الدين: من أفيون الشعوب إلى ثقافة المقاومة

 


د. طنوس شلهوب

يُعد الدين أحد أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا وإثارة للجدل. فمنذ أن كتب ماركس عبارته الشهيرة:"إن البؤس الديني هو، في الوقت نفسه، تعبير عن البؤس الواقعي واحتجاج على البؤس الواقعي. إن الدين زفرة المخلوق المقهور، وقلب عالم بلا قلب، وروح أوضاع بلا روح. إنه أفيون الشعوب."
"إن إلغاء الدين بوصفه السعادة الوهمية للشعب هو المطالبة بسعادته الحقيقية. وإن المطالبة بالتخلي عن الأوهام المتعلقة بوضعه هي المطالبة بالتخلي عن وضع يحتاج إلى الأوهام."، انقسمت القراءات بين من رأى فيها إدانة مطلقة للدين، ومن أدرك أن ماركس كان يحلل وظيفة اجتماعية تاريخية، لا يصدر حكما ميتافيزيقيا على الإيمان ذاته. فكثيرا ما تُقتطع عبارة "أفيون الشعوب" من سياقها، بينما يسبقها اعتراف بأن الدين هو أيضًا تعبير عن معاناة الإنسان واحتجاجه على عالم فاقد للعدالة والرحمة. ولذلك كان نقد ماركس موجَّها أساساً إلى الدين عندما يتحول إلى تعويض وهمي عن العدالة المفقودة، فيخفف آلام المظلومين دون أن يزيل أسباب ظلمهم.
غير أن القراءة الجدلية لتاريخ الأديان تكشف أن وظيفتها الاجتماعية ليست ثابتة ولا أحادية، بل تتغير بتغير الظروف التاريخية والصراعات الاجتماعية. فالدين ليس جوهرا رجعيا ولا جوهرا ثوريا، وإنما حقل للصراع تتنازع عليه قوى اجتماعية متعارضة، فتستخرج منه، كل بحسب موقعها ومصالحها، ما يخدم مشروعها.
وتقدم المسيحية مثالًا على هذا التناقض. فقد لعبت الكنيسة في العصور الوسطى دورا اساسياً في إضفاء الشرعية على النظام الإقطاعي، والدفاع عن الامتيازات الطبقية، وقمع كثير من الحركات الفكرية والعلمية، (محاكم التفتيش)، فغدت المؤسسة الدينية، في تلك المرحلة، جزءًا من البنية السياسية والاجتماعية الرجعية. لكن المسيحية نفسها شهدت، بعد قرون، ظهور لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، الذي أعاد قراءة الإنجيل من موقع الفقراء والمضطهدين، ورأى في رسالة المسيح دعوة إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، لا إلى التكيف معه. ولم يتردد عدد من مفكريه ورجال دينه في الاستفادة من أدوات التحليل الماركسي لفهم آليات إنتاج الفقر والتبعية في مواجهة الهيمنة الاميركية، مع الحفاظ على المرجعية المسيحية. وهكذا تحولت النصوص نفسها، التي استُخدمت يوما لتبرير النظام القائم، إلى مصدر لإلهام النضال ضد الديكتاتوريات والهيمنة والاستغلال.
والأمر نفسه ينطبق على التجربة الإسلامية. فمن الخطأ التعامل مع الإسلام أو مع ما يسمى بالإسلام السياسي بوصفه كتلة واحدة متجانسة. فثمة قراءات دينية وظفت الإسلام لتبرير الاستبداد أو لإنتاج حركات تكفيرية مارست عنفا دمويا ضد المجتمعات، كما فعلت التنظيمات الداعشية وسواها من التيارات المتطرفة. وهناك أيضا حركات ذات مشاريع سياسية مختلفة، تتباين في رؤيتها للدولة والمجتمع وعلاقتها بالديمقراطية والعمل السياسي. وفي المقابل، برزت تجارب جعلت مقاومة الاحتلال والدفاع عن السيادة الوطنية محورا أساسيا لمشروعها، واستلهمت من التراث الإسلامي قيم التضحية والصمود في مواجهة العدوان. وهذه التعددية تؤكد أن المرجعية الدينية الواحدة لا تنتج بالضرورة وظيفة سياسية واحدة.
ولعل ثقافة عاشوراء تمثل أحد أبرز النماذج على تحول الموروث الديني إلى طاقة تعبئة اجتماعية. فواقعة كربلاء لم تبق حدثا تاريخيا يُستعاد بالبكاء على الماضي، بل أصبحت، في إحدى قراءاتها، رمزا دائما لمواجهة الظلم والانحياز إلى المقهورين. وتحول الإمام الحسين إلى نموذج أخلاقي يجسد رفض الطغيان والاستعداد للتضحية دفاعًا عن الكرامة والعدالة، الأمر الذي جعل عاشوراء، في تجارب عديدة، مصدرا للإلهام في مقاومة الاحتلال والاستبداد.
وتكشف هذه النماذج أن الدين قد يؤدي وظيفتين متناقضتين. فقد يصبح "أفيونا" حين يُطلب من المظلومين القبول بواقعهم وانتظار العدالة في العالم الآخر، وحين يُستخدم لتبرير امتيازات الطبقات الحاكمة أو شرعنة الاستبداد. لكنه قد يتحول أيضا إلى قوة تاريخية تدفع الناس إلى مقاومة الظلم، عندما تُستخرج من تراثه قيم التحرر والعدالة والكرامة، وتُربط بالفعل الاجتماعي والسياسي.
وهذا لا يناقض تحليل ماركس، بل يدعو إلى قراءته قراءة أكثر تاريخية وجدلية. فالماركسية لا تنظر إلى الأفكار بوصفها كيانات ثابتة خارج الزمن، بل باعتبارها جزءًا من البنية الفوقية التي تتأثر بالصراع الاجتماعي وتؤثر فيه. وإذا كانت الطبقات المسيطرة تستطيع أن توظف الدين لحماية مصالحها، فإن الطبقات المقهورة قادرة أيضا على إعادة تأويله وتحويله إلى لغة للاحتجاج والمقاومة. ومن هنا فإن الوظيفة الاجتماعية للدين لا تتحدد بمضمونه العقائدي المجرد، بل بالموقع الطبقي والسياسي للقوى التي تفسره وتتبناه.
إن السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل الدين رجعي أم ثوري؟ ولا: هل ماركس كان مع الدين أم ضده؟ بل: أي قراءة للدين تسود في لحظة تاريخية معينة؟ ومن يخوض معركة التأويل؟ ولصالح أي مشروع اجتماعي وسياسي؟ فالتاريخ لا يقدم دينا واحدا بوجه واحد، بل يقدم صراعا دائما بين تأويلات متعارضة، بعضها يجعل الدين أداة لتكريس الهيمنة، وبعضها يحوله إلى مصدر للطاقة الأخلاقية والثقافية التي تستنهض الشعوب في مواجهة الظلم والاحتلال والاستغلال.
وبهذا المعنى، لا يغدو الدين خارج التاريخ، بل يصبح جزءًا من التاريخ نفسه؛ ساحة للصراع مثل غيره من أشكال الوعي الإنساني، وقوة يمكن أن توظف في خدمة المحافظة على النظام القائم، كما يمكن أن تتحول، في ظروف أخرى، إلى أحد روافد التغيير والتحرر. وهذا هو الدرس الذي تكشفه المقارنة بين الكنيسة الإقطاعية ولاهوت التحرير، وبين القراءات التكفيرية للإسلام والقراءات التي جعلت من كربلاء وثقافة المقاومة منبعا للنضال من أجل الكرامة والعدالة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire