التجربة الصينية والمنهج الماركسي: قراءة في التاريخ لا في النصوص

 


 د. طنوس شلهوب 

أتوجه بداية بالشكر إلى الرفيقين جاك عزيز وسليمان أحمد على تعقيبيهما على النص الذي كتبته عن التجربة الصينية (مع رفاق وأصدقاء أخرين، الا ان تعليقهما على صفحتي وعلى صفحة مشروع اورورا الاعلامي، تناول بعض الإشكاليات التي برأيي تحتاج للتوضيح والتوقف عندها بعمق بالعودة الى التجربة التاريخية، ويمكن تلخيص أطروحة الرفيقين في فكرة مركزية واحدة: إن اتساع السوق، ونمو القطاع الخاص، وظهور البرجوازية، واتساع علاقات العمل المأجور، كلها مؤشرات تدل على أن علاقات الإنتاج في الصين تسير في اتجاه رأسمالي، وبالتالي فإن القيادة السياسية للحزب الشيوعي، مهما كانت طبيعتها، لا تكفي وحدها للحكم على النظام بأنه اشتراكي)، فالنقاش الذي أثارته التجربة الصينية ليس نقاشاً عابراً، بل يمس إحدى أكثر القضايا إشكالية في الفكر الاشتراكي المعاصر: كيف تُبنى الاشتراكية في عالم يهيمن عليه النظام الرأسمالي؟ وهل توجد صيغة واحدة صالحة لكل زمان ومكان، أم أن لكل تجربة خصوصيتها التاريخية؟ 
وأعتقد أن نقطة الخلاف بيننا لا تكمن في الوقائع بقدر ما تكمن في المنهج الذي نقرأ من خلاله هذه الوقائع. فالرفيقان ينطلقان من أسئلة تتعلق بطبيعة علاقات الإنتاج، واتساع السوق، ونمو القطاع الخاص، وظهور التفاوتات الطبقية. وهي كلها أسئلة مشروعة لا يجوز تجاهلها. لكنني أرى أن الحكم على أي تجربة تاريخية لا يمكن أن يبدأ من نهاياتها الظاهرة، بل من الظروف التاريخية التي أفرزتها، ومن طبيعة التناقضات التي كانت تحاول معالجتها. وهنا أعتقد أن النقاش حول الصين يعاني، في كثير من الأحيان، من إغفال السياق التاريخي الذي سبق إصلاحات عام 1978، وكأن هذه الإصلاحات جاءت نتيجة اقتناع أيديولوجي بالرأسمالية أو إعجاب بآليات السوق. بينما يفرض علينا المنهج المادي التاريخي أن نطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: لماذا وصلت القيادة الصينية إلى قناعة بضرورة تغيير النهج الاقتصادي؟ وما هي الشروط الموضوعية التي دفعتها إلى ذلك؟ 
لقد حققت الثورة الصينية بعد عام 1949 إنجازات تاريخية لا يمكن إنكارها. فقد نجحت في توحيد البلاد بعد عقود من الاحتلال والحروب الأهلية، وأنهت إلى حد كبير البنى الإقطاعية وشبه الاستعمارية، وأطلقت إصلاحاً زراعياً واسعاً، ووضعت أسس التصنيع الوطني، ووسعت التعليم والخدمات الصحية، ورفعت متوسط العمر المتوقع بصورة غير مسبوقة. وهذه الإنجازات شكلت الأساس الذي قامت عليه الصين الحديثة. لكن مسيرة بناء الاشتراكية لم تكن مستقيمة، بل مرت بمنعطفات حادة وتجارب مؤلمة فرضت على الحزب الشيوعي الصيني مراجعات عميقة. 
كانت المحطة الأولى هي القفزة الكبرى إلى الأمام، التي انطلقت أواخر خمسينيات القرن الماضي بهدف تسريع الانتقال من مجتمع زراعي متخلف إلى قوة صناعية كبرى عبر التعبئة الجماهيرية. وقد حملت التجربة طموحاً ثورياً كبيراً، لكنها اصطدمت بحدود الواقع الاقتصادي والإداري، وبأخطاء في التخطيط والتنفيذ، إضافة إلى عوامل طبيعية قاسية، فانتهت إلى أزمة اقتصادية ومجاعة واسعة تركت آثاراً عميقة على المجتمع الصيني. 
ثم جاءت الثورة الثقافية (1966-1976)، التي انطلقت بدافع حماية الثورة من البيروقراطية ومن احتمال عودة الرأسمالية، لكنها تحولت تدريجياً إلى صراع سياسي واسع أدى إلى اضطراب مؤسسات الدولة، وتعطيل التعليم والبحث العلمي، وإضعاف الإدارة والإنتاج، وإقصاء أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية والإدارية، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على عملية التنمية. 
ومع وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، واعتقال المجموعة التي عُرفت باسم "عصابة الأربعة"، انتهت عملياً مرحلة الثورة الثقافية، وبدأ الحزب الشيوعي الصيني مراجعة شاملة لتجربته. ولم تكن هذه المراجعة مجرد تغيير في القيادة أو تحميل المسؤولية لأفراد بعينهم، بل كانت تعبيراً عن قناعة متزايدة داخل الحزب بأن استمرار السياسات السابقة لن يمكّن الصين من تحقيق أهدافها في التنمية وبناء مجتمع اشتراكي قادر على المنافسة في عالم يتسارع فيه التطور العلمي والتكنولوجي.  وقد تُوّجت هذه المراجعة لاحقاً بقرار الحزب الشيوعي الصيني عام 1981 حول بعض المسائل في تاريخ الحزب منذ تأسيس الجمهورية الشعبية. وقد تميز هذا القرار بمحاولة الجمع بين النقد والحفاظ على الاستمرارية التاريخية، إذ أكد على الدور التاريخي الحاسم لماو في قيادة الثورة وتوحيد الصين، وفي الوقت نفسه اعتبر أن القفزة الكبرى إلى الأمام والثورة الثقافية شهدتا أخطاءً جسيمة ينبغي استخلاص الدروس منها. وبهذا المعنى، اختار الحزب الصيني مراجعة التجربة من داخلها، لا القطيعة معها، خلافاً لما جرى في الاتحاد السوفياتي بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، حين تحولت إدانة ستالين من نقدٍ لأخطاء مرحلة تاريخية إلى قطيعة سياسية وفكرية مع جزء أساسي من التجربة السوفياتية، بما تركه ذلك من آثار عميقة على وحدة الحركة الشيوعية العالمية وثقة قطاعات واسعة من الشيوعيين بتاريخهم، وتقويض شرعية مرحلة هامة من البناء الاشتراكي السوفياتي. 
 في هذا السياق برز دنغ شياو بينغ، الذي قاد منذ عام 1978 سياسة الإصلاح والانفتاح، واضعاً في مركزها فكرة أن الاشتراكية لا يمكن أن تُبنى في ظل الفقر والتخلف، وأن المهمة الأولى هي تطوير القوى المنتجة، باعتبارها الشرط المادي الضروري للتقدم نحو المجتمع الاشتراكي.  إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا استخدمت الصين السوق؟ بل: هل كان أمام القيادة الصينية، بعد حصيلة تلك التجارب المريرة، بديل تاريخي واقعي آخر يحقق التصنيع والتقدم العلمي والخروج من الفقر، مع الحفاظ على استقلال البلاد وسيادة قرارها الوطني؟ إن هذا السؤال، في تقديري، هو نقطة الانطلاق الصحيحة. 
فالمادية التاريخية لا تفسر السياسات من خلال النوايا أو النصوص المجردة، وإنما من خلال الظروف الملموسة والتناقضات التي تحاول معالجتها. ولذلك لا يمكن فهم إصلاحات 1978 إلا بوصفها استجابة تاريخية لأزمة حقيقية، وليس مجرد انتقال أيديولوجي من الاشتراكية إلى الرأسمالية. 
بعد هذا السياق التاريخي، نصل إلى جوهر الخلاف النظري.  فالرفيقان جاك وسليمان ينطلقان من ملاحظة صحيحة، وهي أن اقتصاد السوق والقطاع الخاص قد اتسعا بصورة كبيرة في الصين، وأن علاقات العمل المأجور، والتفاوت الاجتماعي، وتراكم الثروة الخاصة، أصبحت ظواهر لا يمكن إنكارها. وهذه الوقائع لا ينبغي التقليل من شأنها أو القفز فوقها، لأنها تمثل بالفعل تناقضات حقيقية داخل التجربة الصينية. لكن السؤال لا يقف عند وصف الظواهر، بل ينتقل إلى تفسيرها في سياقها التاريخي والطبقي.  وهنا أعتقد أن الخلاف الأساسي بيننا يكمن في معيار الحكم على طبيعة النظام الاجتماعي.  فالرفيق سليمان يذهب إلى أن المعيار الحاسم هو طبيعة علاقات الإنتاج، بينما يؤكد الرفيق جاك أن توسع السوق قد يكون دليلاً على تحول نوعي من الاشتراكية إلى الرأسمالية. وأنا لا أختلف مع أهمية هذين العاملين، لكنني أختلف مع تحويلهما إلى معيارين وحيدين للحكم.  لا يمكن النظر إلى علاقات الإنتاج بمعزل عن مستوى تطور القوى المنتجة، وطبيعة السلطة السياسية، وموقع الدولة في الصراع الطبقي، والمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع . ولو أخذنا معيار وجود السوق أو العمل المأجور بصورة مجردة، لاضطررنا إلى اعتبار السياسة الاقتصادية الجديدة التي أطلقها لينين عام 1921 عودة إلى الرأسمالية منذ لحظة إعلانها، لأن السوق عاد، والتجارة الخاصة عادت، والعمل المأجور استمر، بل وظهرت طبقة من التجار والمقاولين. لكن لينين لم يعتبر ذلك تحولاً في طبيعة الدولة، لأنه كان يرى أن المسألة الجوهرية لا تتعلق بوجود أدوات رأسمالية، بل بمن يسيطر على الدولة، ومن يحدد الاتجاه العام للتطور. وعليه، فالسؤال لا ينبغي أن يكون: هل توجد في الصين علاقات إنتاج رأسمالية؟ (فهذا أمر لا ينكره أحد)، بل السؤال هو: ما هو موقع هذه العلاقات داخل البنية العامة للنظام؟ وهل هي التي تفرض اتجاه تطور المجتمع، أم أنها تعمل ضمن إطار سياسي واستراتيجي يرسمه الحزب الشيوعي والدولة؟ 
إن المرحلة الانتقالية نحو الاشتراكية، كما فهمها ماركس ولينين، ليست انتقالاً آلياً من الرأسمالية إلى مجتمع شيوعي مكتمل، بل هي مرحلة تتعايش فيها أشكال متعددة من الملكية وعلاقات الإنتاج، ويستمر خلالها الصراع الطبقي بأشكال جديدة. ولذلك فإن وجود عناصر رأسمالية داخل الاقتصاد لا يعني تلقائياً أن النظام أصبح رأسمالياً، تماماً كما أن وجود قطاع عام واسع داخل دولة رأسمالية لا يجعلها اشتراكية. وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها أساسية في تقييم التجربة الصينية، وهي أن السؤال الطبقي لا يتعلق فقط بمن يملك الشركات، بل بمن يملك السلطة السياسية القادرة على توجيه عملية التراكم الاقتصادي. ففي الصين ما زالت الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية: المصارف الكبرى، والطاقة، والبنية التحتية، والسكك الحديدية، والصناعات العسكرية، والسياسة النقدية، كما يحتفظ الحزب الشيوعي بدوره القيادي في رسم الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة المدى. وهذا لا يكفي وحده لإثبات أن الصين اشتراكية، لكنه يمنع أيضاً القفز إلى استنتاج أنها أصبحت دولة رأسمالية. وقد يقال إن رأس المال لا يبقى خاضعاً إلى الأبد، وإنه يسعى دائماً إلى توسيع نفوذه داخل الدولة والمجتمع. وأنا أتفق تماماً مع هذه الملاحظة، بل أعتبرها التناقض الرئيسي الذي يواجه التجربة الصينية اليوم. فالسؤال ليس ما إذا كان هذا الخطر موجوداً، وإنما ما إذا كان قد حُسم بالفعل لمصلحة البرجوازية.
حتى الآن، لا يبدو أن البرجوازية الصينية أصبحت الطبقة التي تحدد السياسات العامة للدولة، ولا أنها قادرة على إخضاع الحزب الشيوعي لمصالحها، كما يحدث في الرأسمالية. بل شهدنا خلال السنوات الأخيرة تدخلات واسعة للدولة لإعادة تنظيم عمل الشركات العملاقة، وفرض قيود على الاحتكارات الخاصة، وتوسيع الرقابة على رأس المال المالي، وإطلاق سياسات تستهدف الحد من التفاوت الاجتماعي تحت شعار "الرخاء المشترك". وقد يختلف المرء في تقييم مدى نجاح هذه السياسات، لكنها تدل على أن الصراع بين الدولة ورأس المال لا يزال قائماً، وأن نتيجته لم تُحسم بعد.
وهنا يكمن جوهر النقاش. فوجود المليارديرات، أو اتساع القطاع الخاص، أو استمرار السوق، لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال: ما هي طبيعة الدولة الصينية؟ لأن الدولة لا تُعرَّفْ من خلال حجم القطاع العام أو الخاص، بل من خلال الطبقة التي تمارس السلطة، والاتجاه الذي يُوظَّف فيه الفائض الاجتماعي، والمسار التاريخي الذي تتحرك فيه علاقات الإنتاج.
إن الحكم على الصين لا ينبغي أن يصدر من ظاهرة منفردة، بل من مجمل الحركة التاريخية للتجربة. فإما أن يتعاظم نفوذ رأس المال حتى يفرض إرادته على الحزب والدولة، وعندها يصبح الحديث عن تحول نوعي نحو الرأسمالية مشروعاً، وإما أن يظل رأس المال خاضعاً لأولويات الدولة الاشتراكية، ويُستخدم بوصفه أداة لتطوير القوى المنتجة، وعندها نكون أمام مرحلة انتقالية معقدة، لا يمكن اختزالها بالمفاهيم التقليدية للرأسمالية أو الاشتراكية. ولهذا، فإنني لا أرى أن السؤال الحاسم هو: هل يوجد سوق؟ أو هل يوجد قطاع خاص؟ (إن التجربة السوفياتية نفسها تكشف أن غياب السوق والقطاع الخاص ليس ضمانة كافية لاستمرار الاشتراكية. فقد امتلك الاتحاد السوفياتي ملكية عامة شبه كاملة، ولم يسمح بنشوء برجوازية خاصة، ومع ذلك انتهى إلى تفكك الدولة وعودة الرأسمالية. وهذا يدل على أن طبيعة النظام لا تختزل في شكل الملكية وحده، بل ترتبط أيضاً بطبيعة السلطة السياسية، وآليات اتخاذ القرار، وعلاقة الحزب بالمجتمع، وقدرته على تجديد نفسه) وإنما: هل يقود رأس المال الدولة، أم تقود الدولة رأس المال؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، في نهاية المطاف، الاتجاه التاريخي للتجربة الصينية.
تبقى، مع ذلك، مجموعة من الأسئلة النظرية التي أثارها الرفيقان جاك وسليمان، وتتعلق بمفاهيم أساسية في الفكر الماركسي، مثل الاغتراب، وذبول الدولة، والاندماج في السوق العالمية، ورأسمالية الدولة. وهي أسئلة لا يمكن القفز فوقها، لكنها تستدعي وضعها في سياقها التاريخي. فقد أشار الرفيق جاك إلى أن الاشتراكية لا تُقاس فقط بمعدلات النمو أو بتحسن مستويات المعيشة، بل بقدرتها على تحرير الإنسان من الاغتراب، وتقليص وقت العمل الضروري، والحد من هيمنة السوق على الحياة الاجتماعية. ولا أختلف مع هذا المبدأ، لأنه يمثل في جوهره الغاية الإنسانية العليا التي تحدث عنها ماركس. لكن السؤال هو: هل هذه معايير للحكم على مجتمع ما يزال يعيش المرحلة الانتقالية، أم أنها معايير للمجتمع الشيوعي الذي يفترض أن يبلغ مستوى من تطور القوى المنتجة يسمح بتجاوز اقتصاد الندرة؟ لقد كان ماركس واضحاً في أن الانتقال إلى مجتمع المنتجين الأحرار يفترض وفرة مادية، وتطوراً علمياً وتقنياً، يحرران الإنسان تدريجياً من الضرورات الاقتصادية التي فرضتها قرون طويلة من التخلف والاستغلال. ولذلك فإن مجتمعاً كان، حتى سبعينيات القرن الماضي، يعيش مستويات واسعة من الفقر والأمية، لا يمكن أن يُقاس مباشرة بمعايير المجتمع الشيوعي المكتمل نظرياً. ومن هنا، فإن نجاح الصين في انتشال مئات الملايين من الفقر، وتطوير التعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، ليس بديلاً عن الهدف الاشتراكي، لكنه يمثل شرطاً مادياً لازماً للاقتراب منه. فالمجتمع الذي يعجز عن إنتاج الثروة لا يستطيع توزيعها بصورة عادلة، ولا يستطيع تقليص ساعات العمل أو تحرير الإنسان من الاغتراب.  
وتبرز هنا أيضاً مسألة الاندماج في الاقتصاد العالمي. فقد اعتبر بعض الرفاق أن ارتباط الصين بالسوق العالمية دليل على اندماجها في الرأسمالية. لكن علينا التمييز بين الاندماج بوصفه تبعية، والاندماج بوصفه أداة لتطوير القوى المنتجة. لقد دخلت الصين الاقتصاد العالمي في موقع مختلف عن كثير من دول الجنوب. فهي لم تكتفِ بتصدير المواد الخام أو استيراد السلع، بل استخدمت الانفتاح لنقل التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية، وتطوير البحث العلمي، وتحقيق استقلال متزايد في مجالات استراتيجية مثل الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والصناعات المتقدمة. وهذا لا ينفي وجود تناقضات ناجمة عن هذا الانفتاح، لكنه يجعل الحكم عليه أكثر تعقيداً من مجرد اعتباره اندماجاً في الرأسمالية العالمية. ولعل المقارنة التاريخية هنا أكثر فائدة من المقارنة النظرية. فالصين والهند بدأتا، في منتصف القرن العشرين، من أوضاع متقاربة نسبياً: عدد هائل من السكان، وفقر واسع، وإرث استعماري، وضعف في التصنيع، وتخلف زراعي. لكن البلدين اختارا مسارين مختلفين في إدارة التنمية. فقد اعتمدت الصين نموذجاً يقوم على قيادة الدولة والحزب الشيوعي لعملية التنمية، مع استخدام السوق ضمن إطار تخطيط استراتيجي طويل المدى، بينما اتجهت الهند تدريجياً نحو نموذج اقتصادي رأسمالي يعتمد على السوق والقطاع الخاص. ولا تهدف هذه المقارنة إلى إعلان انتصار نموذج على آخر بصورة تبسيطية، فالهند حققت بدورها إنجازات اقتصادية وعلمية مهمة. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا استطاعت الصين، خلافاً عن الهند، أن تنتشل نحو ثمانمائة مليون إنسان من الفقر، وأن تصبح أكبر قوة صناعية في العالم، وأن تحقق مستويات من التطور في البنية التحتية والبحث العلمي تفوق بكثير ما حققته دول نامية أخرى واجهت ظروفاً تاريخية متشابهة؟ إن هذا السؤال لا يثبت أن الصين حققت الاشتراكية، لكنه يفرض علينا أن نتعامل بجدية مع خصوصية تجربتها، وألا نختزلها في وصفها بأنها رأسمالية لمجرد وجود السوق والقطاع الخاص.  ومن هنا أصل إلى مفهوم "رأسمالية الدولة"، الذي يطرحه بعض الباحثين الماركسيين لتوصيف الصين. ولا شك أن هذا المفهوم يستحق النقاش، لكنه لا يحسم القضية. فالدولة قد تمتلك وسائل الإنتاج وتعمل في خدمة البرجوازية، كما قد تستخدم سلطتها لتقييد رأس المال وتوجيهه. ولذلك فإن ملكية الدولة، بحد ذاتها، ليست معياراً كافياً للحكم، تماماً كما أن وجود القطاع الخاص ليس معياراً كافياً للحكم في الاتجاه المعاكس. إن السؤال الجوهري يظل هو نفسه: أي طبقة تحدد الاتجاه العام للدولة؟ وهل أصبحت البرجوازية قادرة على إخضاع الحزب والدولة لمصالحها، أم أن الحزب لا يزال يحتفظ بالقدرة على ضبط حركة رأس المال وتوجيهها وفق أولويات التنمية الوطنية؟ قد يختلف الماركسيون في الإجابة عن هذا السؤال، وهو اختلاف مشروع، لكنني أعتقد أن إصدار حكم نهائي على تجربة ما تزال تتطور يحمل قدراً من التسرع. فالتاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وما زالت التناقضات داخل المجتمع الصيني مفتوحة على أكثر من احتمال. 
إن الدفاع عن التجربة الصينية لا ينبغي أن يحجب جانباً آخر يستحق النقد، فمنذ أواخر التسعينات، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، اتجهت الصين إلى تبني سياسة خارجية تقوم على مبادئ مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإقامة علاقات مع مختلف الأنظمة بصرف النظر عن طبيعتها الأيديولوجية، وإعطاء الأولوية للتنمية الداخلية والاستقرار الدولي. وقد وفّر هذا النهج للصين بيئة مناسبة للنمو الاقتصادي، لكنه، في المقابل، جعلها أقل انخراطاً في دعم الأحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني مقارنة بالدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي لعقود.
وهذا أمر يصعب إنكاره. فقد كانت الأحزاب الشيوعية واليسارية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تتوقع من الصين أن تملأ جزءاً من الفراغ الذي خلّفه غياب المعسكر الاشتراكي، سواء سياسياً أو فكرياً أو تنظيمياً. إلا أن بكين لم تتبنَّ هذا الدور، بل فضّلت التعامل مع الدول على أساس المصالح المتبادلة والعلاقات بين الحكومات، لا على أساس الانتماءات الأيديولوجية.
الصين ترى أن الأولوية كانت لحماية تجربتها من مصير مشابه للاتحاد السوفياتي، وأن الدخول في مواجهة أيديولوجية عالمية كان سيستنزفها ويعرّض مشروعها التنموي للخطر. كما أنها تعتبر أن تقديم نموذج تنموي ناجح أكثر تأثيراً على المدى البعيد من تصدير الثورة أو رعاية الأحزاب الشيوعية في الخارج.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل كان هذا الخيار ضرورياً لحماية التجربة الصينية، أم أنه جاء على حساب الأممية البروليتارية وأضعف الحركة الشيوعية العالمية؟ هذا، في رأيي، نقد مشروع يستحق النقاش. بل يمكن القول إن أحد أسباب أزمة اليسار العالمي بعد عام 1991 لم يكن فقط انهيار الاتحاد السوفياتي، بل أيضاً غياب قوة اشتراكية كبرى تتبنى مشروعاً أممياً منظماً كما فعل الاتحاد السوفياتي في مراحل واسعة من تاريخه.
وأود أن أختم بملاحظة منهجية أعتبرها جوهرية في هذا النقاش. لقد استخدم الرفيق جاك أكثر من مرة تعبير "السؤال الجدلي"، وهو تعبير أقدره كثيراً، لكنني أعتقد أن بعض الأسئلة المطروحة تميل إلى أن تكون معيارية أكثر منها جدلية؛ أي إنها تقيس الواقع انطلاقاً من صورة مسبقة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الاشتراكي، لا انطلاقاً من تحليل الواقع في حركته الفعلية. أما الجدل المادي، فلا يبدأ من نموذج مثالي يُقاس الواقع عليه، بل من الواقع نفسه. إنه يسأل: ما هو التناقض الرئيسي في هذه المرحلة؟ من يملك السلطة السياسية؟ كيف تتحرك علاقات الإنتاج؟ وما هو الاتجاه العام لتطور المجتمع؟ وعلى هذا الأساس، فإن السؤال ليس: لماذا لم تذبُل الدولة بعد؟ أو لماذا لم تختفِ السوق؟ أو لماذا ما زال الاغتراب قائماً؟ وإنما: هل تتحرك التناقضات داخل المجتمع الصيني في اتجاه تعزيز السيطرة الاجتماعية على الاقتصاد، أم في اتجاه هيمنة رأس المال على الدولة؟ وهل يتراجع نفوذ البرجوازية أمام سلطة الحزب، أم يحدث العكس؟ هذه، في تقديري، هي الأسئلة التي ينبغي طرحها، لأنها تنطلق من الواقع وتناقضاته، لا من نموذج مجرد. ولهذا، فإنني لا أقدم التجربة الصينية بوصفها النموذج النهائي للاشتراكية، كما لا أعتبرها دليلاً على انتصار الرأسمالية. إنها تجربة انتقالية معقدة، تحمل في داخلها تناقضات حقيقية، وسيكون صراع هذه التناقضات هو الذي يحدد وجهتها التاريخية. فالماركسية ليست فلسفة لإصدار الأحكام النهائية على التاريخ وهو ما يزال يتشكل، بل منهج لفهم حركته والكشف عن قوانينه واتجاهاته ويمنحنا الأدوات المعرفية الضرورية لتغييره ثورياً.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire