العلاقات اللبنانية السورية وإعادة إنتاج التبعية

 


طنوس شلهوب

لا يمكن مقاربة العلاقة اللبنانية–السورية، ولا فهم التحولات المتقلبة التي حكمتها منذ تشكل الكيانين الحديثين، عبر أدوات التحليل السياسي التقليدي التي تختزل العلاقات بين الدول إلى توازنات ظرفية أو خيارات سيادية معزولة عن شروط إنتاجها التاريخية والاجتماعية. فمثل هذا المنظور، على شيوعه في أدبيات العلاقات الدولية، يفترض ضمناً وجود دول مكتملة السيادة تتفاعل فيما بينها على أساس القرار العقلاني المستقل، في حين أن التجربة التاريخية للمشرق العربي تكشف أن الدولة نفسها ليست معطى طبيعيا أو نهائيا، بل نتاج مسار طويل من إعادة تشكيل المجال العربي داخل بنية النظام الرأسمالي العالمي منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية.
غير أن هذا الإطار العام، رغم صلاحيته التفسيرية، لا يُنتج تجانساً داخلياً في نماذج الدولة داخل المشرق، بل يكشف عن تباينات بنيوية في كيفية تشكل التبعية ذاتها. فبينما تميل الحالة اللبنانية إلى الاندماج في التبعية عبر نموذج مالي–ريعي–وساطي يجعل من الاقتصاد أداة لإعادة إنتاج الارتباط الخارجي، شهدت الحالة السورية مساراً مختلفاً نسبياً تمثل في محاولة بناء نمط دولة أكثر تدخلا في الاقتصاد وأكثر ميلا لإنتاج قاعدة مادية وطنية عبر القطاع العام والتصنيع والحماية النسبية للسوق الداخلية. غير أن هذا الاختلاف لا يخرج سوريا من البنية العامة للتبعية، بل يضعها في موقع “التبعية المتوترة” أو غير المستقرة، أي التبعية التي تحاول أن تُدار لا أن تُستبطن بالكامل، ما يجعلها أكثر عرضة للاهتزاز عند تغيّر التوازنات الإقليمية والدولية.
من هذا المنطلق، لا تبدو العلاقة اللبنانية–السورية علاقة بين كيانين سياسيين منفصلين، بل جزءًا من بنية تاريخية–اقتصادية أوسع، لا يمكن تفكيكها إلا عبر ثلاثة مستويات:
أولاً، لحظة إعادة تشكيل المجال العربي في سياق الاستعمار الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، كما تجسدت في اتفاق سايكس–بيكو.
ثانياً، تشكل الدولة الوطنية الطرفية داخل بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بما يحمله ذلك من مواقع متفاوتة داخل تقسيم العمل الدولي، وليس موقعا واحدا متجانسا.
ثالثاً، آليات إعادة إنتاج التبعية في لبنان عبر البنى الداخلية (الطائفية، الاقتصاد الريعي، البيروقراطية، الزبائنية) والتفاعلات الإقليمية التي تعيد توجيه هذه البنى وفق تحولات القوة.
ضمن هذا الإطار المركب، لا تظهر الدول في الأطراف بوصفها وحدات سيادية مكتملة، بل كبنى تاريخية مشروطة، غير أن هذا الشرط لا يُنتج صيغة واحدة من التبعية، بل درجات وأنماطاً متمايزة، تتراوح بين الاندماج المالي الكامل وإعادة الإنتاج الريعي من جهة، ومحاولات بناء استقلال إنتاجي نسبي عبر الدولة التدخلية من جهة أخرى، قبل أن تصطدم جميعها بحدود البنية العالمية.
أولًا: البنية العالمية للنظام الرأسمالي وإنتاج الدولة الطرفية
لا يمكن النظر إلى النظام العالمي الحديث بوصفه شبكة من الدول المتساوية السيادة، بل كبنية هرمية يتوزع فيها العالم إلى مركز يحتكر التكنولوجيا ورأس المال والمعرفة، وأطراف تؤدي وظائف تكميلية مرتبطة بتوفير الموارد والأسواق واليد العاملة. ضمن هذا التصور، لا تُنتج الدول الطرفية شروط تطورها الذاتي، بل تُدمج في منظومة تبعية تجعل من “التحديث” نفسه عملية مشروطة بإعادة إنتاج الارتباط بالمركز.
هذه البنية لا تعمل فقط عبر الاقتصاد العالمي المباشر، بل أيضًا عبر تفكيك البنى الاجتماعية الداخلية في الأطراف، بما يمنع تشكل مشاريع وطنية مستقلة قادرة على التراكم الذاتي. وهكذا تتحول الدولة الطرفية إلى جهاز مزدوج الوظيفة:
من جهة، تدير المجتمع داخليا عبر مؤسسات السلطة والقانون؛ ومن جهة ثانية، تعيد إنتاج شروط الاندماج في السوق العالمية.
غير أن هذه الوظيفة لا تتجسد بالصيغة نفسها في كل الحالات. فالنموذج اللبناني يميل إلى استبطان التبعية عبر اقتصاد الخدمات والوساطة المالية وتحويل الدولة إلى منصة للتدوير الخارجي، بينما حاول النموذج السوري تاريخيا، خصوصا منذ الستينيات، إنتاج مسار مغاير يقوم على توسيع دور الدولة الاقتصادية وبناء قاعدة إنتاجية داخلية، وإن ظل هذا المسار محكومًا بقيود البنية العالمية والإقليمية.
ضمن هذا الإطار، يصبح الاختلاف بين لبنان وسوريا ليس اختلافًا بين نموذجين سياديين مستقلين، بل اختلافًا داخل بنية واحدة، في درجتي الاندماج داخل التبعية وشكل إدارتها.
ثانياً: سايكس–بيكو وإعادة هندسة المجال التاريخي للمشرق
يشكل اتفاق سايكس–بيكو (1916) لحظة مفصلية في الانتقال من المجال الإمبراطوري العثماني إلى المجال الاستعماري الأوروبي، غير أن أهميته لا تكمن في كونه تقسيما جغرافيا، بل في كونه عملية إعادة هندسة شاملة للبنية التاريخية–الاقتصادية للمشرق.
ففي السياق العثماني، ورغم التفاوتات الداخلية لمستويات التطور، كانت بلاد الشام تشكل فضاءً مترابطا نسبيا، تتحرك داخله السلع والسكان ورؤوس الأموال ضمن وحدة وظيفية عامة. غير أن إعادة توزيع هذا المجال بعد الحرب العالمية الأولى أدت إلى تفكيكه إلى كيانات سياسية منفصلة، صُممت وفق منطق السيطرة الإمبريالية لا وفق منطق التطور التاريخي الداخلي.
وقد ترتب على ذلك ثلاث نتائج بنيوية كبرى:
1. تفكيك وحدات اقتصادية–اجتماعية تاريخية كانت تشكل فضاءً شاميا مترابطا. 
2. إنشاء كيانات سياسية غير مكتملة اقتصاديا، بدرجات متفاوتة من الاندماج في الخارج. 
3. إعادة توجيه مسارات التجارة والموارد نحو المركز الرأسمالي بدل انخراطها في فضاء إقليمي متكامل. 
ضمن هذا التحول، لم ينشأ لبنان وسوريا ككيانين منفصلين تاريخيا، بل كنتاج إعادة توزيع قسري لمجال واحد، مع اختلاف لاحق في مسارات الدولة: لبنان نحو نموذج وساطي مالي، وسوريا نحو نموذج دولة تدخلي–إنتاجي نسبي، قبل أن يُعاد تطويق هذا الأخير تدريجيًا.
ثالثاً: الدولة الطرفية وآليات إعادة إنتاج التبعية الداخلية
إن تفكيك المجال العربي لم ينتج فقط كيانات سياسية جديدة، بل أنتج أيضا نمطا محددا من الدولة الطرفية، التي لا يمكن فهمها خارج موقعها في النظام العالمي ووظيفتها في إدارة المجتمعات التابعة.
فالدولة الطرفية ليست إطارا محايدا للسيادة، بل جهازا مزدوج الوظيفة: تنظيم المجتمع داخليا، وإعادة إنتاج الارتباط البنيوي بالمركز خارجيا. غير أن طريقة أداء هذه الوظيفة تختلف بين نموذج وآخر.
في الحالة اللبنانية، يتخذ هذا النمط شكلا يتكثف فيه الاقتصاد الريعي والزبائنية والطائفية، حيث تتحول الدولة إلى وسيط بين الخارج والمجتمع. أما في الحالة السورية، فقد اتخذت الدولة تاريخيا شكلا أكثر مركزية وتدخلاً، حاول عبره النظام السياسي بناء اقتصاد إنتاجي نسبي وتقييد منطق السوق المفتوحة، ما خلق توترا دائما بين مشروع الدولة وبين شروط الاقتصاد العالمي والإقليمي.
وتؤدي الطائفية في الحالة اللبنانية ثلاث وظائف مترابطة:
• تفكيك الصراع الطبقي وتحويله إلى صراعات هوياتية.
• إنتاج زبائنية سياسية بدل المواطنة الجامعة.
• منع تشكل كتلة تاريخية موحدة.
بينما في الحالة السورية، أخذت السيطرة السياسية شكلا مختلفا، قائما على مركزية الدولة والأجهزة، ما حدّ من تفكك المجتمع على أسس طائفية مماثلة للبنان، لكنه في المقابل خلق هشاشة من نوع آخر، تتعلق بضعف التراكم الرأسمالي المستقل واعتمادية الدولة على موارد محدودة وعلى بيئة إقليمية متقلبة في ظل انتهاج سياسة وطنية معادية للمشروع الصهيوني والخضوع لعقوبات مالية واقتصادية قاسية.
رابعاً: الصراع العربي–الإسرائيلي وإعادة تشكيل وظيفة الدولة
لا يمكن فهم تطور العلاقة اللبنانية–السورية خارج السياق الإقليمي الذي أعاد تشكيل المنطقة منذ 1948. فالصراع العربي–الإسرائيلي لم يكن مجرد نزاع حدودي، بل عنصرا بنيويا في إعادة إنتاج النظام الإقليمي.
وقد أعاد هذا الصراع تعريف وظيفة الدولة العربية نفسها: من دولة مشروع (تحرير/تنمية/وحدة) إلى دولة إدارة الواقع.
في هذا السياق، انتقل جزء من عبء المواجهة إلى فاعلين غير دولتيين، ما أعاد توزيع مفهوم السيادة بين الدولة والمجتمع المسلح، مع اختلاف كبير بين الحالة اللبنانية حيث أصبح هذا الفاعل (المقاومة العسكرية المسلحة للمشروع الصهيوني) جزءا من البنية الداخلية، والحالة السورية حيث بقيت الدولة تحتفظ بدرجة أعلى من احتكار العنف لفترة أطول.
خامساً: لبنان وسوريا داخل المثلث الإقليمي
ضمن هذا التحول، لا يمكن فهم العلاقة اللبنانية–السورية إلا داخل مثلث إقليمي مركب: لبنان، سوريا، وفلسطين/(المشروع الصهيوني)، حيث تتداخل مستويات الأمن والسياسة والتحالفات.
غير أن موقع سوريا داخل هذا المثلث لم يكن ثابتا، بل مرّ من موقع الدولة المركزية الإقليمية إلى موقع الساحة المفتوحة لتعدد الفاعلين، بينما ظل لبنان في موقع الهشاشة البنيوية الناتجة عن تركيبته الداخلية.
سادساً: الانقسام اللبناني ومرونة التبعية
إن الانقسام اللبناني حول سوريا لا يعكس اختلافا سياسيا بسيطا، بل يعكس إعادة تموضع داخل بنية الهيمنة الإقليمية والدولية. فالقوى اللبنانية تتحرك ضمن منطق “مرونة التبعية” (سمير أمين)، أي القدرة على تبديل المواقع داخل النظام دون الخروج منه. وتزداد هذه المرونة داخل البنية الطائفية، حيث تتحول الطوائف إلى وحدات شبه-سياسية قادرة على بناء شبكات خارجية خاصة بها.
الخلاصة
يُظهر تتبع تطور العلاقة اللبنانية–السورية عبر مستوياتها التاريخية والبنيوية والإقليمية أن هذه العلاقة لا يمكن قراءتها كمسار سياسي خطي تحكمه قرارات الدول أو تبدلات الأنظمة، بل كبنية ممتدة تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ، والدولة بالمجتمع، والسيادة بالتبعية، ضمن إطار نظام إقليمي ودولي غير متكافئ يعيد إنتاج نفسه باستمرار.
فمنذ لحظة سايكس–بيكو، لم يتشكل لبنان وسوريا ككيانين منفصلين، بل كجزء من إعادة هندسة استعمارية للمشرق العربي، أعادت تفكيك وحدة تاريخية–اقتصادية أوسع، ووضعت الأساس لدول طرفية تعمل داخل منطق اقتصاد عالمي غير متكافئ. وقد انعكس هذا التأسيس البنيوي في شكل الدولة نفسها، خصوصا في الحالة اللبنانية، حيث لعبت الطائفية دورا مركزيا في إدارة المجتمع وتفكيك إمكانات تشكل وحدة سياسية–اجتماعية قادرة على إنتاج سيادة مكتملة.
ومع صعود المشروع القومي العربي، ثم انهياره بعد هزيمة 1967، أعيد تعريف وظيفة الدولة في المشرق من أداة للتحرير والوحدة إلى جهاز لإدارة الحدود والأزمات الداخلية. هذا التحول نقل مركز الفعل السياسي تدريجيا إلى الفاعلين غير الدولتيين، وفي مقدمتهم حركات المقاومة (الفلسطينية، ثم اللبنانية)، التي نشأت كاستجابة مباشرة لثلاثة مستويات متداخلة: استمرار المشروع الصهيوني، عجز الدولة الوطنية، وانسحاب الدولة العربية من وظيفتها التاريخية في المواجهة.
وفي هذا السياق، أصبح الصراع العربي–الإسرائيلي عنصرا بنيويا منظما لإعادة تشكيل الإقليم، لا مجرد نزاع سياسي. إذ أعاد هذا الصراع توزيع التحالفات داخل المشرق، وكرّس لبنان وسوريا كجزء من بنية إقليمية واحدة، تتداخل فيها الجغرافيا بالأمن والسياسة.
غير أن هذا التشابك لم يكن ثابتا، بل خضع لإعادة تركيب مستمرة مع تغير موازين القوى الإقليمية، وخصوصا بعد النجاح في إسقاط النظام "البعثي" ودخول تركيا كفاعل جديد وحاسم الى سوريا، وتعمق الدور الاسرائيلي، وبالتالي في إعادة تعريف التوازنات التي تنعكس مباشرة على سوريا ولبنان معًا. ومع هذا التعدد المتزايد في مراكز القوة—بين تركيا، وإسرائيل، وإيران، والدول العربية، والقوى الدولية—انتقلت سوريا نفسها من موقع “المركز النسبي” في معادلة المشرق إلى موقع “ساحة توازنات متعددة”، ما انعكس مباشرة على طبيعة العلاقة مع لبنان.
أما لبنان، فقد بقي في موقع أكثر هشاشة، بوصفه فضاء ارتداد لهذه التوازنات لا فاعلا حاسما فيها. فبنيته الطائفية، واقتصاده الريعي، وتعدد مراكزه السياسية المرتبطة بالخارج، جعلته أكثر قابلية للتأثر بالتغيرات الإقليمية منه للمشاركة في صنعها. وهكذا أصبحت الانقسامات اللبنانية حول سوريا، وحول المقاومة، وحول موقع لبنان في الإقليم، انعكاسا مباشرا لإعادة توزيع مواقع النفوذ خارج حدوده، أكثر مما هي تعبير عن خيارات سيادية مستقلة.
ومن هنا، يتضح أن ما يُسمى بـ“السيادة” في السياق اللبناني ليس حالة مكتملة، بل مفهوم إشكالي يُعاد تعريفه باستمرار تبعا لموازين القوى الداخلية والخارجية. فالدولة لا تمارس سيادة مطلقة، بل تتحرك داخل شبكة معقدة من التبعيات المتداخلة، في حين تعمل الطائفية كآلية لإدارة هذا التداخل بدل تجاوزه.
وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل العلاقة اللبنانية–السورية، حتى في ظل التحولات الجارية في سوريا والدور التركي والتناقضات الإقليمية المتزايدة، لا يبدو مرشحا للانتقال إلى قطيعة أو اندماج مستقر، بل إلى مزيد من التعقيد في إطار تشابك بنيوي دائم: تشابك جغرافي واقتصادي واجتماعي، يقابله انقسام سياسي وتموضع إقليمي متغير باستمرار.
في الخلاصة، فإن العلاقة بين لبنان وسوريا ليست علاقة بين دولتين فقط، بل هي تعبير مكثف عن بنية أوسع من التجزئة الاستعمارية، والدولة الطرفية، والصراع الإقليمي، وإعادة إنتاج التبعية داخل نظام عالمي غير متكافئ. وفي قلب هذه البنية، يظل التغير في المواقع أكثر حضورا من التغير في البنية نفسها، ما يجعل التاريخ السياسي للمشرق تاريخا لإعادة التموضع المستمر داخل نظام مليء بالتناقضات، لا يزال في جوهره غير مستقر، لكنه شديد القدرة على إعادة إنتاج نفسه. 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire