سقط ليبقى الزعيم

 



د. طنوس شلهوب

غالباً ما كان جان منصور يصّر على دعوتي لمرافقته الى المنزل لنتناول الغداء معاً، فالصدفة شاءت ان يكون مقعده بقرب مقعدي في صف البكالوريا، القسم الأول، وكنت أفضل تمضية فرصة الغداء في الملعب حيث يمكنني بهدوء تناول "اللفة" التي زودتني بها والدتي، والتنزه قليلاً في الزواريب الملاصقة لثانوية فرن الشباك المعروفة بثانوية سعيد، تيمناً بمديرها الاستاذ شفيق سعيد. وخلال تنزهنا بانتظار قدوم حصة بعد الظهر كنا، مجموعة الطلاب المقيمين في منازل بعيدة عن الثانوية، والذين يستخدمون الاوتوبيس للمجيء الى المدرسة، نتحدث في كثير من المواضيع وخصوصاً السياسية بمتفرعاتها الفلسفية، وكنا نغوص في نقاشات وكأننا فلاسفة عصرنا، حيث كانت تمتزج الاحلام بالرغبات في تصوير المستقبل على قدر طموحاتنا الفتية التي لا تعرف الحدود.
لم يكن جان يبدي الكثير من الاهتمام بالمواضيع السياسية، وكنت أشعر أحياناً وكأنه خفي، وألاحظ في تصرفاته مزيجاً من الخجل الطفولي ومراوغة المراهقة، وكأنه يعيش مراهقته على طريقته، وكان يلومني على أفكاري اليسارية، وطال به الأمر حتى أقتنع أن اليساريين ليسوا ضد الله، بالرغم من أنه لم يكن مثابراً على ممارسة الطقوس الدينية، وما بقيت اليوم أذكره عنه أنه كان يعتد بكونه مارونياً، ولكن من دون إبداء أي ردود فعل عدائية تجاه رفاقنا المسلمين في الصف، وهم لم يكونوا قلة.
كان منزله يقع على مسافة عشر دقائق سيراً على الأقدام من مبنى الثانوية باتجاه طريق صيدا القديمة، وهي الطريق الفاصلة بين الشياح  وعين الرمانة، وكنت في اليوم السابق قد وعدته بالمجيء معه لتناول الغداء، وما أن رن جرس الفرصة حتى خرجنا وسرت الى جانبه وقطعنا المسافة ولم نشعر بالدقائق التي احتجنا لها  لأن الأحاديث عن مشاريعنا الصيفية أخذتنا الى أحلامنا المنتظرة، وعند بلوغنا المنزل وهو كناية عن شقة أرضية في مبنى من أربعة طوابق، وجدت نفسي أقف خلفه ونحن الأثنان أمام باب مطلي باللون الأخضر الغامق، ولكن لونه يُشعرك وكأنه لوناً متسخاً. رن جان الجرس، وعندما لم يفتح أحد الباب، مد يده الى جيبه وأخرج منه مفتاحاً وضعه في القفل وفتحه، ودفعني الى الداخل لكنني انتظرته ليدخل ويغلق الباب خلفنا حيث ولجنا نحو يمين الممر الى غرفة الجلوس (الصالون)، وقال لي أجلس. كان الصالون كناية عن أريكتين متشابهتين، يصعب تحديد لونهما، انما من المؤكد ان قماشهما غامق اللون وشبه مهترىء، وما كدت أجلس حتى غرقت في المقعد بسبب قدم النوابض التي بداخلها، ولكنه استدرك وقال لي تعال الى المطبخ، نريد ان نأكل، ونهضت من مقعدي بصعوبة ولحقته الى المطبخ، وكان يتساءل بصوت مرتفع، وين الماما، وفتح البراد على أمل وجود طعام للغداء، ونظرنا ولم يكن بداخله سوى كاستين من الرز بحليب، فتناولهما ووضعهما على الطاولة وقال لي لنجلس، بعد ان احضر ملعقتين صغيرتين، ناولني واحدة، وبدأ هو بتناول الرز بحليب من الكاسة الموجودة أمامه، أخذت منه الملعقة ووضعتها الى جانب الكاسة،  قال لي ما بك، لماذا لا تأكل، فأجبته محاولاً إقناعه أنه لا يمكنني تناول الرز بحليب لأنه في إحدى المرات أصبت بالتسمم بعد تناوله، وقررت الابتعاد عن هذا الطعام خشية تكرار الأمر معي.
لم أشأ أنذاك إحراجه، وقد أكتشفت أنه من عائلة شديدة الفقر، وهذا ما دفعني لاحقاً للتقرب أكثر منه، ليس شفقة عليه، إنماً إنحيازاً له وتضامناً معه، وفي كل مرة كنت اتكلم عن الظلم اللاحق بالفقراء، كانت صورة جان، ومنزله المتواضع بأريكتيه المتهالكتين، والبراد الفارغ الا من كاستيّ الرز بحليب، تمر بسرعة في ذهني، وأشعر بغضب بسبب الظلم اللاحق بالفقراء.
زيارتي الوحيدة هذه الى منزل جان كانت في ربيع العام 74، وفي العام 75 انتقلت الى ثانوية الحدث لأنهي فيها البكالوريا القسم الثاني، وكانت المعارك انطلقت بين الشياح وعين الرمانة، وكنت دائماً أفكر برفيقي جان وبمنزله الواقع قريباً من خطوط التماس، وفي خريف العام 75 وبينما كنت اقرأ في احدى الصحف مسار المعارك، ورد أسمه من بين الشهداء الذين نعاهم حزب الكتائب، والذين سقطوا ليبقى لبنان، هكذا اعتادوا على صياغة الخبر: سقط ليبقى لبنان...
في غير مرة، عندما تجبرهما الظروف، يتقارب جنبلاط مع جعجع، ويغدقا على بعضيهما البعض عبارات الإشادة والتمجيد، وهما، وليسا وحدهما انخرطا في الحرب الأهلية، قادا حرباً ضروس في الجبل، ذهب ضحيتها المئات من الشباب الذين صاروا صوراً معلقة على جدران المنازل، وصاروا ذكرى تغتسل بدموع الأمهات اللاتي ما زلن على قيد الحياة، وكل أم تعيش حرقة الخسارة وهي تعدد خصال إبنها.
ماذا لو بقي جان حياً، وهل يا ترى أمه ما زالت على قيد الحياة؟ هل ما زالت تحضر الرز بحليب؟ وهل خرجت العائلة من فقرها بعد رحيل جان؟ وما هو المشترك بين اللبنانين الأثنين: لبنان جان وأمثاله ولبنان عائلة الجميل التي قادت الحرب انذاك؟
أليس من حق أهالي الشباب الذين صاروا تحت التراب ان يطالبوا بمحاكمة الزعماء على ما اقترفوه من جرائم؟
عندما قرأت خبر استشهاد جان انتابني حزن شديد، وأقول استشهاد بالرغم من أنني أقف في الخندق المواجه للخندق الذي سقط فيه، لأن جان، كما الالاف من الشباب الذين ينتمون لجيلي، أهدرت حياتهم في مشاريع انتحارية، والمأساة، أن شروط اندلاع الحرب ما زالت تتجدد يومياً في ظل هذا النظام الطائفي وأربابه.
جان منصور، رفيق صفي في البكالوريا، ابن العائلة الفقيرة حتى الكفر، صورتك المعلقة على الحائط هي قصة مأساة شعب ما زال يستشهد بأكمله ليبقى الزعيم

 (١ آب ٢٠١٩) 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire