د. طنوس شلهوب
يقدّم النص المتداول لمسعود محمد (مقالة طويلة يتشاركها بعض رواد الفايسبوك بعنوان: اليسار في متاهة الإسلام السياسي - من وهم الجبهة الشعبية الى مصيدة الدولة الدينية) أطروحة نقدية واسعة لتجارب اليسار في عدد من بلدان المنطقة، عبر مقاربة تعتبر أن تحالفه مع قوى الإسلام السياسي — في سياقات مختلفة: إيران وسوريا ولبنان والمغرب والعراق — لم يكن مجرد تكتيك مرحلي، بل خطأ بنيوياً متكرراً قاد
إلى إضعاف اليسار وتشويه استقلاله السياسي والفكري.
ينطلق الكاتب من فكرة مركزية مفادها أن الإسلام السياسي، مهما اختلفت صوره وسياقاته، يمتلك بنية سلطوية مغلقة تميل إلى ابتلاع الشركاء ثم إعادة إنتاج هيمنتها الخاصة، ما يجعل أي تقاطع معه، حتى في سياقات التحرر الوطني أو مواجهة الاستبداد أو الاحتلال، مدخلاً إلى خسارة اليسار لموقعه النقدي.
وبناءً على هذا التصور، يعيد النص قراءة محطات تاريخية متباينة، ليخلص إلى نتيجة عامة مفادها أن اليسار حين يتحالف مع الإسلاميين يفقد استقلاله الطبقي والفكري، ويتحول من قوة تغيير جذري إلى طرف وظيفي داخل مشاريع لا تنتمي إلى أفقه التاريخي. وبهذا المعنى، لا يقدّم المقال مجرد سرد تاريخي، بل يسعى إلى تأسيس حكم نظري شامل على مجمل تجارب التحالف بين اليسار والإسلام السياسي في المنطقة، تمهيداً للدفاع عن فكرة أن استقلال اليسار شرط لا غنى عنه لأي مشروع تحرري أو ديمقراطي.
تنطلق هذه الأطروحة من تعميم واسع لتجارب تاريخية متباينة، لتبني استنتاجاً نظرياً مفاده أن تحالف اليسار مع الإسلام السياسي كان في جوهره مساراً خاطئاً قاد دائماً إلى تآكل استقلاله وانحرافه عن مشروعه التاريخي. غير أن هذا الحكم الكلي، رغم جاذبيته الجدلية، يقوم على إلغاء الفوارق بين السياقات الملموسة التي تشكلت فيها تلك التجارب، وعلى استبدال التحليل المادي للتناقضات الاجتماعية والطبقية بمقاربة تصنيفية تختزل الفاعلين في هويات أيديولوجية ثابتة. ومن هنا تأتي أهمية تفكيك هذه الأطروحة عبر العودة إلى كل حالة في شروطها التاريخية الخاصة، وإعادة وضع مسألة التحالفات في إطارها الحقيقي: أي إطار المراحل التاريخية، وموازين القوى، وطبيعة التناقض الرئيسي في كل تجربة، بدل الاكتفاء بحكم نظري مسبق يُسقط نتائج لاحقة على لحظات تاريخية كانت مفتوحة على احتمالات متعددة.
أولاً: إسقاط مفهوم مجرد على وقائع تاريخية مختلفة
الكاتب يضع في سلة واحدة: ثورة إيران عام 1979. المعارضة السورية في الثمانينيات. المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي. المشاركة الحكومية في المغرب. التحالف الانتخابي العراقي.
لكن ما الجامع بينها؟ الجامع الوحيد هو وجود طرف إسلامي. أما من منظور المادية التاريخية، فهذه ليست وحدة تحليل، لأن لكل حالة:
بنية اقتصادية مختلفة. دولة مختلفة. تناقضاً رئيسياً مختلفاً. ميزان قوى مختلفاً. طبيعة استعمار أو احتلال أو استبداد مختلفة.
وبالتالي لا يجوز استنتاج قانون تاريخي واحد منها.
فالتحالف مع قوة تقاتل احتلالاً أجنبياً ليس هو نفسه التحالف داخل حكومة ليبرالية، وليس هو نفسه التنسيق مع معارضة ضد ديكتاتورية، وليس هو نفسه المشاركة في انتخابات بعد احتلال أمريكي.
ثانياً: استبدال مفهوم التناقض الرئيسي بمفهوم الهوية الماركسية لا تبدأ بالسؤال: هل هذه القوة إسلامية؟ بل تبدأ بالسؤال: ما هو التناقض الرئيسي في هذه المرحلة؟ لينين لم يبنِ سياسة البلاشفة على هوية الحلفاء، بل على موقعهم من الثورة الديمقراطية ومن الصراع ضد الإمبريالية والقيصرية. بل إن الأممية الشيوعية نفسها أقرت تحالفات واسعة مع قوى برجوازية وطنية في المستعمرات. لماذا؟ لأن مرحلة التحرر الوطني ليست هي مرحلة الاشتراكية. وهذا ما يغيب تماماً عن المقال.
ثالثاً: إنكار مفهوم المراحل التاريخية
المقال يتعامل وكأن كل الأحزاب الشيوعية كانت مطالبة دائماً بخوض صراع اشتراكي خالص.
لكن الفكر الماركسي اللينيني يميز بين: مرحلة التحرر الوطني. مرحلة الثورة الديمقراطية. مرحلة بناء الدولة الوطنية. مرحلة الانتقال الاشتراكي.
في مرحلة التحرر الوطني قد تتحالف الطبقة العاملة مع البرجوازية الوطنية. وقد تتحالف مع قوى دينية. وقد تتحالف مع قوى قبلية. المعيار ليس الهوية الفكرية بل موقعها من المهمة التاريخية المطروحة.
رابعاً: إلغاء مفهوم الجبهة الوطنية
لينين ثم الكومنترن ثم التجارب التحررية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية كلها اعتمدت مفهوم الجبهة الوطنية. الصين تحالفت مع الكومنتانغ. فيتنام تحالفت مع قوى قومية. كوبا تحالفت مع قوى غير اشتراكية. الجزائر ضمت الإسلاميين والقوميين واليساريين. فهل كانت هذه كلها أخطاء؟ لو أخذنا منطق الكاتب لوجب اعتبار معظم حركات التحرر في القرن العشرين أخطاء تاريخية.
خامساً: اختزال الإسلام السياسي في نموذج واحد
وهذه إحدى أكبر ثغرات النص. فهو يتحدث عن:
الإخوان المسلمين. حزب الله. التيار الصدري. العدالة والتنمية المغربي. الثورة الإيرانية. وكأنها ظاهرة واحدة. بينما هي تختلف جذرياً:
في بنيتها الطبقية. في علاقتها بالدولة. في علاقتها بالإمبريالية. في برنامجها الاقتصادي.
في موقفها من الاستعمار. في موقعها داخل المجتمع. حتى داخل الإسلام السياسي نفسه توجد تناقضات هائلة.
سادساً: قراءة انتقائية للتجربة اللبنانية
فالكاتب يختزل العلاقة مع حزب الله في بعدها الطائفي، ويتجاهل أن لبنان كان تحت احتلال إسرائيلي مباشر. وهنا يغيب السؤال المركزي:
هل كان المطلوب من الحزب الشيوعي أن يقف على الحياد تجاه المقاومة؟ أم أن التناقض الرئيسي آنذاك كان الاحتلال؟
حتى مهدي عامل، الذي يستشهد به الكاتب، كان يرى أن الصراع ضد الإمبريالية جزء من الصراع الطبقي، ولم يكن يفصل بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي. كما أن الكاتب يتجاهل عمداً أن الحزب الشيوعي اللبناني لم يذب في حزب الله، بل احتفظ باستقلاله التنظيمي والفكري، وانتقده في محطات كثيرة.
سابعاً: استعمال مهدي عامل خارج سياقه
وهنا يقع النص في انتقائية واضحة.
يستشهد بمهدي عامل حول الطائفية.
لكنه يغفل أن مهدي عامل كان يعتبر الإمبريالية أحد المكونات البنيوية لإعادة إنتاج الطائفية.
أي أن مقاومة المشروع الإمبريالي ليست مسألة ثانوية. كما أن مهدي عامل نفسه كان يرى ضرورة بناء جبهة وطنية ضد المشروع الإمبريالي.
أما الكاتب فيحول مهدي عامل إلى منظّر ضد أي تقاطع مع قوى دينية، وهو استنتاج لا يقوله مهدي عامل.
ثامناً: إساءة استخدام مقولة ماركس عن الدين
يتكرر الاستشهاد بعبارة: نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد. لكن ماركس لم يكن يناقش التحالفات السياسية. كان يناقش نقد الأيديولوجيا.
وهناك فرق هائل بين: نقد الفكر الديني،
وبين التحالف المرحلي مع قوى اجتماعية ذات مرجعية دينية. بل إن لينين نفسه كان يؤكد أن الحزب الشيوعي لا يضع الإلحاد شرطاً للتحالف مع العمال المؤمنين أو الفلاحين المؤمنين.
تاسعاً: غياب التحليل الطبقي وهو أكثر ما يلفت في مقال يدّعي الدفاع عن الماركسية.
لا نجد تحليلاً لـ: البرجوازية الوطنية. البرجوازية الكمبرادورية. البرجوازية الطفيلية. الفلاحين.
العمال. البرجوازية الصغيرة.
بل يصبح الإسلام السياسي نفسه طبقة.
وهذا يناقض أبسط مبادئ المادية التاريخية.
عاشراً: النتائج تُستخلص من النهايات لا من الشروط الكاتب يقول: لأن حزب توده سُحق...
إذن التحالف خطأ. لكن الماركسي يسأل:
هل كانت هناك بدائل تاريخية واقعية عام 1979؟ هل كان يستطيع حزب توده إسقاط الشاه وحده؟ هل كان بإمكانه تجاهل ملايين الجماهير التي كانت تتبع الخميني؟ المادية التاريخية لا تحاكم الماضي بما عرفناه لاحقاً. بل بما كان متاحاً آنذاك.
الخلاصة
تكمن المشكلة المنهجية الأساسية في هذا النص في أنه يستبدل المادية التاريخية بـأخلاق سياسية مجردة. فهو لا يحلل كل تجربة انطلاقاً من تناقضاتها الملموسة، بل ينطلق من فرضية مسبقة مفادها أن أي تحالف مع قوة ذات مرجعية إسلامية هو خطأ بالضرورة. وبهذا ينتقل من تحليل التاريخ إلى محاكمته بأثر رجعي.
إن المنهج الماركسي لا يسأل أولاً: من هو الحليف أيديولوجياً؟ بل يسأل: ما هي طبيعة المرحلة التاريخية؟ وما هو التناقض الرئيسي؟ وما هي موازين القوى؟ وما هي التحالفات الطبقية الممكنة لإنجاز مهام تلك المرحلة؟
ولهذا فإن جمع تجارب إيران وسوريا ولبنان والعراق والمغرب تحت عنوان واحد، ثم استخراج قانون عام منها، لا يعكس منهج المادية التاريخية، بل يعكس مقاربة تجريدية تتجاهل خصوصية كل تشكيل اجتماعي، وكل مرحلة من مراحل الصراع الوطني والطبقي. والأقرب إلى المنهج الماركسي هو دراسة كل تجربة في سياقها التاريخي الملموس، مع التمييز بين التحالف المرحلي الذي تفرضه مهام التحرر الوطني، وبين الذوبان السياسي الذي يؤدي إلى فقدان الاستقلال التنظيمي والفكري. هذا التمييز الدقيق هو ما يغيب عن المقال، فيتحول من نقد مشروع لبعض التجارب إلى تعميم نظري لا يسنده تحليل تاريخي ملموس.
يقدّم النص المتداول لمسعود محمد (مقالة طويلة يتشاركها بعض رواد الفايسبوك بعنوان: اليسار في متاهة الإسلام السياسي - من وهم الجبهة الشعبية الى مصيدة الدولة الدينية) أطروحة نقدية واسعة لتجارب اليسار في عدد من بلدان المنطقة، عبر مقاربة تعتبر أن تحالفه مع قوى الإسلام السياسي — في سياقات مختلفة: إيران وسوريا ولبنان والمغرب والعراق — لم يكن مجرد تكتيك مرحلي، بل خطأ بنيوياً متكرراً قاد
إلى إضعاف اليسار وتشويه استقلاله السياسي والفكري.
ينطلق الكاتب من فكرة مركزية مفادها أن الإسلام السياسي، مهما اختلفت صوره وسياقاته، يمتلك بنية سلطوية مغلقة تميل إلى ابتلاع الشركاء ثم إعادة إنتاج هيمنتها الخاصة، ما يجعل أي تقاطع معه، حتى في سياقات التحرر الوطني أو مواجهة الاستبداد أو الاحتلال، مدخلاً إلى خسارة اليسار لموقعه النقدي.
وبناءً على هذا التصور، يعيد النص قراءة محطات تاريخية متباينة، ليخلص إلى نتيجة عامة مفادها أن اليسار حين يتحالف مع الإسلاميين يفقد استقلاله الطبقي والفكري، ويتحول من قوة تغيير جذري إلى طرف وظيفي داخل مشاريع لا تنتمي إلى أفقه التاريخي. وبهذا المعنى، لا يقدّم المقال مجرد سرد تاريخي، بل يسعى إلى تأسيس حكم نظري شامل على مجمل تجارب التحالف بين اليسار والإسلام السياسي في المنطقة، تمهيداً للدفاع عن فكرة أن استقلال اليسار شرط لا غنى عنه لأي مشروع تحرري أو ديمقراطي.
تنطلق هذه الأطروحة من تعميم واسع لتجارب تاريخية متباينة، لتبني استنتاجاً نظرياً مفاده أن تحالف اليسار مع الإسلام السياسي كان في جوهره مساراً خاطئاً قاد دائماً إلى تآكل استقلاله وانحرافه عن مشروعه التاريخي. غير أن هذا الحكم الكلي، رغم جاذبيته الجدلية، يقوم على إلغاء الفوارق بين السياقات الملموسة التي تشكلت فيها تلك التجارب، وعلى استبدال التحليل المادي للتناقضات الاجتماعية والطبقية بمقاربة تصنيفية تختزل الفاعلين في هويات أيديولوجية ثابتة. ومن هنا تأتي أهمية تفكيك هذه الأطروحة عبر العودة إلى كل حالة في شروطها التاريخية الخاصة، وإعادة وضع مسألة التحالفات في إطارها الحقيقي: أي إطار المراحل التاريخية، وموازين القوى، وطبيعة التناقض الرئيسي في كل تجربة، بدل الاكتفاء بحكم نظري مسبق يُسقط نتائج لاحقة على لحظات تاريخية كانت مفتوحة على احتمالات متعددة.
أولاً: إسقاط مفهوم مجرد على وقائع تاريخية مختلفة
الكاتب يضع في سلة واحدة: ثورة إيران عام 1979. المعارضة السورية في الثمانينيات. المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي. المشاركة الحكومية في المغرب. التحالف الانتخابي العراقي.
لكن ما الجامع بينها؟ الجامع الوحيد هو وجود طرف إسلامي. أما من منظور المادية التاريخية، فهذه ليست وحدة تحليل، لأن لكل حالة:
بنية اقتصادية مختلفة. دولة مختلفة. تناقضاً رئيسياً مختلفاً. ميزان قوى مختلفاً. طبيعة استعمار أو احتلال أو استبداد مختلفة.
وبالتالي لا يجوز استنتاج قانون تاريخي واحد منها.
فالتحالف مع قوة تقاتل احتلالاً أجنبياً ليس هو نفسه التحالف داخل حكومة ليبرالية، وليس هو نفسه التنسيق مع معارضة ضد ديكتاتورية، وليس هو نفسه المشاركة في انتخابات بعد احتلال أمريكي.
ثانياً: استبدال مفهوم التناقض الرئيسي بمفهوم الهوية الماركسية لا تبدأ بالسؤال: هل هذه القوة إسلامية؟ بل تبدأ بالسؤال: ما هو التناقض الرئيسي في هذه المرحلة؟ لينين لم يبنِ سياسة البلاشفة على هوية الحلفاء، بل على موقعهم من الثورة الديمقراطية ومن الصراع ضد الإمبريالية والقيصرية. بل إن الأممية الشيوعية نفسها أقرت تحالفات واسعة مع قوى برجوازية وطنية في المستعمرات. لماذا؟ لأن مرحلة التحرر الوطني ليست هي مرحلة الاشتراكية. وهذا ما يغيب تماماً عن المقال.
ثالثاً: إنكار مفهوم المراحل التاريخية
المقال يتعامل وكأن كل الأحزاب الشيوعية كانت مطالبة دائماً بخوض صراع اشتراكي خالص.
لكن الفكر الماركسي اللينيني يميز بين: مرحلة التحرر الوطني. مرحلة الثورة الديمقراطية. مرحلة بناء الدولة الوطنية. مرحلة الانتقال الاشتراكي.
في مرحلة التحرر الوطني قد تتحالف الطبقة العاملة مع البرجوازية الوطنية. وقد تتحالف مع قوى دينية. وقد تتحالف مع قوى قبلية. المعيار ليس الهوية الفكرية بل موقعها من المهمة التاريخية المطروحة.
رابعاً: إلغاء مفهوم الجبهة الوطنية
لينين ثم الكومنترن ثم التجارب التحررية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية كلها اعتمدت مفهوم الجبهة الوطنية. الصين تحالفت مع الكومنتانغ. فيتنام تحالفت مع قوى قومية. كوبا تحالفت مع قوى غير اشتراكية. الجزائر ضمت الإسلاميين والقوميين واليساريين. فهل كانت هذه كلها أخطاء؟ لو أخذنا منطق الكاتب لوجب اعتبار معظم حركات التحرر في القرن العشرين أخطاء تاريخية.
خامساً: اختزال الإسلام السياسي في نموذج واحد
وهذه إحدى أكبر ثغرات النص. فهو يتحدث عن:
الإخوان المسلمين. حزب الله. التيار الصدري. العدالة والتنمية المغربي. الثورة الإيرانية. وكأنها ظاهرة واحدة. بينما هي تختلف جذرياً:
في بنيتها الطبقية. في علاقتها بالدولة. في علاقتها بالإمبريالية. في برنامجها الاقتصادي.
في موقفها من الاستعمار. في موقعها داخل المجتمع. حتى داخل الإسلام السياسي نفسه توجد تناقضات هائلة.
سادساً: قراءة انتقائية للتجربة اللبنانية
فالكاتب يختزل العلاقة مع حزب الله في بعدها الطائفي، ويتجاهل أن لبنان كان تحت احتلال إسرائيلي مباشر. وهنا يغيب السؤال المركزي:
هل كان المطلوب من الحزب الشيوعي أن يقف على الحياد تجاه المقاومة؟ أم أن التناقض الرئيسي آنذاك كان الاحتلال؟
حتى مهدي عامل، الذي يستشهد به الكاتب، كان يرى أن الصراع ضد الإمبريالية جزء من الصراع الطبقي، ولم يكن يفصل بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي. كما أن الكاتب يتجاهل عمداً أن الحزب الشيوعي اللبناني لم يذب في حزب الله، بل احتفظ باستقلاله التنظيمي والفكري، وانتقده في محطات كثيرة.
سابعاً: استعمال مهدي عامل خارج سياقه
وهنا يقع النص في انتقائية واضحة.
يستشهد بمهدي عامل حول الطائفية.
لكنه يغفل أن مهدي عامل كان يعتبر الإمبريالية أحد المكونات البنيوية لإعادة إنتاج الطائفية.
أي أن مقاومة المشروع الإمبريالي ليست مسألة ثانوية. كما أن مهدي عامل نفسه كان يرى ضرورة بناء جبهة وطنية ضد المشروع الإمبريالي.
أما الكاتب فيحول مهدي عامل إلى منظّر ضد أي تقاطع مع قوى دينية، وهو استنتاج لا يقوله مهدي عامل.
ثامناً: إساءة استخدام مقولة ماركس عن الدين
يتكرر الاستشهاد بعبارة: نقد الدين هو الشرط الأول لكل نقد. لكن ماركس لم يكن يناقش التحالفات السياسية. كان يناقش نقد الأيديولوجيا.
وهناك فرق هائل بين: نقد الفكر الديني،
وبين التحالف المرحلي مع قوى اجتماعية ذات مرجعية دينية. بل إن لينين نفسه كان يؤكد أن الحزب الشيوعي لا يضع الإلحاد شرطاً للتحالف مع العمال المؤمنين أو الفلاحين المؤمنين.
تاسعاً: غياب التحليل الطبقي وهو أكثر ما يلفت في مقال يدّعي الدفاع عن الماركسية.
لا نجد تحليلاً لـ: البرجوازية الوطنية. البرجوازية الكمبرادورية. البرجوازية الطفيلية. الفلاحين.
العمال. البرجوازية الصغيرة.
بل يصبح الإسلام السياسي نفسه طبقة.
وهذا يناقض أبسط مبادئ المادية التاريخية.
عاشراً: النتائج تُستخلص من النهايات لا من الشروط الكاتب يقول: لأن حزب توده سُحق...
إذن التحالف خطأ. لكن الماركسي يسأل:
هل كانت هناك بدائل تاريخية واقعية عام 1979؟ هل كان يستطيع حزب توده إسقاط الشاه وحده؟ هل كان بإمكانه تجاهل ملايين الجماهير التي كانت تتبع الخميني؟ المادية التاريخية لا تحاكم الماضي بما عرفناه لاحقاً. بل بما كان متاحاً آنذاك.
الخلاصة
تكمن المشكلة المنهجية الأساسية في هذا النص في أنه يستبدل المادية التاريخية بـأخلاق سياسية مجردة. فهو لا يحلل كل تجربة انطلاقاً من تناقضاتها الملموسة، بل ينطلق من فرضية مسبقة مفادها أن أي تحالف مع قوة ذات مرجعية إسلامية هو خطأ بالضرورة. وبهذا ينتقل من تحليل التاريخ إلى محاكمته بأثر رجعي.
إن المنهج الماركسي لا يسأل أولاً: من هو الحليف أيديولوجياً؟ بل يسأل: ما هي طبيعة المرحلة التاريخية؟ وما هو التناقض الرئيسي؟ وما هي موازين القوى؟ وما هي التحالفات الطبقية الممكنة لإنجاز مهام تلك المرحلة؟
ولهذا فإن جمع تجارب إيران وسوريا ولبنان والعراق والمغرب تحت عنوان واحد، ثم استخراج قانون عام منها، لا يعكس منهج المادية التاريخية، بل يعكس مقاربة تجريدية تتجاهل خصوصية كل تشكيل اجتماعي، وكل مرحلة من مراحل الصراع الوطني والطبقي. والأقرب إلى المنهج الماركسي هو دراسة كل تجربة في سياقها التاريخي الملموس، مع التمييز بين التحالف المرحلي الذي تفرضه مهام التحرر الوطني، وبين الذوبان السياسي الذي يؤدي إلى فقدان الاستقلال التنظيمي والفكري. هذا التمييز الدقيق هو ما يغيب عن المقال، فيتحول من نقد مشروع لبعض التجارب إلى تعميم نظري لا يسنده تحليل تاريخي ملموس.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire