نحو توسيع أفق النقاش حول التجربة الصينية ومستقبل الاشتراكية

 


د. طنوس شلهوب 

في سياق الحوار مع الرفيقين سليمان أحمد وجاك عزيز حول التجربة الصينية ومسار التحولات التي عرفتها الاشتراكية في القرن العشرين، أعتقد أن أهمية النقاش لا تكمن فقط في الوصول إلى حكم نهائي حول الصين، بل في إعادة طرح الأسئلة الكبرى التي واجهت الحركة الاشتراكية منذ نشأتها: كيف تبني الشعوب طريقاً مستقلاً للتنمية في عالم تحكمه الرأسمالية العالمية؟ كيف يمكن الانتقال من مرحلة التخلف الاقتصادي إلى بناء قوى إنتاج حديثة دون الوقوع في تبعية المركز الرأسمالي؟ وما هي العلاقة الجدلية بين الدولة، والسوق، والتخطيط، والصراع الطبقي؟
إن الخلاف حول الصين لا ينبغي أن يتحول إلى سجال بين مواقف مسبقة: فريق يرى فيها نموذجاً اشتراكياً ناجحاً بلا تناقضات، وفريق يختصرها في كونها مجرد تجربة رأسمالية جديدة. فالتجارب التاريخية الكبرى لا يمكن قراءتها بهذه الثنائية المبسطة، لأنها تتحرك داخل شروط مادية وسياسية دولية معقدة، وتنتج بالضرورة تناقضات وصراعات داخلية.
ومن هنا تأتي أهمية توسيع دائرة النقاش لتشمل مساهمات عدد من المفكرين الماركسيين المعاصرين، مثل علي القادري، ودومينيكو لوسوردو، وغابرييل روكهيل، الذين حاولوا مقاربة قضايا التنمية والإمبريالية وأزمة اليسار العالمي من زوايا مختلفة. فهذه المقاربات لا تقدم بالضرورة أجوبة نهائية، لكنها تساعد على تجاوز القراءة الضيقة للتجارب الاشتراكية، وإعادتها إلى سياقها التاريخي العالمي. (مع انني لن اتخلف لاحقاً في الرد على ملاحظات الرفيقين). 
إن أحد الدروس الأساسية التي يطرحها هذا النقاش هو أن الاشتراكية لم تكن يوماً مشروعا خارج التاريخ أو منفصلا عن موازين القوى العالمية. فقد واجه الاتحاد السوفياتي تحديات الحصار والحروب والتخلف الاقتصادي، بينما واجهت الصين تحدي بناء التنمية في ظل نظام عالمي تهيمن عليه القوى الرأسمالية الكبرى. ولذلك فإن مقارنة التجربتين لا تهدف إلى إصدار أحكام أخلاقية، بل إلى فهم الخيارات التاريخية المختلفة والنتائج التي ترتبت عليها.
كما أن النقاش حول الصين يعيد طرح مسألة مركزية في الفكر الماركسي: هل استخدام أدوات السوق يعني بالضرورة العودة إلى الرأسمالية، أم يمكن أن يكون أداة انتقالية ضمن مشروع تقوده الدولة لتحقيق أهداف اجتماعية أوسع؟ وهل معيار الاشتراكية هو شكل الملكية فقط، أم طبيعة السلطة الاجتماعية التي تتحكم في اتجاه الاقتصاد وتوزيع ثماره؟
إن دعوتي إلى توسيع أفق الحوار لا تعني تجاوز الخلافات، بل العكس: تعني تعميقها على أساس معرفي وتاريخي، بعيداً عن التوصيفات الجاهزة. فالماركسية، في جوهرها، ليست مجموعة أجوبة محفوظة، بل منهج لتحليل الواقع المتغير. ومن هنا فإن دراسة الصين، والاتحاد السوفياتي، وتجارب التحرر الوطني، ليست مجرد بحث في الماضي، بل محاولة لفهم شروط النضال الاجتماعي والسياسي في الحاضر والمستقبل.

الصين في منظور الاقتصاد السياسي الماركسي: قراءة في أطروحات علي القادري ومسألة الطريق الاشتراكي
ليست أهمية تجربة الصين في حجمها الاقتصادي أو في معدلات نموها فقط، بل في كونها أعادت طرح سؤال ظل مركزيا في الفكر الماركسي منذ القرن التاسع عشر: هل يمكن بناء مسار تنموي مستقل عن هيمنة الرأسمالية العالمية؟ وهل يمكن لدولة اشتراكية أن تستخدم آليات السوق دون أن تصبح أسيرة لمنطق رأس المال؟
في هذا السياق تأتي كتابات الاقتصادي والباحث الماركسي علي القادري، ولا سيما كتابه "طريق الصين إلى التنمية: ضد النيوليبرالية"، كمحاولة لقراءة التجربة الصينية من زاوية الاقتصاد السياسي الماركسي، بعيدا عن الأحكام الجاهزة التي تختزل الصين إما في صورة "معجزة رأسمالية" أو في صورة "انحراف عن الاشتراكية".
ينطلق القادري من فكرة أساسية مفادها أن التنمية ليست عملية تقنية محايدة، بل هي صراع اجتماعي وتاريخي حول السيطرة على فائض الإنتاج، وحول من يحدد اتجاه الاقتصاد ومن يستفيد من ثماره. ومن هنا فإن تقييم أي تجربة تنموية لا يمكن أن يعتمد فقط على مؤشرات النمو والاستثمار والتجارة، بل يجب أن ينظر إلى طبيعة الدولة، ودورها في تنظيم الاقتصاد، وموقعها في النظام الرأسمالي العالمي.
وفق هذا المنظور، فإن خصوصية الصين تكمن في أنها لم تسلك طريق البلدان التي خضعت لوصفات النيوليبرالية القائمة على الخصخصة الشاملة، وتحرير حركة رأس المال، وتقليص دور الدولة. فقد حافظت الدولة الصينية على دور مركزي في القطاعات الاستراتيجية، وفي التخطيط طويل الأمد، وفي توجيه الاستثمار، الأمر الذي سمح لها ببناء قاعدة صناعية وتكنولوجية ضخمة خلال عقود قليلة.
لكن القادري لا ينظر إلى هذه التجربة بوصفها نموذجاً مثاليا خاليا من التناقضات. فالصين، مثل أي تجربة تاريخية، تحمل صراعات داخلية بين منطق السوق ومنطق التخطيط، بين توسع العلاقات الرأسمالية وبين أهداف العدالة الاجتماعية، وبين الحاجة إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي والحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي.
وهنا تبرز أهمية المقارنة مع أطروحات المفكر الإيطالي دومينيكو لوسوردو، الذي انتقد ما سماه "الماركسية الغربية" عندما ابتعدت، في نظره، عن قضايا الدولة والإمبريالية والصراع العالمي، وانشغلت أكثر بالنقد الثقافي والفلسفي المجرد. بالنسبة للوسوردو، لا يمكن فهم الاشتراكية والثورات في القرن العشرين خارج الصراع بين الشعوب المستعمَرة والمراكز الإمبريالية، ولا خارج مسألة بناء الدولة القادرة على مواجهة الهيمنة العالمية.
أما غابرييل روكهيل فيضيف بعداً آخر يتعلق بالصراع على إنتاج المعرفة. فهو يرى أن الهيمنة الإمبريالية لا تعمل فقط عبر الاقتصاد والجيوش، بل أيضاً عبر المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي تحدد ما يعتبر "معرفة صحيحة" وما يعتبر "تجربة فاشلة". ومن هذا المنطلق يدعو إلى إعادة النظر في كثير من الأحكام السائدة حول تجارب الجنوب العالمي، ومنها الصين، والتي غالباً ما تُقاس بمعايير نشأت داخل المركز الرأسمالي الغربي.
لكن السؤال الأساسي يبقى: هل يعني استخدام الصين للسوق أنها أصبحت رأسمالية؟
هنا يجب التمييز بين وجود علاقات سوق وبين هيمنة منطق رأس المال. فقد استخدمت تجارب اشتراكية سابقة، ومنها سياسة لينين الاقتصادية الجديدة (النيب)، بعض آليات السوق بعد الحرب الأهلية الروسية، ليس باعتبار السوق غاية بحد ذاته، بل كأداة ضمن استراتيجية انتقالية فرضتها الظروف التاريخية.
من هذا المنظور، يمكن فهم الإصلاحات الصينية منذ أواخر السبعينيات باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال تاريخي: كيف يمكن لبلد فقير ومتخلف اقتصادياً أن يبني قوى إنتاج حديثة في عالم تهيمن فيه الرأسمالية العالمية؟ فالتصنيع، والتقدم العلمي والتكنولوجي، وبناء قاعدة إنتاجية قوية، كانت شروطاً ضرورية لأي مشروع استقلال اجتماعي وسياسي. (في النص السابق  توسعت في الاضاءة على الظروف التاريخية لتطور التجربة الصينية).
غير أن هذا المسار لا يلغي ضرورة النقد. فالتناقضات الاجتماعية في الصين، واتساع الفوارق، ونمو طبقة رأسمالية جديدة، كلها مسائل حقيقية تطرح سؤالاً حول الاتجاه المستقبلي للتجربة. فالماركسية لا تتعامل مع التاريخ كمسار مضمون، بل كصراع دائم بين قوى اجتماعية ومصالح متعارضة.
ولهذا فإن الموقف العلمي من الصين لا ينبغي أن يكون دفاعا أعمى ولا رفضا مسبقا. المطلوب هو تحليلها كظاهرة تاريخية مركبة: دولة تقود عملية تنمية ضخمة داخل نظام عالمي رأسمالي، تستخدم أدوات السوق لكنها تحافظ على دور مركزي للدولة والحزب، وتحاول الجمع بين ضرورات التحديث الاقتصادي وأهداف سياسية معلنة ذات طابع اشتراكي.
إن أزمة اليسار العالمي، التي يناقشها روكهيل ولوسوردو من زوايا مختلفة، تكمن جزئيا في فقدان القدرة على قراءة الواقع كما هو، وفي استبدال التحليل المادي للتاريخ بأحكام أخلاقية أو نماذج نظرية جامدة. فالتجارب الثورية لا تتحرك في فراغ، بل في شروط عالمية محددة، والصراع الحقيقي ليس بين "النقاء النظري" و"الواقع الملوث"، بل بين مشاريع اجتماعية مختلفة تحاول كل منها أن تشق طريقها داخل التاريخ.
من هنا تكتسب تجربة الصين أهميتها: ليس لأنها تقدم وصفة جاهزة لكل البلدان، بل لأنها تطرح مجددا السؤال الذي طرحه ماركس ولينين: كيف يمكن للشعوب أن تحقق التنمية والاستقلال والسيادة في عالم تحكمه علاقات قوة غير متكافئة؟

الصين والاتحاد السوفياتي: مساران مختلفان في بناء الاشتراكية
لا يمكن فهم التجربة الصينية المعاصرة من دون العودة إلى التجربة السوفياتية، ليس بهدف عقد مقارنة سطحية بين نجاح وفشل، بل لفهم الاختيارات التاريخية المختلفة التي واجهتها كل تجربة في ظروف عالمية متباينة.
لقد ورث الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر 1917 بلداً متخلفاً اقتصادياً، خرج من حرب عالمية مدمرة، ومن حرب أهلية داخلية، وفي مواجهة حصار وتدخل عسكري خارجي. وكان التحدي المركزي أمام البلاشفة هو كيفية الانتقال من بلد زراعي متأخر إلى دولة قادرة على بناء قاعدة صناعية حديثة والدفاع عن استقلالها. وطرح لينين الشعار المركزي: الاشتراكية هي كهربة البلاد وسلطة مجالس الشعب (السوفيات). 
لاحقا، جاءت سياسة لينين الاقتصادية الجديدة (النيب) كاستجابة براغماتية لظروف تاريخية صعبة. فقد أدرك لينين أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يمكن أن يتم بمجرد إصدار قرارات سياسية، بل يحتاج إلى تطوير قوى الإنتاج، وبناء قاعدة مادية، ورفع مستوى الثقافة والتعليم والتنظيم الاقتصادي. لذلك سمح بعودة محدودة لبعض آليات السوق ورأس المال الخاص الصغير، مع الحفاظ على سيطرة الدولة على القطاعات الأساسية.
لكن بعد وفاة لينين، وفي ظل تهديدات خارجية حقيقية وصراع داخلي حول مستقبل الثورة، انتقل الاتحاد السوفياتي إلى مرحلة التصنيع السريع والتجميع الزراعي بقيادة ستالين. وقد حققت هذه السياسة إنجازا تاريخيا هائلا وغير مسبوق في تاريخ  البشرية: تحويل بلد فلاحي إلى قوة صناعية كبرى خلال فترة زمنية قياسية، استطاعت لاحقاً هزيمة النازية. غير أن هذا التحول رافقته أيضاً كلفة اجتماعية وسياسية كبيرة، وخلق نمطا شديد المركزية في إدارة الاقتصاد والدولة.
المشكلة التي واجهها الاتحاد السوفياتي لاحقاً لم تكن في غياب الإنجازات، بل في صعوبة تطوير النموذج بما يتلاءم مع مرحلة جديدة. فقد نجح الاقتصاد المخطط في بناء الصناعات الثقيلة والدفاعية، لكنه واجه تحديات ابرزها سباق التسلح، تخطي البيروقراطية وإشراك المجتمع بصورة أوسع في عملية القرار الاقتصادي والسياسي.
أما الصين فقد درست التجربة السوفياتية بعمق، وخصوصاً بعد أزمة الستينيات والسبعينيات. ولذلك اختارت، بعد وفاة ماو تسي تونغ، طريقا مختلفا تحت قيادة دنغ شياو بينغ. لم يكن السؤال الصيني: كيف نحافظ على نموذج ثابت؟ بل: كيف نطور قوى الإنتاج ونمنع انهيار المشروع الاشتراكي في عالم تهيمن عليه الرأسمالية؟
من هنا جاءت سياسة "الإصلاح والانفتاح". وقد فُهمت أحياناً في الغرب باعتبارها انتقالا إلى الرأسمالية، لكن القيادة الصينية قدمتها باعتبارها استخداما للسوق كأداة ضمن مشروع تقوده الدولة. فالسوق، وفق هذا التصور، ليست معيارا أيديولوجيا بحد ذاتها، بل وسيلة لتنظيم بعض جوانب الاقتصاد وتعبئة الموارد والتكنولوجيا.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين التجربة الصينية والنموذج السوفياتي المتأخر. فالصين لم تتخلَّ عن دور الدولة في التخطيط الاستراتيجي، ولم تسمح بتحول القطاعات الأساسية إلى ملكية خاصة كاملة، وحافظت على قيادة الحزب الشيوعي للدولة. بينما أدت سياسة غورباتشوف تحت مسمى البريسترويكا الى تفكك الاتحاد السوفياتي والانتقال السريع نحو تحرير السوق والخصخصة، ما أدى إلى تدمير البنية الاقتصادية والسياسية التي قامت عليها الدولة السوفياتية.
لكن هذا لا يعني أن الطريق الصيني خالٍ من المخاطر. فالماركسية لا تقيس الاشتراكية بالشعارات أو بالنوايا، بل بطبيعة علاقات الإنتاج وباتجاه التطور الاجتماعي. فوجود شركات خاصة، وتراكم ثروات كبيرة، وظهور فئات رأسمالية جديدة، يطرح أسئلة جدية حول التوازن بين السوق والدولة، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وهنا تكمن أهمية النقاش الذي يطرحه مفكرون مثل علي القادري ولوسوردو وروكهيل: فالمسألة ليست إصدار حكم نهائي على الصين، بل فهم الصراع التاريخي الجاري داخلها وحولها. فالصين تتحرك داخل نظام عالمي رأسمالي (على غرار الاتحاد السوفياتي)، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحديا لمركزية النموذج النيوليبرالي الغربي.
إن التجربة السوفياتية والصينية تقدمان درسا مشتركا: بناء الاشتراكية ليس عملية تقنية ولا مجرد تغيير في ملكية وسائل الإنتاج، بل هو صراع طويل حول بناء الدولة، وتطوير القوى المنتجة، وتنظيم العلاقة بين التخطيط والسوق، والحفاظ على استقلال القرار الوطني في مواجهة توحش القوى الإمبريالية.

خاتمة
إن القيمة الأساسية لهذا النقاش لا تكمن في الاتفاق على توصيف واحد ونهائي للتجربة الصينية، بل في استعادة القدرة على قراءة التاريخ قراءة مادية وجدلية، ترى في التجارب الاجتماعية الكبرى عمليات مفتوحة على الصراع والتناقض والتطور.
فالصين، كما الاتحاد السوفياتي قبلها، ليست مجرد نموذج جاهز للتقليد أو الرفض، بل هي تجربة تاريخية نشأت في شروط محددة، وحاولت الإجابة عن أسئلة فرضها واقع التخلف الاقتصادي، والهيمنة الإمبريالية، والحاجة إلى بناء دولة وقاعدة إنتاجية قادرة على حماية الاستقلال الوطني وفتح آفاق التنمية.
ومن الخطأ، من وجهة نظر ماركسية، اختزال المسألة في سؤال شكلي: هل توجد سوق أم لا؟ وهل توجد ملكية خاصة أم لا؟ فالمسألة الأعمق تتعلق بمن يحدد اتجاه التطور الاقتصادي، ولصالح أي طبقات اجتماعية يتم إنتاج الثروة، وكيف تُدار العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن التجربة الصينية لا ينبغي أن يتحول إلى إعفائها من النقد. فالماركسية لا تقوم على تقديس التجارب، بل على تحليل تناقضاتها الداخلية. فوجود مظاهر عدم مساواة، ونمو قوى رأسمالية، وتوسع علاقات السوق، كلها مسائل تستوجب البحث والنقاش حول الاتجاه المستقبلي للتجربة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا: "إلى أين تتجه الصين؟ وما القوى الاجتماعية التي ستحدد هذا الاتجاه؟". فالتاريخ لا تحسمه النوايا ولا الشعارات، بل الصراع بين القوى الاجتماعية والمصالح المتعارضة.
ولعل أهم ما يمكن أن نستخلصه من هذا الحوار هو أن أزمة اليسار العالمي لا تعالج بالعودة إلى قوالب الماضي، ولا بالتخلي عن المبادئ تحت ضغط الواقع، بل باستعادة الروح النقدية التي ميزت الماركسية منذ نشأتها: دراسة الواقع الملموس في شروطه الملموسة، والبحث الدائم عن السبل التي تمكن الشعوب من التحرر والتنمية والعدالة الاجتماعية.
بهذا المعنى، فإن النقاش حول الصين ليس نقاشا حول بلد بعيد فقط، بل هو نقاش حول مستقبل المشروع الاشتراكي نفسه، وحول قدرة الفكر الماركسي على تجديد أدواته لفهم عالم يتغير بسرعة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الصين رأسمالية أم اشتراكية وفق تعريفات جامدة؟ بل: هل تستخدم أدوات السوق لتقوية مشروع اجتماعي مستقل، أم أن منطق رأس المال يتحول تدريجيا إلى القوة الحاكمة داخل هذا المشروع؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحددها، كما قال ماركس، حركة التاريخ والصراع الاجتماعي لا التصنيفات المسبقة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire