موت نظيف

 

بقلم: عابر سبيل

لم أعد أسمع الصفّارة.
صرت أسمع ما بعدها.
الفراغ الذي يبتلع الصوت
حين نصل متأخرين نصف دقيقة…
نصف حياة.
أنا المسعف الذي تعلّم أن يحمل الجسد
كما لو كان ذكرى،
خفيفًا أكثر مما يجب،
وثقيلًا أكثر مما يحتمل القلب.
الطرق تعرفني،
تفتح لي جراحها قبل أن أصل.
والبيوت…
لا تناديني بأسمائها،
تناديني بأنينها.
في إحدى الليالي،
ركضتُ نحو طفل
كان ما يزال يحتفظ بحرارة العالم.
لم يكن ميتًا تمامًا،
ولا حيًّا بما يكفي.
كان عالقًا…
مثلنا.
وضعت أذني على صدره،
لا لأسمع النبض،
بل لأتأكد أن الخذلان
لم يصل إليه قبلي.
الأم جلست قربه.
لم تسأل.
لم تتوسّل.
كانت تعرف أن بعض النظرات
لا تبحث عن جواب،
بل عن شريك في الانكسار.
حين هززت رأسي،
لم أسقط الخبر عليها،
سقط عليّ أولًا.
شعرت أنّ الزيّ أثقل،
وأنّ اليدين لم تعودا لي.
في الاستراحة،
غسلت وجهي.
الماء كان باردًا،
لكن الشعور بالذنب
لا يعرف الحرارة.
فتحت هاتفي.
العالم كان مشغولًا
بتجميل يومه.
وأنا كنت أجمّل موتًا
كي لا يبدو فوضويًا.
فهمت حينها:
الخذلان ليس أن نموت،
بل أن نموت بصمتٍ
نظيفٍ
لا يزعج أحدًا.
في نهاية النوبة،
خلعت السترة.
بقيت الرائحة.
بقيت الوجوه.
وبقي سؤال واحد
يعود معي كل ليلة:
هل نحن ننقذ الأرواح…
أم نؤجّل اعتراف العالم
بأنها كانت تستحق الحياة؟
عدت إلى البيت.
نمت قليلًا.
وفي الحلم،
كانت الصفّارة تعمل.
لكن لا أحد
كان يسمعها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire