حرق الأراضي الزراعية وكروم الزيتون والأشجار المثمرة…
أضيفُ إلى ما ورد أنه في بلد صغير مثل لبنان، يُشكِّلُ عدمُ اعتبار البلد في حالة حرب إن كانت المقتلة تدور فقط في جنوبه، أو عدم الاكتراث بجماعة مُستهدَفة بسبب الخصومة مع ممثليها السياسيين، لا بل الشماتة بها أحياناً، أرضيةً خصبة للحروب وللنزاعات الأهلية.
تأتي الحرب فوق انهيار مالي وسياسي سابق، ونظام طائفي شديد القدرة على التعطيل، وتدخلات خارجية متعددة، وفي لحظة فراغ إيديولوجي إقليمي وعالمي. ضمن هذه الشروط، هل ما زال ممكناً الحديث عن سياسة تَقدُّمية في لبنان؟ وما المسائل التي يمكن أن تنتظم حولها؟
هذا ممكن، ولو أنني لا أظن أن الوضع الإقليمي والداخلي يسمح حالياً بتغيير جذري لموازين القوى. ظهرت فرصة في مطلع 2025، بعد سقوط النظام السوري ووقف إطلاق النار الجزئي في لبنان وتشكيل الحكومة الحالية. بدا أن وجود نواف سلام وطارق متري وغسان سلامة، إلى جانب رئيس جمهورية وافد من خارج الطبقة السياسية، يفتح احتمالات إيجابية: تفاوض مع هيئات دولية لإنقاذ الاقتصاد، بالتوازي مع إصلاح القضاء والإدارة والنظام الانتخابي، وهي ملفات سبق إنجاز العمل الفكري والقانوني حولها. وكان يمكن بالتالي، للمرة الأولى ربما، أن تقترن المساعدات الدولية للبنان بشروط إصلاحية جدية. لكن بعض التطوّرات داخل السلطة التنفيذية أبطأت المسار سريعاً. ظهرت المعركة الأولى عند تعيين حاكم مصرف لبنان، واصطدمت الشخصيات الإصلاحية الحكومية بباقي الوزراء، وبرئيس الجمهورية الذي اختار حاكماً يُعَدّ قريباً من جمعية المصارف، وهي من الجهات الرئيسية المسؤولة عن الانهيار المالي. أظهر الأمر أن اللوبي المصرفي ما زال قوياً، وأن الشروع بالمشروع الإصلاحي أصعبُ مما توهّمَ البعض. ثم جاءت بعض التعيينات والإجراءات لتؤكّد على هذه الصعوبة، قبل أن يفرض تَجدُّد الحرب على نطاقها الواسع والمتوحّش ابتداءً من آذار (مارس) 2026 تبديل جميع الأولويات.
في المقلب المجتمعي، ليس التقدميون والعلمانيون والإصلاحيون، وفي طليعتهم اليساريون، قلّة، لكنهم لا يتفقون على أجندة واحدة، ويبتعد قسم منهم عن العمل السياسي المباشر، منتقلين إلى الإعلام البديل ومراكز الأبحاث والجمعيات والمبادرات المدنية والنسوية والحقوقية والنقابية والبيئية والثقافية.
وثمة معارك مهمة خاضها هؤلاء في السنوات الماضية داخل نقابات المهندسين والمحامين والصحافيين وفي الأوساط الطلابية الجامعية. لكنها لم تتحوّل إلى مشاريع سياسية جامعة، ولم تلتئم القوى فيها ضمن ما يمكن تسميته بالفدرالية السياسية أو التحالف العريض للأفراد والمجموعات لكي تقدم برنامجاً وتكافح من أجله. وقد يكون توفّر الحريات الفردية والجماعية لديهم، معطوفاً على ديناميكيّتهم المُناقِضة لجمود التمثيل السياسي الطائفي، وقدرة بعضهم الدورية على مغادرة البلد ثم العودة إليه، دافعاً لتعبير بعضهم عن الغضب واحتقار السياسيين بواسطة الفنون والكتابة والتظاهر وأنشطة الدياسبورا، من دون أي حاجة مُلحّة للانخراط الحزبي أو للعمل المنظّم طويل النفس. ينزلون إلى الشارع في لحظات مثل التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري العام 2005 أو خلال حملة «طلعت ريحتكم» العام 2015 أو وقت الانتفاضة الشعبية الأوسع في تاريخ لبنان الحديث العام 2019، ثم يعودون إلى مجالات أخرى عندما تفشل تحرّكاتهم أو تصطدم بجدار النظام الطائفي وبناه وقواه الشديدة التماسك.
ولا شكّ أن الانقسام اليوم حول الحرب الدائرة، وحول العلاقة بحزب الله وبباقي الأحزاب والتيارات الطائفية المخاصمة له، يُعقِّدُ مهمّة تجميع القوى التقدمية واليسارية والتحرّك المنظّم. حاولنا سابقاً تقديم مقاربة تركّز على حصرية قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة، وعلى رفض الإملاءات والاعتداءات الإسرائيلية وعلى انتقاد محدودية الخيارات التفاوضية التي تصرّ عليها السلطة التنفيذية، مع ربط الأمر بأفق سياسي وإصلاحي واستراتيجية دفاعية لبنانية خارج الاصطفافات الحالية وبعيداً عن الممانعة والممانعة المعكوسة… لكن الأمر صعبٌ في ظل الظروف الكارثية التي يعيشها البلد اقتصادياً، مع تدمير متواصل وتهجير (وهجرة شبابٍ لم تتوقّف منذ العام 2020)، الأمور التي تُسهِّلُ انسياق المتضرّرين خلف انفعالات ظرفية وخيارات يعدّونها من باب التمنّي واقعية، في حين أنها أبعد ما تكون عن الواقع.
علاوة على الانقسام السياسي وندرة العمل الجامع، ثمة أمور لا ننظر إليها كتقدميّين أو كيساريين كفاية، رغم أنها أساس التنظيم والتعبئة والتشبيك: الجسم المتفرّغ لإعداد الحملات وبناء الحركة أو الحركات السياسية الفعّالة. وهذا يحتاج إلى قدرات مالية وخبرات وكفاءات لا بديل عنها، وهي غير متوفّرة اليوم. كما يحتاج إلى مرونة فكرية تقبل بالتنوع وإدارة الاختلاف أو تفاوت الاهتمامات والأولويات.
مع ذلك، هناك الكثير مما يمكن فعله قبل الوصول إلى التنظيم المثالي وقبل حلّ مسألة سلاح حزب الله وبموازاة العمل الإغاثي والاجتماعي والتربوي والإعلامي والتوثيقي المهمّ المواجه للعدوان الإسرائيلي. فلا شيء يمنع مثلاً من استكمال الحملات المدنية حول حق المرأة اللبنانية في منح جنسيتها لأولادها وزوجها، وحول قانون الأحوال الشخصية المدني الاختياري، أو حول حماية البيئة والشواطئ والحيز العام من الخصخصة والاستيلاء والكسّارات والتلوّث الصناعي، أو حول صيانة الحريات الإعلامية والنقابية، أو حول الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين بما فيها حقّهم في العمل، أو حول حقوق العمال الأجانب، خاصة العاملات في المنازل اللواتي لا قوانين كافية تحميهنّ من الانتهاكات والتجاوزات، أو حتى حول دعم البلديات لمنحها سلطات خدماتية تُقلِّص ابتزاز القوى السياسية الطائفية للمواطنين عبر شبكات الانتفاع التي تستغلّ حاجاتهم…
سوريا والعلاقات اللبنانية–السورية
أكثر من عشرين شهراً على هروب بشار الأسد. خلال هذه الفترة ظهرت ملامح حكم منبثق من هيئة تحرير الشام ومحيطها، ووقعت مجازر الساحل والسويداء، وتوغلت إسرائيل في الجنوب وقصفت دمشق، فيما أعادت السلطة ترتيب علاقاتها مع لبنان والعراق ودول الخليج والغرب. أنت ممن تابعوا سوريا عن كثب قبل الثورة وخلالها؛ كيف تقرأ بنية الحكم التي تتشكل؟ وماذا تكشف هذه الأشهر عن المجتمع السياسي السوري، وعن حدوده؟
منذ سقوط النظام، رأيتُ أن النقاش محكومٌ بفرضيتين مبالغ فيهما أو موهومتين. الأولى اعتبرت أن الانتقال الديمقراطي أو التعدّدي سياسياً ممكن ويسير، ولذلك كان الإحباط شديداً تجاه تعذّره بعد عشرين شهراً. وإذا كان استخدام الماضي حجّة لغياب هكذا تحوّل اليوم استخدامٌ خاطئ وكسول، فإنه لا يمكن في الوقت ذاته تجاهل أربعة وخمسين عاماً من الأسدية وما تخللها من مجازر وتخريب للمجتمع واغتيال للسياسة فيه، ولا تجاهل الخصائص الإيديولوجية للقوى التي أطاحت بالأسدية وتجاربها القتالية وإدارتها السابقة للمناطق التي سيطرت عليها خلال الثورة والحرب. كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن المحيط العربي لسوريا لم يشهد بعد هزيمة ثورات العام 2011 أي تقدّم ديمقراطي. أكثر من ذلك، لا مبالغة في القول إن الديمقراطية والحرّيات تتراجع عالمياً (مرحليّاً على الأقل)، من الولايات المتحدة إلى أميركا الجنوبية فأوروبا الغربية. لهذا، لا يمكن في مرحلة قصيرة أن تستقيم الفرضية الديمقراطية سورياً.
الفرضية الثانية المبالغ فيها، هي تلك التي عدّت هذه السلطة غير قادرة على إنتاج شيء يتخطّى القمع والتوحش. صحيح أن مجزرتين طائفيّتين وقعتا ضد العلويين في الساحل وضد الدروز في السويداء وجبل العرب، فضلاً عن جرائم خطف نساء علويّات وممارسات طائفية واغتيالات في مناطق أخرى. لكن لا يمكن اختزال السلطة كلها في هاتين المجزرتين وما تبعهما من جرائم. وهذا بالتأكيد ليس تقليلاً من حجم المأساة وعمق الجرح اللذين تسبّب بهما ما جرى.
نحن في ظنّي أمام سلطة مُركَّبة تمتلك مرونة وخيارات هجينة وتتعامل إلى الآن مع المؤقّت والممكن. هي ليبرالية اقتصادياً، تراهن على جذب الاستثمارات بشروط المستثمرين، وخصوصاً من الخليج وتركيا، وتحاول استرضاء الولايات المتحدة والغرب لحماية نفسها. تقبل ببعض الحرّيات السياسية والاجتماعية، لكنها تُظهِرُ بين الحين والآخر قُدرتها على ممارسة القمع المباشر أو الرمزي.
داخلها مكوّن جهادي، ومكوّن انتهازي، وأشخاص صادقون في رغبتهم في قيادة سوريا إلى مرحلة أخرى. وتتقاطع هذه المكوّنات كلها عند أحمد الشرع الذي يُظهر منذ ما قبل تولّيه السلطة براغماتية و«رشاقة حركة» شجّعته عليها تركيا ثم بعض دول الخليج، وتشجّعه عليها اليوم تجربته الداخلية وعلاقاته الخارجية. وهو يعرف أن الإبقاء على توازنات حكمه وهَجانته تتطلّب مقاربات تقبل بقدرٍ من التنوّع في البلد.
يحظى الشرع بدعم دولي وإقليمي واضح، لذلك كان الاعتقاد أن مجازر الساحل أو السويداء ستعزله أو تدفع الغرب إلى محاربته اعتقاداً ساذجاً. تنظر الولايات المتحدة وأوروبا إليه بوصفه ضمانة للاستقرار في سوريا، ويُمكنهما غضُّ النظر عن بعض الممارسات والجرائم إن لم تتكرّر أو تخرج عن إمكانية الضبط. ويكفي متابعة التخلّي عن الحليف الكردي مقابل اتفاق مع دمشق وأنقرة لفهم الأمر.
في الجنوب، لا ينفصل التوغّل الإسرائيلي والاحتلال الجديد عن رغبة تل أبيب في قطع طريق تركيا سوريا الأردن السعودية ضمن صراع المحاور الجديد. ولا ينفصل كذلك عن السعي لتوظيف «مسألة درزية» في بازارات الابتزاز ومحاولات تعديل الخرائط. فثمة في إسرائيل من يرى أن قوساً من جبل العرب عبر «كوريدور» محتلّ أو مأخوذ بالتفاوض مروراً بالجولان وجبل الشيخ، يمكنه الوصول إلى دروز البقاع الغربي وحاصبيا في جنوب لبنان. وللعلم، لم تدمّر إسرائيل أو تهجّر في حربها اللبنانية المستمرة البلدات الدرزية (والمسيحية والسنّية). أرادت أن تبدو في حرب مع حزب الله وقاعدته الشيعية حصراً. وهي تُجرُِّ سيناريوهات التفتيت والتوسّع، فإن نجحت كان به، وإلا تكون قد تسبّبت بأضرار جسيمة وأَسَّست لانعدام ثقة وتنابُذ بين «الجماعات» المقيمة على مقربة منها.
أخيراً، وهنا ربما التحدّي الأهم والأصعب، ما هي قدرة المجتمع السوري اليوم على التماسك، ومنع تكرار المجازر، والحدّ من احتمالات تغوّل السلطة، والإصرار على مسار عدالة انتقالية، في ظل أحوال اقتصادية متردّية وبلد شبه مدمّر وما زال أكثر من ثلث سكانه مهجّرين داخلياً أو لاجئين خارجياً؟
لا تكفي الديناميات الإيجابية مثل فتح مكاتب مؤسسات حقوقية وإعلامية، وإقامة فعاليات ثقافية وعقد ندوات ومحاضرات، وإطلاق حملات مدنية، بالتزامن مع عودة بعثات أجنبية، لإظهار هكذا قدرة. فإن لم تتأسّس حياة حزبية وتُقامَ انتخابات دورية ويستقلَّ القضاء وتُوضعَ الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت الرقابة، فسيبقى تحدّي القدرة المجتمعية على فرملة أي منحى تسلّطي لأي نظام محدوداً.
لهذا أظن أن المرحلة الانتقالية بخصائصها الراهنة وموازين القوى والتقاطعات فيها لن تكون قصيرة الأمد.
يتزامن الانتقال السوري مع انتقال لبناني لا يُعرَف تماماً إلى أين يقود. ويواجه البلدان تهديدات إسرائيلية بأشكال مختلفة، ويحتاج كل منهما إلى الآخر اقتصادياً، وتتداخل بينهما مسائل اللاجئين والحدود والتركيبة الطائفية. هذا العام هو الذكرى الخمسون على أول تدخل عسكري سوري في لبنان، وفيه تردَّدَ الكلام الترمبي الذي أشرنا إليه عن تَدخُّل سوري جديد. وأيضاً كأن هناك «غبرة» راسخة في سياسة البلدين: ثمة اعتقاد واعتقاد مضاد بأن على من يحكم سوريا، أياً يكن، أن يحاول الهيمنة على لبنان؛ وعلى من يحكم لبنان أن يتوجس من سوريا. هل هذه بنية دائمة في علاقة البلدين أم إرث تاريخي قابل للتجاوز؟ وما الشروط العملية لتجاوزه؟
هذان الاعتقادان قائمان بالفعل، لكنهما قابلان للتجاوز. لدى بعض السوريين شعورٌ بأن لبنان كيان مصطنع سُلِخَ عن سوريا، ولدى بعض اللبنانيين شعورٌ بأن سوريا دولة توسعية تريد «ابتلاعهم». كرّسَ حافظ الأسد المخاوف اللبنانية عبر الاجتياحات العسكرية والشعارات حول «الشعب الواحد في دولتين» ومحاولات هضم البلد من دون ضمّه رسمياً، وتركَ ذلك توجساً لبنانياً دائماً، فيما يخصُّ البقاع والشمال تحديداً.
إعادة الأمور إلى نصابها تبدأ بترسيم الحدود بين البلدين، بما في ذلك حول مزارع شبعا. فوفق خرائط الأمم المتحدة، تقع المزارع داخل الأراضي السورية، رغم أن الملكيات العقارية فيها تعود إلى أهالي شبعا اللبنانيين. رفضَ النظام السوري السابق تثبيت لبنانيتها رسمياً أو تعديلَ الخرائط وقتَ الاتفاق الأممي على الخط الأزرق بين لبنان وإسرائيل، عقبَ جلاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب العام 2000، ليُبقي الملف قابلاً للاستخدام. لذلك يجب ترسيم الحدود من شبعا عبر البقاع والشمال وصولاً إلى البحر المتوسط.
الأهم أن العلاقة الطبيعية والسيادية لا تعني إنكار الاختلافات الكثيرة بين البلدين، ولا تعني مطالبة لبنان بالتصرف كأنه منفصل عن محيطه. فالمطلوب تحويل الجوار من تماس جغرافي متوتّر إلى مجال مصالح مُعلَنة، مثل تنظيم المعابر والتجارة، والربط بالطرقات السريعة مع العراق والأردن وتركيا، والتعاون في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار والاستفادة من المرافئ والمطارات، والتبادل الأكاديمي، ومعالجة قضايا المفقودين وتسهيل عودة اللاجئين. حين توضع هذه الملفات في اتفاقات بين دولتين، وتخضع للمؤسسات وللرقابة، تتراجع قدرة الأجهزة والمتنفّذين وشبكات التهريب على التأثير في العلاقة.
تحتاج الدولتان أيضاً إلى تنسيق سياسي بأسرع وقت ممكن. هما تواجهان احتلالاً إسرائيلياً، لكن كل واحدة تتّكل منفردة على الولايات المتحدة: يعتبر لبنان الرسمي أن واشنطن قد تُعينه للضغط على إسرائيل، مقابل إنهاء الوضع المسلح لحزب الله؛ وترى السلطة السورية أن علاقتها بالأميركيين قد تردعُ إسرائيل وتُتيح استعادة الأراضي التي احتلتها بعد سقوط الأسد، أي من دون الجولان. التنسيق بينهما غائب تماماً في هذا الملف، علماً أنه يمكن لهما اليوم الاستفادة من التحالفات الإقليمية الجديدة، ومن تَقارُب تركيا والسعودية وقطر وباكستان، وربما العراق، في مقابل المحور الذي يضم إسرائيل والإمارات والهند بدرجات مختلفة. يمكن تنسيق المواقف من دون استعداء الولايات المتحدة، ومن دون تكريس عداوة مع إيران التي يترنّحُ دورها الإقليمي، فلا مصلحة على المدى البعيد في ذلك.
لكن أي صفحة جديدة تتطلبُ مراجعة الطرفين أيضاً لخطاب المظلومية: اللبنانيون يتحدثون عن تسعة وعشرين عاماً من الهيمنة السورية والاغتيالات والنهب وعن العبء الاقتصادي والديموغرافي للاجئين، والسوريون يتحدثون عن سوء معاملة هؤلاء اللاجئين في الكثير من المناطق وعن تدخل حزب الله عسكرياً لحماية نظام الأسد البائد.
زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان التي أشرنا إليها كانت ذات دلالة، ويبدو أنه أبلغَ رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن القيادة السورية لا تمانع فتح صفحة جديدة مع حزب الله، وردَّ نعيم قاسم لاحقاً بأن حزبه لا يمانع لقاء القيادة الجديدة في دمشق. لكن على حزب الله أولاً أن يعتذر من السوريين واللبنانيين عن تدخله في الحرب السورية، فهذا الاعتذار ضروري. ويجب إطلاق المعتقلين السوريين في لبنان ممن لم يُحاكَموا أو أمضوا مدة محكومياتهم. بالمقابل، على النظام السوري التأكيد على عدم تدخّله في الشأن الداخلي اللبناني، وطيّ صفحة الماضي وخطاباتها المذهبية. وللكتّاب والمثقفين السوريين واللبنانيين دور موازٍ هنا، عبر الكتابة عن تاريخ البلدين وخلق مساحات التلاقي الثقافية والفنية وغيرها من الأمور.
فلسطين وفرنسا واليمين المتطرف
عشتَ حرب الإبادة على غزة من موقعين: كمثقف لبناني يتابع فلسطين وتداعيات الحرب على لبنان والمنطقة، وكأستاذ مقيم في فرنسا وحاضر بصورة متواترة في إعلامها. بدا المشهد الفرنسي في البداية أكثر خفوتاً والتباساً من محطات سابقة متصلة بالشرق الأوسط، ثم أصبحت فلسطين موضوع فرز داخلي حاد. ما الخصوصية الفرنسية التي تُفسّر هذا المسار؟
هناك العديد من القضايا التي يجدر التوقف عندها للإجابة عن السؤال. لفرنسا خصوصية تاريخية، تماماً كما تقول. فهي من الدول الغربية القليلة التي لم تُراجِع رسمياً ماضيها الاستعماري ولم تعتذر عنه، وما زالت أصوات مُعتبَرة فيها، ونصوص تعليمية في مدارسها، تقدم الاستعمار بوصفه «مهمة حضارية» شيّدت المدارس والمستشفيات ورقّت الشعوب المُستعمَرة. كما أن علاقة المخيلة السياسية لليمين والوسط الفرنسيين بالعالم العربي محكومةٌ إلى حد بعيد بعلاقتها المتوترة ماضياً وحاضراً مع الجزائر، تتعامل من خلالها مع المنطقة وترى في الكفاح الفلسطيني مرآة للكفاح الجزائري السابق ضدها. وبسبب وجود عدد كبير من المقيمين الجزائريين أو من الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية والمغاربية في المدن الفرنسية وضواحيها، تحولت هذه المخيّلة من علاقة تاريخية مع «آخر» بعيد إلى قضية داخلية فرنسية مستديمة التوتّر.
وتنسحب هذه الخصوصية على المسألة اليهودية. ذلك أن عقدة الذنب المرتبطة بتعاون سلطات فيشي والشرطة الفرنسية مع النازيين، وترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة، أثّرت لفترة طويلة على مواقف فرنسا الرسمية، خاصة في الخمسينيات والستينيات، وعلى جيل من السياسيين ما زالت أفكاره ذات حضور اليوم في أوساط اليمين كما في جانب الأوساط الاشتراكية المتقدّمة في السن. ولنتذكّر أن فرنسا هي من وفّرت لإسرائيل التكنولوجيا النووية العسكرية لبناء برنامجها والحصول على السلاح الذرّي. وهي من دفعت إلى الحرب ضد مصر بعد تأميم جمال عبد الناصر قناة السويس العام 1956، من باب الحلف مع تل أبيب وانتقاماً من دعمه لجبهة التحرير الوطني الجزائرية.
يُضاف إلى ذلك أن قسماً غير قليل من يهود فرنسا هم من أصول مغاربية، حصل أجدادهم على الجنسية الفرنسية أوائل القرن الماضي، أو طُردوا بعد استقلال الجزائر – في ما عدا الشيوعيين منهم – على اعتبارهم موالين للاستعمار المهزوم. لذلك فعلاقتهم شائكة أيضاً مع العرب والمسلمين، في بلد يضمّ أكبر جماعتين يهودية ومسلمة في أوروبا. وهذا يختلف كثيراً عن أحوال اليهود الأميركيين مثلاً، الذين لا تماس عدوانياً لهم ولا ذاكرة صدامية مع العرب، وتُظهر استطلاعات الرأي اليوم أن أكثريةً بين جيلهم الجديد تعارض إسرائيل وترفض الخلط بين المشروع الصهيوني وهويّتهم اليهودية.
وبعد 7 أكتوبر 2023، دخل عنصران على خطّ الدعم لإسرائيل وحربها. الأول خطاب إسرائيل الذي وظّفَ مفهوم الإرهاب ليُماهي بين هجمات حماس وهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك والاعتداءات في فرنسا – من «باتاكلان» ونيس إلى قتل المدرّس صامويل باتي. ووظّفَ كل مكوّنات الخطاب الإسلاموفوبي لتمرير مقارناته، وفصل أعمال العنف المشروعة (حين تستهدف جنوداً ومستوطنين مسلّحين) وغير المشروعة (حين تستهدف مدنيين) عن كل ما يمكن أن يشرح خلفياتها السياسية والتاريخية (والشرح لا يعني التبرير). وتماشى معظمُ الإعلام المرئي الفرنسي مع هذا الخطاب الإسرائيلي، وجرّمَ معنوياً محاولات تحليل ما جرى، وجرّمَ بالطبع كل تضامن مع الفلسطينيين نازعاً الأنسنة عنهم، بما جعل قتلاهم أرقاماً بلا وجوه وقصص ونجاحات وإخفاقات وذكريات يمكن أن تثير التعاطف.
العنصر الثاني هو انضمام اليمين المتطرّف، الذي كانت معاداة السامية أبرز معالم تاريخه وثقافته، إلى الحملات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية. والمفارقة أن هذا اليمين الذي تأسّسَ على يد متعاونين مع ألمانيا النازية وعسكريين شاركوا في التعذيب في الجزائر، تحوّلَ منذ سنوات إلى الطرف الأكثر دعماً لإسرائيل، ليس في فرنسا فقط، بل في كامل أوروبا، لسببين رئيسيين. أوّلهما، ما يسمّيه الفيلسوف البلجيكي ميشال فيهير «التبييض المتبادل» بين معادي السامية والصهاينة، وثانيهما تأييده إسرائيل كحليف «غربي أبيض» في حروبها على عرب ومسلمين، أي على «سكّان أصليين سُمر البشرة».
رغم كل هذا، ورغم تصريحات إيمانويل ماكرون ووزرائه طيلة الأشهر الأولى لبدء الإبادة، التي عبّرت عن جهل وسوء نيّة إذ أرادت جعل العداء للصهيونية مُرادِفاً للعداء لليهودية، ورغم ضغوط إدارات الجامعات على طلابها وأجهزتها التدريسية والإدارية، ورغم صرف موظّفين ومقاطعة منتجين لفنّانين وإعلاميين عبّروا عن تضامنهم مع الكفاح الفلسطيني أو أدانوا مجازر إسرائيل، فقد سارت عشرات التظاهرات الكبرى وعُقدت مئات الندوات واللقاءات، وتصدّى صحافيون للصمت أو الرقابة والابتزاز، وصدرن عشرات الكتب، وتسيّسَ جيل جديد وشاركَ في التجمّعات الجامعية وانخرطَ في أنشطة مقاطعة لبضائع ومؤسسات متعاملة مع إسرائيل.
ويجب القول هنا إن حزب «فرنسا الأبية»، وعدداً من شخصيات اليسار البيئي (الخضر) والشيوعي والتروتسكي وقيادات النقابات الكبرى ووسائل الإعلام البديل، لعبت دوراً رئيسياً في التصدّي للدعاية الإسرائيلية ولليمين المتطرّف وللخطاب الرسمي داخل المؤسسات وفي الشارع، وحوّلت الموقف من فلسطين إلى إحدى قضايا الفرز داخل الحياة السياسية الفرنسية.
ومع مرور الوقت، تراجعَ وقعُ الدعاية الإسرائيلية وتأثير الإعلام المتبنّي لها، واضطرَ ماكرون إلى انتقاد ما أسماه «البربرية» في سلوك إسرائيل في غزة، كما اضطر إلى إعلان الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول (سبتمبر) 2025. وكان للقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، ولمذكّرات توقيف المحكمة الجنائية ضد نتنياهو وغالانت، ولتقارير عشرات المنظمات الحقوقية والإنسانية والصحية، ولشهادات الأجسام الطبية، وللصور التي تمكّنَ الغزّاويون من إرسالها، ولكتاباتهم عن الهمجية الإسرائيلية التي يتعرّضون لها، دورٌ في إحداث تغيير في أوساط الرأي العام غير العنصري وغير المتمترس خلف مقولات الإرهاب وتغييب السياسة. لكنّ المعركة طويلة، خاصة أن تغطية ما يجري في غزة تراجعت اليوم، ومثلها التعبئة الداعمة لحقوق الفلسطينيين.
يتكرر في كل انتخابات فرنسية سؤال ما إذا كان اليمين المتطرف سيفوز، لكنه لم يعد هذه المرة مجرد فزّاعة موسمية. هل ستكون انتخابات 2027 لحظة تأكيد انطواء التيارات الإيديولوجية التقليدية في غرب أوروبا، أي اليمين المحافظ والاشتراكية الديمقراطية، مقابل قطبين هما اليمين المتطرف وفرنسا الأبية، تتوسطهما تحالفات ظرفية من تيارات أصغر؟ وإلى أي حد صار فوز مارين لوبان أو تيارها واقعاً فعلياً؟
تنحو الحياة السياسية الفرنسية تدريجياً منذ سنوات نحو التوصيف الذي تتحدّث عنه: يمين متطرف يواجهه يساراً راديكالياً تقوده «فرنسا الأبية». الجديد اليوم، قبل عام من الانتخابات الرئيسية، هو أن اليمين المتطرف صار مُطبَّعاً معه في معظم الأوساط الفرنسية، وصار مُكرَّساً على الخريطة البرلمانية والتنفيذية الأوروبية.
أتذكّر عندما وصل جان ماري لوبان إلى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية للمرة الأولى العام 2002، كيف كانت الصدمة هائلة، وشهدت فرنسا بين الدورتين، في الأول من أيار (مايو)، واحدة من أكبر مظاهرات تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية. صوّتَ اليسارُ كله لجاك شيراك يومها، رغم أنه مرشح يميني، لقطع الطريق على لوبان، فحصل على أكثر من ثمانين في المئة من الأصوات. ذلك المشهد انتهى، وصار اليمين المتطرّف اليوم جزءاً من المعادلة السياسية الرسمية. ويمكن الجزم أن التحول بدأ فعلياً مع نيكولا ساركوزي في العام 2007، إذ تبنّى جزءاً كبيراً من خطاب اليمين المتطرف حول الهوية والإسلام والهجرة إضافة إلى قيم العمل والعائلة، وهي من مفردات اليمين الفاشي الفرنسي القديم. كانت حجته أنه يستخدم شعارات اليمين المتطرف لسحب البساط من تحته، لكن الناس غالباً ما يفضّلون النسخة الأصلية على النسخة المُقلَّدة. استخدم ساركوزي لغة عنيفة ومُهينة في الضواحي ضد شبان سود ومن أصول عربية، وجعلَ هذا الخطاب مألوفاً على وسائل الإعلام. كما عيّنَ حوله مجموعة من العنصريين (بعضهم أدين مثله مؤخراً أمام القضاء الفرنسي بقضايا فساد ورشوة واستلام أموال من معمّر القذافي لتمويل حملات انتخابية!). وحين جاء فرانسوا هولاند بعد ساركوزي العام 2012، حاول تحويل حزبه الاشتراكي إلى حزب اجتماعي ديمقراطي على الطريقة الإسكندنافية أو الألمانية، أي أكثرَ ليبرالية في الاقتصاد وأقربَ إلى الوسط، مع الاحتفاظ بقيم تقدمية اجتماعياً. لكن خلطته لم تنجح؛ انشقَّ اليسار الذي أراد البقاء اشتراكياً وانضمَّ بعضه إلى أقصى اليسار، فيما نشأ وسطٌ يتبنى مثلاً حقوق النساء والمثليين ويدافع عن قضايا البيئة والانفتاح الاجتماعي، لكنه يؤيد الخصخصة وخفض الضرائب على رأس المال والاندماج الأوسع في العولمة. وقد خرج الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون من صفوف هذا الوسط تحديداً. كان مستشاراً لهولاند، بعد أن عمل مصرفياً وخبيراً مالياً، وحملَ وصفات تكنوقراطية للاقتصاد «التنافسي» على ما يقول، وحافظَ على بعض المواقف التقدمية اجتماعياً، لكنه راحَ بين الحين والآخر يغازل المحافظين والرجعيين ويترك وزراءه يهاجمون ما يسمّى «ثقافة الووك». وفي ولايته الثانية المستمرّة، تحالفَ ماكرون مع اليمين التقليدي، فانقسمَ الأخير على نفسه كما انقسم الاشتراكيون من قبله، وبات بعضهم وسطياً يواليه في حين اقتربَ البعض الآخر من اليمين المتطرّف أو حتى اندمج فيه.
في موازاة ذلك، نجحت مارين لوبان، وارثة اليمين المتطرّف عن والدها، في الوصول مرتّين إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وإلى الحصول على كتل نيابية كبيرة في البرلمانين الفرنسي والأوروبي. كما نجح حزبها في الفوز بالانتخابات البلدية في بعض الأرياف حيث قاعدتها الكاثوليكية المحافظة المعادية لنخب باريس السياسية والثقافية، والمتضرّرة من السياسات الزراعية الأوروبية ومن المنافسة مع المنتجات المُستورَدة؛ وفي عدد من مدن الجنوب حيث يقيم مزيج من المتقاعدين الأثرياء قليلي التحصيل العلمي، والسكان المحليين الكارهين للمهاجرين من شمال أفريقيا ووسطها، وأبناء قدامى حروب الجزائر والمستعمرات؛ وفي مدن شمالية وشرقية كان بعضها معاقل تاريخية للشيوعيين، أيام العمل في المناجم والصناعات الكبرى، قبل أن تضربها التحوّلات الاقتصادية والأورَبة والعولمة، والبطالة. وتستفيد لوبان أيضاً من أحوال مدن طرفية نمت حول الطرقات السريعة من دون فرص عمل لمن وفد للعيش فيها، فصار سكانها يقودون مسافات طويلة ليعملوا في المدن الكبرى ويتضررون من ارتفاع أسعار الوقود. وقد عبّرت حركة السترات الصفراء عن المتضرّرين هؤلاء، وحاولت لوبان تبنّي خطابهم وجذبت جزءاً منهم، مقابل جذب اليسار لجزء آخر.
كل ذلك حوّلَ حزبها إلى حزب عادي وقويّ داخل المشهد السياسي، في مرحلة تنامت فيها العنصرية في القارة الأوروبية بعد تزايد الهجرات المُسمّاة غير شرعية (من أفغانستان والعراق وسوريا عبر تركيا، ومن دول أفريقية عدة عبر ليبيا وتونس). ولوبان استفادت مباشرة من دعم روسيا فلاديمير بوتين لها وللأحزاب اليمينية في أوروبا عامة، كما استفادت من ولاية دونالد ترامب الأولى وخطابه خلالها ومن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي تُناصبه العداء. وهي تستفيد اليوم تكراراً من ولاية ترامب الثانية ومن الموجة اليمينية المتطرّفة في أميركا الجنوبية، من الأرجنتين إلى تشيلي وكولومبيا. أكثر من ذلك، بات لخطاب اليمين المتطرّف الفرنسي وثقافته رجالُ أعمال من الأكثر غنى في البلاد، يملك أحدهم – فانسان بولوريه – وسائل إعلام مكتوبة ومرئية ومسموعة ودور نشر ومكتبات وقاعات سينما، وهو يَعُدُّ نفسه في «حملة صليبية» لإنقاذ فرنسا من «الاجتياح الإسلامي» على ما يُردِّد. وتشير الكثير من الدراسات حول السلوك الانتخابي إلى أن 57 في المئة من عديد الشرطة والأجهزة الأمنية الفرنسية مثلاً يصوّتون لليمين المتطرّف. وهذا يفسّر جوانب من ممارساتهم في ضواحي المدن وأحيائها الشعبية، حيث تتركّز إقامة المهاجرين الفقراء والفرنسيين من أصول أفريقية مختلفة. فهناك، يتصرّف رجال الشرطة بفظاظة ويبدون أحياناً وكأنهم في مناطق معادية أو مستعمرات داخلية، حيث يستسهلون ممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد الشبّان المحلّيين. ولم يَعُد يُجرِّم خطاب الكراهية وممارسات العنصرية إلا أقصى اليسار، وتحديداً «فرنسا الأبية»، في وقت صار الوسط الماكروني والاشتراكي يتعامل معها بوصفها أمراً واقعاً.
سينعكس ذلك كله في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، وتشير جميع استطلاعات الرأي إلى وصول لوبان إلى الدور الثاني (أو مرشّح حزبها جوردان بارديلا في حال أدانها القضاء الفرنسي بتهمة الفساد الملاحقة بها). وهناك احتمالان لمواجهتها في هذا الدور. احتمال للوسط (ولبقايا اليمين الجمهوري الديغولي) يمثّله رئيس الحكومة السابق إدوار فيليب، واحتمال لليسار يمثّله جان لوك ميلانشون مرشّح «فرنسا الأبيّة». الأول تعطيه الاستطلاعات فرصة أفضل لهزيمة لوبان لأنه يستطيع جمع أصوات الوسط وجزء من أصوات اليسار وبقايا اليمين الذي أشرنا إليه. الثاني، ميلانشون، احتياطه الانتخابي أضيق، لكون الوسط وقسم من اليسار الاشتراكي ومعظم تشكيلات اليمين قد تمتنع عن التصويت، أو حتى تميل إلى لوبان، لمنعه من الوصول إلى الرئاسة. لكنه يملك أيضاً عنصراً يصعب قياسه: الناخبون لأول مرّة والشباب الذين لم يصوّتوا في السابق. وحزبه إحصائياً هو الأول حتى الآن في تنسيب هؤلاء وجذبهم إلى التظاهرات والاعتصامات، وأحياناً إلى الاستحقاقات الانتخابية، لأسباب فرنسية وفلسطينية.
ولتلخيص درامية الوضع، كنا نقول في السابق إننا نُضطر للتصويت لمرشح لا نريده ولا يعبّر عنا في شيء كي لا تفوز لوبان. اليوم نخشى حتى ألّا يكفي تصويت كهذا. فإذا وصل مرشح مثل فيليب إلى الدورة الثانية وخسر رغم التحشيد عن غير قناعة له، فستكون تلك مأساة حقيقية. وهي واردة…

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire