بقلم: عابر سبيل
منذ عدة أسابيع، استوطنت تلك الحقيبة السوداء زاوية المدخل. كانت تشبه ضيفاً ثقيلاً غير مرغوب فيه، لكنه يرفض المغادرة. مرّت الأشهر، وتحولت الحقيبة إلى جزء من أثاث البيت؛ نضع فوقها مفاتيح السيارة تارة، أو فواتير الكهرباء تارة أخرى، ونتجاهل بذكاءٍ متعمدٍ الغاية التي وُجدت لأجلها.
ثم جاءت تلك اللحظة. لم يكن صوت الغارة هو الإنذار، بل رنة الهاتف الجافة. "إخلاء فوري. خمس دقائق".
خمس دقائق. وقفت "سناء" أمام الحقيبة المفتوحة. تحول الزمن فجأة إلى وحش ينهش عقارب الساعة. كانت الحقيبة نصف ممتلئة مسبقاً: جوازات السفر، إخراجات القيد، بضعة دولارات مخبأة في جورب، وعلبة إسعافات أولية. لكن، ماذا عن "بقية الحياة"؟
الدقيقة الأولى: ركضت نحو غرفة النوم. فوضى الحواس تعصف برأسها. فتحت الخزانة. رائحة الثياب النظيفة والمكوية ضربت أنفها. مدت يدها لتسحب معطفاً شتوياً، ثم تذكرت أننا في الصيف. لا، بل قد يطول النزوح للشتاء. سحبت المعطف. الحقيبة صغيرة. رمت المعطف. سحبت كنزة صوفية لأبنها "آدم". "الدواء!"، صرخت في سرّها. ركضت للمطبخ. دواء الضغط لوالدها، بخاخ الربو لآدم. هذه ليست خيارات، هذه حياة أو موت. حشرتها في الجيب الجانبي.
الدقيقة الثانية: وقفت في الصالون. عيناها تمسحان المكان بلهفة مودّع. المكتبة؟ الكتب ثقيلة. اللوحات؟ كبيرة. سقطت عيناها على "ألبوم الصور" القديم. الجلد البني المتشقق. صور زفافها، صور خطوات آدم الأولى، صور أمها التي رحلت قبل الحرب بعام. حملت الألبوم. كان ثقيلاً كقلبها. حاولت حشره في الحقيبة. شغل نصف المساحة المتبقية. هل تضحي بثياب الغيار من أجل الذكريات؟ "يا رب"، همست بصوت مختنق. أخرجت الألبوم، انتزعت منه صورتين عشوائيتين، ودستهما في جيب بنطالها، وتركت الألبوم مفتوحاً على الأرض.
الدقيقة الثالثة: دخل آدم (5 سنوات) الغرفة باكياً، يجر خلفه شاحنته البلاستيكية العملاقة. "ماما، بدي آخد الشاحنة". "ما بتساع يا ماما، ما بتساع"، قالتها وهي تشعر أنها تكسر قلبه الصغير. نظر إليها بعيون دامعة: "طيب بس 'دبدوب'؟". كان الدبدوب مهترئاً، فقد إحدى عينيه، لكن رائحته هي رائحة أمان آدم. خطفته من يده وحشرته فوق الأوراق الرسمية. ضغطت عليه بقوة حتى انفعس وجهه القطني.
الدقيقة الرابعة: زوجها يصرخ من الخارج: "سناء! يالله! السيارة دايرة!". بقيت دقيقة. نظرت إلى "علبة المجوهرات" الصغيرة. الذهب؟ قد نحتاجه لنبيعه ونأكل. رمتها في القاع. ثم رأت زجاجة عطرها المفضل على الرف. هدية عيد زواجها الأخير. ترددت. هذه ليست ضرورة. هذه رفاهية. لكنها رائحة "البيت". رائحة الأيام العادية. التقطتها بسرعة وحشرتها في زاوية ضيقة جداً.
الدقيقة الخامسة: امتلأت الحقيبة. انتفخت كبطن امرأة حامل. ركعت سناء على الأرض وحاولت إغلاق السحاب. "زييييب..."، توقف السحاب في المنتصف. علق بقطعة من قماش الدبدوب. شدّت. لم يتحرك. ضغطت بكل وزنها. لا فائدة. الزمور في الخارج لا يتوقف. الصراخ يعلو في الشارع. "سناء!! انزلي!".
وقفت سناء. نظرت إلى الحقيبة. السحاب عالق في المنتصف، فمُها مفتوح، يظهر منه رأس الدبدوب وزجاجة العطر وأطراف الأوراق. نظرت حولها. البيت كله يصرخ بها "خذيني معك". تناولت الحقيبة بيديها المرتجفتين، وحملتها وهي مفتوحة.
خرجت من الباب، وتركت خلفها ألبوم الصور على الأرض، وفنجان قهوة لم يكتمل، وسريراً لم يرتب. في السيارة، وضعت الحقيبة في حضنها، ضمتها إلى صدرها كأنها طفل. كان السحاب المفتوح يحدق بها كعين واسعة. أدركت حينها، وهي تنظر إلى الطريق الذي يبتعد، أن لا حقيبة في العالم، مهما كبرت، يمكنها أن تتسع لوطن، ولا يمكن لسحابٍ أن يغلق على ذاكرة.
بقيت الحقيبة مفتوحة، تماماً كالجرح الذي تركوه خلفهم.
منذ عدة أسابيع، استوطنت تلك الحقيبة السوداء زاوية المدخل. كانت تشبه ضيفاً ثقيلاً غير مرغوب فيه، لكنه يرفض المغادرة. مرّت الأشهر، وتحولت الحقيبة إلى جزء من أثاث البيت؛ نضع فوقها مفاتيح السيارة تارة، أو فواتير الكهرباء تارة أخرى، ونتجاهل بذكاءٍ متعمدٍ الغاية التي وُجدت لأجلها.
ثم جاءت تلك اللحظة. لم يكن صوت الغارة هو الإنذار، بل رنة الهاتف الجافة. "إخلاء فوري. خمس دقائق".
خمس دقائق. وقفت "سناء" أمام الحقيبة المفتوحة. تحول الزمن فجأة إلى وحش ينهش عقارب الساعة. كانت الحقيبة نصف ممتلئة مسبقاً: جوازات السفر، إخراجات القيد، بضعة دولارات مخبأة في جورب، وعلبة إسعافات أولية. لكن، ماذا عن "بقية الحياة"؟
الدقيقة الأولى: ركضت نحو غرفة النوم. فوضى الحواس تعصف برأسها. فتحت الخزانة. رائحة الثياب النظيفة والمكوية ضربت أنفها. مدت يدها لتسحب معطفاً شتوياً، ثم تذكرت أننا في الصيف. لا، بل قد يطول النزوح للشتاء. سحبت المعطف. الحقيبة صغيرة. رمت المعطف. سحبت كنزة صوفية لأبنها "آدم". "الدواء!"، صرخت في سرّها. ركضت للمطبخ. دواء الضغط لوالدها، بخاخ الربو لآدم. هذه ليست خيارات، هذه حياة أو موت. حشرتها في الجيب الجانبي.
الدقيقة الثانية: وقفت في الصالون. عيناها تمسحان المكان بلهفة مودّع. المكتبة؟ الكتب ثقيلة. اللوحات؟ كبيرة. سقطت عيناها على "ألبوم الصور" القديم. الجلد البني المتشقق. صور زفافها، صور خطوات آدم الأولى، صور أمها التي رحلت قبل الحرب بعام. حملت الألبوم. كان ثقيلاً كقلبها. حاولت حشره في الحقيبة. شغل نصف المساحة المتبقية. هل تضحي بثياب الغيار من أجل الذكريات؟ "يا رب"، همست بصوت مختنق. أخرجت الألبوم، انتزعت منه صورتين عشوائيتين، ودستهما في جيب بنطالها، وتركت الألبوم مفتوحاً على الأرض.
الدقيقة الثالثة: دخل آدم (5 سنوات) الغرفة باكياً، يجر خلفه شاحنته البلاستيكية العملاقة. "ماما، بدي آخد الشاحنة". "ما بتساع يا ماما، ما بتساع"، قالتها وهي تشعر أنها تكسر قلبه الصغير. نظر إليها بعيون دامعة: "طيب بس 'دبدوب'؟". كان الدبدوب مهترئاً، فقد إحدى عينيه، لكن رائحته هي رائحة أمان آدم. خطفته من يده وحشرته فوق الأوراق الرسمية. ضغطت عليه بقوة حتى انفعس وجهه القطني.
الدقيقة الرابعة: زوجها يصرخ من الخارج: "سناء! يالله! السيارة دايرة!". بقيت دقيقة. نظرت إلى "علبة المجوهرات" الصغيرة. الذهب؟ قد نحتاجه لنبيعه ونأكل. رمتها في القاع. ثم رأت زجاجة عطرها المفضل على الرف. هدية عيد زواجها الأخير. ترددت. هذه ليست ضرورة. هذه رفاهية. لكنها رائحة "البيت". رائحة الأيام العادية. التقطتها بسرعة وحشرتها في زاوية ضيقة جداً.
الدقيقة الخامسة: امتلأت الحقيبة. انتفخت كبطن امرأة حامل. ركعت سناء على الأرض وحاولت إغلاق السحاب. "زييييب..."، توقف السحاب في المنتصف. علق بقطعة من قماش الدبدوب. شدّت. لم يتحرك. ضغطت بكل وزنها. لا فائدة. الزمور في الخارج لا يتوقف. الصراخ يعلو في الشارع. "سناء!! انزلي!".
وقفت سناء. نظرت إلى الحقيبة. السحاب عالق في المنتصف، فمُها مفتوح، يظهر منه رأس الدبدوب وزجاجة العطر وأطراف الأوراق. نظرت حولها. البيت كله يصرخ بها "خذيني معك". تناولت الحقيبة بيديها المرتجفتين، وحملتها وهي مفتوحة.
خرجت من الباب، وتركت خلفها ألبوم الصور على الأرض، وفنجان قهوة لم يكتمل، وسريراً لم يرتب. في السيارة، وضعت الحقيبة في حضنها، ضمتها إلى صدرها كأنها طفل. كان السحاب المفتوح يحدق بها كعين واسعة. أدركت حينها، وهي تنظر إلى الطريق الذي يبتعد، أن لا حقيبة في العالم، مهما كبرت، يمكنها أن تتسع لوطن، ولا يمكن لسحابٍ أن يغلق على ذاكرة.
بقيت الحقيبة مفتوحة، تماماً كالجرح الذي تركوه خلفهم.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire