حنا ميخائيل

 

المناضل والمفكر الفلسطيني حنا ميخائيل (أبو عمر)
حنا إبراهيم ميخائيل، عُرف باسمه الحركي «أبو عمر» (24 أكتوبر 1935 - يوليو 1976)، هو مناضل ومفكر وباحث أكاديمي وسياسي فلسطيني بارز، وقيادي في حركة فتح. لعب دوراً محورياً فيما عُرف بـ«يسار فتح» في السبعينيات، وكان من أبرز منظري ومصممي الخط الفكري لـالكتيبة الطلابية. تميزت أطروحته بالإيمان بأن "الثورة علم" وبضرورة إسقاط التجربة الفيتنامية على الواقع الفلسطيني متبنياً خطاً راديكالياً عارض الحلول المرحلية والتسويات السياسية.

النشأة والتعليم
ولد حنا ميخائيل في مدينة رام الله عام 1935 لعائلة فلسطينية مسيحية. أتم دراسته الثانوية في مدارس الفرندز برام الله، ونال عام 1952 منحة دراسية للالتحاق بـكلية هافرفورد في الولايات المتحدة الأمريكية. تابع بعدها تحصيله الأكاديمي العالي في جامعة هارفارد العريقة التي نال منها شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية.
تعرف في أواخر الخمسينيات خلال فترة دراسته في أمريكا على المفكر والناقد الأدبي إدوارد سعيد وتوطدت بينهما علاقة صداقة فكرية وإنسانية عميقة استمرت حتى استشهاده. بدأ مسيرته المهنية أستاذاً لتدريس العلوم السياسية في جامعة برينستون ثم انتقل بعدها إلى جامعة واشنطن، حيث سخّر موقعه الأكاديمي للتعريف بالقضايا العربية والدفاع عن القضية الفلسطينية في الأوساط الغربية.

النشاط السياسي والنضالي
الساحة الأردنية وأيلول الأسود (1969 - 1971)
قرر ميخائيل التخلي عن مستقبله الأكاديمي الواعد في الولايات المتحدة عام 1969 والعودة إلى الشرق الأوسط للانخراط الفعلي في الكفاح المسلح. تولى الإشراف على تنظيم جهاز الإعلام المركزي التابع لحركة فتح في الأردن. عايش ميدانياً أحداث أيلول الأسود عام 1970 الدامية بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني، وشكلت هذه المحطة نقطة تحول مفصلية في وعيه الفكري؛ إذ تعمقت لديه القناعة بأن العفوية والحماس لا يحميان الثورة، وأن العمل الفدائي بحاجة إلى أيديولوجيا واضحة وتنظيم حديدي صارم لحماية نفسه من التصفية.

التضامن الأممي وعلاقاته الدولية
بفضل خلفيته الفكرية ولغته، نسج ميخائيل علاقات متينة مع أقطاب اليسار العالمي، وكان صلة الوصل بين الثورة والفلاسفة الغربيين. ربطته صداقة وثيقة بالأديب والشاعر الفرنسي الشهير جان جينيه، الذي عايش الفدائيين وسهّل له أبو عمر التحرك بينهم، وجسّد جينيه شخصية "أبو عمر" كرمز للمثقف الثوري الراقٍ في كتابه الشهير «الفدائي العاشق» (Un Captif Amoureux). ونظراً لمكانته الحقوقية والفكرية، اختير ليكون العضو العربي الوحيد في هيئة المحلفين بـ محكمة راسل الدولية الثانية المعنية بجرائم الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية بين عامي 1971 و1976.

الساحة اللبنانية والقطاع الغربي
انتقل في أواخر صيف عام 1971 إلى العاصمة اللبنانية بيروت؛ حيث انضم إلى مركز الأبحاث الفلسطيني وأصبح عضواً في أسرة تحرير مجلة شؤون فلسطينية وفي مركز التخطيط الفلسطيني رفقة المؤرخ إلياس شوفاني.
تولى مسؤولية شؤون المرأة والطلاب في لجنة قيادة تنظيم فتح في لبنان (1973–1975)، وكانت له مساهمات نظرية رائدة حول إعادة تأسيس الأطر النسائية. كما أصبح عضواً قيادياً بارزاً في "القطاع الغربي" المسؤول عن إدارة العمل المسلح والتنظيمي داخل الأرض المحتلة؛ حيث عمل بتنسيق وثيق وتوجيه من القائد كمال عدوان، وبعد استشهاد الأخير استمر في العمل تحت قيادة خليل الوزير (أبو جهاد) الذي وظف طاقات أبو عمر التثقيفية لصياغة المناهج والأدبيات الفكرية للكوادر المتوجهة للداخل.

أطروحة يسار فتح والنموذج الفيتنامي
ساهم بفاعلية في بلورة ما عُرف بـ"التيار الوطني الديمقراطي" (يسار فتح) الذي بدأ يتشكل عقب المؤتمر الثالث للحركة عام 1971. شكل ميخائيل مع منير شفيق (أبو فادي)، وناجي علوش، وإلياس شوفاني المطبخ الفكري والسياسي لهذا التيار المعارض للنهج الدبلوماسي لقيادة حركة فتح.
تشارك مع منير شفيق مسؤولية الإشراف والتعبئة السياسية والفكرية في دورات كوادر الحركة بمعسكر مصياف في سوريا، رافعاً شعار "الثورة علم"؛ حيث كان يؤمن بضرورة تسييس المقاتلين وتحويل القوات العسكرية إلى جيش شعبي منظم. عارض حنا ميخائيل بشدة خط التسويات السياسية وبرنامج النقاط العشر الصادر عام 1974، معتبراً إياه بداية التنازل الاستراتيجي والانزلاق نحو حلول استسلامية.
تأثر أبو عمر بعمق بـ الثورة الفيتنامية، وفي عام 1975 سافر في دورة عسكرية وسياسية مكثفة إلى فيتنام دامت ستة أشهر رفقة القائد العسكري عبد الحميد وشاحي (نعيم). عاد منها واضعاً مسودة أطروحة فكرية شاملة بعنوان «ملاحظات أولية حول الثورة العربية»، طمح عبرها لتأسيس حزب ماركسي-لينيني مقاتل يدمج الانضباط الحديدي الفيتنامي بالعمل الفدائي، وغدا الأب الروحي والمنظر الفكري لـ الكتيبة الطلابية التي قادها ميدانياً رفاقه وتلامذته مثل معين الطاهر.

الحياة الشخصية
التقى حنا ميخائيل بالمناضلة والباحثة الفلسطينية جيهان الحلو عام 1969 خلال انخراطها في العمل التنظيمي وحركة فتح والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وتوجت علاقتهما بالزواج عام 1972، حيث شكلت رفيقة دربه وحافظة إرثه الفكري بعد غيابه.

الاختفاء والشهادة
في غمرة المعارك الشرسة لـ الحرب الأهلية اللبنانية وتحديداً بتاريخ 20 يوليو 1976، وعقب استشهاد القائد عبد الإله دراغمة (الحاج حسن) في شمال لبنان، كلفت القيادة العسكرية مجموعة من الكوادر بالتوجه من بيروت إلى مدينة طرابلس لترتيب الأوضاع الميدانية المتدهورة. ضمت المجموعة القائد العسكري عبد الحميد وشاحي (نعيم)، وحنا ميخائيل (أبو عمر)، وأبو الوفا (جودت المصري) رفقة ستة مناضلين آخرين.
ونظراً لإطباق القوات البرية حصاراً كاملاً على الطرق، استقلت المجموعة زورقاً مطاطياً بحرياً للانتقال عبر البحر الأبيض المتوسط. إلا أن الزورق اختفى في عرض البحر بظروف غامضة ولم يُعثر له أو لركابه على أثر، واعتبر أفراد المجموعة شهداء الثورة الفلسطينية. وقد تناول برنامج التحقيقات الاستقصائية «مختفون» على تلفزيون العربي لغز اختفاء هذا القارب بشهادات حية وموثقة من رفاقهم وعائلاتهم.

إرثه الأكاديمي وتكريمه

جُمعت أطروحته للدكتوراه ونُشرت بعد استشهاده في كتاب هام حمل عنوان: «السياسة والوحي: الماوردي وما بعده»، وصدر عن دار الطليعة ببيروت عام 1997، وقدم له صديقه البروفيسور إدوارد سعيد الذي رثاه أيضاً بمقالات مؤثرة واصفاً إياه بنموذج "المثقف المشتبك والأنقاوات".
أطلقت بلدية رام الله اسمه على أحد شوارع المدينة الرئيسية القريبة من بيت آل ميخائيل التاريخي تكريماً لعطائه ونضاله.
في عام 2019، أصدرت أرملته جيهان الحلو كتاباً توثيقياً شاملاً يؤرخ لحياته ومسيرته بعنوان: «غُيّب فازداد حضوراً: حنا إبراهيم ميخائيل - أبو عمر»، وجرى إطلاق الكتاب في متحف محمود درويش برام الله.

***

حنّا ميخائيل بين الفكر والنضال
تحيي مكتبة رقائم الذكرى الخمسين لغياب المفكر والمناضل الفلسطيني حنا ميخائيل (أبو عمر)، في ندوة حوارية يقدّمها يوسف يونس، يوم الإثنين 20 تموز (يوليو) في مساحة «أم ميرنا».
تتناول الجلسة مسيرة ميخائيل الفكرية والنضالية، وإسهاماته في الفكر الفلسطيني وأسئلته المستمرة حول الحرية والثورة والتحرر. كما تستعيد تجربته التي جمعت بين العمل الفكري والنضال السياسي، وتفتح نقاشاً حول حضوره في الذاكرة الفلسطينية والعربية، وأثر أفكاره في قضايا التحرر والعدالة، بعد مرور نصف قرن على غيابه.
* ندوة حول حنا ميخائيل: الإثنين 20 تموز (يوليو) - الساعة 7:00 مساءً - «أم ميرنا» (الحمرا). للاستعلام: raqaem0@gmail.com

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire