ساري موسى
تكشف فرانشسكا ألبانيزي في كتاب «عندما ينام العالم» كيف تحوّلت فلسطين من ملف قانوني إلى قضية إنسانية وأخلاقية كبرى. عبر شهادات فلسطينيين وإسرائيليين مناهضين للصهيونية ومتضامنين دوليين، توثّق الكاتبة بنية الاستعمار الاستيطاني والإبادة في غزة، فيما ترسم صورةً لعالم اختار الصمت في مواجهة الكارثة.
بالتزامن مع بدء الإبادة الجماعية في غزة، في أعقاب عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، واستمرارها لأكثر من سنتين بعد ذلك، أصبحت فرانشسكا ألبانيزي شخصيةً معروفةً على الصعيدين العربي والعالمي، بسبب مواقفها الموضوعية التي عبَّرت من خلالها عن الظلم اللاحق بالفلسطينيين في غزة تحديداً، وفي الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة كذلك، وهي المناطق المسؤولة عنها بموجب مهمَّتها كمُقررة خاصة للأمم المتحدة، معنية بحالة حقوق الإنسان في «الأراضي الفلسطينية».
من محاسن الصدف أن تشغل ألبانيزي هذا المنصب في هذه المرحلة الزمنية، إذ إنَّها لم تتغافل عن رؤية ما جرى بمسؤولية، وعن نقله بوضوح إلى العالم أجمع من خلال تقاريرها الدورية ومواقفها العامَّة، مسميَّة الأمور بسمياتها.
في كتاب «عندما ينام العالم»، الصادر بالعربية عن دار «هاشم» في بيروت (ترجمة أحمد ع. محسن)، تعرض الحقوقية والأكاديمية الإيطالية لبداية علاقتها بفلسطين، وتطور هذه العلاقة عبر سنين عملها في المنظمات الدولية، من خلال عدد من الأشخاص الذين أسهموا في تعريفها إلى تاريخ هذه البقعة الجغرافية وحقيقة حاضرها، التي تتعرض منذ نحو القرن إلى استعمار إحلالي عنصري، شكَّلت الإبادة الجماعية في غزة استكمالاً فجَّاً موثَّقاً لحظة بلحظة لنهجه القائم على التمييز العنصري واستئصال أصحاب الأرض من بلادهم، سواء بالقتل أو التهجير.
توضح ألبانيزي غرضها من هذا الكتاب، بالقول: «أريد أن أروي قصة فلسطين كما عشتها، لا كناشطة، بل كشخصٍ تعامل معها في البداية بفضول ثقافي، ثم لاحقاً من منظور قانوني». وقد استعانت من أجل تجسيم رؤيتها لما يجري في تلك الأرض المُعذَّبة بعدد من الفلسطينيين الذي أصبحوا أصدقاء لها، وبإسرائيليين مناهضين للصهيونية، وبأجانب مناضلين من أجل فلسطين أو متضامنين مع قضيتها.
أصحاب الأرض غرباء فيها
تبدأ ألبانيزي قصة فلسطين بسؤال الطفولة. تطرح هذا السؤال من خلال مثالٍ تكثيفي، سمع به العالم كله، هو قتل الطفلة هند رجب وأقاربها داخل سيارتهم خلال نزوحهم، وفق المسار الذي حدده «جيش» الاحتلال، وتركُها لساعات تنزف وتموت، بعد منع الطواقم الإسعافية التي استنجدت بها الطفلة الخائفة من الوصول إليها. هند رجب هي الشخصية الوحيدة من شخصيات الكتاب التي لم تجمع ألبانيزي علاقة شخصية بها، من دون أن يُقلِّل ذلك من معرفتها لها، فهي أمٌ لطفلين، وقد عملت سابقاً في منظمات الطفولة واللاجئين الدولية.
على ضوء معرفتها بأطفال فلسطين، الذين وصفتهم بأنهم «أشبه بمحامين صغار»، بعدما أجرت معهم مقابلات كثيرة عبر اللابتوب بسبب عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي لها بمقابلتهم شخصياً، تقول ألبانيزي: «النشأة في فلسطين تعني أن تكون طفلاً يعيش في مناخٍ من الخوف الدائم وانعدام الأمن، وأن تكون محاطاً بعنف المستوطنين والجنود». كما عبَّرت عن إصرارهم على الحياة رغم قسوتها، باقتباس قول الفتاة عوّادية، ذات الأربعة عشر عاماً، التي قالت: «الخوف من الموت لا يمنعك من الموت، بل يمنعك من الحياة».
جمعت ألبانيزي وزوجها ماكس، اللذان عاشا في القدس قبل نحو عشرين عاماً، صداقات بعدد من أهلها الفلسطينيين. من أقرب هؤلاء إليهما أبو حسن، الدليل السياحي الذي يظل جالساً في مقهى قديم أصبح بمثابة مكتب له.
يُسمِع أبو حسن للسيّاح الأجانب كلاماً تاريخياً يختلف عن تلفيقات زملائه الإسرائيليين المؤدلجة والمُسيَّسة، إذ يخترع هؤلاء «أدلة» يزعمون من خلالها صحة الروايات التوراتية. وهناك جورج، المهندس الذي درس في الولايات المتحدة وعمل في وادي السيلكون فترة قصيرة، قرر بعدها أن يعود للعمل في بلده ويحاول تحسين حياة أهله.
قدَّم جورج فائدة لألبانيزي تمثَّلت في فهم ما يعانيه المسلوبة بيوتهم من المقدسيين خاصة، ومثلهم الكثير من أهل الأراضي التي سُرِقت وهُجِّر أهلها في عام 1948، فبيت جدَّة جورج الحجري الجميل في الجزء الغربي من مدينة القدس مسروق ومُصادَر، ومن يحتلونه يعاملون أصحابه الأصليين، أو ورثتهم، بعدائية وتعجرف. هناك أيضاً إبراهيم الحسيني، حفيد الشيخ أمين الحسيني، الذي يعمل مراسلاً لإذاعة غربية، وهو مضطر لانتقاء ألفاظه بدقة، وتعقيمها من توجيه الانتقادات إلى إسرائيل عند نقل الأحداث، كي لا يفقد عمله في إحدى وسائل الإعلام «الحُرّ».
هناك فلسطينيون آخرون جمعت ألبانيزي بهم معرفة أقل، اقتصرت أحياناً على جلسة واحدة، كحال الطبيب غسان أبو ستَّة، الذي قدَّمت ألبانيزي محاضرةً إلى جانبه في لندن. عايش الجرّاح المتخصّص في ترميم الجروح وتجميلها، عند الأطفال تحديداً، الأسابيع الأولى من الإبادة، التي شهدت قصفاً للمستشفيات واستهدافاً للأطقم الطبية.
حكى في المحاضرة عمَّا تعامل معه من أشلاء أطفال لا يمكن فعل شيءٍ لها. اضطر لاحقاً للخروج من غزة لأنَّه لم يعد قادراً على تقديم أيّ مساعدة في اختصاصه، بفعل خروج القطاع الصحي عن العمل. قَدِم إلى لبنان بعد ذلك، حيث أجرى الكثير من العمليات للأطفال الذين انفجرت بهم أجهزة البيجر، وسواهم من ضحايا الحرب.
ملك مطر ممَّن التقتهم ألبانيزي أيضاً، وهي فنانة تشكيلية من غزة، تتابع الآن دراستها العليا في لندن. لم تهدِ ملك لوحة الغلاف لكتاب ألبانيزي فقط، بل أوحت لها بالعنوان أيضاً، من خلال مجموعة لوحاتها. خرجت ملك من غزة قبل يوم واحد من عملية 7 أكتوبر. ربما كُتِبَت لها هذه النجاة لكي تشاهد الإبادة من مسافة آمنة مناسبة لإنتاج الفن، لكي تشهد من خلاله عليها، مؤرِّخةً إياها للأجيال القادمة.
اعتناق القضية
يتطرق الكتاب إلى حالة الأجانب الداعمين للقضية الفلسطينية، الذين كانوا بمثابة حملة المشعل لألبانيزي على الدرب الذي اختارت عبوره. أولى من تُقِرّ ألبانيزي بفضلها من بين هؤلاء، إنغريد غاسنر، الهولندية المتزوجة من الفلسطيني محمد جرادات، التي عاشت ودفنت قرب بيت لحم. كانت إنغريد أول من حرَّض وعي ألبانيزي باكراً، من خلال وصف سياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بـ«الأبارتهايد». ركَّزت إنغريد طوال حياتها على نشر الوعي بالقضية الفلسطينية، فأسست مع زوجها مركز أبحاث، كما شاركت في تأسيس حركة «مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها» (BDS)، التي نشأت ردّاً على بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة، وتوسُّع الاستيطان فيها. وقد أتى نضال هذه الحركة بنتائج على مستوى العالم، وداخل الكيان نفسه، حيث نشأ عدد من المنظمات مثل «يش دين» و«بتسيلم»، فضحت الممارسات العنصرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، الذين يُطبَّق عليهم قانون عسكري، يختلف جذرياً عن القانون المدني المُطبَّق على المستوطنين.
أما دور غابور ماتيه، فلا يقلّ فعالية. هو طبيب ومعالج نفسي كندي من أصل مجري، وهو يهودي نجا من الإبادة النازية حين كان طفلاً. يركِّز ماتيه على تأثير الصدمات الكبرى في تغيير نظرة من يعيشها إلى العالم، وفي كونها تورَّث ثقافياً للأجيال التالية. يأخذ السكان الأصليين في كندا والولايات المتحدة مثالاً على ذلك.
حتى من نجا من الإبادة في تلك الدول الداعمة لإسرائيل لم ينجُ ممّا بعدها، حيث نُزِع الأولاد من عائلاتهم وأعطوا إلى عائلات بيضاء لتربيتهم، في نوعٍ من الإبادة الثقافية، تستكمل سابقتها الجسدية. استحضرت ألبانيزي هذا المعالج في خضمّ الإبادة من باب الخشية على فلسطين وشعبها، الذي لا تريد أن يصل العالم إلى يومٍ يشير فيه إليه باسم «السكان الأصليين»، خلال محاضرةٍ في قاعةٍ تحمل اسم دونالد ترامب، كما يحصل في الولايات المتحدة.
حلفاء من داخل المعسكر الآخر
قُوبِل تعيين فرانشسكا ألبانيزي في منصبها الأممي، إسرائيلياً، باعتراضاتٍ وتهجُّم عبر الصحافة، بسبب منشورات سابقة أدانت فيها كيان الاحتلال. وقف إلى جانبها في مواجهة هذه الهجمات عدد من الإسرائيليين، منهم المؤرخ عاموس غولدبرغ، ولكنَّ أبرزهم آلون كونفينو، وهو أستاذ التاريخ والدراسات اليهودية في «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»، ويحمل الجنسيتين الإيطالية والإسرائيلية. يميّز آلون بين معاداة السامية (التي تساوي ألبانيزي بينها وبين الإسلاموفوبيا) وانتقاد «دولة إسرائيل»، ويدين الخلط الإسرائيلي المتعمد بين المفهومين، خصوصاً بما أنّ إسرائيل تُعرِّف نفسها كـ«دولة يهودية».
أصيب آلون بالسرطان. رأته ألبانيزي بعد 7 أكتوبر بأيام قليلة، ولعل من المفيد جداً نقل ما قاله قبل موته، هو الذي كان مستوطناً مع عائلته، رغم معارضته لبعض سياسات حكام الكيان. بعدما شهد الهجوم الفلسطيني، والعدوان الإسرائيلي الوحشي الذي تلاه، قال كرؤيا أخيرة: «لقد انتهت إسرائيل. الآن أرى النهاية حقاً».
بعد بدء الإبادة، كان لإيال وايزمان، مهندس العمارة ومؤسس مجموعة «الهندسة المعمارية الجنائية للأبحاث»، دور محوري في عمل ألبانيزي الذي ضمَّنته في التقارير التي تُعِدُّها، عن طريق إحصاء الأضرار وتقدير حجم الدمار داخل قطاع غزة، بالإفادة من تقنيات التحليل المكاني.
وايزمان الذي يقول «لن أعود إلى إسرائيل إلا عندما أحصل على جواز سفر فلسطيني»، في إقرار بملكية الفلسطينيين لأرضهم، يحذِّر من أنَّ بعض التدخلات الإنسانية تخدم الاحتلال من دون قصد، إذ تصوِّب بعض القرارات غير القانونية في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها.
يوضح أنّ آلية عمل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تقوم على ديناميكية مزدوجة من البناء والهدم، حيث تُبنى المستوطنات وبنيتها التحتية لا على سطح الأرض فقط، بل في الفضاء العمراني الطابقي، وتحت الأرض من خلال الأنفاق. أما الهدم المرافق لهذا البناء، فهو تدمير شروط حياة الفلسطينيين وأسباب بقائهم في أرضهم، بطريقة ممنهجة.
ووفق هذه الطريقة نفسها، يمكن حتى لعملية إعادة الإعمار أن تكون استمراراً للتدمير، لا علاجاً له، إذ تُستخدم للتهجير ولإكمال ما فشلت الإبادة في تحقيقه، ومثال ذلك مشروع «التطوير العقاري» المسمى «ريفييرا غزة»، الذي تكلم عنه دونالد ترامب في عزّ الإبادة.
قبل الإبادة، كان الإسرائيليون يتحكمون في عدد السعرات الحرارية المسموح بدخولها إلى القطاع المحاصر، إذ تكون في الحد الأدنى للحياة، بل إنّ القطاع نفسه أُنشِئ «نتيجةً لجهد هندسي يهدف إلى تدمير الشروط المعيشية داخل هذا الحيّز»، وفي هذا جواب عن سبب تنفيذ عملية «طوفان الأقصى».
محكومون بالأمل
في خاتمة كتابها، التي تصرُّ على جعل الأمل عنواناً لها، تؤكِّد ألبانيزي أن الأمل هو نضال يوميّ، وسيلة لإكمال العيش، «شغف وعادة». تؤكِّد مجدداً أهمية العمل ومحورية المعرفة، وضرورة نشرها لتوسيع التضامن الدولي، مستشهدة بنجاح نموذج المقاطعة في إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. تقول: «عندما ينام العالم، تخرج الوحوش. يعيش الكثير من الوحوش بيننا، وأوَّلها لامبالاتنا».
في الختام، لا بد من القول، ككلمة حقٍّ واجبة: عندما كان العالم نائماً، كانت فرانشسكا ألبانيزي صاحيةً تزعجه وتؤرِّق غفلته. ترى وتؤرِّخ، تنطق بكلمة الحق في المحافل الدولية، غير عابئة بحملات الإقصاء والتضليل والحصار ومنع الدخول إلى «الدول الديمقراطية». قامت ألبانيزي، وما تزال، بما لم تَقُم به دول كاملة، خصوصاً الدول العربية والإسلامية التي ناشدتها المقاومة الفلسطينية التدخُّل مراراً. على مدى أكثر من عامين من الإبادة الجماعية، كانت فرانشيسكا ألبانيزي ضمير العالم النائم، وستبقى كذلك في ضميرنا إلى الأبد.
تكشف فرانشسكا ألبانيزي في كتاب «عندما ينام العالم» كيف تحوّلت فلسطين من ملف قانوني إلى قضية إنسانية وأخلاقية كبرى. عبر شهادات فلسطينيين وإسرائيليين مناهضين للصهيونية ومتضامنين دوليين، توثّق الكاتبة بنية الاستعمار الاستيطاني والإبادة في غزة، فيما ترسم صورةً لعالم اختار الصمت في مواجهة الكارثة.
بالتزامن مع بدء الإبادة الجماعية في غزة، في أعقاب عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، واستمرارها لأكثر من سنتين بعد ذلك، أصبحت فرانشسكا ألبانيزي شخصيةً معروفةً على الصعيدين العربي والعالمي، بسبب مواقفها الموضوعية التي عبَّرت من خلالها عن الظلم اللاحق بالفلسطينيين في غزة تحديداً، وفي الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة كذلك، وهي المناطق المسؤولة عنها بموجب مهمَّتها كمُقررة خاصة للأمم المتحدة، معنية بحالة حقوق الإنسان في «الأراضي الفلسطينية».
من محاسن الصدف أن تشغل ألبانيزي هذا المنصب في هذه المرحلة الزمنية، إذ إنَّها لم تتغافل عن رؤية ما جرى بمسؤولية، وعن نقله بوضوح إلى العالم أجمع من خلال تقاريرها الدورية ومواقفها العامَّة، مسميَّة الأمور بسمياتها.
في كتاب «عندما ينام العالم»، الصادر بالعربية عن دار «هاشم» في بيروت (ترجمة أحمد ع. محسن)، تعرض الحقوقية والأكاديمية الإيطالية لبداية علاقتها بفلسطين، وتطور هذه العلاقة عبر سنين عملها في المنظمات الدولية، من خلال عدد من الأشخاص الذين أسهموا في تعريفها إلى تاريخ هذه البقعة الجغرافية وحقيقة حاضرها، التي تتعرض منذ نحو القرن إلى استعمار إحلالي عنصري، شكَّلت الإبادة الجماعية في غزة استكمالاً فجَّاً موثَّقاً لحظة بلحظة لنهجه القائم على التمييز العنصري واستئصال أصحاب الأرض من بلادهم، سواء بالقتل أو التهجير.
توضح ألبانيزي غرضها من هذا الكتاب، بالقول: «أريد أن أروي قصة فلسطين كما عشتها، لا كناشطة، بل كشخصٍ تعامل معها في البداية بفضول ثقافي، ثم لاحقاً من منظور قانوني». وقد استعانت من أجل تجسيم رؤيتها لما يجري في تلك الأرض المُعذَّبة بعدد من الفلسطينيين الذي أصبحوا أصدقاء لها، وبإسرائيليين مناهضين للصهيونية، وبأجانب مناضلين من أجل فلسطين أو متضامنين مع قضيتها.
أصحاب الأرض غرباء فيها
تبدأ ألبانيزي قصة فلسطين بسؤال الطفولة. تطرح هذا السؤال من خلال مثالٍ تكثيفي، سمع به العالم كله، هو قتل الطفلة هند رجب وأقاربها داخل سيارتهم خلال نزوحهم، وفق المسار الذي حدده «جيش» الاحتلال، وتركُها لساعات تنزف وتموت، بعد منع الطواقم الإسعافية التي استنجدت بها الطفلة الخائفة من الوصول إليها. هند رجب هي الشخصية الوحيدة من شخصيات الكتاب التي لم تجمع ألبانيزي علاقة شخصية بها، من دون أن يُقلِّل ذلك من معرفتها لها، فهي أمٌ لطفلين، وقد عملت سابقاً في منظمات الطفولة واللاجئين الدولية.
على ضوء معرفتها بأطفال فلسطين، الذين وصفتهم بأنهم «أشبه بمحامين صغار»، بعدما أجرت معهم مقابلات كثيرة عبر اللابتوب بسبب عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي لها بمقابلتهم شخصياً، تقول ألبانيزي: «النشأة في فلسطين تعني أن تكون طفلاً يعيش في مناخٍ من الخوف الدائم وانعدام الأمن، وأن تكون محاطاً بعنف المستوطنين والجنود». كما عبَّرت عن إصرارهم على الحياة رغم قسوتها، باقتباس قول الفتاة عوّادية، ذات الأربعة عشر عاماً، التي قالت: «الخوف من الموت لا يمنعك من الموت، بل يمنعك من الحياة».
جمعت ألبانيزي وزوجها ماكس، اللذان عاشا في القدس قبل نحو عشرين عاماً، صداقات بعدد من أهلها الفلسطينيين. من أقرب هؤلاء إليهما أبو حسن، الدليل السياحي الذي يظل جالساً في مقهى قديم أصبح بمثابة مكتب له.
يُسمِع أبو حسن للسيّاح الأجانب كلاماً تاريخياً يختلف عن تلفيقات زملائه الإسرائيليين المؤدلجة والمُسيَّسة، إذ يخترع هؤلاء «أدلة» يزعمون من خلالها صحة الروايات التوراتية. وهناك جورج، المهندس الذي درس في الولايات المتحدة وعمل في وادي السيلكون فترة قصيرة، قرر بعدها أن يعود للعمل في بلده ويحاول تحسين حياة أهله.
قدَّم جورج فائدة لألبانيزي تمثَّلت في فهم ما يعانيه المسلوبة بيوتهم من المقدسيين خاصة، ومثلهم الكثير من أهل الأراضي التي سُرِقت وهُجِّر أهلها في عام 1948، فبيت جدَّة جورج الحجري الجميل في الجزء الغربي من مدينة القدس مسروق ومُصادَر، ومن يحتلونه يعاملون أصحابه الأصليين، أو ورثتهم، بعدائية وتعجرف. هناك أيضاً إبراهيم الحسيني، حفيد الشيخ أمين الحسيني، الذي يعمل مراسلاً لإذاعة غربية، وهو مضطر لانتقاء ألفاظه بدقة، وتعقيمها من توجيه الانتقادات إلى إسرائيل عند نقل الأحداث، كي لا يفقد عمله في إحدى وسائل الإعلام «الحُرّ».
هناك فلسطينيون آخرون جمعت ألبانيزي بهم معرفة أقل، اقتصرت أحياناً على جلسة واحدة، كحال الطبيب غسان أبو ستَّة، الذي قدَّمت ألبانيزي محاضرةً إلى جانبه في لندن. عايش الجرّاح المتخصّص في ترميم الجروح وتجميلها، عند الأطفال تحديداً، الأسابيع الأولى من الإبادة، التي شهدت قصفاً للمستشفيات واستهدافاً للأطقم الطبية.
حكى في المحاضرة عمَّا تعامل معه من أشلاء أطفال لا يمكن فعل شيءٍ لها. اضطر لاحقاً للخروج من غزة لأنَّه لم يعد قادراً على تقديم أيّ مساعدة في اختصاصه، بفعل خروج القطاع الصحي عن العمل. قَدِم إلى لبنان بعد ذلك، حيث أجرى الكثير من العمليات للأطفال الذين انفجرت بهم أجهزة البيجر، وسواهم من ضحايا الحرب.
ملك مطر ممَّن التقتهم ألبانيزي أيضاً، وهي فنانة تشكيلية من غزة، تتابع الآن دراستها العليا في لندن. لم تهدِ ملك لوحة الغلاف لكتاب ألبانيزي فقط، بل أوحت لها بالعنوان أيضاً، من خلال مجموعة لوحاتها. خرجت ملك من غزة قبل يوم واحد من عملية 7 أكتوبر. ربما كُتِبَت لها هذه النجاة لكي تشاهد الإبادة من مسافة آمنة مناسبة لإنتاج الفن، لكي تشهد من خلاله عليها، مؤرِّخةً إياها للأجيال القادمة.
اعتناق القضية
يتطرق الكتاب إلى حالة الأجانب الداعمين للقضية الفلسطينية، الذين كانوا بمثابة حملة المشعل لألبانيزي على الدرب الذي اختارت عبوره. أولى من تُقِرّ ألبانيزي بفضلها من بين هؤلاء، إنغريد غاسنر، الهولندية المتزوجة من الفلسطيني محمد جرادات، التي عاشت ودفنت قرب بيت لحم. كانت إنغريد أول من حرَّض وعي ألبانيزي باكراً، من خلال وصف سياسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بـ«الأبارتهايد». ركَّزت إنغريد طوال حياتها على نشر الوعي بالقضية الفلسطينية، فأسست مع زوجها مركز أبحاث، كما شاركت في تأسيس حركة «مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها» (BDS)، التي نشأت ردّاً على بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية المحتلة، وتوسُّع الاستيطان فيها. وقد أتى نضال هذه الحركة بنتائج على مستوى العالم، وداخل الكيان نفسه، حيث نشأ عدد من المنظمات مثل «يش دين» و«بتسيلم»، فضحت الممارسات العنصرية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، الذين يُطبَّق عليهم قانون عسكري، يختلف جذرياً عن القانون المدني المُطبَّق على المستوطنين.
أما دور غابور ماتيه، فلا يقلّ فعالية. هو طبيب ومعالج نفسي كندي من أصل مجري، وهو يهودي نجا من الإبادة النازية حين كان طفلاً. يركِّز ماتيه على تأثير الصدمات الكبرى في تغيير نظرة من يعيشها إلى العالم، وفي كونها تورَّث ثقافياً للأجيال التالية. يأخذ السكان الأصليين في كندا والولايات المتحدة مثالاً على ذلك.
حتى من نجا من الإبادة في تلك الدول الداعمة لإسرائيل لم ينجُ ممّا بعدها، حيث نُزِع الأولاد من عائلاتهم وأعطوا إلى عائلات بيضاء لتربيتهم، في نوعٍ من الإبادة الثقافية، تستكمل سابقتها الجسدية. استحضرت ألبانيزي هذا المعالج في خضمّ الإبادة من باب الخشية على فلسطين وشعبها، الذي لا تريد أن يصل العالم إلى يومٍ يشير فيه إليه باسم «السكان الأصليين»، خلال محاضرةٍ في قاعةٍ تحمل اسم دونالد ترامب، كما يحصل في الولايات المتحدة.
حلفاء من داخل المعسكر الآخر
قُوبِل تعيين فرانشسكا ألبانيزي في منصبها الأممي، إسرائيلياً، باعتراضاتٍ وتهجُّم عبر الصحافة، بسبب منشورات سابقة أدانت فيها كيان الاحتلال. وقف إلى جانبها في مواجهة هذه الهجمات عدد من الإسرائيليين، منهم المؤرخ عاموس غولدبرغ، ولكنَّ أبرزهم آلون كونفينو، وهو أستاذ التاريخ والدراسات اليهودية في «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»، ويحمل الجنسيتين الإيطالية والإسرائيلية. يميّز آلون بين معاداة السامية (التي تساوي ألبانيزي بينها وبين الإسلاموفوبيا) وانتقاد «دولة إسرائيل»، ويدين الخلط الإسرائيلي المتعمد بين المفهومين، خصوصاً بما أنّ إسرائيل تُعرِّف نفسها كـ«دولة يهودية».
أصيب آلون بالسرطان. رأته ألبانيزي بعد 7 أكتوبر بأيام قليلة، ولعل من المفيد جداً نقل ما قاله قبل موته، هو الذي كان مستوطناً مع عائلته، رغم معارضته لبعض سياسات حكام الكيان. بعدما شهد الهجوم الفلسطيني، والعدوان الإسرائيلي الوحشي الذي تلاه، قال كرؤيا أخيرة: «لقد انتهت إسرائيل. الآن أرى النهاية حقاً».
بعد بدء الإبادة، كان لإيال وايزمان، مهندس العمارة ومؤسس مجموعة «الهندسة المعمارية الجنائية للأبحاث»، دور محوري في عمل ألبانيزي الذي ضمَّنته في التقارير التي تُعِدُّها، عن طريق إحصاء الأضرار وتقدير حجم الدمار داخل قطاع غزة، بالإفادة من تقنيات التحليل المكاني.
وايزمان الذي يقول «لن أعود إلى إسرائيل إلا عندما أحصل على جواز سفر فلسطيني»، في إقرار بملكية الفلسطينيين لأرضهم، يحذِّر من أنَّ بعض التدخلات الإنسانية تخدم الاحتلال من دون قصد، إذ تصوِّب بعض القرارات غير القانونية في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها.
يوضح أنّ آلية عمل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تقوم على ديناميكية مزدوجة من البناء والهدم، حيث تُبنى المستوطنات وبنيتها التحتية لا على سطح الأرض فقط، بل في الفضاء العمراني الطابقي، وتحت الأرض من خلال الأنفاق. أما الهدم المرافق لهذا البناء، فهو تدمير شروط حياة الفلسطينيين وأسباب بقائهم في أرضهم، بطريقة ممنهجة.
ووفق هذه الطريقة نفسها، يمكن حتى لعملية إعادة الإعمار أن تكون استمراراً للتدمير، لا علاجاً له، إذ تُستخدم للتهجير ولإكمال ما فشلت الإبادة في تحقيقه، ومثال ذلك مشروع «التطوير العقاري» المسمى «ريفييرا غزة»، الذي تكلم عنه دونالد ترامب في عزّ الإبادة.
قبل الإبادة، كان الإسرائيليون يتحكمون في عدد السعرات الحرارية المسموح بدخولها إلى القطاع المحاصر، إذ تكون في الحد الأدنى للحياة، بل إنّ القطاع نفسه أُنشِئ «نتيجةً لجهد هندسي يهدف إلى تدمير الشروط المعيشية داخل هذا الحيّز»، وفي هذا جواب عن سبب تنفيذ عملية «طوفان الأقصى».
محكومون بالأمل
في خاتمة كتابها، التي تصرُّ على جعل الأمل عنواناً لها، تؤكِّد ألبانيزي أن الأمل هو نضال يوميّ، وسيلة لإكمال العيش، «شغف وعادة». تؤكِّد مجدداً أهمية العمل ومحورية المعرفة، وضرورة نشرها لتوسيع التضامن الدولي، مستشهدة بنجاح نموذج المقاطعة في إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. تقول: «عندما ينام العالم، تخرج الوحوش. يعيش الكثير من الوحوش بيننا، وأوَّلها لامبالاتنا».
في الختام، لا بد من القول، ككلمة حقٍّ واجبة: عندما كان العالم نائماً، كانت فرانشسكا ألبانيزي صاحيةً تزعجه وتؤرِّق غفلته. ترى وتؤرِّخ، تنطق بكلمة الحق في المحافل الدولية، غير عابئة بحملات الإقصاء والتضليل والحصار ومنع الدخول إلى «الدول الديمقراطية». قامت ألبانيزي، وما تزال، بما لم تَقُم به دول كاملة، خصوصاً الدول العربية والإسلامية التي ناشدتها المقاومة الفلسطينية التدخُّل مراراً. على مدى أكثر من عامين من الإبادة الجماعية، كانت فرانشيسكا ألبانيزي ضمير العالم النائم، وستبقى كذلك في ضميرنا إلى الأبد.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire