| حفلة توفيق فرّوخ: الخميس 5 شباط (فبراير) ـ «مترو المدينة» (الحمرا) |
بشير صفير
توفيق فرّوخ يعيش في فرنسا، لكنه يمارس طقساً ثابتاً في زيارة الوطن لتقديم أمسية أو إطلاق مشروع. المؤلف وعازف الساكسوفون يعود إلى بيروت هذه المرّة لإحياء أمسية وحيدة في «مترو المدينة» مساء الخميس 5 شباط (فبراير)، تتمحوَر حول ألبومه الأخير Untamed Elegance (أناقة جامحة). من عنوان الألبوم هذا، نستعير عبارة «أناقة» لوصف الموسيقي المخضرم الذي في رصيده أكثر في أربعة عقود من العمل الفني، عزفاً ثم تأليفاً وعزفاً.
توفيق فرّوخ أنيق قلباً وقالباً، شكلاً ومضموناً. موسيقاه تشبهه. لطيفة لحناً، حديثة وغامضة بعض الشيء هارمونياً، رشيقة إيقاعاً غالباً، لا تخلو من المكر بالمعنى الإيجابي تركيباً، نظيفة تنفيذاً وتسجيلاً… ودائماً وعموماً: أنيقة، حتى في جموحها.
وحدها صولوهاته تخرج عن هذه الأناقة باتجاه «الشغب». إنها فسحة حرية في اختلاءٍ مع الآلة، تماماً كمَن ينسحب من عشاء رسمي، يتجه نحو الشرفة، يضع إصبعاً بين رقبته وربطة العنق، يرخيها، يشتمها، وتتغيّر ملامح وجهه ليصبح شخصاً آخر. هذه ليست صورة مبالغاً فيها.
بالتأكيد، كل من حضروا «حفلتهم الأولى» لتوفيق فرّوخ لا بدّ أنهم تفاجأوا عندما انفرد في أول صولو له في الأمسية، حيث اختفت الرصانة والجدية لمصلحة «الشيطنة»، ونتكلّم هنا عن طبيعة الارتجالات، وأيضاً عن طبيعته، هو، عندما يرتجل. في البداية، يوحي بأنه إمّا لا يرتجل، إمّا أنه سيكون مهذّباً إن ارتجل، فتأتي جُمله غاية في الزخم كأنها متنفَّسٌ «فَوضَوي» ناجم عن ترخية «كرافاتات» المدوّنة الموسيقية التي يرتجل انطلاقاً منها.
منذ أواخر السبعينيات، بدأ توفيق فرّوخ مشواره الفني، عازفاً (وممثلاً) مع صديقه زياد الرحباني (ومع غيره) في التسجيل كما في الحفلات، قبل أن يترك لبنان في منتصف الثمانينيات باتجاه فرنسا لإكمال دراسته الموسيقية.
انطلقت بعدها تجربته في التأليف، ليصدر تباعاً عدداً من الألبومات، بدءاً من «علي في برودواي» (1994)، بالإضافة إلى وضْع موسيقى تصويرية لعروض رقص معاصر ولأعمال سينمائية لمخرجين لبنانيين وعرب (غسان سلهب، ميشال كمّون، محمد ملص، جان شمعون، وغيرهم).
أمسيته المرتقبة يهديها إلى صديقه الذي رحل خلال جائحة كورونا، الموسيقي والرئيس السابق للمعهد الوطني للموسيقى، بسام سابا (1955 — 2020)، ويأتي مصطحباً معه فرقة يعمل مع معظم أفرادها منذ سنوات.
هي أعمال كتبها أساساً في تلك المدة من الحجر المفروض على المجتمعات، وقد سجّلها وأصدرها في ألبوم بعدما انفرجت الأمور مع انحسار تفشّي الفيروس الشهير. الموعد مُهدى أيضاً، ولو ضمنياً، إلى زياد الرحباني. أو هكذا يتطلّع إليه جزءٌ من الجمهور. أما التكريم المباشر الذي يليق بزياد، فتوفيق فرّوخ لا شك أنه يفكّر به.
لكنه يعلم جيداً أن العائق الأبرز لإنجاز تحية حقيقية هو المدوّنات الموسيقية. هذا العائق كان يمكنه ألا يكون موجوداً أمام توفيق وغيره، لو سمع منه زياد النصيحة التي قدّمها له عام 2019. فأثناء جولة الحفلات في أوروبا، لاحظ فرّوخ أن الموسيقيين الأوروبيين الذين كانوا في الفرقة، يعانون قليلاً في تفكيك المدوّنات الموجودة أمامهم، إذ إنها مكتوبة بخط اليد وهم معتادون على النوطة المطبوعة.
توفيق يعرف خط يد زياد في التدوين، وحاول مساعدة زملائه خلال التمارين في برلين، من حيث انطلقت الجولة. خلال السهرة التاريخية التي وُفِّقنا فيها في الغرفة المحترمة المخصّصة للمدخنين في الفندق الذي نزلنا فيه قبل حفلة بروكسيل وبعدها، وبين الضحك واللهو، فاتَح توفيق صديقه القديم بموضوع غاية في الأهمية: اقترح عليه الشروع فوراً بنقل أرشيفه الموسيقي الكامل من أوراق مكتوبة بخط اليد، إلى فايلات مطبوعة، واضحة، مرتّبة ودقيقة.
أجابه زياد: «معك حق، لكنه مشروع عويص، يتطلّب وقتاً وجهداً غير متوافرَين حالياً». ردّ توفيق: «في ناس شغلتها هالشغلة. ما عليك سوى الموافقة، الإشراف والتدقيق». لم يحصل شيء من هذا. خسارة. بل إنها خسارة الخسارات.
ليته سمِع منك يا توفيق. أدركنا الآن أنّك قدّمت له نصيحة من ذهب. لكن، من المُلام؟ هل نلوم زياد، الذي صدف أنه يعيش في بيروت وأن هذا المشروع، لو قُدِّر له أن ينطلق، كان سينطلق أواخر عام 2019؟! والباقي تعرفونه.
زيارة توفيق فرّوخ إلى بيروت لها نكهة مختلفة اليوم. هو يزور بيروت وقد باتت من دون «الرحباني». لا نعرف كيف سترى وماذا سترى في هذه المدينة يا توفيق.
أما نحن، فلا نستطيع إلا أن نرى/ نسمع فيك شيئاً من زياد. نبرة أي عازف ساكسوفون، كنبرة الصوت البشري، فريدة. نعرف جيداً نبرتك عموماً، وخصوصاً في الأعمال المسجّلة مع زياد وهذا، لا شعورياً، ما سنتوق إليه، ضمن أمور أخرى، في أعمالك التي سنسمعها في الأمسية. هل تذكر الصولوهات في جولة أوروبا؟ هل تذكر تحديداً صولوهاتك خلال الأداء الحيّ للأعمال التي سبق أن ارتجلتَ أو شاركتَ في تسجيل نسَخها الأولى، مثل «ما تفلّ» و«روح خبّر» و«من كل بدّ»؟
لقد كانت جميلة. جميلة وهاربة، أي ساحرة. كانت كمَن يغازل حبيبة قديمة التقاها في الغُربة. يغازلها في لقاء عابر على رصيف باريسي بجملٍ استرجع بعض عباراتها من غزلٍ قديم ارتجله لها، هنا، في بيروت عام 1984. أليس كذلك؟ هذا حزين، لكن لا مفرّ من الموسيقى، لأن لا مفرّ من الحياة. فالحياة مرضٌ مميت دواؤه التلطيفي الموسيقى.
* حفلة توفيق فرّوخ: الخميس 5 شباط (فبراير) ـ «مترو المدينة» (الحمرا)
توفيق فرّوخ يعيش في فرنسا، لكنه يمارس طقساً ثابتاً في زيارة الوطن لتقديم أمسية أو إطلاق مشروع. المؤلف وعازف الساكسوفون يعود إلى بيروت هذه المرّة لإحياء أمسية وحيدة في «مترو المدينة» مساء الخميس 5 شباط (فبراير)، تتمحوَر حول ألبومه الأخير Untamed Elegance (أناقة جامحة). من عنوان الألبوم هذا، نستعير عبارة «أناقة» لوصف الموسيقي المخضرم الذي في رصيده أكثر في أربعة عقود من العمل الفني، عزفاً ثم تأليفاً وعزفاً.
توفيق فرّوخ أنيق قلباً وقالباً، شكلاً ومضموناً. موسيقاه تشبهه. لطيفة لحناً، حديثة وغامضة بعض الشيء هارمونياً، رشيقة إيقاعاً غالباً، لا تخلو من المكر بالمعنى الإيجابي تركيباً، نظيفة تنفيذاً وتسجيلاً… ودائماً وعموماً: أنيقة، حتى في جموحها.
وحدها صولوهاته تخرج عن هذه الأناقة باتجاه «الشغب». إنها فسحة حرية في اختلاءٍ مع الآلة، تماماً كمَن ينسحب من عشاء رسمي، يتجه نحو الشرفة، يضع إصبعاً بين رقبته وربطة العنق، يرخيها، يشتمها، وتتغيّر ملامح وجهه ليصبح شخصاً آخر. هذه ليست صورة مبالغاً فيها.
بالتأكيد، كل من حضروا «حفلتهم الأولى» لتوفيق فرّوخ لا بدّ أنهم تفاجأوا عندما انفرد في أول صولو له في الأمسية، حيث اختفت الرصانة والجدية لمصلحة «الشيطنة»، ونتكلّم هنا عن طبيعة الارتجالات، وأيضاً عن طبيعته، هو، عندما يرتجل. في البداية، يوحي بأنه إمّا لا يرتجل، إمّا أنه سيكون مهذّباً إن ارتجل، فتأتي جُمله غاية في الزخم كأنها متنفَّسٌ «فَوضَوي» ناجم عن ترخية «كرافاتات» المدوّنة الموسيقية التي يرتجل انطلاقاً منها.
منذ أواخر السبعينيات، بدأ توفيق فرّوخ مشواره الفني، عازفاً (وممثلاً) مع صديقه زياد الرحباني (ومع غيره) في التسجيل كما في الحفلات، قبل أن يترك لبنان في منتصف الثمانينيات باتجاه فرنسا لإكمال دراسته الموسيقية.
انطلقت بعدها تجربته في التأليف، ليصدر تباعاً عدداً من الألبومات، بدءاً من «علي في برودواي» (1994)، بالإضافة إلى وضْع موسيقى تصويرية لعروض رقص معاصر ولأعمال سينمائية لمخرجين لبنانيين وعرب (غسان سلهب، ميشال كمّون، محمد ملص، جان شمعون، وغيرهم).
أمسيته المرتقبة يهديها إلى صديقه الذي رحل خلال جائحة كورونا، الموسيقي والرئيس السابق للمعهد الوطني للموسيقى، بسام سابا (1955 — 2020)، ويأتي مصطحباً معه فرقة يعمل مع معظم أفرادها منذ سنوات.
هي أعمال كتبها أساساً في تلك المدة من الحجر المفروض على المجتمعات، وقد سجّلها وأصدرها في ألبوم بعدما انفرجت الأمور مع انحسار تفشّي الفيروس الشهير. الموعد مُهدى أيضاً، ولو ضمنياً، إلى زياد الرحباني. أو هكذا يتطلّع إليه جزءٌ من الجمهور. أما التكريم المباشر الذي يليق بزياد، فتوفيق فرّوخ لا شك أنه يفكّر به.
لكنه يعلم جيداً أن العائق الأبرز لإنجاز تحية حقيقية هو المدوّنات الموسيقية. هذا العائق كان يمكنه ألا يكون موجوداً أمام توفيق وغيره، لو سمع منه زياد النصيحة التي قدّمها له عام 2019. فأثناء جولة الحفلات في أوروبا، لاحظ فرّوخ أن الموسيقيين الأوروبيين الذين كانوا في الفرقة، يعانون قليلاً في تفكيك المدوّنات الموجودة أمامهم، إذ إنها مكتوبة بخط اليد وهم معتادون على النوطة المطبوعة.
توفيق يعرف خط يد زياد في التدوين، وحاول مساعدة زملائه خلال التمارين في برلين، من حيث انطلقت الجولة. خلال السهرة التاريخية التي وُفِّقنا فيها في الغرفة المحترمة المخصّصة للمدخنين في الفندق الذي نزلنا فيه قبل حفلة بروكسيل وبعدها، وبين الضحك واللهو، فاتَح توفيق صديقه القديم بموضوع غاية في الأهمية: اقترح عليه الشروع فوراً بنقل أرشيفه الموسيقي الكامل من أوراق مكتوبة بخط اليد، إلى فايلات مطبوعة، واضحة، مرتّبة ودقيقة.
أجابه زياد: «معك حق، لكنه مشروع عويص، يتطلّب وقتاً وجهداً غير متوافرَين حالياً». ردّ توفيق: «في ناس شغلتها هالشغلة. ما عليك سوى الموافقة، الإشراف والتدقيق». لم يحصل شيء من هذا. خسارة. بل إنها خسارة الخسارات.
ليته سمِع منك يا توفيق. أدركنا الآن أنّك قدّمت له نصيحة من ذهب. لكن، من المُلام؟ هل نلوم زياد، الذي صدف أنه يعيش في بيروت وأن هذا المشروع، لو قُدِّر له أن ينطلق، كان سينطلق أواخر عام 2019؟! والباقي تعرفونه.
زيارة توفيق فرّوخ إلى بيروت لها نكهة مختلفة اليوم. هو يزور بيروت وقد باتت من دون «الرحباني». لا نعرف كيف سترى وماذا سترى في هذه المدينة يا توفيق.
أما نحن، فلا نستطيع إلا أن نرى/ نسمع فيك شيئاً من زياد. نبرة أي عازف ساكسوفون، كنبرة الصوت البشري، فريدة. نعرف جيداً نبرتك عموماً، وخصوصاً في الأعمال المسجّلة مع زياد وهذا، لا شعورياً، ما سنتوق إليه، ضمن أمور أخرى، في أعمالك التي سنسمعها في الأمسية. هل تذكر الصولوهات في جولة أوروبا؟ هل تذكر تحديداً صولوهاتك خلال الأداء الحيّ للأعمال التي سبق أن ارتجلتَ أو شاركتَ في تسجيل نسَخها الأولى، مثل «ما تفلّ» و«روح خبّر» و«من كل بدّ»؟
لقد كانت جميلة. جميلة وهاربة، أي ساحرة. كانت كمَن يغازل حبيبة قديمة التقاها في الغُربة. يغازلها في لقاء عابر على رصيف باريسي بجملٍ استرجع بعض عباراتها من غزلٍ قديم ارتجله لها، هنا، في بيروت عام 1984. أليس كذلك؟ هذا حزين، لكن لا مفرّ من الموسيقى، لأن لا مفرّ من الحياة. فالحياة مرضٌ مميت دواؤه التلطيفي الموسيقى.
* حفلة توفيق فرّوخ: الخميس 5 شباط (فبراير) ـ «مترو المدينة» (الحمرا)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire