بقلم: عابر سبيل
في كل مساء، كانت ليلى تضع الكراسي فوق الطاولة قبل أن تنام.
ليس لأنّها تحبّ الترتيب، بل لأنّ الزجاج حين ينكسر يُصدر صوتًا أقلّ.
تعلمت هذا من ليلةٍ سقط فيها القصف قريبًا، وتعلّم معها البيت كيف يتألّم بصمت.
الأب لم يعد يسأل عن الأخبار.
صار يقيس شدّة الخطر من رجفة الجدران،
ومن الطريقة التي يضغط بها صدره على أنفاسه.
كل ضربة كانت تسحب عامًا من عمره، وتتركه أكبر من عمره الحقيقي.
الأم تحفظ أسماء أولادها كما تُحفظ الوصايا.
توقظهم بأسمائهم كاملة،
كأنّها تخشى أن يُنادى أحدهم فلا يُجيب.
الطفل الأوسط لم يعد يبكي.
صار يحدّق طويلًا في الفراغ.
وحين سُئل في المدرسة المؤقتة عمّا يريد أن يصبح،
قال: “أريد أن أكبر في مكان لا يسقط”.
في إحدى الليالي، انقطع التيار.
جلسوا في الظلام،
وكان الظلام أرحم من الضوء،
لأنّ الضوء يُظهر الشقوق…
في الجدران، وفي القلوب.
سقطت ضربة أقرب من المعتاد.
شهقت الأم.
ارتجفت ليلى.
ولم يتحرّك الأب.
كان يحاول أن يتذكّر شكل البيت كما كان،
لا كما صار.
عند الفجر، خرجوا.
لم يبكِ أحد.
البكاء يحتاج أمانًا،
وهم خرجوا بلا أمان وبلا وداع.
في الطريق، التفت الطفل الصغير وسأل:
“هل سنرجع إذا توقّفت الحرب؟”
لم يُجبه أحد.
ليس لأنهم لا يعرفون،
بل لأن بعض الأسئلة
أكبر من القدرة على الكذب.
في مكان النزوح، ناموا قرب بعضهم،
لكن كل واحد كان وحيدًا داخل رأسه.
الأم تفكّر في البيت.
الأب يفكّر في الغد.
الأطفال يفكّرون في شيء لا اسم له…
شيء انكسر ولن يعود كما كان.
وفي الصباح، حين أشرقت الشمس عاديّة كأن شيئًا لم يحدث،
فهموا الحقيقة المؤلمة:
أن العالم يستطيع أن يستمر،
حتى عندما تتوقّف حياة عائلة كاملة.
في كل مساء، كانت ليلى تضع الكراسي فوق الطاولة قبل أن تنام.
ليس لأنّها تحبّ الترتيب، بل لأنّ الزجاج حين ينكسر يُصدر صوتًا أقلّ.
تعلمت هذا من ليلةٍ سقط فيها القصف قريبًا، وتعلّم معها البيت كيف يتألّم بصمت.
الأب لم يعد يسأل عن الأخبار.
صار يقيس شدّة الخطر من رجفة الجدران،
ومن الطريقة التي يضغط بها صدره على أنفاسه.
كل ضربة كانت تسحب عامًا من عمره، وتتركه أكبر من عمره الحقيقي.
الأم تحفظ أسماء أولادها كما تُحفظ الوصايا.
توقظهم بأسمائهم كاملة،
كأنّها تخشى أن يُنادى أحدهم فلا يُجيب.
الطفل الأوسط لم يعد يبكي.
صار يحدّق طويلًا في الفراغ.
وحين سُئل في المدرسة المؤقتة عمّا يريد أن يصبح،
قال: “أريد أن أكبر في مكان لا يسقط”.
في إحدى الليالي، انقطع التيار.
جلسوا في الظلام،
وكان الظلام أرحم من الضوء،
لأنّ الضوء يُظهر الشقوق…
في الجدران، وفي القلوب.
سقطت ضربة أقرب من المعتاد.
شهقت الأم.
ارتجفت ليلى.
ولم يتحرّك الأب.
كان يحاول أن يتذكّر شكل البيت كما كان،
لا كما صار.
عند الفجر، خرجوا.
لم يبكِ أحد.
البكاء يحتاج أمانًا،
وهم خرجوا بلا أمان وبلا وداع.
في الطريق، التفت الطفل الصغير وسأل:
“هل سنرجع إذا توقّفت الحرب؟”
لم يُجبه أحد.
ليس لأنهم لا يعرفون،
بل لأن بعض الأسئلة
أكبر من القدرة على الكذب.
في مكان النزوح، ناموا قرب بعضهم،
لكن كل واحد كان وحيدًا داخل رأسه.
الأم تفكّر في البيت.
الأب يفكّر في الغد.
الأطفال يفكّرون في شيء لا اسم له…
شيء انكسر ولن يعود كما كان.
وفي الصباح، حين أشرقت الشمس عاديّة كأن شيئًا لم يحدث،
فهموا الحقيقة المؤلمة:
أن العالم يستطيع أن يستمر،
حتى عندما تتوقّف حياة عائلة كاملة.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire