المرتدون كسلعة أيديولوجية: من الحرب الباردة إلى نداء الوطن

 

د. طنوس شلهوب

تواصل معي غير شخص طالباً مني التعليق على استضافة "نداء الوطن" احد الشيوعيين السابقين التائبين، وابلغتهم انني لا اكترث لهؤلاء على الصعيد الشخصي، لكنني رأيتُ انه من المفيد تناول كيفية تحويل هؤلاء السابقين الى مادة في الصراع السياسي والايديولوجي.
إن من أكثر الظواهر دلالة في الصراع الأيديولوجي اللبناني اليوم لجوء بعض وسائل الإعلام اليمينية، وفي مقدمها جريدة نداء الوطن اللصيقة بقناة MTV، إلى استضافة مسؤولين ومقاتلين شيوعيين سابقين انتقلوا إلى الضفة المقابلة، وتحويلهم إلى مادة إعلامية وسياسية تخدم مشروعها الفكري. وليس من قبيل المصادفة أن تحظى هذه الشخصيات بهذا القدر من الاهتمام، فيما يُغض النظر عن المناضلين الذين بقوا أوفياء لقناعاتهم أو الذين يواصلون نقد الرأسمالية والإمبريالية من مواقع يسارية. فالقضية هنا ليست حرية رأي أو تعددية إعلامية، بل وظيفة سياسية واضحة تقوم على استثمار المناضل السابق بوصفه شاهداً من الداخل.
اليمين يدرك أن شهادة خصم سابق أكثر تأثيراً من خطاب أحد أنصاره التقليديين. لذلك لا يقدم هؤلاء بوصفهم باحثين أو محللين سياسيين، بل بوصفهم "مناضلين" اكتشفوا، بحسب الرواية المراد تسويقها، حقيقة اليسار وأوهامه. وهكذا تصبح اراؤهم الشخصية هي الحقيقة التاريخية. إنها تقنية قديمة في الحرب النفسية والصراع الأيديولوجي، هدفها ليس النقاش الفكري، بل نزع الشرعية عن الخصم من خلال أحد أبنائه السابقين.
هذه الآلية ليست جديدة، بل تعود إلى الحرب الباردة، حين جعلت الولايات المتحدة وأجهزتها الإعلامية والثقافية من المنشقين عن الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي أدوات رئيسية في الحرب الدعائية. كان المنشق يُستقبل كبطل، وتُفتح أمامه الصحف ودور النشر وشاشات التلفزة، لا لأن الغرب الامبريالي كان حريصاً على حريته الفكرية، بل لأنه كان يؤدي وظيفة محددة في المعركة ضد الاشتراكية. وما إن تنتهي هذه الوظيفة حتى تتراجع قيمته الإعلامية والسياسية.
 تجربة المنشق ألكسندر سولجينتسين من أبرز الأمثلة. احتُفي به في الغرب باعتباره رمزاً لإدانة النظام السوفياتي، ونال أوسع تغطية إعلامية، لكن هذا الاحتفاء بدأ يخفت عندما أخذ يوجّه انتقاداته للرأسمالية الغربية، وللمادية الاستهلاكية، وللانحدار الأخلاقي الذي رآه في المجتمعات الغربية، ولا سيما بعد خطابه الشهير في جامعة هارفارد عام 1978. عندها اكتشف أن مكانته تقوم على مقدار خدمته للسردية الغربية. وحين تجاوز الدور المرسوم له، تراجعت أهميته سريعاً.
وما يجري في لبنان لا يختلف كثيراً في جوهره. فوسائل إعلام مثل نداء الوطن، المرتبطة سياسياً وإعلامياً بقناة MTV والممولة من رجل الأعمال الصهيوني أنطون الصحناوي، لا تستضيف هؤلاء لأن لديها اهتماماً حقيقياً بتاريخ الحركة الشيوعية أو بتجديد الفكر اليساري، بل لأنها توظفهم في معركة سياسية وأيديولوجية تستهدف مشروع المقاومة، واليسار، وكل التيارات المناهضة للمشروع الأميركي والصهيوني. فوجود شيوعي سابق ينتقي من حقائق الماضي ما يخدم وجهة نظره الراهنة بعد انحرافه، يمنح الخطاب اليميني صدقية شكلية لا يستطيع الحصول عليها من خلال رموزه التقليديين.
من الخطأ التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق التخوين الشخصي. فلكل إنسان الحق في مراجعة قناعاته وتغيير مواقفه. غير أن من حق الرأي العام أيضاً أن يسأل: لماذا تحتفي وسائل إعلام يمينية، مرتبطة بمصالح مالية وسياسية محددة، بهذه الفئة تحديداً؟ ولماذا يصبح تاريخهم النضالي الذي انقلبوا عليه هو بطاقة العبور إلى المنابر الإعلامية؟ إن الإجابة تكشف أن المسألة تتعلق بوظيفة سياسية أكثر مما تتعلق بحرية التعبير.
إن المنشق، والمناضل اليساري السابق، في منطق الصراع الأيديولوجي، ليس قيمة ثابتة، بل سلعة سياسية ترتفع قيمتها بقدر ما تخدم رواية معينة. وما إن يفقد هذه القدرة، أو يبدأ بتوجيه النقد إلى القوى التي احتضنته، حتى يصبح عبئاً، تماماً كما حدث مع كثير من منشقّي الحرب الباردة. ولذلك، فإن قراءة هذه الظاهرة ينبغي أن تنطلق من فهم آليات الهيمنة الإعلامية والدعاية السياسية، لا من الانشغال بسير الأفراد، لأن القضية في جوهرها ليست انتقال أشخاص من موقع إلى آخر، بل استخدام انتقالهم أداةً في معركة أوسع تستهدف الذاكرة التاريخية، وتشويه التجربة الوطنية التحررية، وإعادة إنتاج الهيمنة الفكرية والثقافية للمشروع الإمبريالي والصهيوني في لبنان والمنطقة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire