انها ازمة نظام

 



د. طنوس شلهوب

إن النقاش الذي أثاره القرار القاضي بإلغاء مادة التاريخ بوصفها مادة قائمة بذاتها، والرسالة التي وجهها الدكتور عصام خليفة إلى رئيس الحكومة نواف سلام احتجاجا على القرار، يعكسان بلا شك خطورة ما يجري على مستوى المناهج التعليمية. غير أن الاكتفاء بالاعتراض على القرار، أو المطالبة بتعديله، يبقى أسير المقاربة التربوية والإدارية، في حين أن المشكلة، باعتقادي، أعمق من ذلك بكثير.
إن تغييب مادة التاريخ المستقلة، كما غياب كتاب تاريخ موحد، ليسا سوى تجليين لأزمة بنيوية يعيشها النظام اللبناني برمته. وقد حاولت أن أبين في دراسة سابقة نشرتها مجلة الطريق منذ عدة سنوات، أن أزمة النظام التربوي ليست فقط أزمة مناهج أو لجان أو مقررات، بل هي جزء من أزمة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي نفسه. فهذا النظام عجز عن ربط التعليم بالحاجات الاجتماعية والتنموية للمجتمع، وحوله إلى أداة لإنتاج خريجين مؤهلين للهجرة أكثر من تأهيلهم للمساهمة في التنمية الوطنية. ومن المنطقي أن يكون النظام الذي يفشل في بناء اقتصاد وطني منتج، ويعجز عن صياغة مشروع وطني جامع، عاجزا أيضا عن إنتاج ذاكرة تاريخية مشتركة أو الحفاظ على مادة التاريخ باعتبارها ركنا أساسيا في تكوين الوعي الوطني. لذلك فإن رسالة الدكتور عصام خليفة تكتسب أهميتها في الدفاع عن التاريخ، لكنها تبقى، في تقديري، معالجة لأحد مظاهر الأزمة، بينما يظل أصل المشكلة كامناً في البنية الطائفية والريعية التابعة التي تعيد إنتاج الانقسام في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم على السواء. ومن هنا فإن إنقاذ تدريس التاريخ لا ينفصل عن مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة الوطنية وربط التربية بالحاجات الاجتماعية للمجتمع، لا بحاجات نظام اقتصادي كومبرادوري يقوم، في أحد أبرز وجوهه، على تصدير الكفاءات واستيراد "التنمية".

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire