التحديات الكبرى أمام المشاركة السياسية للنساء وولوجهن إلى مواقع القرار

 

ماري ناصيف - الدبس
( من تنظيم نساء فيديرالية اليسار الديمقراطي في المغرب)

الرفيقات والرفاق
السيدات والسادة المشاركين والمستمعين

 تحية عطرة من نساء لبنان وشعبه الذي يعيش، منذ ثلاث سنوات، موجة جديدة من العدوان والقتل والتشريد، بينما تتعرّض مدنه وقراه، وأولها العاصمة بيروت، للقصف العشوائي وهدم الأبنية والبيوت على رؤوس ساكنيها، دون تفرقة في العمر والجنس. ولا ننسى استمرار الاحتلال الصهيوني لأكثر من 10 % من الأرض المحروقة، حيث لم يبق لا بشر أو حجرأو مزروعات.
أردت أن أضع أمامكم هذا الجانب من الصورة كونه يعتبر أحد الأسباب التي ساهمت في إعاقة تقدّم المرأة في لبنان، إلى جانب عوامل رئيسية أخرى سنتطرّق لها في سياق المداخلة. فالحروب العدوانية الصهيونية، التي عاشتها النساء اللبنانيات منذ العام 1949 والنزاعات المسلحة الداخلية، وبالتحديد تلك التي امتدت من العام 1975 وحتى العام 1989، أدّت إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، إن بسبب كل أشكال العنف الذي تعرّضت له النساء والفتيات، بدءاً من الخطف، والقتل، والتعذيب، والاعاقة، وفقدان الزوج والأولاد، أم، خاصة، بسبب النزوح المتعدد الأشكال،  والاقامة في مراكز إيواء لا تؤمّن سوى الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.
أما العوامل الأخرى، فألخصها بالتالي:
أول هذه العوامل يكمن في قوانين الأحوال الشخصية المرعية الاجراء. فهذه القوانين، وعددها خمسة عشر قانوناً حتى الآن، خارجة عن سلطة الدولة ومؤسساتها؛ فهي تخضع لسلطة محاكم أنشأتها الطوائف والمذاهب، المسيحية والمسلمة، للبت بكل ما يتعلق بشؤون الأسرة من زواج وطلاق وإرث وغيرها. وكل هذه القوانين تؤكد على الدور الثانوي للمرأة في الأسرة، إذ إن أغلبية هذه القوانين لا ترى أن  في إمكانية الأم أن تشرف على مصير أولادها، علما أن المرأة اللبنانية قد برهنت، بنتيجةالاعتداءات والحروب التي تعرّض لها لبنان، وفقدان الزوج خلالها، عن إمكانيات تنظيمية ورعوية غير مسبوقة... بل، وحتى في الأسر العادية، تشكل النساء العنصر الأساسي في تنظيم الأسرة ومساعدة الأولاد في شؤون الدراسة، علما أن 40 بالمئة منهن يعملن خارج البيت اساعات.
ولا تتوقف انعكاسات قوانين الأحوال الشخصية عند باب المنزل وضمن الأسرة لوحدها، بل  تمتد لتطال العديد من القوانين الوضعية والمجتمعية، بدءاً بقانون الجنسية الذي ينص في مادته الأولى أن "اللبناني" هو الشخص المولود "من أب لبناني" فقط، وكأنما الأم غير موجودة، وكأنما الأب هو الذي يحمل ويلد ويربي. 
وانتفاء دور المرأة انطلاقاً من قوانين الأحوال الشخصية لا يتوقف عند هذا الحد. بل إن انعكاساته طالت دورها في الانتاج، أي الدور الاقتصادي، وكذلك في مؤسسات الدولة المختلفة، أي الدور في إدارة شؤون البلاد تنفيذياً وعلى الصعيد السياسي.
فبالنسبة للدور الاقتصادي، لا يزال يعتبر عمل المرأة ثانوياً، ولا يزال شعار "الأجر المتساوي للعمل المتساوي" مطروحاً، خاصة في القطاع الخاص وعلى كافة مستويات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي. إضافة إلى أن نسبة النساء العاملات في هذه القطاعات، وحتى في الادارات العامة للدولة، لا تتعدى الأربعين بالمئة من مجموع المنتجين، وهي نسبة تتراجع إبان الأزمات كما هي الحال عندنا منذ العام 2019. 
وهنا يأتي العامل الثاني، أي الدور السياسي.
وذلك من خلال العلاقة الجدلية بين البنيتين التحتية، المتمثلة بالإنتاج وشكله والدور الذي تلعبه المرأة ضمنه، والفوقية المتمثلة بنظام الحكم وبمجموع المؤسسات والعوامل السياسية، فلا بد للمرأة اللبنانية، والعربية عموماً، إلا أن تنتمي بشكل أوسع إلى الحركة الشعبية المؤثرة، وبالتحديد النقابات العمالية والمهنية والفئوية، إضافة إلى التنظيمات السياسية ذات الطابع الديمقراطي التغييري للمجتمع. لأن النظام الرأسمالي، بحكم أيديولوجيته وآليات عمله، هو نظام لا يستغل فقط القوى العاملة عموماً، بل يتحكّم أيضاً بالمرأة ودورها.
مثال على ذلك الوضع الذي نعيشه في لبنان على المستوى القانوني.
فعلى الرغم من أن الدستور اللبناني يؤكد على المساواة بين اللبنانيين، إذ تنص المادة السابعة على أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم یتمتعون بالسواء بالحقوق المدنیة والسیاسیة ویتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بینهم"، نجد أن تطبيق القوانين الأساسية في مجالي الإدارة العامة والانتخاب يذهب باتجاه آخر. ذلك أن عدد النساء اللواتي يتواجدن في المراكز الأساسية داخل الإدارة العامة والسلك القضائي والدبلوماسي لا يزال أقل بكثير من عدد الرجال، كون مسؤولي الطوائف في السلطة هم من يقرر بمن تتمثل، معتمدين في ذلك على نظام محاصصة متّفق عليه في ما بينهم ولا يحيدون عنه قيد انملة. 
وينعكس هذا الوضع، أولاً، على قانون الانتخابات البلدية، ثانياً، وبشكل خاص، الانتخابات النيابية، المبني على أساس المساواة في الحصص المعطاة للمسلمين والمسيحيين، من جهة، 
ومن جهة أخرى أن يكون لكل طائفة داخل المجموعتين حصتها استناداً إلى عددها من المجموع العام. وهنا، أيضاً، نادراً ما نرى طائفة ما (أو زعيم طائفة ما) تتبنى (أو يتبنى) ترشيح امرأة في دائرة نفوذه. أما المراكز الثلاثة الأولى في البلاد، فهي مكتوبة، حتى الآن، باسم الرجال المحسوبين على الطوائف الثلاثة التالية: المواررنة والشيعة والسنّة.
لقد أصبح من المعيب أن تتمثّل المرأة اللبنانية بنسبة لا تفوق الـ 10% في المجالس البلدية، أو بستة سيدات (أي ما نسبته 4،68%) في مجلس النواب. والأمر لا يختلف كثيراً في أغلبية البلدان العربية.
من هنا نرى أن الوجهة الصحيحة للحل تكمن في تطوير الحركة الشعبية والنقابية في لبنان من خلال تشكيل تنسيقية مكوّنة من المنظمات النسائية والنقابية والشبابية والثقافية والسياسية التي تستند إلى خلفية فكرية ديمقراطية علمانية طليعية. وقد بدأنا العمل في هذا الاتجاه من خلال نواة نقابية - شعبية اعتمدت برنامجاً للتغيير، من ضمنه شعار ضرورة مشاركة النساء اللبنانيات في مواقع صنع القرار السياسي. ويركز البرنامج المتفق عليه على مستويين إثنين:
- المستوى الأول، ويتعلّق باستعادة الدولة اللبنانية لصلاحياتها في إقرار القوانين وتنفيذها، بما يعني إلغاء قوانين الأحوال الشخصية الطائفية واستبدالها بقانون مدني موحد أساسه المساواة المعبّر عنها في المادة السابعة من الدستور، وتغيير كل ما جاء عكس ذلك في القوانين الوضعية التي تكرّس التمييز بين المرأة والرجل.
- المستوى الثاني، ويتعلّق بصياغة قانون جديد للانتخاب انطلاقاً من تطبيق الفقرة (ح)  من مقدمة الدستور (بحسب تعديلات العام 1990) التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية ومعها المادة22 التي تنص على انتخاب مجلس نواب "على أساس وطني لا طائفي واستحداث مجلس شيوخ تتمثّل فيه العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية".
بانتظار ذلك، نرى أن المرحلة الانتقالية لا بد وأن تعتمد على إصدار قانون مرحلي ومؤقت باعتماد الكوتا النسائية بنسبة لا تقل عن  ثلاثين في المئة داخل المجالس البلدية وفي المجلس النيابي، وذلك  للافساح في المجال أمام النساء كي ينتقلن إلى المناصفة التي هي الشكل الديمقراطي الوحيد لتمثيل كافة مكونات المجتمع.
في الختام، إسمحموا لي أن أتقدّم بالشكر من "نساء فيديرالية اليسار الديمقراطي"، ومن الرفيقة سعاد فريقش بوجه خاص على تنظيم هذا اللقاء الذي يرتدي أهمية استثنائية في السعي من أجل تبادل الخبرات بين النساء في العالم العربي، وربما تنسيق العمل المشترك للوصول إلى مجتمعات متطورة أساسها سيادة المساواة وتطوير مفهوم الديمقراطية.

ماري ناصيف - الدبس
بيروت في 27 حزيران/ يونيو 2026

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire