الهجرة

 

د. طنوس شلهوب

لم اكن لأفكر يوماً، انا المصاب بشغف التعليم، انه سيأتي اليوم الذي سأتوقف فيه عن النهوض باكراً، وحلاقة ذقني، ليس بالضرورة يومياً، وتناول الفطور، وارتداء ما يلائم صورة الاستاذ الجامعي، بداية، ولفترة طويلة كنتُ التزم ارتداء ربطة العنق، وكان عندي منها الكثير، ومعظمها اشتريته بأسعار رخيصة، المهم ان تتلاءم مع الكنزة والجاكيت، ولاحقاً تحررتُ من هذه الفكرة، خصوصاً عندما تخطيتُ الخمسين، ربما صرتُ اكثر نضجاً، والتوجه الى مبنى كلية الهندسة في القبة، وكنتُ قد انتقلتُ للتدريس هناك بعد فترة عمل امتدت لاكثر من عشر سنوات في معهد الفنون في دير القمر. ومبنى كلية الهندسة في القبة كنتُ زرته سابقا بدافع البدء بالتدريس هناك، في العام ١٩٨٦، الا انني لم احصل على الفرصة لعدم وجود قسم لهندسة الميكانيك. وفي العام ١٩٩٦ انشىء قسم الميكانيك في الكلية، وبعد ذلك بعام اتصل بي رئيس القسم طالباً مني تدريس مقرري العنفات الحرارية وميكانيكا الغازات، من دون التخلي عن المقررات التي كنتُ اعطيها في معهد الفنون الذي سبق وتفرغتُ فيه في العام ١٩٩١.
هل كان عليَّ التفكير مطولاً؟ كنتُ أدرك بانه في حال الموافقة سأضطر للقيادة لمدة تزيد على الساعة والنصف للوصول من منزلي الى الجامعة، وفي طريق العودة قد احتاج لساعتين بسبب زحمة السير الدائمة عبر مدينة جونيه نحو الحدت. شغفي بعملي دفعني للقبول بالعرض، والذي يحملني اكلافاً اضافية من دون اي زيادات على الراتب.
بالمقابل، عندما اكتمل نصابي التعليمي في كلية الهندسة في العام ١٩٩٩، طلب مني مدير معهد الفنون الاستمرار بتدريس مادة الهندسة الوصفية لعام اضافي، وهذا ايضاً حمَّلني اعباءً اضافية لمدة عام كامل من دون اي زيادة على الراتب.
الشغف امرٌ رائع، يضفي على الحياة نبضاً اضافياً، يؤجج فيها روحاً متجددة، ومع ذلك، فإنه يصبح اقوى عندما يُضاف اليه الوعي بأهمية دور الجامعة الوطنية، جامعة ابناء الكادحين وصغار الكسبة وحتى متوسطي الدخل، هي الجامعة التي حملتُ قضيتها في فؤادي عندما كنتُ في السبعينات قبيل الحرب الاهلية اشارك في التظاهرات ايام انضمامي الى الحزب الشيوعي واتحاد الشباب الديمقراطي دفاعا عن التعليم الرسمي ومن اجل انشاء كليات تطبيقية في الجامعة الوطنية.
يصعب عليَّ اليوم تذكر عدد المظاهرات الطيارة التي شاركتُ فيها في وسط بيروت، وكنا نطلق العنان لارجلنا هرباً من مطاردة رجال الفرقة ١٦، حيث كنا نتفرق لنعود ونتظاهر في نقطة جديدة من وسط العاصمة، بما يُرهق رجال الشرطة ويعطل لفترة حركة السير، ولحسن حظي لم اقع ولا مرة بأيدي الشرطة، لان الطلاب الذين وقعوا تحت ايديهم كُسرت عظامهم. ولكنني اذكر جيداً عندما حاولنا الانطلاق في مظاهرة طلابية من الاونيسكو وكان انذاك نجيب ابو حيدر وزيراً للتربية في حكومة صائب سلام على ما اظن، وحوصرنا في مبنى كلية التربية من قبل رجال الدرك، وحتى حضر الوزير بنفسه في مواجهتنا، واطلقوا صوبنا بغزارة القنابل المسيلة للدموع، وعندما حاولت سيارة اجرة التوقف لنقل بعض الطلاب من على تقاطع الاونيسكو، اطلق الدرك النار وقتلوا سائق السيارة. نعم، هذه هي بعض الاثمان التي دفعتها الحركة الشعبية ليس فقط لانشاء جامعة وطنية، انما ايضاً لتطويرها وتوسيع مجالات التخصص فيها.
كم رائع ان يجتمع الشغف مع القضية، والاجمل من ذلك انك تشارك في تشكيل عقول هندسية مبدعة ومثابرة، لان انتقاء طلاب الهندسة كان يجري عبر امتحانات دخول لا تشوبها اي شائبة، وكانت الكلية هي المعبر حيث الفرص المتكافئة لبلوغ العلى.
ثلاثة وعشرون عاماً في كلية الهندسة لم اعرف فيها الاستكانة، وعندما انظر الان الى الخلف، اتساءل، من اين كانت لي هذه الطاقة، ليس للقيام بعمل روتيني، انما لابتكار الجديد من افكار وخطط كانت تهدف لتطوير القسم الذي انتميت اليه وترأسته احياناً، وليس لي اليوم الحكم على ما قمتُ به من اجل قسم الميكانيك، ولكن شغفي بعملي دفعني لاعداد عدة مراجع علمية هي ما املكه اليوم الى جانب ذكرياتي التي اتقاسمها مع قراء هذا النص.
الامرُ ذاته، لم اكن لأفكر ابداً انه سيأتي اليوم الذي سأترك بلدي مهاجراً، ليس مهماً الى اين. كانت زوجتي تكلمني احياناً عن فكرة الهجرة الى كندا، ولكن الامر كان رفضاً قاطعاً بالنسبة لي. عندما اغتيل الحريري شعرت زوجتي بقلق ما، ولكنني طمأنتها، وعندما حصل العدوان الصهيوني في العام ٢٠٠٦ انخرطتُ كلياً في اعمال الاغاثة للنازحين من الجنوب في اطار النجدة الشعبية اللبنانية، وكنتُ اخرج من المنزل صباحاً لاعود في اواخر المساء، وكاد القلق يقتل زوجتي التي امضت طيلة فترة العدوان مع ابنينا وديع وجاد، وكانت والدتي، التي حضرت الى الشمال تمضي معهم بعض الايام، والايام الاخرى عند شقيقتي.
ان الانتصار الذي تحقق في العام ٢٠٠٦ عزز الامل عند شعبنا بالمستقبل، ولكنني كنتُ اتوجس من الذي يُحضر للمنطقة، ومع ذلك، ضاعفتُ من عملي، وعندما هبطت قيمة رواتبنا، بدأت بالتدريس في "الجامعات" الخاصة، واضطررتُ للتدريس في بيروت ثلاثة ايام في الاسبوع، وكانت فرصة لي لأزور والدتي التي كانت تقيم بمفردها في منزلنا خلف ثكنة الحلو غير بعيد عن مكان الجامعة، الا ان ذلك كان على حساب ولدي الصغيرين لأنني كنتُ اعود الى الشمال متأخراً في المساء وهما نيام.
ومع اندلاع الحرب في سوريا وعليها، وبعد ظهور داعش في العراق، ادركتُ ان ما كنتُ اتوقعه قد بدأ بالتبلور، ولم يكن سهلاً علينا سوى الشروع بمعاملات الهجرة، بما تعنيه من انسلاخ يمزق النفس ويحطم الفؤاد.
منذ فترة اصبحتُ مواطناً كندياً من اصل لبناني.  نفسي كلها عربية ممزوجة بالثقافة الروسية. اما موطني الجديد فهو بلاد سكانها الاصليين تعرضوا للابادة، او شبه الابادة، وكلنا هنا اتينا خلف خطى المستعمرين الاوائل من بريطانيين وفرنسيين. عالمُ كوسموبوليتي، مزيجٌ من الهويات المهاجرة الممتزجة فيما بينها على ارضية المستعمرين الاوائل. الكيبيكيون هنا ليسوا فرنسيي اليوم. التوتر غير قليل بين الكيبكيين والانكليز على خلفية طغيان اللغة الإنكليزية.
مئات الوف المهاجرين من بلدان العالم الثالث انتقلوا الى هنا بحثاً عن عالم افضل، ومنهم عشرات الالاف من اصحاب الشهادات العليا يصطدمون بجدران الاستحالة المهنية. اختصاصيون في مجالات التخصص مثل الطب والهندسة يعملون في مهنٍ لا علاقة لها بما يملكونه من امكانات وخبرات، فالنقابات المحلية تمارس الاحتكار باعلى درجاته. ان الحروب والصراعات المسلحة والازمات الاقتصادية في بلدانهم تدفعهم للهجرة من اجل اولادهم.
انه عامي الثاني بعد التقاعد، محاولتي الحصول على فرصة لتدريس ولو مقرر واحد في الجامعة باءت بالفشل. لاحقاً علمتُ انه من المستحيل قبول شخص للتدريس في الجامعة من حملة الشهادات السوفياتية. ولأنني افتخر واعتز بالمدرسة العلمية السوفياتية، فانه لا يضيرني ابدا ان لا اعمل في الجامعة.
خمسون عاماً امضيتهم من عمري عضواً في الحزب الشيوعي، وانسجاماً مع سياسة قيادة الحزب الحالية تجاه منتقديها، وقبل بدء التحضير للمؤتمر الوطني الاخير جرى اقصائي من التنظيم والطلب مني احضار رسالة من بيروت للتأكد من انني عضو في الحزب مع انني كنت شاركتُ هنا في سلسلة من النشاطات كوني في اللجنة المركزية.
لستُ نادماً على استبعادي من حزب لم يعد حاضره يشبه هويته التي سقط دفاعاً عنها خيرة مناضلي شعبنا، واخراجي من التنظيم لحجب امكانية مشاركتي في المؤتمر كمندوب اصيل له حق التصويت بهذه الطريقة هي تأكيد على ان من يمسك بمواقع القرار يريد ان لا يكون حاضر حزبنا شبيهاً بتاريخه وهويته. والإنسان الثوري لا معنى لحياته من دون قضية. واذا كنتُ اليوم غير مكترث لاخراجي من الحزب، فانه لو اعاد التاريخ نفسه سانتسب مجدداً الى ذلك الحزب المناضل الذي جهدتُ لانتمي اليه ولم اكن بلغتُ الخامسة عشرة من عمري، ذلك الحزب - المدرسة النضالية الحقيقية، حيث الرفيق مستعد ان يقدم حياته دفاعاً عن رفيقه. وعدم وجودي في التنظيم اليوم لم يزحزحني قيد انملة عن قناعاتي بعظمة المشروع الاشتراكي المستند الى الماركسية اللينينية.
اتسأل اليوم هل كان من معنى لكل الشغف السابق الذي طبع حياتي؟ ربما هي فكرة الشغف التي تحفزني كمهاجر تخطى الخامسة والستين ومنسلخ عن كل ماضيه، وتدفعني للبحث عن تلك الالوان الزاهية المتجددة لأطبع بها المتبقي من ايامي قبيل الرحيل.

ايار 2023 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire