بين مناهضة الإمبريالية والرومانسية الأصلانية: قراءة في مقالة من بوليفيا إلى إيران: اليسار الأصلاني


طنوس شلهوب
أكاديمي

في مقالته «من بوليفيا إلى إيران: اليسار الأصلاني»، المنشورة في «الأخبار» (الخميس 18 حزيران)، يحاول محمد فضل الله تقديم قراءة نقدية لما يعتبره هيمنة فكرية وثقافية لليسار الغربي، ولا سيما الأميركي منه، على تجارب التحرّر والمقاومة في العالم. وينطلق الكاتب من مقارنة بين التجربة البوليفية في عهد إيفو موراليس والتجربة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية، ليخلص إلى وجود ما يسمّيه «اليسار الأصلاني»، أي ذلك اليسار الذي يستند إلى التراث والهوية الحضارية والثقافية للشعوب، في مواجهة يسار غربي يدّعي الكونية بينما يسعى، بحسب الكاتب، إلى فرض معاييره ومفاهيمه الخاصة على مختلف شعوب العالم. وفي هذا السياق يدافع فضل الله عن الثورة الإسلامية في إيران بوصفها تجربة ذات مضمون اجتماعي وعدالي، ويرى أن العداء الذي تبديه قطاعات واسعة من اليسار الغربي تجاهها ليس سوى تعبير عن مركزية ثقافية عاجزة عن فهم خصوصيات المجتمعات غير الغربية.

تتضمّن هذه المقاربة عناصر مهمة وجديرة بالنقاش، خصوصاً في ما يتعلق بنقد المركزية الغربية وبفضح بعض التناقضات التي وقع فيها جزء من اليسار الغربي المعاصر. فمن الصحيح أن كثيراً من المقاربات الغربية تنظر إلى تجارب الجنوب العالمي من موقع الوصاية الفكرية، وأن بعض التيارات اليسارية وقعت في فخّ إعادة إنتاج الخطاب الإمبريالي تحت عناوين ثقافية أو حقوقية. كما أن الكاتب مُحِقّ في رفض المساواة بين الإمبريالية الأميركية والقوى التي تتعرّض لعدوانها أو حصارها، وهي مساواة ظهرت بالفعل في بعض الأوساط اليسارية الغربية منذ الثورة الإيرانية وحتى اليوم.

غير أن المشكلة الأساسية في المقالة تبدأ من اللحظة التي تنتقل فيها من نقد المركزية الغربية إلى بناء بديل نظري يقوم على «الأصالة الحضارية» بوصفها أساساً للتحليل السياسي والاجتماعي. فبدلاً من إعادة الاعتبار للتحليل الطبقي المادي، الذي يشكّل جوهر المنهج المادي التاريخي العلمي، تستبدل المقالة الصراع الطبقي بصراع ثقافي بين «النخب الحواضرية» و«الأطراف المتمسّكة بتراثها». وهنا تصبح الهوية والتقاليد والرموز الثقافية عناصر تفسيرية أساسية، بينما تتراجع الطبقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج إلى موقع ثانوي أو تختفي بالكامل.

في الحالة البوليفية مثلاً، لا يجري تحليل الانقسام داخل حركة «ماس» انطلاقاً من المصالح الطبقية المختلفة أو من التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، بل يُفسَّر أساساً باعتباره صراعاً بين أنصار الهوية الأصلانية وأنصار الاندماج في الخطاب اليساري العالمي. وفي الحالة الإيرانية يصبح الدين والتراث والموروث الثقافي العناصر الحاسمة في فهم الثورة الإسلامية واستمرارها، فيما تغيب الأسئلة المتعلّقة بطبيعة الدولة والاقتصاد والطبقات الاجتماعية التي تشكّل قاعدتها المادية.

ومن هنا يبرز التناقض الرئيسي في المقالة. فهي تتهم اليسار الأميركي بالتجريد واللاتاريخية، لكنها تقع بدورها في شكل آخر من التجريد حين تستبدل التحليل المادي بتحليل ثقافوي. لكشف جوهر الصراع وتفكيك آلياته لا ينبغي الانطلاق من سؤال الهوية أولاً، بل من سؤال البنية الاقتصادية الاجتماعية. لا تسأل ما إذا كانت الأفكار مستمدّة من التراث أو من الحداثة، بل ما هي القوى الاجتماعية التي تنتجها وتحملها، وما هي المصالح الطبقية والاجتماعية التي تعبّر عنها.

ولهذا السبب يصعب التسليم بالاستنتاج الذي يطرحه الكاتب حول «يسارية» الثورة الإسلامية الإيرانية. فالمقالة تنتقل مباشرة من كون إيران تواجه الهيمنة الأميركية وتتبنّى خطاباً عن العدالة الاجتماعية إلى اعتبارها شكلاً من أشكال اليسار الأصلاني. غير أن مناهضة الإمبريالية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحديد الموقع الطبقي في الصراع بل يجب ربطها بالتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية وبكيفية توزيع الثروة لأي نظام سياسي. لقد دعمت الحركة الشيوعية عبر تاريخها العديد من حركات التحرر الوطني، لكنها لم تساوِ بين التحرّر الوطني والاشتراكية، لأن مهام التحرر الوطني تختلف جذرياً عن مهام بناء الاشتراكية.

ومن اللافت أن الكاتب يستشهد بالأدبيات الاقتصادية للسيد محمد باقر الصدر وبشعارات العدالة الاجتماعية في الثورة الإسلامية، لكنه لا يناقش طبيعة الاقتصاد الإيراني القائم فعلياً، ولا طبيعة الملكية السائدة فيه، ولا دور السوق، ولا مكانة الرأسمال الخاص، ولا حجم التفاوتات الاجتماعية، ولا طبيعة القوى الطبقية المسيطرة على الدولة، ولا يشرح أسباب وجود قوى وشرائح اجتماعية «إصلاحية» موالية للغرب ومندفعة لعقد الصفقات معه على نقيض التيار المتمثّل بحرس الثورة. فالتحليل العلمي لا يقوّم المجتمعات انطلاقاً من النصوص المؤسّسة أو النوايا الأخلاقية، بل انطلاقاً من الواقع المادي الملموس وعلاقات القوة السائدة فيها.

ويتجلّى هذا الميل المثالي بصورة أوضح حين يعتبر الكاتب أن نمط الحياة المتقشّف للإمام الخميني أو للسيد الخامنئي يمثّل دليلاً على يسارية التجربة الإيرانية. فهذه الحجة أقرب إلى الأخلاق السياسية منها إلى التحليل السياسي. فتقييم الأنظمة لا يكون على أساس فضائل الحكام الشخصية (مع أهميتها في عالم رأس المال حيث تطغى على نخبه السياسية الحاكمة كل الموبقات السلوكية)، بل على أساس البنى الاقتصادية والاجتماعية القائمة. ويمكن لحاكم زاهد ومتقشّف أن يقود نظاماً تنتشر فيه التفاوتات الطبقية، كما يمكن لحاكم يعيش حياة مترفة أن يرأس دولة ذات سياسات اجتماعية متقدّمة. المعيار هنا ليس أخلاق الأفراد بل طبيعة العلاقات الاجتماعية.

أمّا النقطة الأكثر إشكالية نظرياً في المقالة فتتمثّل في الهجوم على مفهومَي «العامل» و«الاقتصاد» بوصفهما مفاهيم تاريخية فقدت صلاحيتها. فالكاتب يذهب إلى حد القول إن علم الاقتصاد نفسه يستحيل أن يكون ماركسياً، وإن السوق تشكّل أساس هذا العلم بطريقة تجعل تجاوزه ضرورياً. غير أن هذا الطرح يبتعد كثيراً عن فهم الماركسية نفسها. فماركس لم يرفض الاقتصاد السياسي لأنه يتناول السوق، بل لأنه يحجب الطابع التاريخي والاجتماعي للعلاقات الاقتصادية ويحوّلها إلى قوانين طبيعية أزلية. وكتاب «رأس المال» بأكمله يقوم على نقد الاقتصاد السياسي من داخل ميدانه لا على إلغاء التفكير الاقتصادي أو استبداله بمقولات ثقافية وحضارية.

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الطبقة العاملة. فصحيح أن بنية الطبقات تغيّرت منذ القرن التاسع عشر، وأن أشكال العمل أصبحت أكثر تعقيداً، لكن ذلك لا يلغي وجود علاقات الاستغلال الرأسمالي. فالعامل ليس مجرّد عامل مصنع يرتدي لباساً أزرق ويعمل بيديه، بل كل من يضطر إلى بيع قوة عمله لأنه لا يملك وسائل الإنتاج. لذلك فإن التغيّرات التي شهدها العالم لا تبرّر إعلان نهاية الطبقات أو تجاوز مفاهيم الاقتصاد السياسي، بل تستدعي تطوير أدوات التحليل لفهم أشكال الاستغلال الجديدة.

وتحتاج مقاربة الكاتب لمسألة «النخب الحضرية» إلى قدر من التدقيق. فالمشكلة لا تكمن في المدينة بحدّ ذاتها، ولا في كون بعض النخب تعيش في المراكز الحضرية الكبرى، بل في التحوّلات الطبقية العميقة التي أحدثتها الرأسمالية النيوليبرالية خلال العقود الأخيرة. فالمقالة توحي أحياناً بأن صعود النخب الثقافية والإعلامية ذات الخطاب الكوزموبوليتي هو نتيجة خيارات فكرية أو هوياتية محضة، فيما تغيب عن التحليل الشروط المادية التي أنتجت هذه الظاهرة. ففي لبنان، على سبيل المثال، لم يكن تراجع حضور الطبقة العاملة المنظّمة نتيجة هيمنة خطاب ثقافي مستورد، بل جاء نتيجة عملية طويلة من إعادة هيكلة الاقتصاد وتفكيك القطاعات الإنتاجية لمصلحة الاقتصاد الريعي والخدماتي والمالي.

وقد أدّت السياسات النيوليبرالية التي قادها رفيق الحريري وترسّخت منذ التسعينيات إلى إضعاف مواقع العمل الصناعي والزراعي، وإلى تشتيت الكتل العمالية وإفقادها كثيراً من قدرتها التنظيمية، بالتوازي مع احتواء الحركة النقابية وإلحاق أجزاء واسعة منها بمنظومة السلطة الطائفية والزبائنية. ومن دون فهم هذه التحوّلات البنيوية يصعب تفسير أسباب تراجع الحضور السياسي للطبقة العاملة وصعود فئات جديدة من المثقفين و«الناشطين» والمنظمات غير الحكومية إلى واجهة المجال العام.

ومن هنا تبدو مقولة «النخب المَدينية» في حاجة إلى مزيد من التحديد الطبقي. وعلمياً، لا يمكن النظر إلى المدينة أو الريف بوصفهما فاعلين تاريخيين مستقلين، بل الأساس يتمثّل بالطبقات والقوى الاجتماعية التي تعمل داخل كل منهما. كما أن اختفاء الطبقة العاملة من المشهد السياسي لا يعني اختفاءها من الواقع الاجتماعي، بل قد يكون تعبيراً عن نجاح الرأسمالية المعولمة المعاصرة في تفكيك أدوات تنظيمها وتمثيلها. ولهذا فإن نقد الأوساط الثقافية المرتبطة بالمؤسسات الغربية أو بخطابات العولمة الليبرالية يبقى ناقصاً إذا لم يقترن بتحليل الآليات التي أدّت إلى تهميش التنظيمات النقابية والشعبية نفسها، والتي كانت تمثّل القاعدة المادية لليسار بمفهومه الشامل.

فالسؤال لا يقتصر على سبب عجز بعض الباحثين الغربيين عن رؤية العمال الحقيقيين، بل يتعداه إلى فهم الأسباب التاريخية التي جعلت العمال أقل حضوراً في المجال السياسي وأكثر عرضة للتشتت والتفكيك. وبذلك تنتقل المشكلة من كونها مجرد انحياز ثقافي لدى نخب حضرية إلى كونها نتيجة مباشرة لمسار طويل من إعادة إنتاج الهيمنة الرأسمالية على المجتمع، وهو ما يستدعي تحليلاً طبقياً أعمق مما تقدّمه الثنائية المبسّطة بين «الأطراف الأصيلة» و«النخب المَدينية».

كما أن دفاع الكاتب عن «الأصالة» يثير بدوره إشكالية معروفة. فالتراث ليس كتلة متجانسة، ولا يحمل بالضرورة مضموناً تحرّرياً. ففي كل تراث توجد عناصر تقدمية وأخرى محافظة أو رجعية (في الإسلام مثلاً، نجد تيارات مقاتلة في مواجهة المشروع الصهيوني، وتيارات تشكل الأدوات المحلية للهيمنة الصهيوإمبريالية)، وفي كل موروث نجد انعكاساً لصراعات اجتماعية وتاريخية متراكمة. لذلك لا يمكن تمجيد التراث أو رفضه بالمطلق، بل ينبغي إخضاعه للنقد التاريخي وفحص مضمونه الاجتماعي. أمّا تحويل الأصالة إلى قيمة سياسية قائمة بذاتها فيحمل خطر الانزلاق نحو الرومانسية الثقافية التي تستبدل تحليل الواقع الاجتماعي بالاحتفاء بالخصوصية الحضارية.

والمفارقة الكبرى أن المقالة التي تهاجم ما تعتبره «ثقافوية» اليسار الأميركي تنتهي إلى بناء ثقافوية مضادة. فبدلاً من الحديث عن العمال والفلاحين والرأسمال والدولة وعلاقات الإنتاج، يصبح النقاش حول الهوية والتراث والنخب الحضرية والأطراف. أي إن الطبقات تختفي لتحلّ محلها الثقافات والهويات. وهنا نكون أمام انتقال من خطاب بنيوي إلى خطاب حضاري، حتى لو استخدم بعض المفردات اليسارية.
إن الأزمة الحقيقية التي يواجهها اليسار المعاصر لا تكمن في الاختيار بين الكونية الغربية والأصالة الحضارية، ولا بين الأممية والتراث، بل في القدرة على إعادة وصل النضال ضد الهيمنة الإمبريالية بالنضال ضد الاستغلال الطبقي.

فمقاومة الإمبريالية شرط ضروري لأي مشروع تحرّري، لكنها ليست بديلاً عن تحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج اللامساواة داخل المجتمعات نفسها. ومن هنا تبدو الإشكالية الأساسية في مفهوم «اليسار الأصلاني» كما يطرحه محمد فضل الله: فهو ينجح في فضح حدود المركزية الغربية وبعض أشكال الوصاية الفكرية التي يمارسها جزء من اليسار الغربي، لكنه يفعل ذلك من خلال استبدال ثقافوية بأخرى، والانتقال من مركزية تدّعي الكونية إلى خصوصية حضارية تُمنح مكانة تفسيرية تكاد تكون مطلقة. وهكذا تتحوّل الهوية والتراث إلى فاعلين تاريخيين مستقلّين، فيما تتراجع الطبقات وعلاقات الإنتاج والبنى الاقتصادية إلى الخلفية.

والحال أن التراث نفسه ليس كتلة واحدة، ولا الأصالة قيمة سياسية قائمة بذاتها. ففي كل تراث تتعايش نزعات تحرّرية وأخرى محافظة، وتتجسّد داخله صراعات اجتماعية ومصالح متعارضة. لذلك لا يمكن بناء مشروع تحرّري على تمجيد الهوية أو الخصوصية الثقافية بحدّ ذاتهما، تماماً كما لا يمكن بناؤه على استنساخ نماذج غربية جاهزة. فالمطلوب ليس الاختيار بين الأصالة والأممية، بل فهم الكيفية التي تتفاعل بها الخصوصيات التاريخية والثقافية للشعوب مع الصراعات الطبقية الفعلية داخل مجتمعاتها.

وأخيراً، تظل مقالة فضل الله مهمة لأنها تفتح نقاشاً حول أزمة اليسار الغربي وعلاقته بالجنوب العالمي، لكنها لا تقدّم بديلاً نظرياً متماسكاً، بل تعيد صياغة خطاب مناهض للإمبريالية بلغة حضارية وثقافية. أمّا المهمة المطروحة أمام أي مشروع تحرّري جدّي، فهي تجاوز الثنائية بين الكونية الغربية والرومانسية «الأصلانية»، والعودة إلى تحليل المجتمع بوصفه ساحة صراع طبقي وتاريخي تتقاطع فيه الثقافة والدين والهوية مع الاقتصاد والسياسة والدولة، من دون أن تحلّ محلها أو تُختزل فيها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire