د. طنوس شلهوب
ثمة نموذج خاص من "اليساري" يستحق التأمل: نموذج "اليساري التائب"، لا بوصفه صاحب مراجعة فكرية، بل بوصفه صاحب قطيعة عاطفية مع ذاته السابقة.
في هذا النموذج لا يعود الماضي مجرد مرحلة تم تجاوزها، بل يتحول إلى عبء يجب التخلص منه. لذلك لا يكتفي صاحبه بمراجعة أفكاره، بل يشعر بحاجة دائمة إلى البرهنة على أنه أصبح شخصاً آخر. وكثيرا ما تكون المبالغة في الهجوم على الماضي انعكاساً لعدم القدرة على التصالح معه.
ومن المثير للاهتمام أن هذا التحول لا يظهر عادةً في صورة دفاع مباشر عن الرأسمالية أو الإمبريالية أو الهيمنة الغربية. فالخطاب الجديد يحتاج إلى شرعية أخلاقية. لذلك يختبئ خلف مفردات تبدو نبيلة في ظاهرها: الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، التعددية، مكافحة الاستبداد.
فتجد شيوعياً سابقاً يتحدث اليوم وكأن الديمقراطية الليبرالية في صورتها الرأسمالية القائمة هي نهاية التاريخ وأفق البشرية الأخير، متناسياً أن النقد اليساري التقليدي لم يكن موجّها ضد الديمقراطية الشعبية (مجالس السوفيات، مثلاً)، بل ضد "الديمقراطية" البرجوازية، التي يكمن جوهرها في احكام هيمنتها (ممارسة دكتاتوريتها) كطبقة سائدة، تعيد انتاج سلطتها عبر آليات انتخابية تعمل داخل منظومة تحكمها سلطة المال والشركات الكبرى. فجأة يصبح النظام الذي كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره نظاما للهيمنة الطبقية النموذجَ الأعلى للحرية الإنسانية.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح حين يتعلق الأمر بالمقاومة. فباسم التقدمية والعلمانية، يعمد بعض "اليساريين" السابقين والحاليين إلى إقامة مقارنة ميكانيكية بين تجربة جمول والمقاومة الاسلامية بعيداً عن التحولات التي شهدها الصراع في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وكأن التناقض الأساسي بين الاحتلال والتحرر الوطني يمكن محوه لمجرد أن المقاومة تتبنى خطاباً دينياً أو مرجعية ثقافية لا تنسجم مع التصورات اليسارية التقليدية او الكلاسيكية.
هنا تُستخدم العلمانية لتغليب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيسي. ويصبح الانتماء الديني للمقاومة أهم من طبيعة الصراع نفسه. فلا يعود السؤال: ما هي طبيعة المشروع الصهيوني ومن يحتل ومن يقاوم؟ من يفرض الحصار ومن يدفع ثمنه؟ بل يصبح: هل تتطابق المقاومة مع النموذج الأيديولوجي الذي نفضله أم لا؟
في مثل هذه الحالات لا يكون النقد موجّهاً إلى ممارسات أو أخطاء محددة، بل إلى فكرة المقاومة ذاتها. ولأن مهاجمة هذه الفكرة بصورة مباشرة قد تكون صعبة أخلاقياً وسياسياً، يجري الالتفاف عليها عبر اختزال الصراع كله في الجانب الثقافي أو الديني.
لذلك يبدو أحيانا أن بعض اليساريين التائبين لا يحاكمون التجارب السياسية بقدر ما يحاكمون أشباح ماضيهم. فكل ما يذكّرهم بالالتزام القديم، أو بفكرة التحرر، أو بإمكانية تغيير العالم خارج الأطر التي يقرها النظام القائم، يصبح موضع ريبة وعداء. وهكذا تتحول التوبة الفكرية إلى عملية مستمرة من نفي الذات السابقة، لا إلى مراجعة نقدية هادئة لها.
إن المشكلة ليست في تغيير الأفكار، فذلك حق طبيعي وضروري أحيانا. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى ثأر، والمراجعة إلى قطيعة وجودية، ويصبح الهدف إثبات البراءة من الماضي أكثر من فهمه. عندها تتبدل الرايات والشعارات، لكن الحاجة النفسية إلى اليقين المطلق تبقى كما هي؛ ينتقل صاحبها من عقيدة إلى أخرى، فيما يظل البناء النفسي العميق على حاله. في هذا النموذج لا يعود الماضي مجرد مرحلة تم تجاوزها، بل يتحول إلى جرح مفتوح. فالإنسان الذي استثمر جزءا من هويته في قضية كبرى، ثم انهارت تلك القضية أو هُزمت أو خذلته، لا يخرج منها دائما هادئاً. أحياناً يخرج منها محمّلًا بالغضب، لا على الفكرة وحدها، بل على نفسه التي آمنت بها يوما.
هنا تبدأ آلية نفسية معروفة: فبدل أن يتصالح الفرد مع تاريخه، يسعى إلى محاكمته. وبدل أن ينقد تصوراته السابقة عن الواقع، يعمل على إعدامها رمزياً. يصبح الماضي خصماً يجب سحقه لا فهمه. لذلك لا يكتفي اليساري التائب بمغادرة اليسار؛ إنه يحتاج باستمرار إلى إعلان هذه المغادرة، وإلى إعادة تمثيلها أمام الجمهور، كأن التوبة فعل لا يكتمل أبداً.
كل ظهور لبقايا ذلك الماضي في وجدانه يوقظ القلق من جديد: تعاطف مع المظلومين، غضب من الاستغلال، حنين إلى فكرة العدالة الاجتماعية، أو إحساس بأن التوحش الرأسمالي يهيمن على كل شيء. عندها يعود إلى الخطاب اليميني بجرعات أكبر، ليس لإقناع الآخرين فقط، بل لإقناع نفسه أولًا.
من هنا يمكن فهم المبالغة التي يظهرها بعض اليساريين السابقين في الدفاع عن النقيض الكامل لما آمنوا به يوما. فالتشدد الجديد لا يعكس دائمًا قوة الاقتناع، بل قد يعكس عمق الصراع. وكلما كانت القناعة القديمة جزءاً أساسياً من الهوية، ازداد العنف الرمزي الموجّه ضدها بعد الانفصال عنها.
إنهم لا يحاربون اليسار القائم أمامهم بقدر ما يحاربون اليسار الذي ما زال يعيش في ذاكرتهم. ولذلك تبدو معاركهم أحيانا شخصية أكثر منها فكرية، وانفعالية أكثر منها نظرية. فخصمهم الحقيقي ليس خصماً خارجياً، بل شبح الذات القديمة الذي يرفض أن يموت.
لعل تفكك الاتحاد السوفياتي لم يكشف فقط أن المشروع الاشتراكي هو مشروع سياسي يرتبط نجاحه واستمراره بالنجاح في ادارة نموذج اقتصادي يقوم على الابداع والإنتاجية العالية والتوزيع العادل للثروة، وأن الفشل في ادارة هذا المشروع، او عدم القدرة على مواجهة الوحش الإمبريالي، لا يعنيان فشل الفكرة والمشروع، بل كشف أيضا هشاشة العلاقة التي يقيمها هؤلاء مع أفكارهم. فمن يتعامل مع الفكرة كهوية مطلقة ينتقل منها إلى نقيضها بالطريقة نفسها: بالإيمان المطلق ذاته، وبالحماسة نفسها، وبالحاجة نفسها إلى اليقين. تتبدل الراية، لكن البنية النفسية التي تحملها تبقى على حالها.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة السياسية والمادية التي رافقتها. فمع انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الحركات الشيوعية والعمالية واليسارية عالمياً، لم تتغير الأفكار وحدها، بل تغيرت أيضا شبكات التمويل والتأثير وصناعة النخب. ففي العديد من البلدان (بلدان المعسكر الاشتراكي السابق وبلدان الجنوب العالمي) برزت المنظمات غير الحكومية الممولة من مؤسسات غربية أو إقليمية كعنصر شديد النفوذ والفاعلية، كما برزت مشاريع سياسية واقتصادية امتلكت موارد مالية وإعلامية ضخمة، فاستقطبت أعدادا من الشباب والمثقفين والكوادر الذين كانت تجاربهم قد تشكلت داخل أحزاب وحركات يسارية أو قومية.
وفي الحالة اللبنانية تحديداُ، ارتبط صعود المشروع الذي قاده رفيق الحريري بإعادة تشكيل واسعة للنخب السياسية والثقافية والإعلامية. ولم يكن الأمر مجرد انتقال أفراد من موقع فكري إلى آخر، بل انتقال جزء من الكوادر التي نشأت في بيئات يسارية أو وطنية إلى فضاء سياسي جديد فرض أولوياته ولغته ومفاهيمه الخاصة. وهكذا تداخلت المراجعات الفكرية الحقيقية مع اعتبارات الموقع الاجتماعي والمهني والتمويل والعلاقات السياسية، بحيث أصبح من الصعب أحيانا الفصل بين التحول الفكري الخالص وبين التحولات التي فرضتها موازين القوى الجديدة. كما ان الهوية الطبقية البرجوازية الصغيرة للعدد الاكبر من قادة وكادر اليسار، وخصوصاً الشيوعي، كان لها الدور القوي في هذا التحول.
فالأفكار لا تتحرك في الفراغ. والمثقف، مهما حاول أن يقدم نفسه بوصفه كائناً مستقلًا عن شروطه المادية، يبقى جزءاً من شبكة مصالح ومؤسسات وعلاقات تؤثر في خياراته وحدود خطابه. لذلك فإن بعض التحولات التي قُدمت بوصفها انتصارات فكرية للديمقراطية الليبرالية قد تُقرأ أيضا بوصفها تعبيراً عن صعود منظومة سياسية وثقافية جديدة امتلكت من أدوات النفوذ ما لم يكن متاحاً لخصومها، اولئك الذين رفضوا خيانة مبادئهم وقناعاتهم.
لكن القضية في النهاية ليست قضية أفراد، ولا هي محاكمة لسير ذاتية أو خيارات شخصية. فالأفكار لا تُقاس بأسماء من اعتنقوها أو تخلوا عنها، بل بقدرتها على تفسير الواقع والمساهمة في تغييره. والتاريخ لم يثبت يوماً خطأ فكرة لأن خصومها انتصروا في لحظة معينة من موازين القوى، وبعض انصارها ارتدوا عنها.
لقد شهد القرن العشرون انهيار تجارب كبرى وانكسار أحلام هائلة، لكنه شهد أيضاً سقوط "يقينيات" أخرى كانت تبدو ثابتة. ولذلك فإن السؤال الجوهري ليس لماذا غادر بعض اليساريين اليسار، بل ماذا بقي من الأسئلة التي طرحها اليسار على العالم: سؤال العدالة الاجتماعية، وسؤال الاستغلال، وسؤال الهيمنة الإمبريالية، وسؤال التحرر الوطني، وسؤال الكرامة الإنسانية في مواجهة سلطة رأس المال والقوة.
هذه الأسئلة لم تسقط بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تختفِ مع تحولات بعض المثقفين والنخب. بل لعل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم، واتساع الفوارق الاجتماعية، واستمرار الحروب والاحتلالات وأشكال الهيمنة الجديدة، والتغول الحالي للامبريالية الاميركية والكيان الصهيوني الغاصب، تؤكد أنها ما زالت مطروحة بإلحاح أكبر من أي وقت مضى.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي مراجعة فكرية لا تكمن في إعلان البراءة من الماضي، بل في القدرة على الاحتفاظ بما كان فيه من عناصر حية، والتخلي عما أثبت الواقع عجزه أو خطأه. فالنقد الحقيقي لا يبدأ بإنكار الذاكرة، بل بفهمها؛ ولا يكتمل بالانتقال من عقيدة إلى أخرى، بل ببناء وعي أكثر حرية وقدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
ثمة نموذج خاص من "اليساري" يستحق التأمل: نموذج "اليساري التائب"، لا بوصفه صاحب مراجعة فكرية، بل بوصفه صاحب قطيعة عاطفية مع ذاته السابقة.
في هذا النموذج لا يعود الماضي مجرد مرحلة تم تجاوزها، بل يتحول إلى عبء يجب التخلص منه. لذلك لا يكتفي صاحبه بمراجعة أفكاره، بل يشعر بحاجة دائمة إلى البرهنة على أنه أصبح شخصاً آخر. وكثيرا ما تكون المبالغة في الهجوم على الماضي انعكاساً لعدم القدرة على التصالح معه.
ومن المثير للاهتمام أن هذا التحول لا يظهر عادةً في صورة دفاع مباشر عن الرأسمالية أو الإمبريالية أو الهيمنة الغربية. فالخطاب الجديد يحتاج إلى شرعية أخلاقية. لذلك يختبئ خلف مفردات تبدو نبيلة في ظاهرها: الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، التعددية، مكافحة الاستبداد.
فتجد شيوعياً سابقاً يتحدث اليوم وكأن الديمقراطية الليبرالية في صورتها الرأسمالية القائمة هي نهاية التاريخ وأفق البشرية الأخير، متناسياً أن النقد اليساري التقليدي لم يكن موجّها ضد الديمقراطية الشعبية (مجالس السوفيات، مثلاً)، بل ضد "الديمقراطية" البرجوازية، التي يكمن جوهرها في احكام هيمنتها (ممارسة دكتاتوريتها) كطبقة سائدة، تعيد انتاج سلطتها عبر آليات انتخابية تعمل داخل منظومة تحكمها سلطة المال والشركات الكبرى. فجأة يصبح النظام الذي كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره نظاما للهيمنة الطبقية النموذجَ الأعلى للحرية الإنسانية.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح حين يتعلق الأمر بالمقاومة. فباسم التقدمية والعلمانية، يعمد بعض "اليساريين" السابقين والحاليين إلى إقامة مقارنة ميكانيكية بين تجربة جمول والمقاومة الاسلامية بعيداً عن التحولات التي شهدها الصراع في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وكأن التناقض الأساسي بين الاحتلال والتحرر الوطني يمكن محوه لمجرد أن المقاومة تتبنى خطاباً دينياً أو مرجعية ثقافية لا تنسجم مع التصورات اليسارية التقليدية او الكلاسيكية.
هنا تُستخدم العلمانية لتغليب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيسي. ويصبح الانتماء الديني للمقاومة أهم من طبيعة الصراع نفسه. فلا يعود السؤال: ما هي طبيعة المشروع الصهيوني ومن يحتل ومن يقاوم؟ من يفرض الحصار ومن يدفع ثمنه؟ بل يصبح: هل تتطابق المقاومة مع النموذج الأيديولوجي الذي نفضله أم لا؟
في مثل هذه الحالات لا يكون النقد موجّهاً إلى ممارسات أو أخطاء محددة، بل إلى فكرة المقاومة ذاتها. ولأن مهاجمة هذه الفكرة بصورة مباشرة قد تكون صعبة أخلاقياً وسياسياً، يجري الالتفاف عليها عبر اختزال الصراع كله في الجانب الثقافي أو الديني.
لذلك يبدو أحيانا أن بعض اليساريين التائبين لا يحاكمون التجارب السياسية بقدر ما يحاكمون أشباح ماضيهم. فكل ما يذكّرهم بالالتزام القديم، أو بفكرة التحرر، أو بإمكانية تغيير العالم خارج الأطر التي يقرها النظام القائم، يصبح موضع ريبة وعداء. وهكذا تتحول التوبة الفكرية إلى عملية مستمرة من نفي الذات السابقة، لا إلى مراجعة نقدية هادئة لها.
إن المشكلة ليست في تغيير الأفكار، فذلك حق طبيعي وضروري أحيانا. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى ثأر، والمراجعة إلى قطيعة وجودية، ويصبح الهدف إثبات البراءة من الماضي أكثر من فهمه. عندها تتبدل الرايات والشعارات، لكن الحاجة النفسية إلى اليقين المطلق تبقى كما هي؛ ينتقل صاحبها من عقيدة إلى أخرى، فيما يظل البناء النفسي العميق على حاله. في هذا النموذج لا يعود الماضي مجرد مرحلة تم تجاوزها، بل يتحول إلى جرح مفتوح. فالإنسان الذي استثمر جزءا من هويته في قضية كبرى، ثم انهارت تلك القضية أو هُزمت أو خذلته، لا يخرج منها دائما هادئاً. أحياناً يخرج منها محمّلًا بالغضب، لا على الفكرة وحدها، بل على نفسه التي آمنت بها يوما.
هنا تبدأ آلية نفسية معروفة: فبدل أن يتصالح الفرد مع تاريخه، يسعى إلى محاكمته. وبدل أن ينقد تصوراته السابقة عن الواقع، يعمل على إعدامها رمزياً. يصبح الماضي خصماً يجب سحقه لا فهمه. لذلك لا يكتفي اليساري التائب بمغادرة اليسار؛ إنه يحتاج باستمرار إلى إعلان هذه المغادرة، وإلى إعادة تمثيلها أمام الجمهور، كأن التوبة فعل لا يكتمل أبداً.
كل ظهور لبقايا ذلك الماضي في وجدانه يوقظ القلق من جديد: تعاطف مع المظلومين، غضب من الاستغلال، حنين إلى فكرة العدالة الاجتماعية، أو إحساس بأن التوحش الرأسمالي يهيمن على كل شيء. عندها يعود إلى الخطاب اليميني بجرعات أكبر، ليس لإقناع الآخرين فقط، بل لإقناع نفسه أولًا.
من هنا يمكن فهم المبالغة التي يظهرها بعض اليساريين السابقين في الدفاع عن النقيض الكامل لما آمنوا به يوما. فالتشدد الجديد لا يعكس دائمًا قوة الاقتناع، بل قد يعكس عمق الصراع. وكلما كانت القناعة القديمة جزءاً أساسياً من الهوية، ازداد العنف الرمزي الموجّه ضدها بعد الانفصال عنها.
إنهم لا يحاربون اليسار القائم أمامهم بقدر ما يحاربون اليسار الذي ما زال يعيش في ذاكرتهم. ولذلك تبدو معاركهم أحيانا شخصية أكثر منها فكرية، وانفعالية أكثر منها نظرية. فخصمهم الحقيقي ليس خصماً خارجياً، بل شبح الذات القديمة الذي يرفض أن يموت.
لعل تفكك الاتحاد السوفياتي لم يكشف فقط أن المشروع الاشتراكي هو مشروع سياسي يرتبط نجاحه واستمراره بالنجاح في ادارة نموذج اقتصادي يقوم على الابداع والإنتاجية العالية والتوزيع العادل للثروة، وأن الفشل في ادارة هذا المشروع، او عدم القدرة على مواجهة الوحش الإمبريالي، لا يعنيان فشل الفكرة والمشروع، بل كشف أيضا هشاشة العلاقة التي يقيمها هؤلاء مع أفكارهم. فمن يتعامل مع الفكرة كهوية مطلقة ينتقل منها إلى نقيضها بالطريقة نفسها: بالإيمان المطلق ذاته، وبالحماسة نفسها، وبالحاجة نفسها إلى اليقين. تتبدل الراية، لكن البنية النفسية التي تحملها تبقى على حالها.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن البيئة السياسية والمادية التي رافقتها. فمع انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الحركات الشيوعية والعمالية واليسارية عالمياً، لم تتغير الأفكار وحدها، بل تغيرت أيضا شبكات التمويل والتأثير وصناعة النخب. ففي العديد من البلدان (بلدان المعسكر الاشتراكي السابق وبلدان الجنوب العالمي) برزت المنظمات غير الحكومية الممولة من مؤسسات غربية أو إقليمية كعنصر شديد النفوذ والفاعلية، كما برزت مشاريع سياسية واقتصادية امتلكت موارد مالية وإعلامية ضخمة، فاستقطبت أعدادا من الشباب والمثقفين والكوادر الذين كانت تجاربهم قد تشكلت داخل أحزاب وحركات يسارية أو قومية.
وفي الحالة اللبنانية تحديداُ، ارتبط صعود المشروع الذي قاده رفيق الحريري بإعادة تشكيل واسعة للنخب السياسية والثقافية والإعلامية. ولم يكن الأمر مجرد انتقال أفراد من موقع فكري إلى آخر، بل انتقال جزء من الكوادر التي نشأت في بيئات يسارية أو وطنية إلى فضاء سياسي جديد فرض أولوياته ولغته ومفاهيمه الخاصة. وهكذا تداخلت المراجعات الفكرية الحقيقية مع اعتبارات الموقع الاجتماعي والمهني والتمويل والعلاقات السياسية، بحيث أصبح من الصعب أحيانا الفصل بين التحول الفكري الخالص وبين التحولات التي فرضتها موازين القوى الجديدة. كما ان الهوية الطبقية البرجوازية الصغيرة للعدد الاكبر من قادة وكادر اليسار، وخصوصاً الشيوعي، كان لها الدور القوي في هذا التحول.
فالأفكار لا تتحرك في الفراغ. والمثقف، مهما حاول أن يقدم نفسه بوصفه كائناً مستقلًا عن شروطه المادية، يبقى جزءاً من شبكة مصالح ومؤسسات وعلاقات تؤثر في خياراته وحدود خطابه. لذلك فإن بعض التحولات التي قُدمت بوصفها انتصارات فكرية للديمقراطية الليبرالية قد تُقرأ أيضا بوصفها تعبيراً عن صعود منظومة سياسية وثقافية جديدة امتلكت من أدوات النفوذ ما لم يكن متاحاً لخصومها، اولئك الذين رفضوا خيانة مبادئهم وقناعاتهم.
لكن القضية في النهاية ليست قضية أفراد، ولا هي محاكمة لسير ذاتية أو خيارات شخصية. فالأفكار لا تُقاس بأسماء من اعتنقوها أو تخلوا عنها، بل بقدرتها على تفسير الواقع والمساهمة في تغييره. والتاريخ لم يثبت يوماً خطأ فكرة لأن خصومها انتصروا في لحظة معينة من موازين القوى، وبعض انصارها ارتدوا عنها.
لقد شهد القرن العشرون انهيار تجارب كبرى وانكسار أحلام هائلة، لكنه شهد أيضاً سقوط "يقينيات" أخرى كانت تبدو ثابتة. ولذلك فإن السؤال الجوهري ليس لماذا غادر بعض اليساريين اليسار، بل ماذا بقي من الأسئلة التي طرحها اليسار على العالم: سؤال العدالة الاجتماعية، وسؤال الاستغلال، وسؤال الهيمنة الإمبريالية، وسؤال التحرر الوطني، وسؤال الكرامة الإنسانية في مواجهة سلطة رأس المال والقوة.
هذه الأسئلة لم تسقط بسقوط الاتحاد السوفياتي، ولم تختفِ مع تحولات بعض المثقفين والنخب. بل لعل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم، واتساع الفوارق الاجتماعية، واستمرار الحروب والاحتلالات وأشكال الهيمنة الجديدة، والتغول الحالي للامبريالية الاميركية والكيان الصهيوني الغاصب، تؤكد أنها ما زالت مطروحة بإلحاح أكبر من أي وقت مضى.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي مراجعة فكرية لا تكمن في إعلان البراءة من الماضي، بل في القدرة على الاحتفاظ بما كان فيه من عناصر حية، والتخلي عما أثبت الواقع عجزه أو خطأه. فالنقد الحقيقي لا يبدأ بإنكار الذاكرة، بل بفهمها؛ ولا يكتمل بالانتقال من عقيدة إلى أخرى، بل ببناء وعي أكثر حرية وقدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire