مشروع متكامل يجمع الموسيقى والمسرح والسخرية والفكر: ما بقي من زياد

 

غادة حداد

في الذكرى الأولى لرحيل زياد الرحباني، لا تبدو العودة إلى أعماله استعادةً لفنان غاب، بقدر ما هي محاولة للاقتراب من مشروع تجاوز الموسيقى والمسرح. خلف الألحان والشخصيات الساخرة، كان ثمّة انشغال دائم بالاقتصاد والسياسة والمجتمع، ورؤية فكرية متكاملة انعكست في كل ما كتب ولحّن وقدّم.
عام على رحيل زياد الرحباني. في السادس والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، انكسر شيء في الروح. خسرنا فرصة موسيقى جديدة، فكرة جديدة، لقاء عابراً. خسرنا الكثير من الاحتمالات والافتراضات. ولربّما ربح من اعتقد أنّه سيرث زياد.
منذ عام خسرنا حقيقتنا. خلف حفلات الجنون والقلق والكذب والمديح، ثمّة حياة حقيقية، وأناس عاديون، لم يتحدّث أحد باسمهم، ولم يلتفت إلى معاناتهم، إلا زياد. ومن بعده، حاول كثيرون تقليده، وتأثّرت به أجيال كاملة، بلغته، ونبرة صوته، وحركة جسده، وأسلوب حياته الذي يدّعي كثيرون معرفته، وحسّه الفكاهي. الجميع يقلّده، والجميع ينكر أنه يفعل ذلك.
ولعلّ هذا طبيعي بالنسبة إلى فنان عبّر عن الناس كما هم، فلامس لدى كل واحد منهم، مهما اختلفت خلفيته، شيئاً من ذاته. وما تركه زياد لنا أكبر من مجرّد إرث فني. ترك لنا مرآة نرى فيها أنفسنا. مرآة تكشف بشاعتنا أولاً، والدرك الذي بلغناه، والذي يوحي بأننا رفضنا النظر إلى هذه البشاعة، وفضّلنا أن نضحك عليها.
لم يكن زياد يفعل شيئاً عبثاً، حتى الضحك كان يتعامل معه بوصفه فعلاً مدروساً. في مقابلة مع هيام أبو شديد، شرح بإسهاب نظرته إلى الكوميديا، وكيف يبني النكتة. قاربها من زاوية علمية، تقوم على أن الضحك يولد من المفاجأة، أو من وقوع ما هو خارج المتوقّع. لذلك، لم يكن الضحك بالنسبة إليه مجرّد موهبة أو خفّة ظل، بل آلية لها قواعدها. وكان يرى أنّ الضحك على خطأ أو على سلوك غير متوقّع، هو في جوهره نوع من تعديل السلوك. كما ميّز بين النكتة التي تُضحِك مرةً واحدة لأنها تقوم على عنصر المفاجأة الذي يفقد أثره مع التكرار، والكوميديا التي تنبع من شخصية حقيقية موجودة في الحياة، وهي وحدها القادرة على البقاء.

مشروع فكري وفني
في أحد أيام الشتاء العاصف خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي، اتصل زياد الرحباني بالاقتصادي كمال حمدان قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحاً. كانا مدعوّيْن إلى الغداء في منطقة المتن، لكنّ زياد اقترح أن يلتقيا باكراً، لأن العمل ليلاً سيكون أفضل. وهكذا، التقيا نحو الساعة الحادية عشرة صباحاً، واستمر النقاش بينهما حتى الواحدة بعد منتصف الليل، أي ما يقارب أربع عشرة ساعة متواصلة.
امتدّ النقاش إلى أدق تفاصيل الاقتصاد، من نشوء الطبقات الاجتماعية وتجدّدها، والعلاقة بين السلطة السياسية والاحتكارات، وتشكّل السلطة الاقتصادية بعد الحرب، إلى أسئلة الاحتكار وسعر صرف الليرة اللبنانية. ويكشف هذا الاهتمام ـــ بحسب حمدان ــــ انشغال زياد الدائم بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، وسعيه إلى فهمها بعمق، حتى أصبحت جزءاً أساسياً من مشروعه المسرحي والموسيقي، رغم أنه لم يدرس هذه القضايا أكاديمياً.
شغلت العلاقة بين الطوائف والطبقات جزءاً كبيراً من تفكيره، وظهرت بوضوح في أعماله. فقد رأى أنّ الطائفية تُستخدم أداةً للاستثمار السياسي والاجتماعي، لكنه رفض اختزال المجتمع في تفسير طائفي أو طبقي ضيق. ولم ينظر إليها باعتبارها مجرّد «بنية فوقية» بالمفهوم الماركسي التقليدي، بل بوصفها جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، من المدرسة والسكن والزواج والأحوال الشخصية إلى المطعم. لذلك وضعها في منزلة وسطى بين البنية الفوقية والبنية التحتية.

السهل الممتنع
يعرّفه حمدان بالمثقّف بامتياز، لكن ثقافته لم تكن استعراضية أو صاخبة، بل ثقافة كامنة تتجلّى في نصوصه المسرحية وموسيقاه أكثر مما تظهر في خطاب مباشر. لذلك، يجسّد نموذج «السهل الممتنع»، إذ يبدو إنتاجه بسيطاً في شكله، لكنه شديد الثراء في مضمونه. فلم يكن يكتفي بالنظر إلى الظواهر أو الشعارات، بل يبحث دائماً عمّا يكمن خلفها، ويعود إلى جذورها ليفضحها ويصوّبها، محوّلاً إياها إلى قوة تدفع مزيداً من الناس إلى البحث عن وسائل لتحسين شروط حياتهم وعملهم.
وإذا كان لا بدّ من تلخيص شخصيته الفكرية، فيرى حمدان أنه جمع في شخصه شيئاً من كبار رواد الفكر الاشتراكي، مثل كارل ماركس وفلاديمير لينين وفريدريك إنجلز. وفي المقابل، يجد فيه أيضاً جانباً من السيّد درويش، الذي حوّل هموم الناس وبساطتهم إلى لحن وموسيقى هزّا الشارع المصري ثم العربي، وشارلي شابلن، بسخريته السوداء التي تجعل الناس يضحكون في ما هم، في الوقت نفسه، يبكون.
كما يذكّره جانب من تجربة زياد ببرتولت بريشت، الذي كان يحرص على تذكير المتفرّج بأنّ ما يشاهده على المسرح هو عمل مصنوع، ليبقى في حالة تفكير لا اندماج كامل. غير أنّ الشخصية الأقرب إليه هي الشيخ إمام، بانحيازه الفطري والطوعي والإنساني إلى الفقراء والمُهمّشين، أو إلى ما كان يسمّيه «الغلابة». لذلك، يمكن العثور في تجربة زياد على آثار كل هؤلاء، من المسرح إلى الموسيقى، ومن الفكر إلى ذلك الانحياز الواضح لقضايا الناس، ما يجعله صاحب مشروع فكري متكامل، لا مجرّد موسيقي أو كاتب مسرحي.
ويلفت حمدان إلى أن زياد كان يحتفظ في منزله بأرشيف كبير من المقالات الاقتصادية، إلى جانب المقالات الفنية والفكرية والسياسية. وكان يتابع ما يُكتب عن أوضاع العالم وتطوراته، ويقرأ كثيراً وينقّب باستمرار، بحثاً عن الحقيقة وأجوبة للأسئلة التي شغلته بشأن المجتمع والناس والبلد. لكن، كما يقول، لم يجد أجوبة لكثير من هذه الأسئلة، لأن جيله وجيل حمدان عاشا انكسارات كبيرة، من دون أن يقودهما ذلك إلى الاستسلام، بل إلى الإيمان بضرورة الاستمرار في المحاولة، لأنّ البشرية لا يمكن أن تستمر على النحو الذي تسير فيه اليوم، في ظل هذا القدر من القوة الذي يسمح بمرور الإبادات الجماعية والجرائم من دون حساب.
وفي سنواته الأخيرة، ازداد زياد قناعةً بأن البشرية لا يمكن أن تنتهي إلى هذا المصير، وأنّ ثمة مخارج أخرى لمشكلاتها، وأن مسؤولية البحث عنها تقع على عاتق الحركات التقدّمية في العالم كله، لا في لبنان وحده. لذلك، يرى حمدان أن التحدّي اليوم يتمثّل في إبقاء زياد راهناً، عبر إعادة تقديم تجربته بوصفها مشروعاً متكاملاً يجمع الموسيقى والمسرح والسخرية والفكر، لأن إرثه لا يخصّ اليساريين أو الشيوعيين أو الماركسيين وحدهم، بل ينبغي أن يشكّل جزءاً من الخلفية الفكرية لأي مشروع ديمقراطي وعلماني يطمح إلى العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

موسيقى تُكتب من الداخل
ثقافة زياد امتدّت بطبيعة الحال إلى الموسيقى، وهو الذي جمع بين أنماط موسيقية عدة بين الشرق والغرب. مَن يُرِدْ أن يفهم موسيقى زياد فعليه أن يتتبّع الموسيقى الغربية أولاً، كما يقول لنا المؤلّف والعازف الموسيقي عبود السعدي، الذي عمل مع زياد الرحباني منذ عام 1978 عندما كان طالباً في الجامعة الأميركية. يستعيد السعدي بدايات علاقته به، فقد عرّفه الموسيقي وليد الطويل إلى زياد، وأول تسجيل جمعهما كان لمسرحية «فيلم أميركي طويل». منذ ذلك الوقت، اكتشف اهتمام زياد الاستثنائي بالتفاصيل في العمل الموسيقي.
يختصر السعدي موسيقى الرحباني بثلاثة عناصر أساسية، وهي اللحن، والهارموني، والإيقاع. ويرى أنّ ما ميّز زياد هو الهارموني، التي لم تكن موجودة، لدى أي موسيقي آخر في لبنان، إذ إن معظم المستمعين يركّزون على اللحن، فيما تكمن فرادة موسيقى زياد في ما يجري خلفه، وفي الخلفية الموسيقية التي ترافق الكلمة، وقد استخدمها لبناء صلة مع المجتمع وإيصال أفكاره إلى الناس.
تميّز الإيقاع عند زياد بتناغم كبير، لأنّه كان يكره كل ما هو مُبالغ فيه، فلا تطغى آلة على أخرى، بل تكون لكل آلة وظيفتها ومكانها داخل العمل الموسيقي. ومن أبرز إنجازاته، بحسب السعدي، قدرته على إبقاء كل آلة في موقعها الصحيح داخل التوزيع.
أعطى زياد كل آلة حجمها، وكتب لكل آلة، وهذا ما ميّزه عن كل الموسيقيين، فهو برع في التوزيع أكثر من التأليف الموسيقي. يشير السعدي إلى تفاخر زياد وتكرار تعلّم التوزيع على يد المؤلف والموزّع الموسيقي وعازف البيانو الراحل بوغوص جيلاليان، لكنّ زياد أخذ هذا التوزيع إلى مستوى آخر. كما يشير إلى مساهمة أشخاص تعامل معهم في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات في تطوير قدراته في التوزيع، ما جعله أكثر نضجاً على المستوى الموسيقي.
ويصفه السعدي بأنه موهبة استثنائية، تمتلك قدرة كبيرة على استيعاب المعلومة.
يأسف لأنّ كثيراً من طموحات زياد لم تتحقّق في لبنان، إذ لم يجد عدداً كافياً من الموسيقيين الذين يفهمون طريقته في العمل، وهو ما يعيده إلى طبيعة المشهد الموسيقي في البلاد. لذلك، لم يكن راضياً عن الأعمال التي عُزفت في لبنان، فلجأ إلى الاستعانة بموسيقيين عرب وغربيين، وسجّل أعماله في الخارج. ومن المشكلات التي واجهها أيضاً غياب عازفي آلات النفخ في لبنان، في وقت كان فيه مولعاً بهذه الآلات، ويحرص على إشراكها في مقطوعاته، كما كان يكتب النوتة الخاصة بكل آلة بنفسه.
يكشف السعدي أنّ زياد كان مُغرماً بآلة الباص غيتار، وكان يؤلف في السبعينيات معظم أعماله عليها، ثم يبني اللحن، ويضيف إليه الهارموني، وكان يعتقد أنّ الباص هو الذي يركّب الدقة. لكن حبّ وشغف زياد بالموسيقى والدقة، لم يجدا مكاناً لهما في الإعلام وعند المتعهّدين. فالجمهور لا يعرف هذه التفاصيل، لأن الإعلام والمنتجين والمتعهّدين لم يهتموا إلا بالمال والربح، فيما لم يراكم زياد ثروة لأنه لم يقدّم موسيقى استهلاكية. حتى بات الجمهور يطالبه بإلقاء النكات، لا بالاستماع إلى موسيقاه.
يحمّل السعدي الإعلام والمتعهّدين مسؤولية تجهيل الجمهور، متسائلاً: أين كانوا جميعاً عندما كان زياد لا يزال على قيد الحياة، قبل أن يعودوا إلى بثّ أعماله وعزفها بعد وفاته؟

كاتب المسرح والناس
في المسرح، وجد زياد مساحة أخرى للبوح بكل ما كان يشغله ويحاول تفكيكه. يغوص المخرج المسرحي والممثّل الإيمائي فائق حميصي في تجربة زياد الرحباني المسرحية، رافضاً مقولة بأنه لم يدرس المسرح أكاديمياً، لأن هذا الحكم، برأيه، يتجاهل البيئة التي نشأ فيها. فزياد، وإن لم ينتسب إلى كلية أو معهد مسرحي، عاش منذ طفولته في قلب أهم ورشة فنية في لبنان، هي ورشة الأخوين رحباني. رافق والده إلى البروفات والاستوديوات، وتعلّم عملياً من الاحتكاك اليومي بالعمل المسرحي والموسيقي، وهو نفسه تحدّث أكثر من مرة عن تلك المرحلة، موضحاً أنّ ما اكتسبه كان تدريباً تطبيقياً مباشراً. كما كان منزل الرحابنة ملتقى دائماً للموسيقيين والمسرحيين والمفكّرين والأدباء، الذين كانوا يقرأون نصوصهم أمام عاصي ومنصور قبل تقديمها.
يتتبّع حميصي تطور تجربة زياد المسرحية، فيرى أنّ «سهرية» قدّم فيها نفسه أولاً بوصفه موسيقياً وملحّناً أكثر من كونه كاتباً مسرحياً. جاءت المسرحية في إطار سهرة غنائية تدور داخل مقهى، وكان مبرّرها الدرامي وجود سهرة يقدّم خلالها أغانيه، واعتمدت على شخصيات استوحاها من الناس الذين عرفهم في محيطه، ولا سيما من البيئة التي عاش فيها مع الرحابنة، مستفيداً من قدرته الكبيرة على التقاط التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الآخرون.
التحوّل الحقيقي بدأ مع «نزل السرور»، إذ انتقل من العرض الاستعراضي إلى بناء مسرحي متكامل وفق منهج المسرح الواقعي، بالتزامن مع نضوج وعيه السياسي. شهدت المسرحية انتقاله إلى بناء درامي يقوم على أسس ستانسلافسكي، من خلال شخصيات مكتملة، وعقدة درامية، وتصاعد في الأحداث، وبناء نفسي واجتماعي واضح لكل شخصية. ويشرح حميصي أنّ هذا البناء لم يكن شكلياً، فشخصيات «نزل السرور» لا تتحرّك عشوائياً، بل تنطلق من خلفيات اجتماعية واقتصادية ونفسية محدّدة. فجميعها شخصيات مُهمّشة أو فاشلة تعيش حالة من الإحباط، قبل أن يصل الحدث المفصلي المتمثّل في حضور مجموعة تدعوها إلى المشاركة في الثورة، فيبدأ الصراع الحقيقي داخل المسرحية.

تحطيم أوهام المجتمع
يصل هذا المسار، بحسب حميصي، إلى ذروته في «بالنسبة لبكرا شو؟»، التي تمثّل قمة الوعي السياسي والاجتماعي لدى زياد، وتجسّد التزاماً كاملاً بما يعرف في الأدبيات المسرحية بـ«الواقعية الاشتراكية». جميع العلاقات داخل المسرحية يمكن تفسيرها انطلاقاً من الصراع الطبقي، وكل شخصية تمثّل موقعاً اجتماعياً واقتصادياً محدّداً، فيما يخدم كل حوار هذا البناء. تنتقد المسرحية البرجوازية اللبنانية، أي الطبقة الوسطى التي راكمت بعض المكاسب من خلال العمل والتجارة، وتسعى إلى الصعود الاجتماعي، لكنها تبقى خاضعة للرأسمالية وآلياتها.
وحتى الشخصيات التي تبدو عادية، مثل الشاعر أو رواد المقهى، ليست محايدة، بل تنتمي إلى هذا الواقع الطبقي وتحاول إثبات وجودها داخله. ومن هنا، يصبح الصراع قائماً على كيفية استغلال الرأسمالية لهؤلاء الأشخاص، ودفعهم إلى السعي الدائم لتحسين أوضاعهم الاجتماعية، فيما تستمر في استغلالهم. وبرأي حميصي، أصاب زياد المجتمع اللبناني في الصميم، بانتقاده الأفراد ومنظومة الاستهلاك، وأوهام الصعود الاجتماعي، والعلاقات التي تحكم المجتمع اللبناني بأسره.
شكّلت مسرحية «فيلم أميركي طويل» امتداداً لهذا المسار، لكنها ركّزت على أثر الحرب في العلاقات الإنسانية أكثر من تقديم رؤية شاملة للمجتمع، الذي بدا مُهدّداً بالتفكّك فيما يواصل أفراده ترديد الشعارات نفسها من دون تغيير واقعهم. هنا لم يعد الصراع اجتماعياً فقط، بل أصبح وجودياً، مرتبطاً بالحرب وبالإنسان نفسه.
منذ هذه المرحلة، بدأ زياد يقتنع بأن المشكلة لا تكمن فقط في النظام الاجتماعي أو العلاقات الاقتصادية، بل أيضاً في الأفراد أنفسهم. تبلورت هذه الفكرة بوضوح في «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، حيث تحوّلت كل شخصية إلى عالم مستقل يحمل تناقضاته وأزماته الخاصة. وقد اعتمد فيها، وكذلك في «لولا فسحة الأمل»، أسلوب التغريب عند بريشت، بعدما كان يرفضه سابقاً. ويعزو حميصي هذا التغيير إلى تطوّر التحليل السياسي والاجتماعي لدى زياد. فالكاتب، مثل أي إنسان، تتبدّل رؤيته مع الزمن، وما يعيشه ويناقشه وينشغل به ينعكس على أعماله.
يؤكد حميصي أنّ تجربة زياد الرحباني ستبقى جزءاً أساسياً من تاريخ المسرح اللبناني، لأنه كان كاتباً ومخرجاً وموسيقياً وممثّلاً ومؤلّفاً ومخرجاً، وهي تركيبة نادرة. لذلك، فإنّ من يحاول تقليده سينتهي غالباً إلى تقليد الأداء الخارجي للشخصيات، ويلاحظ أنّ كثيراً من العروض التي تعيد تقديم مسرحياته اليوم ما زالت تقلّد طريقته في الأداء، بدلاً من إعادة قراءة نصوصه برؤية إخراجية مختلفة. ومع ذلك، فهو يعتقد أن أفكار زياد ومعالجاته الدرامية يمكن أن تُقدَّم بأشكال جديدة في المستقبل، شرط أن يتحرّر المسرحيون من تأثير شخصيته الطاغية.
كل ما قدّمه زياد كان امتداداً لأفكاره، ولم يكن يتوقع أن يتحوّل إلى مرجعية فكرية وفنية، أو إلى شخصية يتمثّل بها هذا العدد الكبير من الناس، وأن يطبع أجيالاً من الفنانين. وربما لهذا السبب تحديداً، انتهى كثيرون ممن حاولوا تقليده إلى استنساخ شكله الخارجي، لا جوهر تجربته، فغابت أعمالهم خلف ظلّه، فيما بقي هو وحده عصيّاً على التقليد. ذلك أنّ ما بقي من زياد ليس أسلوباً فنياً، بل رؤية إلى الإنسان والمجتمع. ورغم غياب صاحبها، لا تزال هذه الرؤية قادرة على مُساءلة الواقع، كأنّ الزمن لم يتجاوزها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire