حين يتكلم الآخرون باسم الشعب

 



مروان عبدالعال

أخطر جملة في الخطاب السياسي ليست دائماً تلك التي تقول: «أنا اقول»، بل تلك التي تقول: «الشعب يقول او يريد». ففي الجملة الأولى يتحدث الفرد عن نفسه ويتحمل مسؤولية ما يقول، أما في الثانية فإن المتحدث يستدعي ملايين البشر إلى جملة واحدة، وينسب إليهم إرادة واحدة، وموقفاً واحداً، وربما مستقبلاً واحداً. وحين يقول كاتب أو مسؤول أو حزب أو مثقف: «الشعب الفلسطيني يقول »، أو «الشعب الفلسطيني يرفض»، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق العبارة لا أن يأتي بعدها هو: من الذي يتكلم؟ ومن أين استمد حقه في الكلام باسم ملايين البشر؟ وهل نحن أمام نقل لإرادة شعب، أم أمام إنتاج لهذه الإرادة داخل اللغة؟
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى طبيعية، بل ضرورية في الخطاب السياسي. فكل مجتمع يحتاج إلى من يمثله، وكل قضية عامة تحتاج إلى متحدثين عنها، كما أن العمل السياسي لا يمكن أن يقوم من دون تفويض أو مؤسسات أو أشكال للتمثيل. لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتجاوز فيها التمثيل وظيفته، فيتحول من وسيلة للتعبير عن إرادة الناس إلى سلطة تتحدث بدلاً منهم، ثم تمنح نفسها حق تعريف ما يريدون وما لا يريدون. عندها لا يعود الممثل مجرد ناقل لصوت، بل يصبح منتجاً للصوت ومحدداً لحدوده. وما كان رأياً سياسياً قابلاً للنقاش يتحول، بمجرد إسناده إلى «الشعب»، إلى حقيقة مكتملة، وربما إلى معيار تُقاس عليه وطنية الآخرين ومشروعيتهم.

سبيفاك، «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟»
من هنا تكتسب عبارة غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك، «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟»، راهنيتها. لم يكن السؤال عند سبيفاك سؤالاً عن قدرة المقهور على النطق؛ فالذين يعيشون في الهامش يتحدثون ويحتجون ويكتبون ويقاومون ويصنعون رواياتهم عن العالم. لكن المشكلة تكمن في الشروط التي تجعل هذا الكلام مسموعاً ومعترفاً به. فالفاعل المهمش قد يمتلك صوتاً، لكن صوته لا يصل بالضرورة إلى المكان الذي تُنتج فيه الحقيقة أو تُتخذ فيه القرارات أو تُمنح فيه الشرعية. ولذلك فإن سؤال سبيفاك لا يعني: هل التابع قادر على الكلام؟ بل: هل يستطيع أن يتحدث عن نفسه، وأن يكون صوته صوته، لا مادةً في خطاب الآخرين؟
هنا تنقل سبيفاك النقاش من القمع المباشر إلى مستوى أكثر خفاءً: مستوى التمثيل. فالهيمنة لا تحتاج دائماً إلى أن تمنع الإنسان من الكلام؛ يكفي أحياناً أن تتحدث عنه بصورة مستمرة، وأن تفسر تجربته قبل أن يفسرها هو، وأن تقدم نفسها بوصفها الناطق الطبيعي بحاجاته ومصالحه. عندها قد يبقى الإنسان حاضراً في الخطاب، لكنه يغيب عن إنتاجه. يصبح مرئياً بوصفه موضوعاً، ومغيّباً بوصفه ذاتاً.
وهذا هو الجانب الأكثر إرباكاً في أطروحة سبيفاك؛ لأنها لا تسأل فقط عن السلطة التي تقمع، بل تسأل أيضاً عن السلطة التي تمثّل. فالمشكلة ليست دائماً في أن المستعمِر يتحدث عن المستعمَر، وإنما يمكن أن تتكرر الآلية نفسها في خطاب المثقف حين يتحدث عن الفقير، أو السياسي حين يتحدث عن الشعب، أو الباحث حين يتحدث عن الجماعة، أو الناطق باسم القضية حين يتحدث عن أصحابها. قد تكون النية نبيلة، وقد يكون الهدف هو الدفاع عن المقهور، لكن النية لا تلغي بالضرورة علاقات القوة الكامنة في عملية التمثيل.
ومن هنا يأتي نقد سبيفاك لبعض القراءات الراديكالية للسلطة، ومنها بعض أطروحات ميشيل فوكو وجيل ديلوز. فهي لا تنكر أهمية تحليلهما للسلطة والمقاومة، لكنها تتحفظ على الفكرة التي تفترض، ضمناً، أن المهمش يستطيع أن يتحدث عن نفسه بمجرد إزالة القيود التي تمنعه من الكلام. فالمسألة أعمق من فتح باب أو إتاحة منبر. هناك بنية معرفية وثقافية تحدد مسبقاً من يستطيع الكلام، وبأي لغة، وتحت أي شروط، وما الذي يُعتبر معرفة، وما الذي يُصنف رأياً هامشياً لا يستحق الإصغاء.
قد يتحدث التابع، لكن حديثه يمر عبر مؤسسات الآخرين. وقد يصل صوته، لكنه يصل بعد أن يُترجم إلى لغة لا تشبهه تماماً. وقد تُمنح له المنصة، لكن الأسئلة تكون قد صيغت مسبقاً بطريقة تحدد نوع الإجابة الممكنة. ولهذا فإن الصمت، في بعض الحالات، ليس غياباً للكلام، بل نتيجة لبنية تجعل الكلام موجوداً، لكنه عاجز عن إنتاج أثره.

وهذا ما يجعل الانتقال من سبيفاك إلى فلسطين انتقالاً طبيعياً.
ففلسطين كانت دائماً موضوعاً لفائض هائل من الخطابات. الاستعمار يتحدث عن الفلسطيني، والدبلوماسية الدولية تتحدث عنه، والإعلام يتحدث عنه، والمنظمات الإنسانية تتحدث عنه، والأحزاب تتحدث باسمه، والمثقفون يتحدثون عنه، وحتى خصومه يتحدثون باسمه. وفي هذا الفيض من الكلام تنشأ مفارقة عميقة: كلما ازداد الحديث عن الفلسطيني، تراجع حضوره بوصفه صاحباً للصوت.
تزداد هذه المفارقة وضوحاً في لحظة تتراجع فيها الخدمات، وتتآكل أدوار الدوائر والمؤسسات المسؤولة عن حياة الناس، وتتفاقم الأزمات المعيشية والاجتماعية، فيما تشتد الهجمة على الشعب الفلسطيني، وتتسع مساحة العبث السياسي، ويتعمق العجز عن إنتاج إجابات توازي حجم المأزق. كل ذلك يحدث فيما يبدو الصوت الفلسطيني الجمعي غائباً عن المجال الذي تُصاغ فيه المواقف وتُتخذ فيه القرارات. وليس معنى ذلك أن الفلسطيني صامت أو فاقد للقدرة على التعبير؛ فهو يتحدث في بيته ومخيمه وشارعه وجامعته ومكان عمله، وفي غزة والضفة و القدس والشتات. لكن المشكلة أن هذا الصوت المتعدد، المختلف، المليء بالغضب والأسئلة والاحتياجات، لا يجد دائماً طريقه إلى المجال الذي تُعرّف فيه الإرادة الوطنية.
لا تكمن المشكلة هنا في أن ما يقوله السياسي صحيح أو خاطئ، ولا في إنكار الحاجة إلى التمثيل السياسي، وإنما في السؤال الذي يسبق ذلك كله: من أين استمد حقه في الكلام باسم الشعب؟ فالتمثيل الديمقراطي يفترض أن يبقى الشعب أوسع من ممثليه، وأن يظل من حقه أن يراجعهم ويختلف معهم ويحاسبهم. أما حين يصبح الممثل هو الذي يعرّف الشعب، ويحدد ما يريد وما يرفض، فإن التمثيل ينقلب تدريجياً إلى وصاية، ويصبح الصوت المنسوب إلى الشعب وسيلة لإسكات أصوات أخرى داخله.
والأخطر أن عبارة «الشعب يريد» قد تنزلق، من دون أن نشعر، من ادعاء تمثيل الشعب إلى ادعاء التطابق معه. هنا نقترب من البونابرتية، حيث لا يعود القائد يقول: «أنا أمثل الشعب»، بل يصبح، في الخطاب والممارسة، هو الشعب نفسه. وتلخص هذه النزعة العبارة المنسوبة إلى نابليون: «أنا فرنسا، وفرنسا أنا». ليست المسألة مجرد مبالغة لغوية، بل تحول سياسي وفلسفي عميق: حين يتماهى الشخص مع الأمة، يصبح الاختلاف معه اختلافاً مع الأمة، ومساءلته مساءلةً للوطن، ومعارضته خروجاً على الإرادة العامة.
وهذا الخطر لا يرتبط بشخص أو تجربة تاريخية بعينها، بل بمنطق يمكن أن يتكرر في أنظمة مختلفة. يبدأ الأمر بعبارة «أنا أمثل الشعب»، ثم يتحول تدريجياً إلى «أنا صوت الشعب»، وينتهي أحياناً إلى «أنا الشعب». وعندما يصل التمثيل إلى هذه النقطة، لا يعود هناك فارق بين الممثل ومن يمثله، ولا بين إرادة الشخص والإرادة العامة. يصبح الشعب حاضراً في الخطاب، لكنه غائب في الواقع؛ لأن الشخص الذي يتحدث باسمه لم يعد يحتاج إلى الإصغاء إليه، فهو يفترض أنه يعرف مسبقاً ما يريد.
ومن هنا يمكن قراءة بعض الاستخدامات السياسية لعبارة «الشعب الفلسطيني يريد» بحذر أكبر. فالمشكلة لا تبدأ عندما يقول السياسي: «أعتقد أن الشعب يريد»، فهذا موقف قابل للنقاش والمراجعة، وإنما حين يسقط الفاعل من الجملة، وتتحول الإرادة الشعبية إلى حقيقة جاهزة يتحدث بها شخص واحد: «الشعب يريد». من أين جاءت هذه الإرادة؟ كيف تشكلت؟ من شارك في صياغتها؟ أين تعددها واختلافاتها؟ وأين أولئك الذين لا يقولون ما يقوله المتحدث؟

الشعب مصدر الشرعية او مادة لإستخدامها:
إن الشعب ليس كتلة صماء، ولا شخصاً واحداً، ولا إرادة جاهزة تنتظر من ينطق بها. وهو ليس كذلك مجموعة من الآراء المتناثرة بلا قضايا جامعة. الشعوب تستطيع أن تنتج إرادة عامة، وأن تتوافق حول قضايا كبرى، وأن تمنح ممثليها تفويضاً. لكن الفرق جوهري بين إرادة تتشكل عبر المشاركة والنقاش والتمثيل والمساءلة، وبين إرادة تُفترض مسبقاً ثم يُطلب من الشعب أن يلتحق بها. في الحالة الأولى يكون الشعب مصدر الشرعية؛ وفي الثانية يصبح الشعب مادة تُستخدم لإضفاء الشرعية على قرار اتُخذ في مكان آخر.
لهذا فإن مفاهيم مثل «الشارع الفلسطيني»، و«المزاج الشعبي»، و«الرأي العام»، و«الإرادة الوطنية» تحتاج دائماً إلى قدر من الحذر النقدي. ليست المشكلة في استخدامها، وإنما في تحويلها إلى كيانات متخيلة يتحدث باسمها شخص أو مؤسسة من دون أن يوضح كيف عرف ما تريده. فكيف عرفنا ما يريده الشارع؟ ومن استطلع رأيه؟ ومن لم يُستطلع؟ وأين الاختلافات التي لا تظهر في العبارة الجاهزة؟
إن الاعتراف بالتعدد لا يعني تفكيك الشعب أو إضعاف وحدته. على العكس، قد تكون الوحدة الحقيقية هي القدرة على استيعاب الاختلاف داخل إطار وطني جامع. الفلسطيني في غزة يحمل تجربة ليست مطابقة لتجربة الفلسطيني في الضفة، وتجربة اللاجئ ليست نسخة من تجربة المقيم، وتجربة الأسير ليست تجربة العامل، وتجربة الشباب ليست بالضرورة امتداداً آلياً للخطاب الذي صاغته الأجيال السابقة. وهذه الفوارق لا تلغي وحدة القضية، لكنها تمنع اختزالها في صوت واحد يدعي احتكار الحقيقة.
والأمر نفسه ينطبق على الإعلام. حين تتحول غزة إلى خبر، والمخيم إلى ملف أمني، واللاجئ إلى رقم، والشباب إلى «فئة»، والمرأة إلى «قطاع»، فإن الإنسان يتحول من ذات إلى موضوع. قد تكون اللغة إنسانية، وقد يكون القصد تضامنياً، لكن السؤال السبيفاكي يبقى قائماً: هل نمنح أصحاب التجربة مساحة لإنتاج روايتهم، أم ننتج نحن الرواية نيابة عنهم؟

كيف نعيد الشعب إلى موقع الفاعل؟
لذلك لا تدعو سبيفاك إلى أن يصمت المثقف، ولا إلى أن يتخلى السياسي عن الكلام، ولا إلى إلغاء التمثيل. المسألة أكثر تعقيداً. إنها دعوة إلى الوعي بالموقع الذي نتحدث منه، وإلى الاعتراف بحدود معرفتنا بالآخر. أن نعرف الفرق بين أن نساعد شخصاً على الوصول إلى المنبر، وأن نتحدث فوق المنبر نيابة عنه. أن ندافع عن المقهور من دون أن نصادر حقه في تعريف قضيته. وأن ندرك أن التضامن لا يمنح صاحبه ملكية صوت الآخر.
ومن هنا فإن السؤال الفلسطيني ليس فقط: من يمثل الشعب؟ بل أيضاً: كيف نعيد الشعب إلى موقع الفاعل؟ كيف يصبح المواطن شريكاً في إنتاج القرار لا مجرد متلقٍّ له؟ كيف تستعيد الجماعات المحلية، والنساء، والشباب، واللاجئون، والأسرى، والمجتمعات التي تعيش الأزمات، قدرتها على إنتاج خطابها السياسي؟ وكيف ننتقل من شعب يُستدعى لتوفير الشرعية إلى شعب يشارك في صناعة الشرعية نفسها؟
لقد كشف الاستعمار أن السيطرة على الأرض تحتاج إلى السيطرة على الرواية. أما التحرر من الهيمنة فلا يكتمل باستعادة الأرض وحدها، بل باستعادة القدرة على تعريف الذات. من نحن؟ ماذا نريد؟ كيف نروي تاريخنا؟ ومن يملك حق الإجابة؟

استعادة الصوت جزءاً من استعادة الفاعلية
ومن هنا تصبح استعادة الصوت جزءاً من استعادة الفاعلية. أن يتحدث الفلسطيني عن نفسه لا يعني أن يرفض التمثيل، بل أن يرفض أن يتحول التمثيل إلى وصاية. وأن تكون هناك قيادة سياسية لا يعني أن الشعب صامت، بل يعني أن القيادة مطالبة بأن تجعل مؤسساتها أكثر قدرة على الإصغاء، لا أكثر قدرة على الكلام نيابة عن الناس.
ولعل السؤال الذي بدأنا منه يعود الآن بصورة مختلفة. حين يقول أحدهم: «الشعب الفلسطيني يريد»، لا ينبغي أن يكون ردنا الآلي التصديق أو الرفض، بل أن نسأل: كيف تشكلت هذه الإرادة؟ ومن شارك في صياغتها؟ ومن غاب عنها؟ ومن يملك حق مراجعتها؟ وهل الممثل ينقل صوت الشعب، أم أصبح هو المصدر الذي يحدد لنا ما هو صوت الشعب؟
يصبح  نقد ممثل الشعب نقداً للشعبوربما تكون النقطة الأكثر حساسية أن نقول: الذي يتكلم ليس الشعب بالضرورة، بل شخص يتحدث عن الشعب أو باسمه. والفرق بين العبارتين ليس لغوياً؛ إنه فرق في طبيعة السلطة نفسها. ففي الأولى يبقى الشعب فاعلاً مستقلاً عن ممثله، أما في الثانية فيوشك الممثل أن يبتلع المسافة التي تفصل بينه وبين من يمثله. وعندما تختفي هذه المسافة، يصبح نقد ممثل الشعب نقداً للشعب، ومعارضته معارضة للوطن، والاختلاف معه خروجاً على الإرادة العامة.
هنا نعود إلى البونابرتية بوصفها نموذجاً مكثفاً لهذه اللحظة: «أنا فرنسا، وفرنسا أنا». فالخطر لا يكمن فقط في أن شخصاً يدعي تمثيل الأمة، بل في أن يصل الأمر إلى محو الفاصل بين الشخص والأمة. عندها لا يعود الشعب مرجعاً للممثل، بل يصبح الممثل مرجعاً لتعريف الشعب. وهنا يبلغ التمثيل أقصى درجاته خطورة: حين يصبح من يتحدث باسم الشعب هو الذي يقرر من هو الشعب، وماذا يريد، ومن يحق له أن يتحدث باسمه.
لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ فالشعب الفلسطيني لم يتوقف عن الكلام. إنه يتحدث في المخيم والشارع والبيت والجامعة والسجن والمنفى، في غزة والضفة والقدس والشتات، ويتحدث بأصوات متعددة قد تتفق وقد تختلف. السؤال الأصعب هو: هل نترك له المجال لكي يتكلم بلغته، وباختلافاته،
ومن دون أن نسبق صوته إلى الحديث باسمه؟

من يملك حق الكلام ؟
المشكلة ليست أن الشعب الفلسطيني لا يتكلم، وإنما أن هناك دائماً من يتكلم قبله وباسمه. وقد تكون المفارقة أن أكثر ما يحجب صوته ليس الصمت، بل فائض الكلام عنه. الجميع يتحدث عن الشعب، وعن مصالحه، وعن خياراته، وعن مستقبله، حتى يصبح السؤال عن رأيه هو السؤال الغائب.
لذلك، كلما سمعنا من يقول: «الشعب الفلسطيني يريد…»، ربما يجدر بنا أن نؤجل التصديق قليلاً، وأن نسأل أولاً: من الذي يتكلم؟ ومن الذي بقي خارج الجملة؟ وهل الذي يتكلم فرد، أم حزب، أم مؤسسة، أم أن الشعب
نفسه هو الذي يتكلم عبر آليات واضحة للمشاركة والتفويض والمساءلة؟
ففي تلك المسافة  حضر الصوت الشعبي العالمي في الشوارع والجامعات نصرةً لفلسطين، بدا الصوت العربي
غائباً أو مكبلاً، رغم عمق التضامن الشعبي. وهنا يبرز السؤال: لماذا استطاعت شعوب العالم أن تقول ما عجز الشارع العربي عنه ؟  لذلك لا يعود الصراع فقط على من يحكم، بل على من يملك حق الكلام، ومن يملك حق
 تعريف الحقيقة، ومن يملك أن يقول: هذا ما نريد.
وربما هنا تحديداً يكمن المعنى الأعمق لسؤال سبيفاك: ليس أن التابع لا يستطيع أن يتكلم، وإنما أن عليه، لكي  
يصبح صوته فعلاً صوته، أن ينتزع حقه في أن يكون ذاتاً تتكلم، لا موضوعاً يتحدث عنه الآخرون. وقبل أن نسأل: ماذا يريد الشعب؟ علينا أولاً أن نسأل أنفسنا: هل تركنا له، فعلاً، فرصة أن يقول؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire