على قيد الإنتظار

 

قصص قصيرة عن الحرب، التهجير، وما تبقى من البيوت
بقلم : عابر سبيل

الكتابة في زمن الحرب ليست ترفًا، بل هي فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لترميم الروح، وتوثيق للتاريخ "الشعبي" الذي تغفله نشرات الأخبار التي تهتم بعدد الصواريخ وتنسى دمعة الطفل أو قلق الأم.
في نشرات الأخبار، الموت عملية حسابية باردة. يقول المذيع بملامح جامدة: "سقط اليوم خمسون ضحية". تمر الجملة عابرة، ويتحول الخمسون إنساناً إلى مجرد "رقم 50". رقمٌ صامت، لا وجه له، لا ذاكرة، ولا صوت. الرقم لا يملك أماً تبكيه، ولا موعداً غرامياً تخلف عنه، ولا مفتاح بيتٍ لا يزال في جيبه.
الأدب وحده هو من يملك الجرأة ليقف في وجه هذا التجريد القاسي. الأدب هو المكان الوحيد الذي نعيد فيه لهؤلاء "الخمسين" وجوههم المسروقة. هنا، الرقم "واحد" ليس مجرد واحد؛ هو "أحمد" الذي كان يحب القهوة بزيادة سكر، والذي ترك قميصه المكوي على السرير بانتظار مناسبة لن تأتي. والرقم "اثنان" هي "منى" التي كانت تخاف من العتمة، وماتت وهي تحتضن دمية ابنتها.
الكتابة هي العملية العكسية للموت. الحرب تحول البشر إلى أشلاء وأرقام، والأدب يجمع هذه الأشلاء، ينفخ فيها من روح الذاكرة، ويحول الأرقام الجامدة إلى بشر من لحم ودم، ينبضون، ويحبون، ويخافون، ويصرخون في وجه النسيان.
نحن لا نكتب لنحصي عدد الذين رحلوا، بل نكتب لنثبت أنهم "كانوا" هنا. كانوا يضحكون، ويتشاجرون، ويحلمون. نكتب لنقول للعالم :
هذه ليست كومة حجارة 
ما تراه ركاماً كان يوماً حضناً يلمّنا.. 
وما تراه غباراً كان حياة تضجّ فينا..
التاريخ يذكر المنتصرين وأعداد القتلى
أما الأدب فيذكر لون فستان الطفلة التي ماتت، ورعشة يد العجوز الخائف. 
التاريخ يوثق الحدث، والأدب يوثق الإنسان.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire