د. طنوس شلهوب
(استمراراً للنقاش الذي شاركتُ فيه ضمن مشروع أورورا الإعلامي حول التجربة الصينية، وما يطفو على السطح أحياناً من مادة مرئية عن التجربة الصينية، معظمها يبدي اندهاشه من التطور الهائل الذي تشهده البلاد، وما يُطرح من تشكيك ب"الاشتراكية"، باعتبار ان العناصر الرأسمالية اصبحت هي المهيمنة في الاقتصاد الصيني، كدلالة على فشل الاشتراكية، او اعتراضاً على نسب الاقتصاد الصيني الى النموذج الاشتراكي، دونتُ هذه الملاحظات)
أثارت التجربة الصينية، ولا تزال، نقاشاً واسعاً داخل الحركة الشيوعية وخارجها. فهناك من يعتبرها الدليل العملي على حيوية الماركسية اللينينية وقدرتها على قيادة مشروع تنموي غير مسبوق، فيما يرى آخرون أن توسع اقتصاد السوق والقطاع الخاص فيها يعني أنها غادرت الاشتراكية والتحقت بالرأسمالية. غير أن كلا الموقفين ينطلق من قراءة تبسيطية لتجربة تاريخية أكثر تعقيداً، ولقراءة غير تاريخية لمضمون الماركسية اللينينية، إذ يحاول اختزال مسار امتد لعقود في ثنائية جامدة بين الاشتراكية والرأسمالية.
إن الماركسية اللينينية، في جوهرها، ليست مجموعة نصوص مغلقة أو وصفات جاهزة تُطبَّق بحرفيتها في كل زمان ومكان، وإنما هي منهج جدلي لتحليل الواقع الملموس والكشف عن تناقضاته واستنباط السياسات القادرة على تغييره ثورياً. لقد رفض كارل ماركس تحويل أفكاره إلى عقيدة جامدة، وأكد أن تطور المجتمعات تحكمه شروطها التاريخية ومستوى تطور قواها المنتجة. وجاء فلاديمير إيليتش لينين ليترجم هذا الفهم إلى ممارسة سياسية، فبعد سنوات من الحرب الأهلية لم يتردد في اعتماد السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، إدراكاً منه أن بناء الاشتراكية لا يتم عبر القفز فوق الواقع، بل عبر التعامل الخلاق مع تناقضاته.
ومن هنا، فإن بناء الاشتراكية لا يمكن أن يكون نسخة مكررة عن تجربة واحدة، لأن كل مجتمع ينطلق من ظروف تاريخية واقتصادية وثقافية مختلفة. فالاشتراكية ليست نموذجا ثابتا، وإنما مشروع تاريخي يهدف إلى تجاوز الرأسمالية عبر تطوير القوى المنتجة، وإلغاء الاستغلال، وإخضاع النشاط الاقتصادي للمصلحة الاجتماعية، مع اختلاف الوسائل التي يفرضها الواقع الملموس.
في هذا السياق ينبغي فهم التجربة الصينية. فقد واجهت الصين، بعد انتصار الثورة، تحديات تختلف جذرياً عن تلك التي واجهتها روسيا السوفياتية. كانت بلدا واسعا، كثيف السكان، متخلفا اقتصاديا، يحتاج إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على إخراج مئات الملايين من الفقر. وكان السؤال الذي واجه القيادة الصينية هو: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة وتحقيق نهضة اقتصادية شاملة من دون فقدان القيادة السياسية للحزب الشيوعي، ومن دون السماح لرأس المال بالتحول إلى القوة الحاكمة في المجتمع؟
كان الجواب هو ما أطلقت عليه الصين "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". وهي لا تعني، وفق الرؤية الصينية، استبدال الاشتراكية بالرأسمالية، وإنما استخدام أدوات وآليات اقتصادية متنوعة، بما فيها السوق، بما يخدم أهدافا يحددها الحزب والدولة. فالسوق، من منظور ماركسي، ليست هي ما يحدد طبيعة النظام الاجتماعي؛ إذ إن الأسواق وجدت قبل الرأسمالية، ويمكن أن توجد في مراحل انتقالية مختلفة. أما المعيار الحقيقي فهو: من يملك السلطة السياسية؟ ومن يسيطر على وسائل الإنتاج الاستراتيجية؟ ومن يوجه الفائض الاجتماعي؟ ولصالح أي طبقة يُدار الاقتصاد؟
وفي هذا الإطار، احتفظ الحزب الشيوعي الصيني بقيادة الدولة والمجتمع، وبقيت الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية، وعلى النظام المالي، والطاقة، والبنية التحتية، والصناعات الكبرى، والتخطيط بعيد المدى. ولم يُترك الاستثمار أو توجيه الفائض الاجتماعي لمنطق الربح الخاص وحده، بل ظل خاضعاً لأولويات التنمية الوطنية كما تحددها الدولة.
وهنا ينبغي التمييز بين الملكية الشخصية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وهو تمييز أساسي في الفكر الماركسي كثيراً ما يُساء فهمه. فالاشتراكية لا تستهدف الملكية الشخصية للأفراد أو ممتلكاتهم الخاصة المعدة للاستهلاك، وإنما تستهدف إنهاء احتكار وسائل الإنتاج الأساسية من قبل رأس المال الخاص، لأن هذا الاحتكار هو الذي يسمح بالاستغلال وبالتراكم الرأسمالي وإعادة إنتاج الانقسام الطبقي. ومن ثم، فإن جوهر الاشتراكية لا يكمن في مصادرة الممتلكات الشخصية، بل في جعل وسائل الإنتاج الأساسية خاضعة لسلطة المجتمع، بحيث يُعاد توظيف الفائض الاجتماعي في التنمية والتعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية، بدلا من تحوله إلى مصدر لتعظيم الأرباح الخاصة.
ومع ذلك، فإن التجربة الصينية لا تخلو من تناقضات حقيقية. فقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى توسع القطاع الخاص وظهور فئات رأسمالية تمتلك ثروات ضخمة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل المشروع الاشتراكي. فهل يستطيع الحزب الشيوعي أن يمنع تحول هذه القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية مستقلة؟ وهل يبقى رأس المال أداة في خدمة التنمية الوطنية، أم يتحول مع الزمن إلى مركز نفوذ يعيد تشكيل الدولة نفسها؟
حتى الآن، يبدو أن القيادة الصينية تحاول الإجابة عن هذا التحدي من خلال الإبقاء على أولوية الحزب في قيادة الدولة، وإخضاع الشركات الكبرى لسلطة القانون والدولة، ومنع رأس المال من فرض إرادته على القرار السياسي، مع توجيه جزء متزايد من الفائض الاقتصادي نحو أهداف اجتماعية واستراتيجية في إطار سياسات مثل "الرخاء المشترك". ويبقى نجاح هذه السياسة مرهوناً بقدرة الحزب على منع التراكم الرأسمالي من التحول إلى هيمنة طبقية.
إن التجربة الصينية لا تثبت صحة الماركسية اللينينية بمجرد تحقيق معدلات نمو مرتفعة، كما لا تدحضها لأنها استعانت بآليات السوق. وإنما تكمن أهميتها في أنها أعادت طرح سؤال جوهري في الفكر الاشتراكي: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة في عصر العولمة، مع الحفاظ على قيادة الدولة للاقتصاد ومنع خضوع المجتمع لهيمنة رأس المال؟ وهي بذلك تقدم محاولة تاريخية للإجابة عن هذا السؤال، ستبقى قابلة للنقاش والتقييم بقدر ما تنجح في الحفاظ على الطابع الاجتماعي للتنمية، وفي إبقاء السلطة السياسية فوق سلطة رأس المال.
لذلك، فإن الحكم على التجربة الصينية لا ينبغي أن ينطلق من مقارنات شكلية أو من نماذج جاهزة، بل من المنهج الماركسي نفسه، الذي يرفض الأحكام المجردة ويدعو إلى تحليل الواقع في حركته وتناقضاته. فالمعيار ليس وجود السوق أو غيابها، بل طبيعة السلطة الطبقية، وهوية من يملك القرار الاستراتيجي، وكيفية توظيف الفائض الاجتماعي، وما إذا كان الاقتصاد يخدم المجتمع أم يخضع المجتمع لمقتضيات تراكم رأس المال. وعلى هذا الأساس، تبقى التجربة الصينية تجربة مفتوحة، واقعية بتناقضاتها ومشاكلها، لا يمكن فهمها إلا بوصفها عملية تاريخية لا تزال تتطور، وستكون نتائجها النهائية هي الحكم الحقيقي على مدى نجاحها في بناء الاشتراكية في ظروف القرن الحادي والعشرين.
(استمراراً للنقاش الذي شاركتُ فيه ضمن مشروع أورورا الإعلامي حول التجربة الصينية، وما يطفو على السطح أحياناً من مادة مرئية عن التجربة الصينية، معظمها يبدي اندهاشه من التطور الهائل الذي تشهده البلاد، وما يُطرح من تشكيك ب"الاشتراكية"، باعتبار ان العناصر الرأسمالية اصبحت هي المهيمنة في الاقتصاد الصيني، كدلالة على فشل الاشتراكية، او اعتراضاً على نسب الاقتصاد الصيني الى النموذج الاشتراكي، دونتُ هذه الملاحظات)
أثارت التجربة الصينية، ولا تزال، نقاشاً واسعاً داخل الحركة الشيوعية وخارجها. فهناك من يعتبرها الدليل العملي على حيوية الماركسية اللينينية وقدرتها على قيادة مشروع تنموي غير مسبوق، فيما يرى آخرون أن توسع اقتصاد السوق والقطاع الخاص فيها يعني أنها غادرت الاشتراكية والتحقت بالرأسمالية. غير أن كلا الموقفين ينطلق من قراءة تبسيطية لتجربة تاريخية أكثر تعقيداً، ولقراءة غير تاريخية لمضمون الماركسية اللينينية، إذ يحاول اختزال مسار امتد لعقود في ثنائية جامدة بين الاشتراكية والرأسمالية.
إن الماركسية اللينينية، في جوهرها، ليست مجموعة نصوص مغلقة أو وصفات جاهزة تُطبَّق بحرفيتها في كل زمان ومكان، وإنما هي منهج جدلي لتحليل الواقع الملموس والكشف عن تناقضاته واستنباط السياسات القادرة على تغييره ثورياً. لقد رفض كارل ماركس تحويل أفكاره إلى عقيدة جامدة، وأكد أن تطور المجتمعات تحكمه شروطها التاريخية ومستوى تطور قواها المنتجة. وجاء فلاديمير إيليتش لينين ليترجم هذا الفهم إلى ممارسة سياسية، فبعد سنوات من الحرب الأهلية لم يتردد في اعتماد السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، إدراكاً منه أن بناء الاشتراكية لا يتم عبر القفز فوق الواقع، بل عبر التعامل الخلاق مع تناقضاته.
ومن هنا، فإن بناء الاشتراكية لا يمكن أن يكون نسخة مكررة عن تجربة واحدة، لأن كل مجتمع ينطلق من ظروف تاريخية واقتصادية وثقافية مختلفة. فالاشتراكية ليست نموذجا ثابتا، وإنما مشروع تاريخي يهدف إلى تجاوز الرأسمالية عبر تطوير القوى المنتجة، وإلغاء الاستغلال، وإخضاع النشاط الاقتصادي للمصلحة الاجتماعية، مع اختلاف الوسائل التي يفرضها الواقع الملموس.
في هذا السياق ينبغي فهم التجربة الصينية. فقد واجهت الصين، بعد انتصار الثورة، تحديات تختلف جذرياً عن تلك التي واجهتها روسيا السوفياتية. كانت بلدا واسعا، كثيف السكان، متخلفا اقتصاديا، يحتاج إلى بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قادرة على إخراج مئات الملايين من الفقر. وكان السؤال الذي واجه القيادة الصينية هو: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة وتحقيق نهضة اقتصادية شاملة من دون فقدان القيادة السياسية للحزب الشيوعي، ومن دون السماح لرأس المال بالتحول إلى القوة الحاكمة في المجتمع؟
كان الجواب هو ما أطلقت عليه الصين "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". وهي لا تعني، وفق الرؤية الصينية، استبدال الاشتراكية بالرأسمالية، وإنما استخدام أدوات وآليات اقتصادية متنوعة، بما فيها السوق، بما يخدم أهدافا يحددها الحزب والدولة. فالسوق، من منظور ماركسي، ليست هي ما يحدد طبيعة النظام الاجتماعي؛ إذ إن الأسواق وجدت قبل الرأسمالية، ويمكن أن توجد في مراحل انتقالية مختلفة. أما المعيار الحقيقي فهو: من يملك السلطة السياسية؟ ومن يسيطر على وسائل الإنتاج الاستراتيجية؟ ومن يوجه الفائض الاجتماعي؟ ولصالح أي طبقة يُدار الاقتصاد؟
وفي هذا الإطار، احتفظ الحزب الشيوعي الصيني بقيادة الدولة والمجتمع، وبقيت الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية، وعلى النظام المالي، والطاقة، والبنية التحتية، والصناعات الكبرى، والتخطيط بعيد المدى. ولم يُترك الاستثمار أو توجيه الفائض الاجتماعي لمنطق الربح الخاص وحده، بل ظل خاضعاً لأولويات التنمية الوطنية كما تحددها الدولة.
وهنا ينبغي التمييز بين الملكية الشخصية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وهو تمييز أساسي في الفكر الماركسي كثيراً ما يُساء فهمه. فالاشتراكية لا تستهدف الملكية الشخصية للأفراد أو ممتلكاتهم الخاصة المعدة للاستهلاك، وإنما تستهدف إنهاء احتكار وسائل الإنتاج الأساسية من قبل رأس المال الخاص، لأن هذا الاحتكار هو الذي يسمح بالاستغلال وبالتراكم الرأسمالي وإعادة إنتاج الانقسام الطبقي. ومن ثم، فإن جوهر الاشتراكية لا يكمن في مصادرة الممتلكات الشخصية، بل في جعل وسائل الإنتاج الأساسية خاضعة لسلطة المجتمع، بحيث يُعاد توظيف الفائض الاجتماعي في التنمية والتعليم والصحة والبحث العلمي والبنية التحتية، بدلا من تحوله إلى مصدر لتعظيم الأرباح الخاصة.
ومع ذلك، فإن التجربة الصينية لا تخلو من تناقضات حقيقية. فقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى توسع القطاع الخاص وظهور فئات رأسمالية تمتلك ثروات ضخمة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل المشروع الاشتراكي. فهل يستطيع الحزب الشيوعي أن يمنع تحول هذه القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية مستقلة؟ وهل يبقى رأس المال أداة في خدمة التنمية الوطنية، أم يتحول مع الزمن إلى مركز نفوذ يعيد تشكيل الدولة نفسها؟
حتى الآن، يبدو أن القيادة الصينية تحاول الإجابة عن هذا التحدي من خلال الإبقاء على أولوية الحزب في قيادة الدولة، وإخضاع الشركات الكبرى لسلطة القانون والدولة، ومنع رأس المال من فرض إرادته على القرار السياسي، مع توجيه جزء متزايد من الفائض الاقتصادي نحو أهداف اجتماعية واستراتيجية في إطار سياسات مثل "الرخاء المشترك". ويبقى نجاح هذه السياسة مرهوناً بقدرة الحزب على منع التراكم الرأسمالي من التحول إلى هيمنة طبقية.
إن التجربة الصينية لا تثبت صحة الماركسية اللينينية بمجرد تحقيق معدلات نمو مرتفعة، كما لا تدحضها لأنها استعانت بآليات السوق. وإنما تكمن أهميتها في أنها أعادت طرح سؤال جوهري في الفكر الاشتراكي: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة في عصر العولمة، مع الحفاظ على قيادة الدولة للاقتصاد ومنع خضوع المجتمع لهيمنة رأس المال؟ وهي بذلك تقدم محاولة تاريخية للإجابة عن هذا السؤال، ستبقى قابلة للنقاش والتقييم بقدر ما تنجح في الحفاظ على الطابع الاجتماعي للتنمية، وفي إبقاء السلطة السياسية فوق سلطة رأس المال.
لذلك، فإن الحكم على التجربة الصينية لا ينبغي أن ينطلق من مقارنات شكلية أو من نماذج جاهزة، بل من المنهج الماركسي نفسه، الذي يرفض الأحكام المجردة ويدعو إلى تحليل الواقع في حركته وتناقضاته. فالمعيار ليس وجود السوق أو غيابها، بل طبيعة السلطة الطبقية، وهوية من يملك القرار الاستراتيجي، وكيفية توظيف الفائض الاجتماعي، وما إذا كان الاقتصاد يخدم المجتمع أم يخضع المجتمع لمقتضيات تراكم رأس المال. وعلى هذا الأساس، تبقى التجربة الصينية تجربة مفتوحة، واقعية بتناقضاتها ومشاكلها، لا يمكن فهمها إلا بوصفها عملية تاريخية لا تزال تتطور، وستكون نتائجها النهائية هي الحكم الحقيقي على مدى نجاحها في بناء الاشتراكية في ظروف القرن الحادي والعشرين.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire