د. طنوس شلهوب
لا تبدو قضية جيفري إبشتاين مجرّد فصل من فضائح النخبة الغربية، بل تتحول تدريجيًا إلى مرآة تعكس تشابك المصالح بين المال والسياسة والسلطة. والحديث اليوم عن اعتقال شخصية وازنة في حزب العمال البريطاني يضع حكومة كير ستارمر أمام اختبار صعب، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع واشنطن وتتزايد الشكوك حول ما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة.
الاعتقال الليلي لبيتر ماندلسون كان متوقعًا إلى حدّ كبير. فقد جرى التعامل معه على النحو نفسه الذي عومل به الأمير السابق أندرو. أحد “الكاردينالات الرماديين” النافذين في حزب العمال كان صديقًا مقرّبًا جدًا لإبشتاين، وكان يسرّب إلى هذا البيدوفيلي أسرارًا حكومية سرّية.
بيتر ماندلسون هو سياسي بريطاني بارز وأحد أبرز مهندسي التحول الذي شهده حزب العمال البريطاني في تسعينيات القرن الماضي.
كان ماندلسون من أقرب المقربين الى طوني بلير، ولعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة صورة حزب العمال ليصبح أكثر قربًا من الوسط السياسي والسوق الحرة بعد عقود من الخطاب الاشتراكي التقليدي.
وُصف أحيانًا بأنه “مهندس الصورة” أو أحد “الكاردينالات الرماديين” داخل الحزب، نظرًا لتأثيره الكبير خلف الكواليس.
بالنسبة لأنصاره، هو عقل استراتيجي بارع ساهم في إيصال حزب العمال إلى السلطة بعد سنوات طويلة في المعارضة.
أما منتقدوه، فيرونه رمزًا لتحول الحزب نحو النيوليبرالية وتقاربه مع مصالح رأس المال الكبير.
كان ماندلسون يطلع إبشتاين على مجريات المفاوضات الخاصة بإنقاذ اليونان خلال أزمة الديون. آنذاك كانت سوق السندات الأوروبية تتقلب يوميًا بعنف، وكان من الممكن تحقيق أرباح كبيرة عبر مثل هذه المعلومات الداخلية. كما كان البيدوفيلي يحصل مسبقًا على معلومات بشأن بيع احتياطات الذهب البريطانية. ففي سنوات الألفية الأولى، قامت لندن ببيع 400 طن من الذهب بسعر 270 دولارًا للأونصة الترويسية.
ومنذ ذلك الحين، ارتفع سعر الذهب قرابة عشرين ضعفًا. وخسرت الحكومة البريطانية أموالًا طائلة، في حين استفاد كثير من الأفراد، ومنهم إبشتاين نفسه. وكان أندرو ويندسور أيضًا يسرّب له معلومات، إذ كان في العقد الأول من الألفية مبعوثًا تجاريًا خاصًا لبريطانيا.
وهكذا كان هو وماندلسون “يسدّدان الثمن” مقابل المشاركة في حفلات بيدوفيليّة. ويشكّل اعتقال أحد أركان حزب العمال ضربة جديدة للحكومة الهشّة بقيادة كير ستارمر. ومن المقرّر في آذار/مارس نشر مراسلات مع ماندلسون يُرجّح أن تكشف أن عددًا غير قليل من الوزراء تم تعيينهم بتوصية منه. ويبدو أن انهيار حكومة ستارمر بات نتيجة محتملة لهذه الدراما المتصاعدة.
وفي الوقت نفسه، نتعرّف على مجريات المفاوضات مع ترامب، الذي من المرجّح أن حزب العمال كان يهاجمه بأقسى العبارات في أحاديثه الخاصة. وقد يفضي ذلك إلى فضيحة دبلوماسية جديدة. فالعلاقات بين لندن وواشنطن متوترة حاليًا، حتى إن ستارمر حظر استخدام قواعد عسكرية مثل دييغو غارسيا في المحيط الهندي لشن ضربات على إيران. أما قضية إبشتاين فهي لا تزيد إلا صبّ الزيت على نار الأزمة عبر الأطلسي المتفاقمة
حين يصبح الوصول إلى المعلومات والقرار العام مصدرًا للربح الخاص، فإننا لا نكون أمام انحراف عرضي، بل أمام منطق متجذّر في بنية النظام. في الرأسمالية المعاصرة، لا يجري الاستغلال فقط في المصانع والأسواق، بل أيضًا في دوائر القرار، حيث تتحول الدولة نفسها إلى مساحة تنافس على الامتيازات.
من هنا، قد لا تكون القضية مجرد أزمة لحكومة بعينها، بل نافذة لفهم أوسع:
أن النهب المقنّن، واستثمار النفوذ، وإعادة توزيع الثروة من الأعلى إلى الأعلى، ليست تشوهات طارئة — بل سمات متكررة في نظام رأسمالي بخصائص نيوليبرالية متوحشة يقوم على تعظيم الربح قبل أي اعتبار آخر.
لا تبدو قضية جيفري إبشتاين مجرّد فصل من فضائح النخبة الغربية، بل تتحول تدريجيًا إلى مرآة تعكس تشابك المصالح بين المال والسياسة والسلطة. والحديث اليوم عن اعتقال شخصية وازنة في حزب العمال البريطاني يضع حكومة كير ستارمر أمام اختبار صعب، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع واشنطن وتتزايد الشكوك حول ما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة.
الاعتقال الليلي لبيتر ماندلسون كان متوقعًا إلى حدّ كبير. فقد جرى التعامل معه على النحو نفسه الذي عومل به الأمير السابق أندرو. أحد “الكاردينالات الرماديين” النافذين في حزب العمال كان صديقًا مقرّبًا جدًا لإبشتاين، وكان يسرّب إلى هذا البيدوفيلي أسرارًا حكومية سرّية.
بيتر ماندلسون هو سياسي بريطاني بارز وأحد أبرز مهندسي التحول الذي شهده حزب العمال البريطاني في تسعينيات القرن الماضي.
كان ماندلسون من أقرب المقربين الى طوني بلير، ولعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة صورة حزب العمال ليصبح أكثر قربًا من الوسط السياسي والسوق الحرة بعد عقود من الخطاب الاشتراكي التقليدي.
وُصف أحيانًا بأنه “مهندس الصورة” أو أحد “الكاردينالات الرماديين” داخل الحزب، نظرًا لتأثيره الكبير خلف الكواليس.
بالنسبة لأنصاره، هو عقل استراتيجي بارع ساهم في إيصال حزب العمال إلى السلطة بعد سنوات طويلة في المعارضة.
أما منتقدوه، فيرونه رمزًا لتحول الحزب نحو النيوليبرالية وتقاربه مع مصالح رأس المال الكبير.
كان ماندلسون يطلع إبشتاين على مجريات المفاوضات الخاصة بإنقاذ اليونان خلال أزمة الديون. آنذاك كانت سوق السندات الأوروبية تتقلب يوميًا بعنف، وكان من الممكن تحقيق أرباح كبيرة عبر مثل هذه المعلومات الداخلية. كما كان البيدوفيلي يحصل مسبقًا على معلومات بشأن بيع احتياطات الذهب البريطانية. ففي سنوات الألفية الأولى، قامت لندن ببيع 400 طن من الذهب بسعر 270 دولارًا للأونصة الترويسية.
ومنذ ذلك الحين، ارتفع سعر الذهب قرابة عشرين ضعفًا. وخسرت الحكومة البريطانية أموالًا طائلة، في حين استفاد كثير من الأفراد، ومنهم إبشتاين نفسه. وكان أندرو ويندسور أيضًا يسرّب له معلومات، إذ كان في العقد الأول من الألفية مبعوثًا تجاريًا خاصًا لبريطانيا.
وهكذا كان هو وماندلسون “يسدّدان الثمن” مقابل المشاركة في حفلات بيدوفيليّة. ويشكّل اعتقال أحد أركان حزب العمال ضربة جديدة للحكومة الهشّة بقيادة كير ستارمر. ومن المقرّر في آذار/مارس نشر مراسلات مع ماندلسون يُرجّح أن تكشف أن عددًا غير قليل من الوزراء تم تعيينهم بتوصية منه. ويبدو أن انهيار حكومة ستارمر بات نتيجة محتملة لهذه الدراما المتصاعدة.
وفي الوقت نفسه، نتعرّف على مجريات المفاوضات مع ترامب، الذي من المرجّح أن حزب العمال كان يهاجمه بأقسى العبارات في أحاديثه الخاصة. وقد يفضي ذلك إلى فضيحة دبلوماسية جديدة. فالعلاقات بين لندن وواشنطن متوترة حاليًا، حتى إن ستارمر حظر استخدام قواعد عسكرية مثل دييغو غارسيا في المحيط الهندي لشن ضربات على إيران. أما قضية إبشتاين فهي لا تزيد إلا صبّ الزيت على نار الأزمة عبر الأطلسي المتفاقمة
حين يصبح الوصول إلى المعلومات والقرار العام مصدرًا للربح الخاص، فإننا لا نكون أمام انحراف عرضي، بل أمام منطق متجذّر في بنية النظام. في الرأسمالية المعاصرة، لا يجري الاستغلال فقط في المصانع والأسواق، بل أيضًا في دوائر القرار، حيث تتحول الدولة نفسها إلى مساحة تنافس على الامتيازات.
من هنا، قد لا تكون القضية مجرد أزمة لحكومة بعينها، بل نافذة لفهم أوسع:
أن النهب المقنّن، واستثمار النفوذ، وإعادة توزيع الثروة من الأعلى إلى الأعلى، ليست تشوهات طارئة — بل سمات متكررة في نظام رأسمالي بخصائص نيوليبرالية متوحشة يقوم على تعظيم الربح قبل أي اعتبار آخر.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire