د. طنوس شلهوب
تعليقاً على اتفاق الاطار مع الكيان الصهيوني، يحاول بيان منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني (نص البيان ادناه) أن يتموضع في منتصف الطريق بين رفض اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي وبين تبني مقولات الدولة الليبرالية حول احتكارها الحصري للقوة. لكنه، في سعيه إلى هذا التوازن، ينتهي إلى تناقض سياسي ومنهجي واضح: فهو يدين نتائج الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بينما يدعو إلى سياسات تنسجم مع الشروط التي فرضت هذه الهيمنة أصلاً.
البيان يقر بأن الاتفاق وُلد في ظل اختلال فادح في موازين القوى، وأن الولايات المتحدة فرضت التزامات على لبنان فيما تتهرب إسرائيل من الانسحاب الكامل واحترام سيادة لبنان. لكنه، بدلاً من البحث في الأسباب المادية التي أوجدت هذا الاختلال، يختزل الأزمة في "تعدد مراكز القرار" وغياب احتكار الدولة للسلاح، وكأن المقاومة هي سبب ضعف الدولة، لا نتيجة مباشرة لعجزها التاريخي عن الدفاع عن الأرض والسيادة. فالمقاومة لم تنشأ رفضاً للدولة، بل لأن الدولة، بطبيعتها الطائفية والتابعة، أثبتت عجزها عن مواجهة الاحتلال وحماية اللبنانيين.
ويزداد هذا التناقض عندما يساوي البيان بين التبعية للولايات المتحدة والتبعية لإيران، متجاهلاً أنه لا يُنظر إلى العلاقات الدولية بمنطق أخلاقي مجرد، بل بمنطق التناقضات الموضوعية داخل النظام الإمبريالي العالمي. فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة ذات نفوذ، بل هي رأس المنظومة الإمبريالية التي ترعى المشروع الصهيوني وتفرض شروطها السياسية والاقتصادية على لبنان. أما إيران، مهما كانت سياساتها ومصالحها، فلا تحتل الموقع نفسه في النظام العالمي، ولا يمكن وضعها في كفة واحدة مع القوة الإمبريالية المهيمنة من دون تشويه مفهوم الإمبريالية ذاته،ناهيك عن مواجهتها للعدوان الاميركي بشجاعة ودعمها لحركات المقاومة، الا اذا نُظر الى هذا الدعم على انه تدخل في الشؤون الداخلية وفق المنطق اليميني.
ويتعامل البيان مع الدولة بوصفها كياناً محايداً يقف فوق المجتمع، فيكرر الدعوة إلى "استعادة الدولة" و"القرار الوطني المستقل"، من دون أن يطرح السؤال الجوهري: دولة من؟ ولصالح أي طبقة؟ فالدولة ليست مؤسسة تعلو فوق الصراع الاجتماعي، بل أداة تعكس ميزان القوى الطبقي. وإذا بقيت السلطة السياسية والاقتصادية بيد البرجوازية الريعية والكمبرادورية المرتبطة بالمصارف ورأس المال العالمي، فإن احتكارها للسلاح لن يكون تعبيراً عن السيادة الوطنية، بل عن احتكار طبقة تابعة لأدوات القوة.
والأكثر تناقضاً أن البيان يعترف باستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ثم يطالب عملياً بإزالة عنصر القوة الوحيد الذي فرض على إسرائيل في مراحل سابقة معادلات ردع لم تستطع الدولة اللبنانية فرضها. إنه لا يقدم أي إجابة عملية عن سؤال: من يدافع عن لبنان إذا استمر الاحتلال واستمرت الاعتداءات؟ فالدعوة إلى احتكار الدولة للسلاح، في ظل دولة عاجزة وموازين قوى مختلة، تتحول عملياً إلى مطالبة بتجريد لبنان من وسائل دفاعه قبل إزالة أسباب وجودها.
كما يرفع البيان شعار "الوحدة الوطنية" متجاهلاً أن المجتمع اللبناني ليس كتلة واحدة، بل مجتمع منقسم طبقياً وسياسياً، وأن القوى التي راكمت ثرواتها من الاقتصاد الريعي والتبعية للخارج ليست في الخندق نفسه مع العمال والكادحين والفئات الشعبية التي دفعت أثمان الحروب والانهيار الاقتصادي. لذلك تصبح الوحدة الوطنية، حين تُطرح خارج سياق الصراع الطبقي والارضية السياسية المشتركة، مجرد شعار
فضفاض يخفي التناقضات الحقيقية بدلاً من معالجتها.
أما حديث البيان عن العدالة الاجتماعية، فيبقى أقرب إلى الأمنيات منه إلى البرنامج السياسي، لأنه لا يتناول بنية الرأسمالية اللبنانية، ولا هيمنة المصارف، ولا الاقتصاد الريعي، ولا علاقات الإنتاج التي أنتجت الانهيار والتبعية. فالعدالة الاجتماعية ليست شعاراً أخلاقياً، بل مشروعاً لتغيير البنية الاقتصادية والطبقية، وهو ما يغيب بالكامل عن البيان.
لهذا كله، يبدو البيان أقرب إلى خطاب الديمقراطية البرجوازية منه إلى أي مقاربة يسارية، حتى لا نقول ماركسية، طالما الجماعة تخلوا عن تعريفهم لأنفسهم بالشيوعيين. فهو يدين الهيمنة الأمريكية لكنه لا يحلل الإمبريالية بوصفها نظاماً عالمياً، ويتحدث عن السيادة من دون تحليل طبيعة الدولة، ويطالب باحتكار الدولة للسلاح من دون أن يحدد أي دولة يريد، ويستبدل التحليل الطبقي بشعارات عامة عن الوحدة الوطنية والمواطنة والقانون الدولي. وهكذا ينتهي إلى مفارقة لافتة: يرفض نتائج المشروع الأمريكي، لكنه يتبنى كثيراً من مقدماته السياسية، فيتحول نقده للاتفاق إلى نقد ناقص يعجز عن تجاوز الإطار الفكري الذي أنتج الاتفاق نفسه.
**
أصدر المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني البيان الآتي نصه في ضوء توقيع اتفاق الاطار اللبناني ـ الإسرائيلي:
تتابع منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني باهتمام بالغ النقاش الدائر حول اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، انطلاقاً من إدراكها أن هذه الوثيقة لا تمثل الاتفاق النهائي بين الطرفين، بل تشكل الإطار الناظم لمسار المفاوضات المقبلة، وما قد يترتب عليها من تفاهمات واستحقاقات سياسية وأمنية ستكون بمنتهى الخطورة على مستقبل لبنان وخياراته الوطنية وعلاقاته العربية والأممية خلال السنوات القادمة، خاصة لجهة إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل والخروج على مبادرة السلام العربية، وتجاهل مصير القضية الفلسطينية، وتفخيخ العلاقات اللبنانية السورية وإعادة تعريف وظيفة الجيش اللبناني، وإدخال لبنان في ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة. وربط الاقتصاد اللبناني وإعادة الاعمار بالدعم الدولي المشروط.
ولذلك ترى المنظمة أن التعامل مع هذا الاتفاق يتطلب أولاً، التخلي عن السجالات العبثية، وعن لغة التخوين والانتصارات الوهمية والمزايدات الرخيصة على حد سواء، لأن ما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز تسجيل المواقف المبدئية إلى مسؤولية حماية مصالحه الوطنية في مرحلة مفصلية من تاريخه.
ترى المنظمة أن اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، والانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز القرار، والرهانات المتناقضة على الخارج، قد ساهم في إضعاف الموقف الوطني الموحد، وفي تراجع قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض انطلاقاً من مصالحها السيادية العليا وانتج اتفاقاً بالغ الخطورة. يؤكد ذلك الالتزمات التي فرضت على لبنان بقرار اميركي، وما تتهرب منه اسرائيل خاصة على صعيد الانسحاب الكامل من المناطق المحتلة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم يتمثل في تحصين الموقع اللبناني عبر إعادة بناء الوحدة الوطنية حول الدولة ومؤسساتها، واستعادة استقلالية القرار الوطني، وإنهاء كل أشكال الارتهان والتبعية، أياً كان مصدرها، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية أو إلى ورقة في مشاريع الآخرين.
وتؤكد المنظمة أن بناء الدولة الوطنية يقتضي أن تكون وحدها صاحبة الحق في احتكار استخدام القوة وقرار الحرب والسلم، باعتبار ذلك ركناً أساسياً من أركان السيادة. وهي ترى أن هذه السيادة لا يمكن أن تُستعاد عبر أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية، أو من خلال إخضاع القرار اللبناني لإملاءات القوى الدولية أو الإقليمية. علماً أن أية مفاوضات مهما كانت طبيعتها، لا يمكن أن تستقيم مع استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وانتهاك السيادة اللبنانية.
إن منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني تدعو جميع اللبنانيين إلى التعاطي مع هذه المرحلة بعقل وطني مسؤول، يضع المصلحة الوطنية فوق الانقسامات والتبعية لكل من الولايات المتحدة وايران، وتعتبر أن استعادة الدولة، وتحرير القرار الوطني، وبناء نظام ديمقراطي مدني قائم على المواطنة والعدالة الاجتماعية، هي الشروط الضرورية لتمكين لبنان من مواجهة الاستحقاقات المقبلة، وصون حقوقه وسيادته، والدفاع عن مستقبله الحر والمستقل.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة ليس اطار التفاوض بحد ذاته، وإنما دخول مساراته في ظل غياب وحدة قراره الوطني والعجز عن التعبير عن مصالح دولته وشعبه، بفعل احتدام الانقسام الداخلي والتلويح بالحرب الاهلية على رافعة رفض تسليم أو نزع السلاح. والأخطر في هكذا مفاوضات أنها تكرس اختلال موازين القوى على النحو الذي يمكن اسرائيل من فرض شروط سياسية وأمنية والنيل من السيادة الوطنية وتحوّل الاتفاق إلى أداة للإخضاع، بدلاً من أن يكون مدخلاً لاستقرار عادل ومستدام.
إن الضمانة الفعلية في إية مفاوضات ممكنة لإنقاذ لبنان وحمايته يكمن في استعادة الدولة لدورها وسيادتها، وتوحيد الإرادة الوطنية، وتحرير القرار اللبناني من جميع أشكال التبعية والوصاية، بالتوازي مع التمسك الكامل بحق لبنان في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية والدفاع عن سيادته وحقوقه الوطنية، وفق أحكام القانون الدولي.
بيروت 29 حزيران 2026
المكتب التنفيذي لمنظمة العمل
اليساري الديمقراطي العلماني
تعليقاً على اتفاق الاطار مع الكيان الصهيوني، يحاول بيان منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني (نص البيان ادناه) أن يتموضع في منتصف الطريق بين رفض اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي وبين تبني مقولات الدولة الليبرالية حول احتكارها الحصري للقوة. لكنه، في سعيه إلى هذا التوازن، ينتهي إلى تناقض سياسي ومنهجي واضح: فهو يدين نتائج الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، بينما يدعو إلى سياسات تنسجم مع الشروط التي فرضت هذه الهيمنة أصلاً.
البيان يقر بأن الاتفاق وُلد في ظل اختلال فادح في موازين القوى، وأن الولايات المتحدة فرضت التزامات على لبنان فيما تتهرب إسرائيل من الانسحاب الكامل واحترام سيادة لبنان. لكنه، بدلاً من البحث في الأسباب المادية التي أوجدت هذا الاختلال، يختزل الأزمة في "تعدد مراكز القرار" وغياب احتكار الدولة للسلاح، وكأن المقاومة هي سبب ضعف الدولة، لا نتيجة مباشرة لعجزها التاريخي عن الدفاع عن الأرض والسيادة. فالمقاومة لم تنشأ رفضاً للدولة، بل لأن الدولة، بطبيعتها الطائفية والتابعة، أثبتت عجزها عن مواجهة الاحتلال وحماية اللبنانيين.
ويزداد هذا التناقض عندما يساوي البيان بين التبعية للولايات المتحدة والتبعية لإيران، متجاهلاً أنه لا يُنظر إلى العلاقات الدولية بمنطق أخلاقي مجرد، بل بمنطق التناقضات الموضوعية داخل النظام الإمبريالي العالمي. فالولايات المتحدة ليست مجرد دولة ذات نفوذ، بل هي رأس المنظومة الإمبريالية التي ترعى المشروع الصهيوني وتفرض شروطها السياسية والاقتصادية على لبنان. أما إيران، مهما كانت سياساتها ومصالحها، فلا تحتل الموقع نفسه في النظام العالمي، ولا يمكن وضعها في كفة واحدة مع القوة الإمبريالية المهيمنة من دون تشويه مفهوم الإمبريالية ذاته،ناهيك عن مواجهتها للعدوان الاميركي بشجاعة ودعمها لحركات المقاومة، الا اذا نُظر الى هذا الدعم على انه تدخل في الشؤون الداخلية وفق المنطق اليميني.
ويتعامل البيان مع الدولة بوصفها كياناً محايداً يقف فوق المجتمع، فيكرر الدعوة إلى "استعادة الدولة" و"القرار الوطني المستقل"، من دون أن يطرح السؤال الجوهري: دولة من؟ ولصالح أي طبقة؟ فالدولة ليست مؤسسة تعلو فوق الصراع الاجتماعي، بل أداة تعكس ميزان القوى الطبقي. وإذا بقيت السلطة السياسية والاقتصادية بيد البرجوازية الريعية والكمبرادورية المرتبطة بالمصارف ورأس المال العالمي، فإن احتكارها للسلاح لن يكون تعبيراً عن السيادة الوطنية، بل عن احتكار طبقة تابعة لأدوات القوة.
والأكثر تناقضاً أن البيان يعترف باستمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ثم يطالب عملياً بإزالة عنصر القوة الوحيد الذي فرض على إسرائيل في مراحل سابقة معادلات ردع لم تستطع الدولة اللبنانية فرضها. إنه لا يقدم أي إجابة عملية عن سؤال: من يدافع عن لبنان إذا استمر الاحتلال واستمرت الاعتداءات؟ فالدعوة إلى احتكار الدولة للسلاح، في ظل دولة عاجزة وموازين قوى مختلة، تتحول عملياً إلى مطالبة بتجريد لبنان من وسائل دفاعه قبل إزالة أسباب وجودها.
كما يرفع البيان شعار "الوحدة الوطنية" متجاهلاً أن المجتمع اللبناني ليس كتلة واحدة، بل مجتمع منقسم طبقياً وسياسياً، وأن القوى التي راكمت ثرواتها من الاقتصاد الريعي والتبعية للخارج ليست في الخندق نفسه مع العمال والكادحين والفئات الشعبية التي دفعت أثمان الحروب والانهيار الاقتصادي. لذلك تصبح الوحدة الوطنية، حين تُطرح خارج سياق الصراع الطبقي والارضية السياسية المشتركة، مجرد شعار
فضفاض يخفي التناقضات الحقيقية بدلاً من معالجتها.
أما حديث البيان عن العدالة الاجتماعية، فيبقى أقرب إلى الأمنيات منه إلى البرنامج السياسي، لأنه لا يتناول بنية الرأسمالية اللبنانية، ولا هيمنة المصارف، ولا الاقتصاد الريعي، ولا علاقات الإنتاج التي أنتجت الانهيار والتبعية. فالعدالة الاجتماعية ليست شعاراً أخلاقياً، بل مشروعاً لتغيير البنية الاقتصادية والطبقية، وهو ما يغيب بالكامل عن البيان.
لهذا كله، يبدو البيان أقرب إلى خطاب الديمقراطية البرجوازية منه إلى أي مقاربة يسارية، حتى لا نقول ماركسية، طالما الجماعة تخلوا عن تعريفهم لأنفسهم بالشيوعيين. فهو يدين الهيمنة الأمريكية لكنه لا يحلل الإمبريالية بوصفها نظاماً عالمياً، ويتحدث عن السيادة من دون تحليل طبيعة الدولة، ويطالب باحتكار الدولة للسلاح من دون أن يحدد أي دولة يريد، ويستبدل التحليل الطبقي بشعارات عامة عن الوحدة الوطنية والمواطنة والقانون الدولي. وهكذا ينتهي إلى مفارقة لافتة: يرفض نتائج المشروع الأمريكي، لكنه يتبنى كثيراً من مقدماته السياسية، فيتحول نقده للاتفاق إلى نقد ناقص يعجز عن تجاوز الإطار الفكري الذي أنتج الاتفاق نفسه.
**
أصدر المكتب التنفيذي لمنظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني البيان الآتي نصه في ضوء توقيع اتفاق الاطار اللبناني ـ الإسرائيلي:
تتابع منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني باهتمام بالغ النقاش الدائر حول اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، انطلاقاً من إدراكها أن هذه الوثيقة لا تمثل الاتفاق النهائي بين الطرفين، بل تشكل الإطار الناظم لمسار المفاوضات المقبلة، وما قد يترتب عليها من تفاهمات واستحقاقات سياسية وأمنية ستكون بمنتهى الخطورة على مستقبل لبنان وخياراته الوطنية وعلاقاته العربية والأممية خلال السنوات القادمة، خاصة لجهة إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل والخروج على مبادرة السلام العربية، وتجاهل مصير القضية الفلسطينية، وتفخيخ العلاقات اللبنانية السورية وإعادة تعريف وظيفة الجيش اللبناني، وإدخال لبنان في ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة. وربط الاقتصاد اللبناني وإعادة الاعمار بالدعم الدولي المشروط.
ولذلك ترى المنظمة أن التعامل مع هذا الاتفاق يتطلب أولاً، التخلي عن السجالات العبثية، وعن لغة التخوين والانتصارات الوهمية والمزايدات الرخيصة على حد سواء، لأن ما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز تسجيل المواقف المبدئية إلى مسؤولية حماية مصالحه الوطنية في مرحلة مفصلية من تاريخه.
ترى المنظمة أن اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، والانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز القرار، والرهانات المتناقضة على الخارج، قد ساهم في إضعاف الموقف الوطني الموحد، وفي تراجع قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض انطلاقاً من مصالحها السيادية العليا وانتج اتفاقاً بالغ الخطورة. يؤكد ذلك الالتزمات التي فرضت على لبنان بقرار اميركي، وما تتهرب منه اسرائيل خاصة على صعيد الانسحاب الكامل من المناطق المحتلة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم يتمثل في تحصين الموقع اللبناني عبر إعادة بناء الوحدة الوطنية حول الدولة ومؤسساتها، واستعادة استقلالية القرار الوطني، وإنهاء كل أشكال الارتهان والتبعية، أياً كان مصدرها، ورفض تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية أو إلى ورقة في مشاريع الآخرين.
وتؤكد المنظمة أن بناء الدولة الوطنية يقتضي أن تكون وحدها صاحبة الحق في احتكار استخدام القوة وقرار الحرب والسلم، باعتبار ذلك ركناً أساسياً من أركان السيادة. وهي ترى أن هذه السيادة لا يمكن أن تُستعاد عبر أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية، أو من خلال إخضاع القرار اللبناني لإملاءات القوى الدولية أو الإقليمية. علماً أن أية مفاوضات مهما كانت طبيعتها، لا يمكن أن تستقيم مع استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وانتهاك السيادة اللبنانية.
إن منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني تدعو جميع اللبنانيين إلى التعاطي مع هذه المرحلة بعقل وطني مسؤول، يضع المصلحة الوطنية فوق الانقسامات والتبعية لكل من الولايات المتحدة وايران، وتعتبر أن استعادة الدولة، وتحرير القرار الوطني، وبناء نظام ديمقراطي مدني قائم على المواطنة والعدالة الاجتماعية، هي الشروط الضرورية لتمكين لبنان من مواجهة الاستحقاقات المقبلة، وصون حقوقه وسيادته، والدفاع عن مستقبله الحر والمستقل.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة ليس اطار التفاوض بحد ذاته، وإنما دخول مساراته في ظل غياب وحدة قراره الوطني والعجز عن التعبير عن مصالح دولته وشعبه، بفعل احتدام الانقسام الداخلي والتلويح بالحرب الاهلية على رافعة رفض تسليم أو نزع السلاح. والأخطر في هكذا مفاوضات أنها تكرس اختلال موازين القوى على النحو الذي يمكن اسرائيل من فرض شروط سياسية وأمنية والنيل من السيادة الوطنية وتحوّل الاتفاق إلى أداة للإخضاع، بدلاً من أن يكون مدخلاً لاستقرار عادل ومستدام.
إن الضمانة الفعلية في إية مفاوضات ممكنة لإنقاذ لبنان وحمايته يكمن في استعادة الدولة لدورها وسيادتها، وتوحيد الإرادة الوطنية، وتحرير القرار اللبناني من جميع أشكال التبعية والوصاية، بالتوازي مع التمسك الكامل بحق لبنان في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية والدفاع عن سيادته وحقوقه الوطنية، وفق أحكام القانون الدولي.
بيروت 29 حزيران 2026
المكتب التنفيذي لمنظمة العمل
اليساري الديمقراطي العلماني
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire