د. طنوس شلهوب
ليست أهمية زهران ممداني في أنه استطاع أن ينفذ جزءاً من برنامجه الانتخابي في نيويورك، ولا في أنه عجز عن تنفيذ جزء آخر. الأهم أن صعوده جاء في لحظة يبدو فيها شيء ما يتحرك في الوعي السياسي الأميركي، وخصوصاً بين قطاعات شابة أخذت تنظر إلى الاشتراكية واليسار بوصفهما خياراً سياسياً ممكناً، لا مجرد بقايا أيديولوجية من زمن الحرب الباردة.
لهذا ينبغي ألا نقرأ ممداني بوصفه ظاهرة فردية. إنه، على الأرجح، بداية مسار سياسي لم تتضح نتائجه بعد. فأن يصل سياسي يعلن نفسه اشتراكياً إلى رئاسة بلدية نيويورك، وأن يصبح خطابه قابلاً للتكرار، وأن يبدأ مرشحون يساريون آخرون بمواجهة مرشحي المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي، بما في ذلك المرشحون المدعومون من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كل ذلك يشير إلى تغير في الحدود الأيديولوجية للسياسة الأميركية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الحزب الديمقراطي أصبح اشتراكياً، ولا أن ممداني يملك أدوات تغيير النظام الرأسمالي. وهنا تحديداً تكمن أهمية التجربة من منظور لينيني.
دخل ممداني البلدية ببرنامج يضع الطبقات الشعبية وكلفة الحياة في قلب السياسة: تجميد الإيجارات، توسيع الرعاية المجانية للأطفال، تحسين النقل العام، إنشاء متاجر غذائية بلدية، زيادة المساكن ذات الكلفة المقبولة، وتحميل الأثرياء والشركات الكبرى قسطاً أكبر من تمويل الخدمات العامة.
وقد تحولت بعض هذه الوعود إلى إجراءات فعلية. فتم تجميد إيجارات المساكن الخاضعة للرقابة، وبدأ توسيع برامج رعاية الأطفال، واتخذت خطوات لتسريع الحافلات، وانتقل مشروع المتاجر البلدية من الشعار إلى التنفيذ، إلى جانب إجراءات لحماية المستأجرين وتوسيع السياسات الاجتماعية.
هذه ليست إنجازات وهمية. إنها مكاسب مادية حقيقية لفئات شعبية.
لكن ممداني اكتشف سريعاً أن الانتخابات لا تمنح العمدة كل السلطة التي يحتاج إليها لتنفيذ برنامجه. فالضرائب الكبرى، وهيئة النقل، وتشريعات الولاية، والموارد المالية، فضلاً عن السياسة الخارجية، تقع أجزاء أساسية منها خارج سلطته المباشرة. استطاع أن يجعل الحافلات أسرع، لكنه لم يستطع أن يجعلها مجانية؛ وبدأ في توسيع الرعاية الاجتماعية، لكنه اصطدم بالحاجة إلى تعاون حكومة الولاية. أما تغيير النظام الضريبي بما يكفي لتمويل برنامجه، فيتجاوز قدرة البلدية وحدها.
وهنا تظهر المسألة التي تتجاوز شخص ممداني: يمكن انتخاب يسار يريد الحد من سلطة رأس المال، من دون أن يعني ذلك أن رأس المال فقد سلطته.
العودة الى لينين.
هذا هو السؤال الذي سبق للينين أن أجاب عنه نظرياً. ففي الدولة والثورة رفض النظر إلى الدولة باعتبارها جهازاً محايداً يمكن الاستيلاء عليه انتخابياً ثم استخدامه ببساطة لمصلحة الطبقة العاملة. كما أنه لم يدعُ إلى رفض الانتخابات أو البرلمان أو العمل داخل المؤسسات القائمة. بالعكس، شدد في "مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية" على ضرورة استخدام كل المواقع الممكنة في خدمة الصراع الطبقي.
المسألة عند لينين، اذا دخلنا المؤسسات البرجوازية ماذا نفعل من داخلها، وإلى أي اتجاه ندفع الصراع؟
من هنا يمكن النظر إلى إجراءات ممداني باعتبارها إصلاحات حقيقية داخل النظام الرأسمالي، لكنها لا تتجاوز النظام بذاتها. فتجميد الإيجارات لا يلغي الملكية العقارية الخاصة، ورعاية الأطفال لا تلغي علاقات العمل الرأسمالية، والمتجر البلدي لا يلغي السوق، وتحسين النقل لا يلغي سيطرة رأس المال على الاقتصاد. لكن هذا لا يجعل الإصلاحات بلا قيمة.
المعيار اللينيني ليس رفض الإصلاح، وإنما معرفة ما إذا كان الإصلاح يتحول إلى أداة لتنظيم الطبقات الشعبية وتقوية قدرتها على النضال، أم يتحول إلى وسيلة لامتصاص الصراع وإعادة إدماجه في النظام. وهذه هي النقطة الحاسمة في تجربة ممداني.
إذا أصبح المستأجرون أكثر تنظيماً، والعمال أكثر قدرة على المطالبة بحقوقهم، وتحولت الخدمات العامة إلى مطالب اجتماعية لا يستطيع النظام تجاهلها، فإن الإصلاح يمكن أن يصبح مدرسة للنضال. أما إذا بقي الناس مجرد ناخبين ينتظرون من العمدة أن يحل مشاكلهم، فإن الإصلاح يصبح سقفاً للصراع لا نقطة انطلاق له.
ممداني وفلسطين: السياسة الاجتماعية والسياسة الإمبريالية
تزداد دلالة التجربة عندما نصل إلى موقف ممداني من إسرائيل وفلسطين. فهو يمثل صوتاً أكثر نقداً لإسرائيل وللتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي من الصوت التقليدي السائد داخل الحزب الديمقراطي، ويربط المسألة بمبدأ المساواة في الحقوق، كما أنه لم يتعامل مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل باعتبارها قوة سياسية فوق النقد. وهذا الموقف ليس منفصلاً عن التحول الاجتماعي الذي يمثله.
فجزء من اليسار الشاب الأميركي بدأ يربط بين الأسئلة التي تبدو داخلية ــ السكن، الصحة، التعليم، الديون، الأجور ــ وبين السياسة الخارجية: لماذا تستطيع الدولة الأميركية أن تنفق مبالغ هائلة على الحروب والمساعدات العسكرية خصوصاً لإسرائيل، بينما تعجز عن تأمين السكن والرعاية الصحية والتعليم؟
هنا تتقاطع المسألة الطبقية الداخلية بالسياسة الإمبريالية الخارجية.
لكن حدود السلطة تظهر مجدداً: يستطيع ممداني أن يغير الخطاب السياسي في نيويورك، لكنه لا يملك السياسة الخارجية الأميركية ولا المساعدات العسكرية لإسرائيل ولا القرار العسكري الفدرالي.
وبذلك يصبح موقفه من فلسطين مثالاً آخر على التناقض نفسه: راديكالية الموقف لا تعني امتلاك أدوات تغيير الواقع الذي ينتقده.
لماذا يخشى اليمين صعود هذا اليسار؟
من هنا يمكن فهم الحملة المستمرة ضد ممداني وضد الاشتراكية والشيوعية في الخطاب اليميني الأميركي، وخصوصاً في خطاب ترامب.
فالمشكلة بالنسبة إلى اليمين ليست أن عمدة نيويورك يستطيع إلغاء الرأسمالية؛ فهذا غير ممكن من موقعه. المشكلة الأعمق هي أن الاشتراكية بدأت تستعيد شرعيتها السياسية بين قطاعات من الشباب، وأن المرشح الذي يستخدم هذه اللغة يستطيع الفوز في واحدة من أهم المدن الأميركية. والأخطر بالنسبة إلى المؤسسة التقليدية أن الظاهرة لا تتوقف عند ممداني. فصعود مرشحين يساريين في الانتخابات التمهيدية في أماكن أخرى، ونجاح بعضهم في مواجهة مرشحين مدعومين من المؤسسة الديمقراطية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، يشيران إلى أن الصراع بدأ ينتقل إلى داخل الحزب الديمقراطي نفسه.
السؤال بأي اتجاه سيترسخ التحول داخل الحزب الديمقراطي ؟ هل يستمر الحزب بوصفه حزب الوسط الليبرالي المرتبط برأس المال الكبير والمؤسسة المالية والسياسة الخارجية التقليدية؟ أم يتبلور داخله تيار جديد أكثر عداءً لسلطة رأس المال، وأكثر ارتباطاً بالمطالب الاجتماعية، وأكثر نقداً للإمبريالية والتحالف الأميركي مع إسرائيل؟
الإجابة مفتوحة، لكن اتجاه الحركة يستحق الانتباه.
بداية التحول أم بداية الاحتواء؟
هنا ينبغي ألا نقع في وهم آخر: صعود ممداني لا يعني أن أميركا تتجه إلى الاشتراكية، ولا أن الحزب الديمقراطي تحول إلى حزب اشتراكي. فاليسار الجديد ما زال يعمل إلى حد كبير داخل النظام الانتخابي القائم، وداخل الحزب الديمقراطي نفسه.
وهذا تحديداً هو الامتحان الذي يجعل القراءة اللينينية ضرورية.
فالمسألة ليست أن يدخل اليسار مؤسسات الدولة أو يرفض دخولها. المسألة هي هل يستطيع استخدام وجوده داخلها لبناء قوة اجتماعية تتجاوز حدودها باتجاه تشكيل الكتلة التاريخية التي تناولها غرامشي ؟
هل يتحول الناخب إلى مستأجر منظم؟ إلى عامل منظم؟ إلى قوة شعبية قادرة على الدفاع عن الإصلاحات وتوسيعها؟ هل يصبح الموقف من فلسطين جزءاً من وعي أوسع بطبيعة السياسة الإمبريالية؟ وهل يستطيع اليسار أن يبني استقلاله السياسي والفكري، بدلاً من أن يصبح مجرد جناح يساري داخل الحزب الديمقراطي؟
هنا يتحدد مستقبل الظاهرة.
فالرأسمالية قادرة تاريخياً على استيعاب كثير من الإصلاحات، بل تستطيع أحياناً أن تستخدمها لتجديد شرعيتها. والخطر على اليسار ليس فقط أن يُهزم في الانتخابات؛ بل أن ينجح انتخابياً ثم يُستوعب مؤسسياً.
لذلك فإن قيمة تجربة ممداني لن تقاس فقط بعدد الإيجارات التي جُمّدت، أو الحافلات التي أصبحت أسرع، أو الخدمات الاجتماعية التي توسعت. ستقاس بقدرتها على إنتاج شيء أبعد من ذلك: قوة شعبية منظمة تستطيع أن تنتزع الإصلاح، وتحميه، وتوسعه، ثم تطرح السؤال عن أسباب التفاوت نفسها.
وهنا يعود السؤال اللينيني في صورته الأكثر بساطة وعمقاً:
هل يستخدم اليسار مؤسسات الدولة لتقوية الطبقات الشعبية، أم تسمح مؤسسات الدولة بإعادة احتواء اليسار؟
من هذه الزاوية، قد يكون ممداني بداية تحول أعمق في قلب الإمبراطورية الأميركية، وقد يكون في الوقت نفسه بداية محاولة النظام لاحتواء هذا التحول. وهذا هو موضوع الصراع في المرحلة الراهنة من "صعود" اليسار.
والمؤشر الحاسم لن يكون ممداني وحده، بل ما إذا كان هذا الجيل الجديد الذي بدأ يقترب من اليسار والاشتراكية سيبقى تياراً انتخابياً داخل الحزب الديمقراطي، أم يتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية مستقلة قادرة على تغيير ميزان القوى نفسه.
ذلك هو الامتحان الحقيقي لتجربة ممداني، وهو أيضاً الامتحان الذي يجعلها جديرة بالقراءة من موقع لينين، لا من موقع الإعجاب الانتخابي أو الرفض الأيديولوجي.
ليست أهمية زهران ممداني في أنه استطاع أن ينفذ جزءاً من برنامجه الانتخابي في نيويورك، ولا في أنه عجز عن تنفيذ جزء آخر. الأهم أن صعوده جاء في لحظة يبدو فيها شيء ما يتحرك في الوعي السياسي الأميركي، وخصوصاً بين قطاعات شابة أخذت تنظر إلى الاشتراكية واليسار بوصفهما خياراً سياسياً ممكناً، لا مجرد بقايا أيديولوجية من زمن الحرب الباردة.
لهذا ينبغي ألا نقرأ ممداني بوصفه ظاهرة فردية. إنه، على الأرجح، بداية مسار سياسي لم تتضح نتائجه بعد. فأن يصل سياسي يعلن نفسه اشتراكياً إلى رئاسة بلدية نيويورك، وأن يصبح خطابه قابلاً للتكرار، وأن يبدأ مرشحون يساريون آخرون بمواجهة مرشحي المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي، بما في ذلك المرشحون المدعومون من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كل ذلك يشير إلى تغير في الحدود الأيديولوجية للسياسة الأميركية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الحزب الديمقراطي أصبح اشتراكياً، ولا أن ممداني يملك أدوات تغيير النظام الرأسمالي. وهنا تحديداً تكمن أهمية التجربة من منظور لينيني.
دخل ممداني البلدية ببرنامج يضع الطبقات الشعبية وكلفة الحياة في قلب السياسة: تجميد الإيجارات، توسيع الرعاية المجانية للأطفال، تحسين النقل العام، إنشاء متاجر غذائية بلدية، زيادة المساكن ذات الكلفة المقبولة، وتحميل الأثرياء والشركات الكبرى قسطاً أكبر من تمويل الخدمات العامة.
وقد تحولت بعض هذه الوعود إلى إجراءات فعلية. فتم تجميد إيجارات المساكن الخاضعة للرقابة، وبدأ توسيع برامج رعاية الأطفال، واتخذت خطوات لتسريع الحافلات، وانتقل مشروع المتاجر البلدية من الشعار إلى التنفيذ، إلى جانب إجراءات لحماية المستأجرين وتوسيع السياسات الاجتماعية.
هذه ليست إنجازات وهمية. إنها مكاسب مادية حقيقية لفئات شعبية.
لكن ممداني اكتشف سريعاً أن الانتخابات لا تمنح العمدة كل السلطة التي يحتاج إليها لتنفيذ برنامجه. فالضرائب الكبرى، وهيئة النقل، وتشريعات الولاية، والموارد المالية، فضلاً عن السياسة الخارجية، تقع أجزاء أساسية منها خارج سلطته المباشرة. استطاع أن يجعل الحافلات أسرع، لكنه لم يستطع أن يجعلها مجانية؛ وبدأ في توسيع الرعاية الاجتماعية، لكنه اصطدم بالحاجة إلى تعاون حكومة الولاية. أما تغيير النظام الضريبي بما يكفي لتمويل برنامجه، فيتجاوز قدرة البلدية وحدها.
وهنا تظهر المسألة التي تتجاوز شخص ممداني: يمكن انتخاب يسار يريد الحد من سلطة رأس المال، من دون أن يعني ذلك أن رأس المال فقد سلطته.
العودة الى لينين.
هذا هو السؤال الذي سبق للينين أن أجاب عنه نظرياً. ففي الدولة والثورة رفض النظر إلى الدولة باعتبارها جهازاً محايداً يمكن الاستيلاء عليه انتخابياً ثم استخدامه ببساطة لمصلحة الطبقة العاملة. كما أنه لم يدعُ إلى رفض الانتخابات أو البرلمان أو العمل داخل المؤسسات القائمة. بالعكس، شدد في "مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية" على ضرورة استخدام كل المواقع الممكنة في خدمة الصراع الطبقي.
المسألة عند لينين، اذا دخلنا المؤسسات البرجوازية ماذا نفعل من داخلها، وإلى أي اتجاه ندفع الصراع؟
من هنا يمكن النظر إلى إجراءات ممداني باعتبارها إصلاحات حقيقية داخل النظام الرأسمالي، لكنها لا تتجاوز النظام بذاتها. فتجميد الإيجارات لا يلغي الملكية العقارية الخاصة، ورعاية الأطفال لا تلغي علاقات العمل الرأسمالية، والمتجر البلدي لا يلغي السوق، وتحسين النقل لا يلغي سيطرة رأس المال على الاقتصاد. لكن هذا لا يجعل الإصلاحات بلا قيمة.
المعيار اللينيني ليس رفض الإصلاح، وإنما معرفة ما إذا كان الإصلاح يتحول إلى أداة لتنظيم الطبقات الشعبية وتقوية قدرتها على النضال، أم يتحول إلى وسيلة لامتصاص الصراع وإعادة إدماجه في النظام. وهذه هي النقطة الحاسمة في تجربة ممداني.
إذا أصبح المستأجرون أكثر تنظيماً، والعمال أكثر قدرة على المطالبة بحقوقهم، وتحولت الخدمات العامة إلى مطالب اجتماعية لا يستطيع النظام تجاهلها، فإن الإصلاح يمكن أن يصبح مدرسة للنضال. أما إذا بقي الناس مجرد ناخبين ينتظرون من العمدة أن يحل مشاكلهم، فإن الإصلاح يصبح سقفاً للصراع لا نقطة انطلاق له.
ممداني وفلسطين: السياسة الاجتماعية والسياسة الإمبريالية
تزداد دلالة التجربة عندما نصل إلى موقف ممداني من إسرائيل وفلسطين. فهو يمثل صوتاً أكثر نقداً لإسرائيل وللتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي من الصوت التقليدي السائد داخل الحزب الديمقراطي، ويربط المسألة بمبدأ المساواة في الحقوق، كما أنه لم يتعامل مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل باعتبارها قوة سياسية فوق النقد. وهذا الموقف ليس منفصلاً عن التحول الاجتماعي الذي يمثله.
فجزء من اليسار الشاب الأميركي بدأ يربط بين الأسئلة التي تبدو داخلية ــ السكن، الصحة، التعليم، الديون، الأجور ــ وبين السياسة الخارجية: لماذا تستطيع الدولة الأميركية أن تنفق مبالغ هائلة على الحروب والمساعدات العسكرية خصوصاً لإسرائيل، بينما تعجز عن تأمين السكن والرعاية الصحية والتعليم؟
هنا تتقاطع المسألة الطبقية الداخلية بالسياسة الإمبريالية الخارجية.
لكن حدود السلطة تظهر مجدداً: يستطيع ممداني أن يغير الخطاب السياسي في نيويورك، لكنه لا يملك السياسة الخارجية الأميركية ولا المساعدات العسكرية لإسرائيل ولا القرار العسكري الفدرالي.
وبذلك يصبح موقفه من فلسطين مثالاً آخر على التناقض نفسه: راديكالية الموقف لا تعني امتلاك أدوات تغيير الواقع الذي ينتقده.
لماذا يخشى اليمين صعود هذا اليسار؟
من هنا يمكن فهم الحملة المستمرة ضد ممداني وضد الاشتراكية والشيوعية في الخطاب اليميني الأميركي، وخصوصاً في خطاب ترامب.
فالمشكلة بالنسبة إلى اليمين ليست أن عمدة نيويورك يستطيع إلغاء الرأسمالية؛ فهذا غير ممكن من موقعه. المشكلة الأعمق هي أن الاشتراكية بدأت تستعيد شرعيتها السياسية بين قطاعات من الشباب، وأن المرشح الذي يستخدم هذه اللغة يستطيع الفوز في واحدة من أهم المدن الأميركية. والأخطر بالنسبة إلى المؤسسة التقليدية أن الظاهرة لا تتوقف عند ممداني. فصعود مرشحين يساريين في الانتخابات التمهيدية في أماكن أخرى، ونجاح بعضهم في مواجهة مرشحين مدعومين من المؤسسة الديمقراطية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، يشيران إلى أن الصراع بدأ ينتقل إلى داخل الحزب الديمقراطي نفسه.
السؤال بأي اتجاه سيترسخ التحول داخل الحزب الديمقراطي ؟ هل يستمر الحزب بوصفه حزب الوسط الليبرالي المرتبط برأس المال الكبير والمؤسسة المالية والسياسة الخارجية التقليدية؟ أم يتبلور داخله تيار جديد أكثر عداءً لسلطة رأس المال، وأكثر ارتباطاً بالمطالب الاجتماعية، وأكثر نقداً للإمبريالية والتحالف الأميركي مع إسرائيل؟
الإجابة مفتوحة، لكن اتجاه الحركة يستحق الانتباه.
بداية التحول أم بداية الاحتواء؟
هنا ينبغي ألا نقع في وهم آخر: صعود ممداني لا يعني أن أميركا تتجه إلى الاشتراكية، ولا أن الحزب الديمقراطي تحول إلى حزب اشتراكي. فاليسار الجديد ما زال يعمل إلى حد كبير داخل النظام الانتخابي القائم، وداخل الحزب الديمقراطي نفسه.
وهذا تحديداً هو الامتحان الذي يجعل القراءة اللينينية ضرورية.
فالمسألة ليست أن يدخل اليسار مؤسسات الدولة أو يرفض دخولها. المسألة هي هل يستطيع استخدام وجوده داخلها لبناء قوة اجتماعية تتجاوز حدودها باتجاه تشكيل الكتلة التاريخية التي تناولها غرامشي ؟
هل يتحول الناخب إلى مستأجر منظم؟ إلى عامل منظم؟ إلى قوة شعبية قادرة على الدفاع عن الإصلاحات وتوسيعها؟ هل يصبح الموقف من فلسطين جزءاً من وعي أوسع بطبيعة السياسة الإمبريالية؟ وهل يستطيع اليسار أن يبني استقلاله السياسي والفكري، بدلاً من أن يصبح مجرد جناح يساري داخل الحزب الديمقراطي؟
هنا يتحدد مستقبل الظاهرة.
فالرأسمالية قادرة تاريخياً على استيعاب كثير من الإصلاحات، بل تستطيع أحياناً أن تستخدمها لتجديد شرعيتها. والخطر على اليسار ليس فقط أن يُهزم في الانتخابات؛ بل أن ينجح انتخابياً ثم يُستوعب مؤسسياً.
لذلك فإن قيمة تجربة ممداني لن تقاس فقط بعدد الإيجارات التي جُمّدت، أو الحافلات التي أصبحت أسرع، أو الخدمات الاجتماعية التي توسعت. ستقاس بقدرتها على إنتاج شيء أبعد من ذلك: قوة شعبية منظمة تستطيع أن تنتزع الإصلاح، وتحميه، وتوسعه، ثم تطرح السؤال عن أسباب التفاوت نفسها.
وهنا يعود السؤال اللينيني في صورته الأكثر بساطة وعمقاً:
هل يستخدم اليسار مؤسسات الدولة لتقوية الطبقات الشعبية، أم تسمح مؤسسات الدولة بإعادة احتواء اليسار؟
من هذه الزاوية، قد يكون ممداني بداية تحول أعمق في قلب الإمبراطورية الأميركية، وقد يكون في الوقت نفسه بداية محاولة النظام لاحتواء هذا التحول. وهذا هو موضوع الصراع في المرحلة الراهنة من "صعود" اليسار.
والمؤشر الحاسم لن يكون ممداني وحده، بل ما إذا كان هذا الجيل الجديد الذي بدأ يقترب من اليسار والاشتراكية سيبقى تياراً انتخابياً داخل الحزب الديمقراطي، أم يتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية مستقلة قادرة على تغيير ميزان القوى نفسه.
ذلك هو الامتحان الحقيقي لتجربة ممداني، وهو أيضاً الامتحان الذي يجعلها جديرة بالقراءة من موقع لينين، لا من موقع الإعجاب الانتخابي أو الرفض الأيديولوجي.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire